islamaumaroc

مأساة الفكر، الحكيم الإشراقي شهاب الدين السهروردي

  دعوة الحق

114 العدد

في دنيا الفكر الإسلامي شخصيات موهوبة، تظل مهما تقادم عليها الزمن، باهرة السنا، قوية الإشراق...
من هذه الشخصيات الحكيم الإشراقي شهاب الدين السهروردي...
لقد عاش هذا الفيلسوف المفكر، حياة قصيرة...
ورغم قصرها فقد ترك للتراث الإنساني الكثير من التأملات الفلسفية والنزعات الربانية، ونفحات من الشعر الصوفي تفصح عن هواجسه الوجدية الوثيقة الاتصال بالذات الإلهية...
وقصة حياته مأساة من مآسي الفكر التي يواجهها الفلاسفة والمفكرون والمصلحون من أصحاب العقائد.
فقد ذهب ضحية التزمت وضيق الفكر في الفترة التي اكتمل فيها نضجه العقلي وكان من الممكن أن يترك للإنسانية ذخائر من المؤلفات أكثر مما تركه، - وقد ترك الكثير الكثير – وكلها تتسم بالفكر الملتمع، والذهن الوقاد، والنزعة الروحية، والإيمان الصادق في إطار من الفلسفة الإشراقية التي وضع أسسها وشرحها أو في شرح.
                                                 * * * *
فمن هو السهروردي؟
الذين عرفوا في تاريخ العقلية الإسلامية بالسهروردي أكثر من مفكر واحد، وجميعهم اشتهر بالفضل والعلم والأدب، ولكن الذي يعنينا من هذه اللمحة، هو السهروردي الذي قتل في حلب لاتهامه بالتعطيل والزندقة بعد أن سجل الفقهاء وثيقة كفره.
ولد في سهرورد، وهي بلدة في العراق العجمي، قريبة من زنجان، من أعمال أذربيجان، ل يكد يشب عن الطوق ويأخذ بحظ من الثقافة الإسلامية حتى ضاق ببلده... فعزم الرحال... ليروي ظمأه من العلم أكثر فأكثر... وسرعان ما قرر السفر...
أخذ يغذ السير ليل نهار في الطرقات الموحشة، يصعد الجبال ويهبط الأودية وما زال يطوي البلاد حتى بلغ مدينة حلب – المدينة التي تخفق عليها رايات صلاح الدين.
وإذا علمنا أن منبت السلطان صلاح الدين الأيوبي من "دوين"، وهي بلدة من أعمال أذربيجان أدركنا الصلة التي تربطه بهذه الأسرة التي لعبت أكبر دور في تاريخ الإسلام السياسي في القرن السادس الهجري... ولاسيما وكانت حلب في تلك الفترة في عهد الملك الظاهر أبي منصور غازي ابن السلطان صلاح الدين – كانت تغص بأفاضل الرجال من مختلف الطبقات.
فما كاد يصل إلى مدينة الحمدانيين يحمل في وفاضه الحكمة والعلم والمعرفة حتى التف حوله العلماء، رحبوا به أجمل ترحيب وأنزلوه من نفوسهم أرحب منزلة... وحين استقر في مدرسة "الحلاوية"، وبعد أن حضر دروس شيخها الشريف افتخار الدين بدا العلماء يناقشونه في شتى فروع العلم.
لقد تباحث معه الفقهاء من تلاميذ الشيخ وغيرهم، ناظرهم جميعا في عدة مسائل فلم يجاره أحد منهم، بل ظهر عليهم...
وظهر فضله للشيخ افتخار الدين فقرب مجلسه وأدناه... وعرفت مكانته في المجتمع الحلبي، ولاسيما عند الطبقات المفكرة...
وأحب الشيخ افتخار الدين أن يقدمه إلى السلطان كموهبة من المواهب الفذة في شتى شؤون المعرفة... وأعلم السهروردي بذلك اضطرب لا من المقابلة بل من مظهره، إذ لم يكن في هذا المظهر الذي يليق به أن يقابل الملوك والوزراء... لقد ازدرى كل شيء في الحياة، وقنع بكفاف العيش – ازدرى نفسه كإنسان فلم يهتم بما يهتم به الناس من مظاهر، فكان زري الثياب، زري الهيئة، لم يكن يهتم إلا بشؤون الفكر وقضايا النفس، وهذه سمة ظاهرة للمفكرين العلماء، بله المتصرفين الذين يعروهم الذهول في الكثير من الحالات فينسون أنفسهم، ولا يهتمون للمظاهر العرضية بقدر اهتمامهم بما هم مشغولون به من جواهر الأمور وحقائقها وصفا زريا منكرا...
كان – على حد قولهم – زري الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوبا ولا جسما ولا يدا !! ولا يقص ظفرا ولا شعرا
ولم يكتفوا بأن حملوه كل هذه الأقذار الدنيوية بل زادوا عليها قولهم:
وكان القمل يتناثر على وجهه، ويسعى إلى ثيابه، وكل من رآه يهرب منه !!
وما أظن أنه كان في هذه الحالة المزرية، وهو على ما هو عليه من سمو الحكمة وفرط الذكاء.
ربما تغلبت صوفيته على مظهره وهندامه ولكن أن يكون بالمظهر الذي وصف به فهو لون من الإفراط والغلو في التشويه...
ولا شك أن خصومه، وقد تغلب عليهم في مناظراته، قد صوروه بهذه الصورة الكريهة البشعة ليحولوا بينه وبين مقابلة السلطان...
ولكنا وقد عرفنا بعض خصائص المظاهر وميله إلى العلماء والحكماء – مهما كان مظهرهم – نستطيع أن نجزم بأنه لم يلتفت إلى أقوال البطانة والحساد، بل أخذ برأي الشيخ افتخار الدين فاستقبل السهروردي في قصره ورحب به أجمل ترحيب، وما كاد هذا العالم الشاب الذي تجلبب بلباس الحكمة والتصوف يفيض في الحديث حتى لمح فيه سمو الحكمة وإشراق الذهن، فقربه، وأقبل عليه، - وتخصص به كما يقول المؤرخون – مما أدى إلى ازدياد غيظ حساده من إنصاف العلماء ورميه بالزندقة والإلحاد !...
إلا أن الملك الظاهر لم يلتفت إلى دسائسهم وأكاذيبهم، ولا إلى دنيء وخسيس مؤامراتهم، فقد تحدث إليه في أدق الشؤون العقلية والدينين فعرف صفاء عقيدته ونقاء طويته فازداد عطفه عليه، وإحسانه إليه، مما جعل حاسديه يزدادون غيظا، وتثور ثائرتهم عليه وحنقهم على ذلك !...
                                                   - 2 -
تساءل الفقهاء فيما بينهم كي العمل وقد أصبح هذا الزنديق صفي السلطان؟...
ولم يطل تساؤلهم... ولم تطل حيرتهم فقد قر رأيهم أن لابد من مكيدة تودي بحياته...
وياويل العلم حين تتألب عليه جموع الجهلاء ويا لمصيبة الفكر إذا تآمر عليه الجامدون
ويا لمصرع الحرية إذا حوربت بجبروت الطغاة...
وقد تنادى فقهاء حلب للقضاء على السهروردي الحكيم الإشراقي والمفكر الحر...
ولاشك أنهم خطبوا على المنابر، وأثاروا ثائرة الجمهور، واستفزوا شعوره الديني... ثم جمعوا جموعهم ووراءهم جيش من الدهماء وهرعوا إلى قصر السلطان لمقابلته بشأن آراء هذا الزنديق...
وجرت المقابلة إلا أن الملك الظاهر وقد عرف هذا الحكيم واستمع إلى رأيه في الدين وفي الخالق لم يلتفت إلى خزعبلاتهم، وازدرى دسائسهم... وكأني به قد اعتز أن يكون بين علماء مملكته أمثال هذا الفيلسوف الشاب الذي أشرب قلبه بأصفى نفحات الدين، فازداد عطفا عليه، وحبا له وإيثاره على الكثيرين من المقربين إليه.
ولما أعيت الفقهاء الحيلة، وأيقنوا أن صاحب حلب لم يصغ إليهم، لجأوا إلى أبيه يستفزون عاطفته الدينية...
وسيرة صلاح الدين مشهورة بالورع والتقى، وببغضه كتب الفلاسفة وأرباب المنطق وكل من يعاند الشريعة.
والسهروردي فيلسوف وحكيم ومن رجال المنطق.
وقد صوروه في صورة من يعاند الشريعة !...
ويا ويل من يجسر على من يعاند الشريعة أو يثير نزعات الحادية في ذلك العصر الذي يتميز بالطابع الديني !
إن أقل جزاء له هو القتل...
ولما خابت جهود الفقهاء عند صاحب حلب كتبوا إلى أبيه يخبرونه بفساد عقيدة ابنه !
وقالوا: أن صحبته – أي صحبة السهروردي للملك الظاهر – لن تقتصر على فساد عقيدته بل ستفسد عقائد الناس !...
فما هذا البلاء الذي صبه الله على حلب بنزول هذا الزنديق المعطل أرضها؟
بذلك صرح الفقهاء...
ومما جاء في رسالتهم إلى صلاح الدين هذه الجملة المثيرة:
"أدرك ولدك وألا تتلف عقيدته" !
فما كان من صلاح الدين إلا أن كتب إلى ابنه بإبعاده ونفيه...
ولكن الملك الظاهر، وهو عليم بأسرار المأساة التي أجادوا تمثيلها، لم ينفذ أمر أبيه، فلم يبعد السهروردي، وبقي في حلب، يحيط به الشباب ويحنو عليه الملك...
وكأنه قد خلق في حلب حزبين: حزبا يؤيده وحزبا يناوئه...
كان الشباب وعلى رأسهم الملك الظاهر من أنصاره
وكان الشيوخ وعلى رأسهم السلطان صلاح الدين من خصومه...
فلمن الغلبة؟
                                                       * * * *
روى القاضي بن شراد، وهو ثقة لأنه عاصر الرجل وشهد مأساة هذا الصراع الفكري العنيف، قال:
"... أقمت في حلب فرأيت أهلها مختلفين فيه... منهم من يصدقه... ومنهم من يزندقه... والله أعلم"
ومن المؤسف أن يمر القاضي بن شراد بهذا الصراع، وبدون مثل هذه الحقيقة التاريخية التي تنير لنا الكثير من غوامض هذا الصراع دون أن يقول لنا رأيه في الرجل أو في هذه المأساة بالذات...
وعلى كل فإن اختلاف الناس في أمره وانقسامهم فريقين... ثم حماية صاحب حلب له – كل هذا يدلنا دلالة ساطعة على أن السهروردي كالكثيرين من العباقرة الموهوبين الذين يختلفون الناس في أمرهم... ويعتبر هذا الخلاف دليل عظمتهم ونبوغهم.
                                              - 3 -
ضج العلماء من سلوك الملك الظاهر وتحيزه للرجل الذي كشف جهلهم
وكان أكثرهم غيظا وضجيجا وأشرهم نقمة الشيخان زين الدين ومجد الدين ابنا حميد... فما كان منهما إلا أن أثارا ثائرة العلماء من جديد فجمعوا جموعهم وتقدموا إلى الملك الظاهر يطلبون بإلحاح انفاذ أمر أبيه...
ويظهر أنهم أحرجوه عند أبيه وعند العامة معا.
ورأى أن خير طريقة للخروج من هذا الإحراج أن يعقد مجلسا للمناظرة فيما هم فيه مختلفون.
واستمهلهم أن يكتب إلى أبيه بذلك...
فرضوا بهذا الحل، وكتب إلى أبيه... ولا شك أنهم كتبوا إلى صلاح الدين أيضا.
ومن المؤسف أن لا تحتفظ لنا كتب التاريخ نص هذه الرسائل وهي وثائق ثمينة في حرية الفكر ومأساتها الدامية.
                                             * * * *
كتب الظاهر إلى أبيه يقول له أنه لابد من مجلس يعقد للمناظرة قبل نفيه...
فوافق صلاح الدين، وعقد المجلس، واحتشد العلماء... وكان السهروردي أشبه بمتهم؟
وأية تهمة؟
تهمة معاندة الشريعة وإفساد العقائد !.
ولاشك أن جموعا كثيرة كانت ترقب الحكم عليه لإنقاذ الدين من نزغات الملحد الثرثار، بعد أن صانه صلاح الدين من هجمات الكفار !.
                                            * * * *
وناظره العلماء... وطال الجدل والأخذ والرد وتوجيه الاتهامات، ونسبة أقوال لم يقلها، وظنون نقضها باليقين، ولم يخرج عما جاء به الشرع المبين... ثم قالوا له:
"... إنك قلت في بعض تصانيفك: إن الله قادر على أن يخلق نبيا.... وهذا مستحيل...
قال: وما وجه استحالته... فإن الله القادر لا يمتنع عليه شيء...
                                            * * * *
وتقف كتب التاريخ عند هذا النص... وما أظن أن المناظرة دارت حول هذه الفقرة فقط... ولكن من أرخوا له اكتفوا بهذا... وهي كافية لأن يدينوه...
وقد تداولوا فيما بينهم... وبعد جدال غير طويل حكموا عليه: بالكفر وجردوه من نعمة الإيمان...
ثم كتبوا وثيقة كفره... وما هي لحظات حتى أذيعت على الناس وهي تفتي بقتله...
أين هي هذه الوثيقة؟
لقد طوتها الأيام، وكم طوت من وثائق تتصل بتاريخ الفكر
إن جميع من أرخ للملك الظاهر وللسهروردي لم يورد نصها، واكتفوا جميعهم بالإلماع إليها إلماعا، وكنا نود أن نقف على تلك الاتهامات التي صاغها الفقهاء إشباعا لشهوات حسدهم وتغطية لخذلانهم...
ولكن ما لنا ولتلك الحيثيات...
فقد نجحت المؤامرة، ورمي السهروردي الذي امتلأ بالإيمان – اتهم بالكفر والبهتان، وحكم عليه بالموت.
وبلغه ذلك... كما بلغ الملك الظاهر...
ولاشك أن الملك قد تأثر وجالت الدموع في عينيه، وأن الفيلسوف الشاب قد أيقن أن منيته قد دنت، وأن خصومه قد انتصروا عليه بدسائسهم لا بحججهم وبراهينهم.
وشاءت إرادة الله الذي لا يمتنع عليه شيء أن يكون مصرع هذا الحكيم على يد من اصطفاه وفضله على الكثيرين.
فقد انصاع الملك الظاهر إلى فتوى العلماء وصدرت إرادته بتنفيذ الحكم.
ولكن كيف ينفذ؟
أيقتل؟ أم يصلب؟ أم يسلم على عباد الله يقطعون جسمه إربا إربا؟
يخيل إلينا أن الملك الظاهر طلب من صديقه الفيلسوف أن يختار ميتته، فطلب أن يحبس في مكان ما، ويمنع عنه الأكل والشرب إلى أن يموت...
وكأنما أراد السهروردي أن يمتحن نفسه، وأن يحقق نزعاته الصوفية بهذه الميتة التي أرادها له المتنطعون...
فحياة الصوفيين لون من العذاب... أو هي الفناء في سبيل الحقائق العليا...
وليس أحب إلى نفسه من أن يمتنع عن الأكل، وعن الشرب أياما، وأن يعيش زاهدا، متقشفا إلى أن يلقى ربه.
وهكذا كان إلى أن فاضت روحه فيضة طاهرة
                                               - 4 -
لقد حزن صاحب حلب حزنا عميقا لهذه النهاية المؤلمة التي انتهت بها حياة هذا الإنسان الموهوب...
وأية ميتة ماتها؟
في رواية أن الملك الظاهر سجنه ثم خنقه في سجنه بقلعة حلب !
وفي رواية أخرى أن السلطان أمر بقتله وصلبه أياما !
وعن سبط ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد أنه قال:
"... لما كان يوم الجمعة بعد الصلاة في العاشرة من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة أخرج الشهاب السهروردي ميتا من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه" !
نعم، تفرقوا عنه وقبعوا في دورهم ينكرون هذا الطغيان الذي مس حرية الفكر.
انتصر القدماء على المحدثين، أو قل انتصر الشيوخ على الشباب.
ولاشك أن كثيرا من أشياع السهروردي قد بكوه بدموع غزار ورنوه بقصائده تفيض بالحرقة والأنين...
ولكن أين تلك القصائد الصادقة التعبير؟
لقد ذهبت كما ذهب السهروردي، ولم يجسر أحد أن يدونها أو يحتفظ لها...
وكان الملك الظاهر في طليعة من بكاه... فقد ندم على فعلته، وحقد كثيرا على الذين جروه إلى هذا المأزق الحرج الذي أودي بحياة شاب من أنبه الشباب وأذكاهم فكرا ودراية وعلما وتجردا عن الدنيويات !
نعم، لقد ندم ولكن ماذا عساه يفعل انتقاما لذكراه؟
يقول المؤرخون: أنه نقم على جميع من أفتوا بقتله، فقبض عليهم ونكبهم وصادر جماعة منهم بأموال عظيمة".
                                               - 5 -
ماذا ترك السهروردي للفكر الإنساني خلال هذه الفترة القصيرة من حياته؟
لقد ترك فيضا من الرسائل والكتب التي تشرح مواجيده الصوفية وفلسفته الإشراقية التي تقوم على "أن الله نور الأنوار، ومصدر جميع الكائنات، فمن نوره خرجت أنوار أخرى هي عماد العالم المادي والروحي، والعقول المفارقة ليست إلا وحدات من هذه الأنوار تحرك الأفلاك وتشرق على نظامها" (1)
فالإشراق، بمدلوله العميق، هو "الكشف"... أي ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشرافات على الأنفس عند تجردها.
فمن كلماته ودعواته التي كان يرددها في خلواته:
"الإشراق سبيلك اللهم، ونحن عبيدك
"نعتز بك... ولا نتذلل لغيرك
"لأنك أنت المبدأ الأول، والغاية القصوى
"منك القوة وعليك التكلان
"أعنا على ما أمرت
"وتمم علينا ما أنعمت
"ووفقنا لما نحب ونرضى
إلخ... (2)
إن "الإشراق" هو سبيله إلى "الفيض" العلوي – هذا الفيض الذي لا يتجلى إلا على من أشرب قلبه بحب الحكمة، ويرى أن أول الشروع في الحكمة
1- الانسلاخ عن الدنيا
2- مشاهدة الأنوار الإلهية
3- ما لا نهاية له
لقد ورد السهروردي كل شيء في العالم إلى نور الله وفيضه... وهذا النور هو الإشراق
"وإذا كان العالم قد برز من إشراق الله وفيضه، فالنفس تصل كذلك إلى بهجتها بواسطة – الفيض والإشراق -، فإذا تجردنا عن الملذات الجسمية، تجلى علينا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا".
ولا مجال لشرح فلسفة الإشراقية في هذه العجالة وقد شرح آراءه وبسط فلسفته في رسائله وكتبه وهي تؤلف سفرا ضخما في الحكمة الإلهية والفلسفة المشرقية، فمن كتبه: "هياكل النور"، و"حكمة الإشراق"، و"رسائل أصوات أجنحة إسرائيل" و"رسالة مؤنس العشاق" و"مجموعة في الحكمة الإلهية" و"كتاب التلويحات اللوحية والعرشية" وهو في ثلاثة علوم: في المنطق والطبيعيات والإلهيات وكتاب "المقاومات" و"الألواح العمادية" و"رسالة الغربة الغربية" وعشرات الرسائل بالفارسية والعربية، وقد قاربت الخمسين رسالة، كتبها ولم يبلغ الأربعين من عمره، فقد قتل وهو في السادسة والثلاثين من عمره الغض...
                                             * * * *
ونقف هنا لحظات لنعيش مع السهروردي في فيض من مواجيده التي رسم هواجسها في قصائد ومقطوعات، وهي نفحات كان يتنفس بها عن حالات الوجد التي كانت تنتابه، ولعل أكثر قصائده شيوعا في أروقة الصوفية قصيدة:
أبدا تحن إليكم الأرواح
ووصالكم ريحانها وألواح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم
وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
وأرحمة للعاشقين تكلفوا
ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر أن باحوا تباحوا دماهم
وكذا دماء العشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم
عند الوشاة المدمع السفاح
وبدت شواهد للسقام عليهم
فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم
للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مشتاقة
وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل في غسق الجفا
فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له، فقلوبهم
في نورها المشكاة والمصباح
فتمتعوا والوقت طاب بقربهم
راق الشراب ورقت الأفراح
يا صاح ليس على المحب ملامة
أن لاح في أفق الوصال صباح
لا ذنب للعشاق أن غلب الهوى
كتمانهم فنمى الغرام فباحوا
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها
لما دروا أن السماح رباح
ودعاهم راعي الحقائق دعوة
فغدوا بها متأنين وراحوا
ركبوا على سنن الوفاء ودمعهم
بحر، وحادي شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه
حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون لغير ذكر جيبهم
أبدا فكل زمانهم أمراح
حضروا فغابوا عن شهود ذواتهم
وتهنكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم
حجب البقا فتلاشت الأرواح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح
قم يا نديم إلى المدام وهاتها
فبحانها قد دارت الأقداح
من كرم إكرام بدن ديانة
لا خمرة قد داسها الفلاح
ومن شعره الذي يصور دعوته وعزلته وشوقه إلى الرحيل قوله:
أقول لجارتي والدمع جاري
ولي عزم الرحيل عن الديار
ذريتي أن أسير ولا تنوحي
فإن الشهب أشرفها السواري
وإني في الظلام رأيت ضوءا
كان الليل بدل بالنهار
إلى كم أجعل الحيات صبحي
إلى كم أجعل التنين جاري
وأرضى بالإقامة في فلاة
وفي ظلم العناصر أين داري؟
ويبدو لي من الزوراء برق
يذكرني بها قرب المزار
إذا أبصرت ذاك النور أفنى
فما أدري يمني من يساري
وجاري ابن سينا في عينيته المشهورة:
هبطت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تعزز وتمنع
فقال:
خلعت هياكلها بجرعاء الحمى
وصبت لمغناها القديم تشوقا
وتلفتت نحو الديار فشاقها
ربع عفت إطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها
رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنما برق تألق بالحمى
ثم انطوى كأنه ما أبرقا
بعد تألق برق هذا الفيلسوف الحكيم وهذا الشاعر المتصرف، ولكن سرعان ما انطوى، إلا أن روحه وفلسفته وكتبه ورسائله، قد تخطت الزمن، وما تزال صورة حية من تراثنا الإسلامي، وما تزال تعطي النور والإشراق...


(1) هياكل النور ص 28، 29
(2) المشارع والمطارحات ص 196

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here