islamaumaroc

هل في المغرب أدب أصيل؟

  دعوة الحق

114 العدد


جدير بنا الآن أن نبحث عن عناصر الأصالة في الأدب المغرب الحديث، ذلك أن هذا الأدب ينظر إليه من طرف الكثيرين بشيء غير قليل من الازدراء أو ربما لا مبالاة. فهو في رأيهم لا يزيد على أن يكون صدى للآداب الشرقية، قصيدة كان أو مقالة أو غير ذلك.
وأعتقد أن هؤلاء يرتجلون هذا الحكم ارتجالا دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة البحث عن عنصر الأصالة في هذا الأدب، ليتأكدوا من وجوده أو عدم وجوده. وكم يسهل على الإنسان أن يلصق الاتهامات بالآخرين ويشنع عليهم وعلى أعمالهم، دون أن تبدر منه بادرة للمساهمة في ميدان من ميادين النشاط الثقافي.
لذلك، فقد آن الأوان لبحث هذا الموضوع بشيء من التوسع، للتوصل إلى حقيقة الأمر في هذه القضية التي تشغل بال الكثيرين، وتترتب عنها نتائج قد تكون ضارة بالقارئ المغربي وبالأديب المغربي على السواء. تضر بالأول لأنه قد يقع تحت تأثير هذه التهمة الخطيرة، فينظر إلى أدب بلاده متشككا في مدى أهميته وأصالته، ويضر بالثاني لأنه قد يثبط من عزيمته، ويجعله واقفا في قفص الاتهام، الأمر الذي لا يخدم قضية الإنتاج الأدبي في بلادنا، بل هو يسيء إليها إساءة بالغة.
والقضية التي نحن بصددها متعددة المناحي، متشبعة الفروع. فنحن محتاجون إلى العريف بالأصالة الأدبية في حد ذاتها، حتى نكون واضحين فيما نثبته للأدب المغربي أو ننفيه عنه. ومحتاجون إلى معرفة مدى ما يستطيع الأديب تحقيقه لأدبه من الأصالة، وهل توجد الأصالة الكاملة في إنتاج أدبي ما، ثم تنصرف إلى تبين ما إذا أدبيا العربي يتوفر على أصالة أولا، إلى غير ذلك من المسائل والقضايا التي يتطلب الموضوع أثارتها ومناقشتها، للوصول إلى فكرة معقولة في القضية التي نحن بصددها.
فما هي الأصالة في الأدب؟
هي بالنسبة إلى شخص الأديب، صدور الأدب عن ذاتيته، معبرا عن مميزاتها الأصيلة والمكتسبة، وبالطريقة التي تمتص منها أقصى ما يمكن أن تهبه من شؤون النفس والفكر. وهي بالنسبة إلى الأمة كون الأدب معبرا عن شخصيتها وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ونظرتها إلى الحياة وطبيعة تفاعلها مع الأحداث، ونوعية استجابتها لشتى عوامل الإثارة التي تحيط بها. تلك باختصار هي الأصالة الأدبية، دون أن ندخل في التفاصيل والجزئيات. وقد انتهى الدارسون من مناقشة مدى الأصالة في أعمال الأدباء، وانتهى بحثهم إلى هذه النتيجة المنطقية، وهي أن الأصالة الكاملة لا وجود لها ولو بالنسبة لأقوى عباقرة الأدب والفن. فدائما توجد عناصر التقليد وملامح الموروث، إلى جانب عناصر الجدة والابتكار. وكل ما هناك أن الأعمال الأدبية الناضجة تتغلب فيها الجدة على التقليد، دون أن ينعدم التقليد، ولا أن يكون العمل الأدبي مقطوع الصلة بالموروث، وبالتيارات الداخلية والخارجية، القديمة والحديثة. ذلك لأن شخصية الأديب ساهمت في تكوينها عدة عناصر، بعضها أصيل، وبعضها مكتسب من المحيط الفكري والمحيط الاجتماعي، وهذا الجزء المكتسب هو الذي يمنع من أن يكون هناك أصالة تكون مائة في المائة. إذا صدر الأدب عن صاحبه، جاء حاملا لكل عناصره الذاتية والمكتسبة وممثلا لها.
ونعود على بدئنا لنتساءل: هل هناك أصالة في الأدب المغربي الحديث؟ إذا كان هناك من يبادر إلى القطع بأن لا أصالة، فأنا لا أوافق هذا الفريق في رأيه، لأن لي رأيا آخر، سيظهر خلال هذا الحديث. وهو ليس رأيا مكونا مسبقا ولا مرتجلا، وإنما جاء نتيجة لقراءة الأدب المغربي الحديث وتتبع خطواته البطيئة خطوة خطوة.
ولماذا يتهم الأدب المغربي الحديث بأنه عديم الأصالة؟ ألأنه متأثر بالآداب الشرقية أو الغربية؟ وهل هناك أدب لم يتأثر بآداب أخرى معاصرة له؟ أم لأنه يستعير بعض مناهج البحث والكتابة من الخارج، ليتخذها وسائل لتأدية ما يريد أداءه من مشاعر وأفكار؟ أي عذر في هذا، وها هي الآداب الشرقية التي يتهم الأدب المغربي بأنه ظل من ظلالها تقتبس أحدث مناهج البحث عن الأوربيين، لتدرس على ضوئها الأدب العربي القديم والحديث، أم لأنه يتناول نفس الموضوعات التي تتناولها الآداب الأخرى؟ وهذا أيضا لا عيب فيه، بل إنه فضيلة لأنه يبرهن على أن عند المغاربة ما يقولونه في الموضوعات الأدبية أيا كان مصدرها. وهل الموضوع وقف على قوم دون قوم؟ أم هو مما يدخل في الملكيات الخاصة؟ أم هو يعاب لكونه لا يخلو من بعض ملامح الآداب الشرقية في الصور والأشكال والأفكار؟ وكيف وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكل الآداب، إذ يتأثر بعضها ببعض، ويأخذ بعضها عن بعض؟ تلك هي أهم المآخذ التي تؤخذ على الأدب المغربي الحديث، وليس بينها ما يصح أن يتخذ مطعنا في هذا الأدب، لأنها كلها ظواهر طبيعية في الآداب كلها.
لا أقصد بهذا طبعا تنزيه الأدب المغربي عن كل تبعية فكرية، فهو ما زال يتعثر في خطواته، ويحتاج إلى من يأخذ بيده، ويتلفت هنا وهناك باحثا عن منفذ ومعين، وإنما أقصد إلى شيء آخر، وهو أن هذا الأدب ككل الآداب الناشئة التي تحاول الوقوف على أقدامها لا يسلم من آفات هذه المرحلة العسيرة الخطيرة، ولكنه أيضا لا يجرد من كل مزية، وإذا وجدت فيه لا ينبغي التسرع بأنها من مصدر أجنبي عنه. وهكذا نقول لأولئك الذين يتهمونه بأنه عديم الأصالة: أنه متوفر على أصالة من نوع ما، وفي بعض نماذجه ونصوصه. وهذا أمر يغفر له، لأننا إذا نظرنا إلى الآداب التي يقال أنه ظل من ظلالها نجدها هي نفسها تقل فيها الأصالة، وتتهم بأنها ظل للآداب الغربية. وللقارئ أن يتعرض بأن هذه ليست حجة، ولا تعتبر مبررا للتبعية الفكرية، لأنه إذا كان آخرون يحاكون ويقلدون، فلا يصح أن يتخذ ذلك مبررا لاستمرارنا في المحاكاة والتقليد. ولكن أود أن أقول له: أني إنما ذكرت ذلك للتذكير بأن البلاد التي هي أقوى منا أدبا وفكرا، لم تسلم من هذه الآفة.
وإذا كانت الأصالة موجودة فعلا في بعض نماذج الأدب العربي الحديث،لم يبق هناك معنى لاتهام هذا الأدب بالخلو تماما من الأصالة، وإنما يعتبر ذلك دليلا على أن عنصر الأصالة موجودة فيه، كمولد لفجر جديد، تفتح فيه صفحة مشرقة من تاريخه. ويمكن التذكير في هذا الصدد ببعض أعمالنا القصصية والروائية، فهي بأشخاصها وأحداثها وأجوائها الاجتماعية، والنفحات الصادرة عنها، مغربية صميمة ما في ذلك من شك. ولا يعيب هذه الأعمال أنها استعارت القوالب والأشكال من الغير، لأن هذا لا اعتراض عليه من طرف النقاد والدارسين، فكل المناهج والقوالب تستعار لتصب فيها مادة من نوع خاص.
وإذا كانت الأصالة ما يقوى ظهوره في القصة والراوية ولاسيما اللون التاريخي والاجتماعي منهما، فإن ظهورها في الإنتاج الفكري المجرد، يكون محاطا بكثير من الغموض. ذلك لأن هذا النوع من الإنتاج يكون مجردا عن الملابسات والظروف الاجتماعية التي تهب القصة نكهتها الخاصة المتميزة، لذلك كان إظهار ما فيه من أصالة، عملا معقدا يحتاج إلى شيء غير قليل من الشرح والإيضاح. وأنه لمن السهل أن تلمس الفروق بين القصة اللبنانية والقصة المصرية والقصة العراقية، ولكن من الصعب جدا أن تلمس هذه الفروق بين المقالة اللبنانية والمصرية والعراقية، نظرا للاعتبار السابق. فالقصة فيها الأشخاص بأسمائهم وسماتهم الوطنية، وفيها الأحداث بطابعها المحلي المعهود، وفيها الحوار بصيغته البيئية التي لا تخطئها الأذن، وفيها الجو الاجتماعي بتقاليده وعاداته البارزة. ولكن ابن المقالة من ذلك كله؟ أن اختفاء عنصر الأصالة فيها، وعدم ظهوره للعين السطحية النظر، يسهل الصادق التهمة بها، ويساعد على خداع البسطاء. ولكن مع ذلك فالإنتاج الفكري المجرد له أيضا أصالته المتمثلة في طرق التفكير، وأسلوب مناقشة الآراء والنظريات، وتناول المادة الفكرية حسب خطة موضوعية، وهو يمثل الأفق الفكري العام السائد في الأمة، إلى جانب تمثيله لشخصية الفرد المنتج. ونحن إذا أخذنا بعين الاعتبار، هذا الضرب من الإنتاج الفكري في بلادنا، نجده لا يخلو هو الآخر من طابع الأصالة، وإن كانت الحقيقة تقتضينا الاعتراف بأن نماذجه الأصيلة نادرة، كالشأن فيما ينشر عندنا من قصة ورواية. وهذا يتفق وطبيعة المرحلة التي يجتازها الأدب المغربي في الظروف الراهنة. وأخص بالذكر المقالة الأدبية، فهي قد تتسم عندنا بسلاسة الأسلوب، وقوة الأداء، والدقة في المعاني واختيار الألفاظ، على حين أن المقالة التاريخية والاجتماعية والدينية، ما زالت قاصرة عن بلوغ هذه الغاية، وأعتقد أن في مقدور أصحابها النهوض بها، لو أنهم أنصفوا فلم يبقوا يرون فيها مجرد وسيلة لنقل المعلومات ووفروا لها قيما أدبية تبعد بها عن الجفاف، وتهبها جواز المرور إلى حضرة الأدب الحي الخالد.
ولو أن عنصر الأصالة في أدبنا المغربي وجد النقاد الذين يميزونه وينوهون به، عند تناولهم أعمال الأدباء المغاربة بالدراسة لازداد برزوا وظهروا، ولقويت بذوره التي قد توجد في أعمال أديب مغربي يكدح ليصل إل سمع الراء، ولكنها تبقى منزوية مجهولة حتى عند صاحبها نفسه، لافتقاره إلى من يبصره بها، ويدله عليها.
ويزيدنا اطمئنانا إلى أننا نستطيع أن نكون متميزين أكثر بذاتيتنا الأدبية الخاصة، إن شعبنا هنا في المغرب، يملك كل مقومات الأصالة القومية والوطنية، والتي بدونها لا تكون أصالة أدبية بالمعنى الصحيح. فنحن شعب كتب صفحة خاصة في سجل الحضارة العربية الإسلامية، فعلاوة على كونه يملك كل مقومات القومية العربية من لغة ودين وتاريخ وتقاليد قومية مشتركة، يملك أيضا ألوانا من الثقافة الشعبية، وأصنافا من القيم الفكرية والاجتماعية، المستمدة من ملابسات التاريخ وعادات الأسرة، إلى جانب وجوده في بلاد تقع همزة وصل بين صور مختلفة من الحضارة، ويتصل ببحرين كبيرين يشخص كل منهما أفقا حضاريا خاصا، الأمر الذي يشعر هذا الشعب، بأهمية المنطقة التي يشغلها من الوطن العربي الكبير. أضف إلى ذلك أمجاده التاريخية المستقرة في وجدانه، من كفاحه النصرانية في إسبانيا، وحمله دعوة الإسلام إلى شعوب إفريقيا السوداء، وتبديده لخرافة الأجانب الطامعين فيها، على مدى مراحل من تاريخه السياسي في العصر الوسيط والعصر الحديث. وكذا اعتزازه بتقاليده الاجتماعية الخاصة، في حفلاته ومآتمه، وأطعمه وأشربته، وأزيائه وصناعاته المحلية، وموسيقاه الشعبية. وكل هذه الأشياء مقومات للأصالة ومؤكدة لها، فأدبنا إذن يملك رصيدا نفسيا واجتماعيا وثقافيا ضخما يملؤه شعورا بشخصيته وشخصية الأمة التي يصدر عنها.
ولكن أصالة الأمة في حضارتها وثقافتها وتقاليدها لا تعني دائما أن أدبها أصيل، فلا يكفي أن ينتمي الأديب إلى أمة هذا طابعها ليكون أصيلا فيما يكتب. فللأصالة الأدبية ثمنها المتمثل في الجهد والمثابرة والثقافة العالية والطموح إلى المجد الأدبي، وتحدي الظروف المعاكسة. والأصالة لا تحقق إلا بإشراف الأديب من كل على نفسه وواقع أمته وإمكانياتها الحضارية، قصد تشربها وتمثلها في الصميم. إلا أن انتماء الأديب إلى أمة لها وجودها الثري الحي، من شأنه أن يضع بين يديه رصيدا وطنيا ضخما يساعده على التماس أسباب الأصالة.
وهنا أود أن أقول لأولئك الذين ينفون عن الأدب المغربي كل أصالة أن موقفكم يتنافى مع هذه الحقيقة البسيطة التي تقررها كتب الأدب، وهي أن للبيئة الطبيعية والاجتماعية أثرها الذي لا ينكر في الأديب وأدبه، فكيف إذن يكون الأدب – أي أدب – خاليا تماما من عنصر الأصالة، والحال أنه متأثر بالجو الإقليمي والجو الاجتماعي؟ ألا يكفي ذلك ليكون أصيلا نوعا ما، على اعتبار الأصالة هاهنا أمرا عفويا، وظاهرة طبيعية لا دخل للإدارة والجهد الشخصي فيها؟ ويجب أن نذكر بأن الأصالة أنواع، هناك الأصالة الفردية التي بتحققها تبرز ذاتية الفرد الأديب بنكهتها وطابعها الخاص. وهناك الأصالة الاجتماعية التي بتحققها تظهر شخصية المجتمع ممثلة في أدبه الشعبي، أو في ذلك الضرب من الأدب الرسمي المستجيب لحاجيات الشعب المصور لقضاياه ومشاكله. وهناك الأصالة التلقائية العفوية التي تأتي نتيجة للتأثر بالمحيط الطبيعي والاجتماعي. والأصالة المكتسبة، وليدة الجهد والمثابرة. وعلى هذا فحتى إذا نفينا عن أدب ما هذا النوع الأخير من الأصالة، فنفحن لا نستطيع أن ننفي عنه ذلك النوع التلقائي المفروض بحكم الطبيعة ناموس الحياة الاجتماعية. فإذا كنا متواضعين ومتسامحين جدا مع خصوم الأدب المغربي الحديث، نطالبهم على الأقل بأن ينظروا إلى أصالة هذا الأدب من هذه الزاوية الأخيرة. أما إذا نحن تشددنا معهم وحاكمناهم إلى نصوص هذا الأدب نفسها، لم يكن في وسعهم إنكار أن هناك نماذج أدبية مغربية تتوفر على نسبة مئوية من الأصلة المكتسبة بالجهد والمثابرة.
إن الشاعر المغربي عند وصفه لجبال الأطلس وقد توجتها الثلوج، أو وصفه نخيل مراكش الحمراء، أو وادي الجواهر بفاس، أو صومعة الكتبية الهائلة، يصدر عن بيئة مغربية، ويوفر لأدبه نوعا من الأصالة، وكذلك القاص المغربي عندما يصف حياة أسرة مغربية، أو يصور مشهدا في الشارع المغربي، يوفر لأدبه نوعا من الأصالة ونماذج ذلك لا تخطئها العين المتفحصة في المجلات والصحف المغربية.
ولا يخفى أن من أنواع الأصالة، أصالة الفكر وأصالة الأسلوب. فقد تجد الأديب الذي عنده الأفكار المستقلة، والنظريات الحرة، ولكنه يصوغها في قالب ينتمي إلى مدرسة أديب كبير يكون معجبا به، كما انتمى الكثيرون إلى مدرسة الزيات أو العقاد أو الرافعي أو طه حسين. وقد تجد الأديب الذي يدين لغيره بالتبعية الفكرية، ولكنه صاحب شخصية مستقلة في الأسلوب، كما قد تجد الأديب الذي جمع بين الأصالتين معا. وعلى هذا فنحن نسأل هؤلاء الذين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث: ماذا تقصدون بالأصالة عندما تذهبون إلى أن الأدب المغربي الحديث غير أصيل؟ أتريدون أصالة الفكر؟ ام أصالة الأسلوب؟ أم هما معا؟ إن استطعتم نفي أصالة الفكر – وهذا لا ينطبق على كل هذه الأعمال الأدبية – فأنتم لا تستطيعون نفي أصالة الأسلوب. فالأكثرية من أدباء المغرب، لا تنتمي لأي من مدارس طه حسين أو الزيات أو الرافعي، إذ أن أساليبهم مشتقة من أنفسهم. وذلك لأن هذه المدارس انقرضت أو أوشكت في الشرق العربي نفسه، ولم يبق الآن ما يتحدث عنها إلا باعتبارها من واجهات الأدب العربي المعاصر في فترة من فترات تاريخه الحديث. وقد وجدت طبقة من أدباء الجيل الماضي في المغرب، تدين بالتبعية لهذه المدرسة أو تلك، ولكن هذه الطبقة من أفرادها من مات، ومنهم من لازال على قيد الحياة، إلا أنه انقطع عن مزاولة الإنتاج الأدبي نهائيا. أما الآن، فلا توجد في الشرق العربي مدارس أدبية، على غرار المدارس السالفة، لأن الزعامة الأدبية اختفت بموت العقاد وعجز طه حسين، ومن ثم لا يوجد بيننا في المغرب من ينتسب إلى مدرسة أسلوبية حديثة، لأنها لا وجود لها بالمرة. بقي التأثر بالأسلوب الشرقي العام. وهذا لا ينافي الأصالة، لأنه تأثر وتأثر فقط، وليس محاكاة ولا سرقة ولا شيئا من هذا القبيل.
هذا وأن هناك كثيرا من العقبات التي تقف في طريق الأصالة الأدبية هنا في المغرب. منها انقطاع الصلة بين حاضر الأدب المغربي وماضيه، فإن ما ينشر من إنتاج أدبي مغربي اليوم، ليس امتدادا لأدب ما قبل هذه المرحلة ولا تطورا له وإنما هو شيء منبت الصلة بالتاريخ الأدبي المغربي، اللهم إلا إذا اعتبرنا ما يتناول أحيانا من آداب مغربية قديمة نوعا من الاتصال، وهذا ما لا نقصد إليه، إذ قصدنا إلى صلة الاستلهام والاستيحاء وبناء الحياة العقلية الحديثة على أسس صالحة من التراث الحي الخالد. هو إذن أدب يستمد مقوماته من نفسه، ومن آداب أخرى شرقية وغربية، بطريق مباشر غير مباشر. وإذا شئنا أن نكون أكثر وضوحا نقول أن الأدب المغربي اليوم يبدأ في بناء نفسه، على أسس من الحاضر. وانقطاع الصلة بين حاضر الأدب المغربي وماضيه، راجع إلى الجهل بهذا الماضي أولا، وإلى الزهد فيه من طرف الكثيرين ثانيا، إذ يجدون في بريق أنماط الفكر العصري، وأساليب البيان العصرية، ما يستغرق حواسهم ونفوسهم، فلا يجدون شهية متفتحة للبحث عن نصوص ذلك الأدب المغربي القديم، حتى ولو قدم غليهم في زي جديد وإخراج أنيق. وقد يعن لأحد أن يتساءل: ألا ترى في ذلك الماضي لو درسناه وأحطنا به علما؟ وهو تساءل لا معنى له في نظري، لأن أصالة أي أدب لا تأخذ شكلها القوي وجذورها البعيدة إلا باتصال حاضر الأدب بماضيه، بحيث يستلهمه ويطوره ويأخذ منه أحسن ما فيه، مستفيدا من مزاياه. والأصالة العتيدة القوية لا تكون بدون تاريخ. وينطبق هذا على كل شيء. فالأمة الأصيلة هي ذات التدريج الحي الماثل في النفوس والسجلات والثقافة الأصيلة هي ذات التاريخ الكامن في التراث. والأدب الأصيل هو الذي يكن له تاريخ يستمد منه. ولا معنى للتاريخ إلا في ارتباطه بالحاضر وانبثاقه عنه، لا للمكوث فيه، وإنما للاستفادة منه ومن تجاربه في مدراج التطور.
ومن تلك العراقيل أن المواهب الفردية لا تجد في الوسط المغربي وحتى المثقف منه ظاهرة التحدي، أي ليس هناك تصادم بين الملكات والمواهب الفنية والأدبية، ذلك التصادم الذي يتحداها ويدفع بها إلى إثبات ذاتها عن طريق النضال المؤدي إلى الخلق والابتكار. وكل عباقرة الأدب الخالدين، وجدوا من عشاق الكلمة من يتحداهم ويواجههم في صمود وإصرار، فأطلقوا يبدعون وكأن بهم مسا من الجنون، الجنون بين الكلمة. وهذا النوع من التحدي غير موجود عندنا في البيئة الثقافية.
والآن ما هي أهم مظاهر الأصالة في الأدب المغربي الحديث؟ يمكن إجمالها في الأمور الآتية:
أولا: تناول بعض نصوصه لإحداث ومشاكل من صميم البيئة المغربية، وهذا يتجلى في القصة والمسرحية والمقالة.
ثانيا: تصوير بعض نصوصه للطبيعة المغربية جبالها وسهولها وأوديتها ومناطقها الخصبة اليانعة.
ثالثا: تمثيل بعض نصوصه لأصحابها بأمزجتهم وطبائعهم وأنماط تفكيرهم.
رابعا: خلو إنتاجنا المغربي من العجمة الموجودة في بعض الأساليب الأدبية الشرقية، باستثناء بعض المتأدبين الذين تأثروا بهذه الأساليب من جراء انكبابهم على قراءة بعض المجلات التي تجد العجمة فيها مرتعا خصبا.
تلك في نظري هي أهم مظاهر الأصالة في الأدب المغربي الحديث. وهي ليست أصالة متكاملة ولا ناضجة، وإنما هي أصالة جزئية، وتحاول الوقوف على قدميها جهد ما تستطيع، ووسط ظروف أدبية غير مواتية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here