islamaumaroc

الزياني وتاريخه للدولة السعدية (تر.عبد الرحمن بنعبد الله)

  دعوة الحق

114 العدد

مافتئ رجال الاستشراق يطالعوننا كل يوم بجديد من المباحث والتحليلات الرصينة، فيزيحون الستار عن صفحات مطربة من تاريخ الإسلام والمسلمين.
وإذا كان صاحب "الترجمانة الكبرى" غني عن كل تعريف، لما حظي به من فائق العناية في أوساط المثقفين عموما والمؤرخين خصوصا، فإن آثاره، على عكس ذلك، تحتاج إلى مزيد من التجلية والتعريف، ذلك أن تاريخ المغرب لم يكتب بعد على نحو ينتظم كل أمجاده ويصور كل دقائقه وملابساته، ومن هنا غدت الحاجة ماسة إلى من يكرع من فيض ماضينا ويستقرئ آثاره المادية والأدبية – كما يقول قسطنطين زريق – ويخضع رواياته وأسانيده للتدقيق والنقد، فلا يقبل منها إلا ما ثبتت صحته وعدالة رواته حسب أحكام العقل وقاعد العلم.
تلك في اعتقادنا هي الطريقة المثلى لاستكناه الحياة الماضية وإدراك سننها وقوانينها، وفهم الروابط التي تشدها إلى الواقع الحاضر في حياة أمتنا وإلى المراحل المقبلة في أجيال هذه البلاد.
والدولة السعدية خليقة بهذا الجهد ولا جدال، فقد لعبت دورا حاسما في تاريخ وطننا وردت الدخيل الأجنبي غير ما مرة على أعقابه وذادت عن حمانا بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة وثبات وحققت من المكاسب والانتصارات لصالح الإسلام والمسلمين ما يستحق كل تقريض وإعجاب.
وفي الصفحات التالية دراسة جديدة لأحدى آثار الزياني التي تعد من أهم المصادر في تاريخ السعديين الحافل بالأمجاد.
                                                                                                (المغرب)
كان أستاذي الكبير الفقيد ليفي بروفنصال قد اختص المؤرخ الزياني بدراسة هامة في مؤلفه حول "مؤرخي الشرفاء، وأعتقد، إن لم تخني الذاكرة، أنه كان سباقا إلى التعريف بفصل "الترجمان المعرب" الذي يدرس تاريخ  الدولة السعدية أفرد له تحليلا في أربع صفحات، مركزا على الإمكانيات التي يتيحها للحصول على عناصر جديدة في تاريخ السعديين، وقد كان يعتزم إصدار هذا الفصل لولا أنه انصرف عنه إلى غيره من الشواغل قبل أن تتخطفه المنون، وإني لآمل أن أ,قف في هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الضوء على ذلك العمل الجليل، مستندا في محاولتي إلى المخطوط الموجود بالخزانة العامة بالرباط الذي سبق أن نشرت شذرات منه في كتاب "الخليط" Mélanges المهدى إلى لوي ماسينيون Massignon
ولست أستهدف من ذلك تحليل الفصل المذكور بقدر ما يهمني جلاء مزية التركيز وتبيان القيمة التاريخية التي يتسم بها.
وهذا الفصل مثبت بالمخطوط المشار إليه آنفا فما بين صفحة 342 وصفحة 368، أي 26 صفحة أو يزيد، تنفرد صفحتان منها بالأحداث التي أدت إلى إرساء دعائم السعدية – وقد نشرناهما في الكتاب المذكور أعلاه -، وقد خصصت خمس صفحات للعاهلين السعديين الأوليين: أحمد الأعرج ومحمد الشيخ (صفحات 345 – 349) وقد استغرقت دراسة عبد الله الغالب بالله أكثر من صفحة واحدة (349)، أما ابنه وخلفه، الذي تآمر عليه عماه عبد الملك وأحمد (المنصور فيما بعد)، فقد استوجبت ثلاث صفحات ونصف من (351 إلى 355) وخليق بالإشارة أن أعظم الملوك السعديين أحمد المنصور قد فاز بنصيب الأسد في هذا الفصل، فاستأثر بعشر صفحات يعالج نصفها غزواته في إفريقيا السوداء (من 355 إلى 364)، والمؤلف يعرض للفتن التي أعقبت وفاة أحمد المنصور فيما يقل عن أربع صفحات (364 إلى 367)، أما الصفحة الأخيرة فإنها مختصر جامع لتاريخ الدولة.
هذه النسب تماثل إلى حد بعيد ما ورد في "نزهة الحادي" و"تاريخ السعديين المجهول"، بيد أن تاريخ الزياني يختلف عنها في مضمونها بكيفية ملموسة.
وقد سبق أن أشرت إلى أن الزياني لم يعرض، في دراسته لنشأة الدولة، إلى الروايات الغربية التي تفنن الآخرون في سردها ولم يقل كلمة واحدة عن المؤثرات الدينية التي أسهمت بنظر الآخرين، إلى حد بعيد، في رسوخ الدعوة السعدية.
والزياني يلمع في كثير من الاقتضاب إلى انتشار التأثير الذي كان للشرفاء بجنوب المغرب وكذا جولاتهم الشهيرة في حربهم مع البرتغاليين وحلفائهم من المغاربة بأكادير، ولا يعثر الباحث على تفاصيل هذه المرحلة التاريخية إلا عند استرجاع مدينة فاس بقيادة أبي حسون الوطاسي، تسنده قوات الأتراك، هذا إلى أن الزياني قد أسهب في وصف العقوبات التي لحقت بالقبائل الموالية لأبي حسون على يد محمد الشيخ السعدي، ويتضمن هذا الفصل أيضا دراسة دقيقة للظروف التي أحاطت بمقتل محمد الشيخ على يد جماعة من الأتراك وفدوا إلى المغرب من مدينة الجزائر، وأغلب الظن أن الزياني قد حصل في هذا الموضوع بالذات على معلومات خاصة مما حفزه إلى العناية بها وإثباتها بكل تفاصيلها..
كل هذه الروايات في دراسة الزياني تخلو بتاتا من التهويل والمبالغات التي تضج بها الكتابات التي تناولت السعديين آنذاك، على أنه لا يتمالك، حين يروي مبايعة الغالب ابن محمد الشيخ، عن الإشارة إلى معجزة ولي "سوس" الأكبر سيدي أحمد وموسى وأثرها في استتباب الأمر للعاهل الجديد، فإذا استثنينا هذه الظاهرة الغريبة التي شفعها ببعض المعلومات الدقيقة الهامة حول تأسيس جيش أندلسي بالمغرب، فإنه يصح القول بأن نصيب "الغالب" ضئيل لم يتناوله المؤرخ بكثير من التفصيل، حتى إذا انتهينا إلى وفاة "الغالب" وما تلاها من مشاحنات بين ولده وخلفه "محمد المتوكل" وبين عميه عبد الملك أحمد، رأينا الزياني يهتم بالحدث ويصف في كثير من الدقة، الجهود التي بذلها أحمد وعبد الملك لدى الأتراك في الجزائر والآستانة للحصول على معونتهم والاستيلاء على الحكم في البلاد، كما يصف في كثير من الدقة نظام الجيش المغربي بعد إقصائهم لابن أخيهم وتصديهم لزمام الحكم.
أما الحملة التي أرسلها ملك البرتغال دون سيباستيان والعاهل المخلوع محمد المتوكل والتي شاركت في معركة وادي المخازن الشهيرة فقد كان لها نصيب غير موفور من دراسة الزياني وإن كانت لا تخلو من الدقة في غالب الأحيان، وإذا كان الزياني قد تفادى عموما، في تاريخه للملوك السعديين إيراد المعجزات والكرامات، فإنه أثبت بعضا منها حين ذكر أن أكبر قواد الجيش المغربي لما شعر بضعف المغاربة وانهيار عزائمهم في صراعهم مع جيوش العدو، أسرع إلى أحمد المنصور الذي كان يمارس الحكم وأخوه طريح الفراش من شدة المرض، ليعبر له عن تشاؤمه وتخوفاته، فهذا المنصور روعه وقص عليه حلما وعده الرسول فيه بالنصر والتمكين، فاطمأن القائد وعاد إلى رجاله يستحثهم للصمود والمثابرة ويمنيهم بالنصر المبين، فكان له ما أراد... وانجلت المعركة عن اندحار العدو وانتصار المسلمين.
والقارئ يتوقع في هذا الفصل أن يقف الزياني عند النتائج الهامة التي تمخضت عن هذا الانتصار الباهر، بيد أنه لم يفعل شيئا من ذلك، عن محاولة التمرد الفاشلة التي قامت بها بعض الفرق الأندلسية غداة مبايعة المنصور، ثم عرض بعدها لتشييد قصر البديع بمراكش وأشار على القراء الذين يريدون مزيدا من التفاصيل أن يراجعوا كتاب مناهل الصفا للفشتالي، كما عقد مقارنات بين مآثر المنصور العمرانية وما قام المولى إسماعيل بتشييده بعد ذلك بمكناس فأشاد بفخامة البناءات الإسماعيلية وعبر عن بالغ إعجابه بها.
وانتهى به المطاف إلى فتح السودان الذي تم – كما هو معروف – سنة 1591، فذكر أن المشروع يرجع عهده إلى سنة 1582 أو 1583 حين وفدت على المنصور بعثة ديبلوماسية من سلطان "بورنو"، سارع العاهل المغربي بعدها إلى إرسال حملة إلى موريطانيا بلغت تخوم السينغال وعادت بعدد هائل من الجمال يقدر في حساب الزياني بخمسين ألف جمل، استغلها المنصور فيما بعد لتنفيذ مشاريعه ومخططاته الحربية، وقد جمع العاهل أثرها مجلسه للمشورة في شن الفتوحات التي كان يعتزم الإقدام عليها، فلاقى معارضة شديدة واحتدم الجدل بينه وبين الحاضرين وانتهى إلى إقناعهم بعد نقاش حاد طويل، وفي تلك الأثناء جرت مفاوضات بين المنصور والسلطات السينغالي أدت إلى كتابه وثيقة حررها الفشتالي بأسلوب رسمي خالص وأثبتها الزياني صرفيا في الفصل الذي تولينا دراسته، والوثيقة تتضمن اعتراف سلطان بورنو بخلافة المنصور وتحالفه معه، ولما حصل المنصور على هذا العقد الدبلوماسي وأجرى من الاستشارات القضائية ما أسهم في تعزيزه، كتب إلى سلطان بورنو ليشعره بأن مناجم الملح في الصحراء الجنوبية من ممتلكات الخلافة ويطالبه بالمكوس المفروضة على مبيعات الملح، وإذ لم يتلق جوابا عن كتابه، أعد العدة واستنفر الجيش ثم أرسله بقيادة "جودر"، والملاحظ أن وصف الحملة تنقصه كثير من التفاصيل على خلاف ما ورد في تاريخ الافراني. ويتلو ذلك بعض الإشارات إلى تعيين كثير من أبناء الخليفة عمالا على المقاطعات وكذا إنشاء بعض الفيالق من العبيد الذين أسروا في الحرب.
آخر الصفحات تتناول وفاة المنصور وما استتبعه من اضطرابات خطيرة لتنازع أبنائه على الحكم في البلاد، وهذه الأحداث لا تنقصها البيانات الدقيقة رغم ما تتسم به من اقتضاب، حتى إذا وصلنا إلى سنة 1160 م عندما سل محمد الشيخ المأمون مدينة العرائش إلى الإسبان، ولم نعثر بعدها إلا على فهرس مختصر للأحداث والتواريخ والأسماء يتعذر على الباحث تمثلها أن لم يستعن بغيرها من التواريخ، ومن باب الإقرار بالواقع أن نضيف أن الزياني قد عاد إلى الحديث عنها، بصورة أدق في بعض الأحيان، في مستهل الجزء الأخير من "الترجمان" الخاص بالعلويين.
هذه نظرة على فصل الزياني، يتجلى فيها الفارق بين ما كتبه هذا الأخير وما ورد في كتابات الافراني وحتى "تاريخ السعديين المجهول" الذي يعزوه الكثير من العناصر بالنظر إلى نزهة الحادي، وبالرغم عن الحيز الكبير الذي يشغله حكم المنصور في فصل الزياني، فإن النقص جلي وهام في آن واحد، فلم يتعرض المؤرخ لسياسة المنصور تجاه رجال الدين الذين كانوا يناولونه، ولم يذكر إلا أقل من القليل عن تشييد قصر البديع... وأشار إشارة خاطفة إلى مصانع السكر التي خصها المنصور بفائق عنايته، وإذا استثنينا فتح السودان فإننا لا نكاد نعثر على شيء حول سياسته الخارجية.
والذي يبعث على الاستغراب أن الزياني كان مزودا بجميع الوثائق والمحفوظات المغربية بما فيها مناهل الصفا للفشتالي، نحن نعلم أن نزهة الحادي كتاريخ السعديين المجهول، كلاهما تنقصه كثير من العناصر حول سياسة المنصور الخارجية تجاه الدول الأوربية والإمبراطورية العثمانية، ونعلم أيضا أنه ليس بوسعنا أن نعتب على الزياني جهله بما ورد في المحفوظات الأوربية التي تولى جمعها الكولونيل دوكاستري ومن خلفوه، والتي نشرت بمجموعة "المصادر المغمورة في تاريخ المغرب  (Les sources inédites de l’Histoire du Maroc)
بيد أننا نلاحظ أن الزياني يختلف كثيرا، وبصورة خطيرة، عن الذين عاصروه في كتابة تاريخه، على اعتبار الوثائق والمحفوظات التي لا يساورنا أدنى ريب في أنه كان يتوفر عليها آنذاك.
يصح القول هنا أن للزياني منهجا خاصا في كتابة التاريخ السعدي، سنتعرض لها بشيء من التحليل في السطور اللاحقة.
تتبدى شخصية الزياني قبل كل شيء من خلال أسلوبه: فلا نجد شيئا من التعابير الأسلوبية التي كان يصطنعها المؤرخون المغاربة كثيرا، لقد كان يتحاشى الأسلوب المتكلف والزخرف اللفظي مما كان يميل إليه بعضهم، إلا إذا دعته الضرورة إلى النقل الحرفي للوثائق التي خلفها الفشتالي، والزياني يتصدى للأحداث والملابسات في جمل قصيرة، هي أقرب ما تكون إلى الأسلوب الشفوي واللهجات الدارجة، فيثبت الأحداث والأرقام والتواريخ متفاديا المحسنات اللفظية وغيرها، وكل ما يمكن أن يلحظه الفاحص المدقق في أسلوبه – ولعل ذلك يستجيب لميل عميق في تركيب شخصيته – أنه كان يجري الحوار بين الشخوص الذين يضعهم على مسرح التاريخ، على غرار ما كان يفعله المؤرخون القدماء قبله، وإذا كان هذا الأسلوب المتقطع يخلو من آيات الجمال، فإنه في حد ذاته خروج على طرائق التاريخ عند المؤرخين المغاربة، وهو، بعد، يجلو شخصيته خالية من المساحيق والأصباغ.
وأهم من ذلك أن الزياني لا يتردد لحظة واحدة في إبراز تعالم شخصيته وجعلها المحور الذي تدور حوله مناقشاته مع السلطان سيدي محمد بن عبد اله حول انتساب السعديين إلى الرسول وفيما يخص آراءه الشخصية في قصر البديع... هذه التلقائية التي لم تكن سمة المثقفين في عصره تذكرنا بأحد كتاب المغرب البرابرة "اليوسي" الذي وصفه جاك بيرك Berque في كتابه "مشاكل الثقافة المغربية في القرن التاسع عشر"، فكلاهما يمثل بداوة البربرة الذي يطلق النفس على سجيتها، خالية من العقد النفسية، بعيدة عن المواضعات الاجتماعية التي تفرضها حياة المدن، وما من شك في أن التربية التي تلقياها بمدينة فاس أو غيرها لم تغير شيئا من هذا المظهر الفريد في شخصيتهما، لقد تعلما الشيء الكثير طيلة مقامهما بين أهل المدن ولكن ذلك لم يخلف من الأثر على مزاجهما ما يستحق الذكر، لقد غلبت على سلوكهما سذاجة القروي الذي يعبر في منتهى البساطة، عن مكنونات نفسه دون أن يقيم وزنا للمواضعات الاجتماعية، فقد كانا يستشعران في أعماقهما من القوة ما يوفر عليهما عناء التكليف والرياء في التعبير عن آرائهما ويصون شخصيتهما من مساوي النفاق الاجتماعي.
كذلك الأمر بالنسبة للزياني حين يمارس مهام التاريخ للدولة السعدية، ومعلوم أن هناك من سقوه إلى هذا الميدان كالفشتالي والافراني والمؤلف المجهول لتاريخ السعديين... وهناك أيضا الوثائق التي كان يعرفها المثقفون المغاربة آنذاك، فلماذا عاد الزياني فأثبتها حرفيا في كتاباته؟ الراجح أن الزياني كان يعتقد جازما أن دوره، كمثقف، لا ينحصر في كتابة تاريخ السعديين من جديد بقدر ما هو في استكشاف مجاهله والإحاطة بمتاهاته، في ذلك ما يفسر التعرض الغريب الذي نشهده بالتواتر في هذا الفصل حيث يتأرجح بين الاقتضاب والإسهاب، بين النقل والخلق.
وزبدة القول أن الزياني كان يستهدف الرجوع إلى بعض المراحل أو الأحداث في تاريخ السعديين مما قصر الساقون في دراسته أو أغفلوه مخطئين، ليسد النقص ويرأب الصدع.
بقي أن نعرف على أي أساس قام الزياني بهذا الاختيار.
تجب الإشارة أولا إلى بعض الذكريات والارتسامات الشخصية وخصوصا العناصر التي اقتبسها من تاريخ الفشتالي، وقد سار على هذا النهج قبله المؤرخ الافراني وإن كان الزياني قد تناول نقطا أخرى غير التي استقاها الافراني، والذي لا مراء فيه أن الزياني، كغيره من المؤرخين الذين سبقوه، وهم كثر، كان يعد الفشتالي أكبر مؤرخي الدولة السعدية ويعجب كثيرا بآثاره، بيد أنه يحق لنا أن نتساءل إن كان التنازل الذي أبان عن الزياني في النقل عن الفشتالي راجعا إلى أن مخطوطات :مناهل الصفا" قد غدت نادرة، فكان الاقتباس منها أمرا يجعلها – ولو جزئيا – في متناول الطبقة المثقفة التي كانت الظروف والملابسات تحول بينهم وبينها.
وقد كان الزياني، في بعض الأحيان، لا يشير إلى المصادر التي يستقي منها معلوماته المفصلة، مما يدعو على الاعتقاد بأن وظيفته في الحكومة الشريفة، خاصة على عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1755 – 1790) قد يسرت له وسائل مراجعة الوثائق الرسمية وغيرها مما لا نعرفه: ذلك في نظرنا ما يفسر الدقة المتناهية في البيانات الواردة عن تأسيس جيش أندلسي على عبد الله الغالب أو عن نظام الجيش السعدي عند تأهبه لخوض معركة الملوك الثلاثة، فهل نقل الزياني عن تاريخ الفشتالي من العناصر ما أغفل الإشارة إلى مصدره، أم أن هناك وثائق رسمية قد استعان بها على كتابة تاريخه عندما كان شخصية رسمية في حكومة العاهل العلوي وكانت المحفوظات الشريفة في متناول يده، أم أنه كان يحصل على معلوماته التاريخية من أفواه الذين حسن إيمانهم، بما فيهم الأتراك؟
إذا نحن تناولنا فصل الزياني في مجموعه، فإننا نلحظ أنه أكد على بعض الأحداث التي كانت تهمه شخصيا، أو التي شحذت فيها غريزة الفضول أو الاستطلاع ودفعته على استكمال معارفه حولها: فهناك قضية الأتراك التي استغرقت حيزا هاما من الكتاب، وهناك القضايا القبلية ونظام الجيش السعدي... بيد أن فتح السودان كان له أبلغ الأثر على مخيلته، خاصة ما سبق من استعدادات هائلة، فأفرد له مكانا خاصا وعني به عناية فائقة.
إلى جانب ذلك، لا يجد القارئ في "الترجمان المعرب" أي إشارة إلى الحياة الاقتصادية على نقيض ما نقع عليه في تآليف غيره من المؤرخين من اهتمام بانخفاض أثمان المعيشة أو ارتفاعها حسب الظروف التي تجتازها البلاد، كما أن الزياني لا يعرض لعلاقات المنصور بالذات الشاهانية ولا لمواقف الملوك السعديين أو خصومهم من الدول الأوربية، لقد قصر عرضه على غزو البرتغاليين لمدينة أكادير سنة 1541 والحملة الخائبة التي أرسلها دون سيباستيان البرتغالي سنة 1578 والمساعدات التي تلقاها محمد الشيخ المأمون من الإسبان ما بين 1609 و1610، فقد كان المغرب في رأيه، كما هو الشأن بالنسبة لغيره من المغاربة في ذلك العهد، غاية في حد ذاته وعالما متكاملا في غنى عن غيره، وعلى هذا الأساس، فإن علاقاته بالخارج لا تكتسي من الأهمية ما يستحق الإسهاب والتطويل
يصح القول أن الزياني قد اعتمد منهجا خاصا في كتابة تاريخ السعديين، اقتصر فيه على معالجة بعض النقط التي كانت تثير تساؤلاته وتشحذ فضوله... والتفاصيل التي أوردها ليست من صنع الخيال، فلقد استقاها، دون ما شك، من مصادر متنوعة ومجهولة وسكبها في قوالب تشهد بأصالته وتنم عن عمق نظرته، إلا أنه أمر بحد من القيمة التاريخية في آثاره الخاصة بالسعديين ولا جعل منها، كما هو الشأن فيما كتبه عن الدولة العلوية، مراجع غزيرة المادة موفورة المعارف.

المراجع:
- E.Lévi-Provençal, Les Historiens des Chorla – Paris, 1992.
- Mélanges Louis Massignon – Beyrouth, 1957 : La naissance du pouvoir saadien vue par lHistorien Al Zayyani.
- R. Le Tourneau : Les débuts de la dynastie saadienne jusqu’à la mort du Sultan M’hammed Ech-Cheikh (1557), Alger 1954 – Bibliothèque de l’Institut d’Etudes Supérieures Islamiques d’Alger.
- O. Haudas, Le Maroc de 1631 à 1812, Paris 1886.
- Jacques Berque, Al-Yousi : Problèmes de la Culture marocaine au XVII° siècle, Paris-La Haye, 1958.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here