islamaumaroc

الموسوعة القرآنية من المفهوم إلى التخطيط

  دعوة الحق

114 العدد

من المعلوم أن صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله كان قد عهد إلى وزيره في التربية والتعليم خلال السنة المدرسية الماضية بالعمل في الميدانين العلمي والتربوي على تخليد ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن وذلك بالقيام بعدد من المشاريع العظيمة خدمة للقرآن. وقد جرى اجتماع لهذه الغاية بمدرج كلية الآداب بالرباط بتاريخ 26 – 4 – 68 ضم عددا كبيرا من رجال العلم والفكر والتربية لتشكيل لجان العمل الذي رسمه السيد الوزير وعن هذا الاجتماع انبثقت اللجنة الرابعة التي عرفت باللجنة الملكية للموسوعة القرآنية، وما زال الجميع يتطلع إلى ما ستحققه هذه اللجنة، وبما أن عملها في مستوى رسالة هذا العصر من علماء الإسلام فالأمل معقود عليها، وهذا المقال تحية منا إليها.

1 – مفهوم الموسوعة
يقصد بكلمة الموسوعة في المصطلح العصري مدلولها اللغوي الذي ينتهي جذره إلى دلالات السعة والغنى والإحاطة والاقتدار. والصيغة في هذا المصطلح تطلق على المؤلف الذي يجمع بين دفتيه مجموعة من المعارف متكاملة مستوفاة في علم من العلوم تنهض به الموسوعة إن كانت خاصة أو في جميع العلوم إن كانت عامة.
ويرادفها في المصطلح العصري دائرة المعارف، ومن المعلوم أن الدائرة هنا يقصد بها ما يحيط بالمعارف إحاطة كاملة فلا يند عنها أو يخرج منه شيء مما يعد من جملة المعارف الإنسانية المتعالمة بين ذويها، وهناك كلمة أخرى تشترك مع الموسوعة في الدلالة في بعض اعتباراتها وهي كلمة القاموس وكلمة المعجم. فالقاموس معجم لغوي يعنى بتحديد معاني الألفاظ وسوقها مرتبة منظمة حسب النظام الألفبائي المعروف، ولفظ المعجم أيضا له نفس المدلول، إلا أنه أطلق أيضا على كل ما يمكن أن يرتب من المعلومات ترتيبا ألفبائيا كأسماء الأعلام، والأحاديث النبوية (1).
ويطلق لفظ المعجم في هذا العصر أيضا على المرجع الموجز الذي يرجع إليه الباحث للتحقق من المفهومات المرادة من الألفاظ المتداولة سواء كانت معاني لغوية أو معني سطحية في علم من العلوم أو فن من الفنون (2)
وتظل كلمة الموسوعة ذات دلالة فريدة بين هذه الدلالات أو الكلمات في عرفنا العصرية، وهذه الدلالة تعني الشمول والاستقصاء مع التركيز للمعارف والمعلومات في كتاب يعرضها بنظام ألفبائي خاص ب=يرتب أبوابها وموادها حتى يسهل على الباحث الرجوع إلى ما يريده منها في الوقت الذي يريد، ويمكن اعتبار الدلالة الموسوعية مشروطة بما يأتي:
- الشمول والاستقصاء للمعرفة التي تناولها من تاريخ أو فلسفة أو طب أو زراعة أو فقه وما إلى ذلك مما هو موجود في الموسوعات العلمية الرائجة في هذا العصر.
- كونها تعرض تلك المعارف والعلوم مرتبة ترتيبا خاصا، موزعة حسب الموارد اللغوية، ومنظمة موادها تلك حسب الترتيب الألفبائي المعمول به في المعاجم اللغوية.
- أنها تستقطب في كل مادة أو بحث المضمون العلمي بكامله، والمتعلق بموضوع تلك المادة ابتداء من نشأته إلى منتهى تطوره، في الوقت الذي يحرر فيه ذلك البحث، وهذا هو الشرط الذي يعطي للموسوعة قيمتها الحضارية والزمنية، بحيث يجعل ظهورها في أمة من الأمم دليلا على تمثل المحصول العلمي في فكر أبنائها مع ربط ماضيه بحاضره في تاريخها، وبالتالي تعتبر الموسوعة دليلا على النضج وعلى التصميم بأن يكون منطلق ثقافة الأمة من حيث انتهت انطلاقات من سبقوها في هذا المضمار، لاسيما وعالمنا المعاصر قد تقاربت أبعاده وأهدافه ومشاغله واهتماماته، وأصبح التطور العلمي لا يخص أمة دون أخرى، فكل ما تصل إليه العقول والجهود يصبح ملكا للإنسانية جمعاء، والموسوعات العلمية تحقق هذا التقارب إلى حد بعيد.
- كونها تتصف بالتركيز للبحث إلى درجة أنها تحدد للباحث أحيانا عدد سطوره أو عدد كلماته.
هذه الصفات من مقتضيات العمل الموسوعي، ولا يتصور قيام موسوعة خاصة أو عامة بدونها.
والذي يدعو في العادة إلى النهوض بالتأليف الموسوعي في علم من العلوم أو عصر من العصور هو تشعب فنون المعرفة واستبحار القول في ضروبها المختلفة بحيث يصبح من العسير على المثقف أن يتخصص أو يتعمق في أكثر من علم أو عدد من العلوم متصلة فيما بينها، كما يصبح من العسير على المتخصص أن يوسع وقته وجهده لغير فنه واختصاصه، ويصبح من المستحيل على المثقف أن يحقق الاستفادة الكاملة والاطلاع الواسع في غير دائرة اختصاصه. فالفقيه مثلا لا يستطيع أن يستفيد من اختصاص علوم الطب والاقتصاد والاجتماع والنفس وإن كان مدعوا بحكم اختصاصه إلى الاستفادة من هذه الميادين ليكون قادرا على الاجتهاد والنظر في الأحكام فضلا عما يلزمه من اطلاع في دروب من الثقافة الإسلامية واللغوية.
وقد أصبحت الموسوعات الحديثة تسعى بجهد حثيث نحو تقريب ثمرات الاختصاصات المتعددة من يد كل المثقفين بأقلام المختصين أنفسهم، فيطلع المربي على خلاصة مركزة لأعمال عالم النفس، والمؤرخ على فروع علم الاقتصاد ومسائله، ورجل الطب على خلاصة أتعاب الفيزياء، وهذا قليل من كثير مما تتيحه الموسوعات من لقاءات بين المختصين والمثقفين عامة، وهو ما يلقح الأفكار والنزعات المختلفة ويقرب بين المناهج المتباينة، فيكمل نقصها ويحقق لها الشمول والوحدة والموضوعية.
ومن غريب الأمر أن الثقافة العربية ممثلة في علمائنا القدماء كانت على هذا النحو من الشمول والتكامل بن شتى علومها وفنونها، فكونت في أذهان أهل العلم منهاجا متكاملا وعلما غزيرا ومشاركة واسعة، وكان من نتائج هذا الشمول في المعرفة والمشاركة في مختلف العلوم والتكامل الحاصل بين مناهج فروعها في أذهانهم أنها أنجبت علماء يعز على الإنسانية اليوم أن تنجب أمثالهم بالرغم من وسائلنا التعليمية والتربوية المتفوقة. أمثال الغزالي والرازي والطبري وابن رشد وابن خلدون.
إن من بيننا اليوم من يستطيع أن يستوعب كل آثار واحد من هؤلاء الأعلام أو أكثر ولكن هذا الاستيعاب لن يؤدي حتما إلى ذلك التفتح الفكري والخصب الذهني والعمق الوجداني مما كان يتوفر عليه أولئك الأعلام، كان من نتيجة افتراق العلوم الإسلامية وعلوم الآداب العربية في أذهان المختصين فيها أنها أنجبت مختصين في الفقه والحديث وفقه اللغة والأدب والنقد والبلاغة يجترون معارفهم ولا ينتجون، ويستوعبون اختصاصاهم ولا يضيفون إلى البناء القديم لبنة واحدة...
وإنما أشرنا إلى هذا لكون التأليف الموسوعي يعتبر عملا إيجابيا في علاج هذا الانفصال والانعزال بين ميادين العلم المختلفة باسم الاختصاص، وفي تقريب الأبعاد فيما بينهم وتحويل مجرى الاختصاصيين إلى أن يصب في الحفل الثقافي العام الذي ينهض بالتطور الحضاري للأمة على أساس من التكامل والتوازن بين حاجات الجسم والروح.
وهذا  الاعتبار هو الذي يفرض في العمل الموسوعي آخر شروطه وهو: أنه عمل جماعي تنهض به هيأة من العلماء مختلفي الاختصاص، هذا في الموسوعات العامة، أما في الموسوعات الخاصة فإنه يؤتي ثمرته على نحو أوفى من الشمول والتركيز والانطلاق بالبحث العلمي من حيث وقف به السابقون.

2 – الموسوعة القرآنية
هل يمكن تأليف موسوعة قرآنية؟ يظهر لأول وهلة، وعلى ضوء المفهوم السابق للموسوعة أن تحقيق ذلك عسير، ولكن مجرد النظر في مجموع التفاسير الموجودة اليوم للقرآن يجعلنا نعتقد أن علماء الإسلام قد ألفوا موسوعات قرآنية على مر العصور، وأنهم لم يبخلوا على خدمة القرآن بالجهود المضنية والعمل الدائب المرهق – أحسن الله جزاءهم – ولكن هذه التفاسير على جلال قدرها وعظيم نفعها ينقصها بالنسبة إلينا الشيء الكثير لكي تكون في مستوى العمل الموسوعي، إذا رجعنا إلى الشروط المذكورة آنفا، وهذا النقص فيها لا يرجع البتة إلى تقصير العلماء المفسرين، ولكنه يرجع بعضه إلى التنظيم، وجله إلى ارتفاع مستوى حاجاتنا العلمية في العصر الحاضر، فنحن لا نشك في أن الأئمة: الطبري والرازي والقرطبي والطبرستي والزمخشري والألوسي وأمثالهم لم يتركوا، كل في جانب اختصاصه، موضوعا ولا مسألة ولا معضلة في القرآن إلا وقفوا عندها وأوسعوها تعليقا وإيرادا للأقوال، ولكن تفاسيرهم جميعا وغيرها من تفاسير غيرهم من العلماء كلها متكاملة في بعض الجوانب، مكررة لبعضها في بعض الجوانب، وهي لا تسد الحاجة إلى قيام موسوعة قرآنية للأسباب التالية:
- لأنها لا تشمل كل المعارف والنظريات والتحليلات التي ألفت عن القرآن.
- لأن هذه المعلمات والمعارف الموجودة في هذه التفاسير موزعة خلال التفسير، تخضع للاستطراد تارة والمناسبات المتكررة تارة أخرى، بحيث لا يمكن للباحث فيها أن يجد ما يشفي غليله كما يتأتى ذلك في الموسوعة.
- لأنها تقدم لنا معارف ونظريات موجهة إلينا تحت تأثير المذهب يأخذ به المفسر نفسه من تشيع أو اعتزال أو سنة، أو الاختصاص الذي يتأثر به من تشريع أو بلاغة أو فلسفة.
* أنها غير مركزة ولا مبوبة ولا مفهرسة، ولعله من الجوز مطالبتها بهذه الشروط التي لا تقتضيها طبيعة عمل المفسر.
- أنها من تأليف آحاد.
- أنها لا تعكس لنا الحلول الإسلامية الملائمة على ضوء القرآن وفي ظل روحه الصافية لمشاكل المسلم اليوم، وهو يخوض حياة معقدة تدعوه فيها ضرورات التطور إلى الانطلاق، وضرورات التدين إلى الحفظ على توازن نفسه بين هذا التجاذب القوي العنيف.
إن التفاسير القرآنية على جلالها لا تسد الحاجة إلى قيام موسوعة قرآنية، لأن هذه الأخيرة تأليف انتقائي يستوعب خير ما في تلك التفاسير مصوغا في قوالب تلائم مقتضيات الشروط المشار إليها من قبل، بالإضافة إلى أنها يجب أن تستوعب خير ما في الدراسات القرآنية المختلفة التي عرضت للجوانب التي لم يعرض لها المفسرون ولاسيما بحوث العلماء المتخصصين في باب من أبواب الدراسات القرآنية سواء ما كتب منها باللغة العربية أو ما كتب منها بغير هذه اللغة وهو كثير.
أما الضرورة التي تدعو إلى النهوض بتأليف الموسوعة القرآنية فهي نفسها التي تدعو إلى العمل الموسوعي بالنسبة لعلم من العلوم من العلوم أو عصر من العصور. فقد استفاض التأليف في القرآن وفي علومه منذ فجر الإسلام إلى اليوم، وبشكل لا نبالغ إذا قلنا أن الثقافة الإسلامية التي استغرقت أمم نصف الأرض من حيث المكان، واستغرقت دورتين حضارتين من حيث التاريخ العام البشري، إن هذه الثقافة كلها تنبع من القرآن وتتفرع عن علومه، وتخدم مقاصده. ويستحيل على المتخصص الذي يروم اليوم الإحاطة أو ما يقرب من الإحاطة بالعلوم القرآنية أن يقرأ بعض ما كتب في القرآن خلال عمر كامل أن مثقف هذا العصر من الأستاذ الجامعي إلى الطالب إلى الباحث إلى المثقف العادي لا يمكنه الرجوع إلى موضوع قرآني ليخرج وهو يحمل عنه فكرة موضوعية شاملة إلا إذا لقي مصاعب كثيرة، وقد لا يخرج منها بنتيجة إيجابية. وأولى تلك المصاعب انعدام المكتبة القرآنية الكاملة القريبة من من=تناول يده، وتعدد اللغات التي كتبت بها البحوث القرآنية، ومنها انطلاق تلك المباحث في الأعم الأغلب من توجيهات مذهبية مغلقة أو متفتحة أو متطرفة أو متهجمة مغرضة، ومنها جهله أحيانا بمظان تلك المباحث من كتبنا القديمة أو الحديثة.

3 – التخطيط للموسوعة
لا داعي هنا للتأكيد – ونحن نخاطب خاصة العلماء والمفكرين ممن يهتمون بالعمل الموسوعي – على أهمية التخطيط للموسوعة القرآنية، لأن التخطيط وهو إحصاء الإمكانيات وتقدير الحاجات وتنسيق الجهود هو الذي يقدم بين يدي كل مشروع أقوى ضمان على نجاحه، ونحن في غنى عن التطويل في هذا الباب، وبحسبنا أن نشير إلى أهم خطوات العمل لتحقيق هذه الموسوعة.
يجب قبل كل شيء وضع فهرس يستقصي المواد التي تتناولها الموسوعة القرآنية وذلك عن طريق تجريد القرآن إلى مواد، ونعني بذلك وضع فهرس للألفاظ القرآنية تلك التي يمكن أن تكون موضوع بحث في أي فن من الفنون أو علم من العلوم المتصلة بالقرآن، ثم يرتب ذلك ترتيبا معجميا، وتحدد أبعاد كل لفظ من تلك الألفاظ، ثم يعرض هذا الفهرس على العلماء والمختصين الذي يتوجه إليهم بطلب المشاركة في هذه الموسوعة ليختار كل منهم المادة أو المواد التي تدخل في مجال اختصاصه، وهذا عمل أساسي وقيم ويقتضي لجنة خاصة.
يجب القيام بإحصاء كل الدراسات القرآنية والبحوث المختلفة المتفرقة في مكتبات الدنيا وجمعها وترتيبها في دليل ه=عام للدراسات القرآنية، يتيح للباحث المشارك في أعمال الموسوعة أن يطلع على كل ما قيل أو كتب في المادة التي سيكتب فيها، وسيمكننا هذا العمل من الاستغناء عن القيام بعدد من الدراسات إذا ما وجدناها مستوفاة هنا أو هناك، وهذا العمل بالغ الأهمية بالنسبة للموسوعة وغير الموسوعة، ولا تنهض به إلا فئة من التخصصين والمحافظين على المكاتب في العالم الإسلامي والمستشرقين والمتخصصين في فن الفهرسة.
يجب تحديد الشروط التي تكتب في ضوئها مواد الموسوعة، وتحديد أسلوب مراجعتها والتنسيق بينها، وتوزيع مهام القيام بذلك على عدد من اللجان تتفرغ للسهر على سير العمل وفق المسطرة المحددة.
ولا يخفى ما ينطوي عليه هذا العمل العظيم من أعباء وجهود علمية واسعة المدى متشبعة المطالب تنوء بها العصبة أولوا القوة، كما لا يخفى من وراء تحقيقها من خدمة عظيمة للقرآن وللإسلام وللثقافة القرآنية من أجل إفراغها في هذا القالب العصري البالغ الأهمية. ولكن ضمان النجاح في هذا العمل كامن في إرادة جلالة ملكنا المؤمن بوجوب تخليد ذكرى نزول القرآن، وإرادة علمائنا المؤمنين بشرف هذا العمل ومثوبته العظمى.

 (1) من معاجم الإعلام انظر معاجم الشيوخ المختلفة في كشف الظنون 2 / 494.
وهنا مثلا معجم البلدان لياقوت ومعجم الشعراء للمرزباني، ومعجم ما استعجم للبكري. ومن معاجم الحديث المعجم الكبير والأوسط والصغير لأبي القاسم الطبراني.
(2) لا تخلو المكتبة العربية القديمة من مختلف أنواع المعاجم المسهلة للبحث، ومن جملتها معاجم الاصطلاحات الفنية وأهمها التعريفات للجرجاني، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وانظر كتاب: مرشد المتعلم للسيد جون أدمز القاهرة 1934 ص 271 – 309.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here