islamaumaroc

شاعر من الجيل الماضي: محمد بن موسى الوزير

  دعوة الحق

114 العدد

إن العمل الشعري عندنا في المغرب لا يزال في طور التفتح ومرحلة التبرعم يتطلع إلى الحياة، ويريد أن يستوي على قدميه ليلحق بركب شقيق معنى هذا أن أعمالنا الشعرية تخلو بتاتا من الجودة، بل منها ما يمكن نعده في عداد الأعمال الناضجة التي تتوفر عليها كل القيم المطلوبة في العملية الشعرية.
وليس عندي من شك أن ما نقرؤه من هذه المحاولات لجل الشبات المتوثب إلى خوض ميدان القريض ينقصها كثير من الصقل، وتعزوها المعاناة التجريبية والأبعاد النفسية، والثقافة المتراحبة ثم اللحظة الحساسة الثقافة التي تبرز إحساس الشاعر في أسمى صورته البشرية. وأروع مظهره الإنساني، ولذلك فهذه المحاولات تكاد تكون فقيرة من أهم المقومات الشعرية من بينها حرارة العاطفة والأصالة الفنية الحقيقية.
أن المستقصى لشعرنا اليوم لا يتردد في أن يحصره في مدرستين ليس إلا:
أ- المدرسة الكلاسيكية التي لا يرى روادها خيرا في الإقلاع عن القديم، فهي تنزع منزع المحافظة على الشكل والمحتوى.
ب- المدرسة الجديدة وهي تتفرع إلى فرعين اثنين: مدرسة الشعر المرسل التي يلتزم أصحابها التفعيلة، ويفتتون الصورة الإيقاعية القديمة، وينصرفون في توزيع القافية حسب ما تميله عليهم لحظة المخاض الشعري.
ومدرسة الشعر المنثور التي اعتقد ممثلوها أن الشعر الحق هو رفض القواعد ووضع الكلمات بعضها تحت بعض لتوهم القارئ أنها شعر، ولكنها ليست بشعر لأنها لا تتوفر عل العمود الفقري للشعر إلا وهو النغم.
ولو جاز أن نسمي هذا النوع من النثر شعرا لأطلقنا على بعض كتابات الرافعي (1) وحسن عفيف (2) وسعيد عقل (3) وغيرهم شعرا، ولأصبحنا لحظتئذ في حيرة من أمرنا لا نفرق بين الشعر والنثر.
وفي المغرب ثلة من أولئك الشداة انسحب بعض أفرادها من الميدان اعترافا منهم بالقصور إلى ميادين لا يتطلب في أحدها ألا تكرار الكلمات، والقيام بصناعة الفسيفساء اللفظية الجوفاء.
ومهما يكن من أمر فالشعر عندنا من غير بعض لا يزال جله طفلا رضيعا نرجو في مستقبل الأيام أن يسند عوده فيصير عملاقا بعد أن يكون قد زود نفسه بأصالة معرفية، ومتانة ثقافية، وعمق اطلاع وصدق إحساس وخبرة في جميع أشتات المواجيد النفسية.
ونحن نقول هذا ونستثني – والاستثناء يؤكد القاعدة كما يقولون – بعض الشعراء الذين ينتمون إلى الاتجاه الاتباعي والتجديدي، أولئك رزقوا موهبة فذة، وملكة فريدة تساعدهم على رصف مرامك الكلمات ووضعها في انسجام مع الجو العام المنغوم مما يشيع في المناخ عبقا مسكرا وأريجا منعشا يحملك إلى أجواء من السحر كأنما الدنيا هنالك من صنع ريشة خلاقة مبدعة.
انطلاقا من هذا التمهيد البسيط، نود أن ندير الحديث عن شاعر مغربي فحل يعتبر على رأس هذه الجماعة القليلة من الشعراء الأفذاذ الكلاسيكيين، وبالتالي يعتبر الشاعر العملاق الذي كان له نصيب الأسد في بعث الشعر المغربي من مرقده بعد أن ران عليه الجمود والإسفاف والتصنع.
إنه الوزير الراحل محمد بن عبد القادر ابن موسى، وهو ينتمي إلى أسرة مراكشية، كب على المطالعة والدراسة فوعى من معارف عصره رصيدا ضخما، وقد أعانته على ذلك حافظته النيرة وذكاؤه الثاقب، وبعد أن أتم دراسته على شيوخ العصر بجامعة القرويين انتقل إلى الشمال، وما لبث بعد ذلك أن أصبح أمينا بجمرك مدينة العرائش، وفي سنة 27 جمادى الأولى 1367 موافق 8 أبريل 1948 (4) تولى وزارة الأوقاف الإسلامية في الحكومة الخليفية سابقا، وف تاريخ 9 جمادى الأولى 1374 الموافق 4 يناير 1955 (5) تعين عضوا بالمجلس الخليفي الخاص. وفي يوم السبت 6 نونبر 1965 توفي بتطوان وسنه تناهز الخامسة والثمانين بعد مرض ألزمه الفراش.
مات أديبنا الوزير صاحب القلم المعطاء في مضماري الشعر الجيد الرصين والنثر الفني الأصيل بعد أن أعطى من نفسه الشيء الكثير، وتبوأ مكانة عليا في دنيا الأدب، بيد أنه مضى صامتا في حياته يعيش بعيدا عن أسباب التظاهر لا تستثيره الشهرة كما تستثير الكثيرين.
مضى الشاعر في صمت إلى مرقده الأخير، فلا مجلات (6) ولا جرائد ولا إذاعات نعته إلى الناس أو خصصت له – وذلك أقل ما يمكن القيام به – إطارا في زاوية من زواياها المهملة أو كليمات عابرة كما لو كان هذا الرجل الفذ غفلا لم يضفر الكلمات ورودا، ويهد الحروف زهورا، ويقدم الخاطرات قرنفلا.
ومع كل هذا العقوق والإهمال سيظل ابن موسى يحتل أخيلة من عرفوه ويسكن نبضات قلوب من استطابوا ريشته البهية، وسينصفه التاريخ ليضمه إلى مصاف رجاله الخالدين:
لا تبكه فاليوم بدء حياته
إن الأديب حياته بمماته
وابن موسى شاعر يمثل المدرسة الكلاسيكية، يضرب في قالب الشعراء القدامى مثل المتنبي والبحتري وابن زيدون وإضرابهم من مسيرة الشعر العربي، فشعره إذن تقليدي لم تمتد مضامينه في أغلب الأحيان إلى آفاق جديدة تبلور الأبعاد الحضارية للقرن العشرين، وفضفاضية القطاع التقدمي الحديث، ورغم هذا المنحى الاتباعي فإن شعره يحتضن حرارة عاطفة، وذوب شعور، وانسياب حساس، يقف قارئه أمامه في ظمأ والتياع، يجد صدى نفسه منعكسا عليه في قوة إبداعية خلاقة تشق طريقها نحو الكمال.
وبجانب هذا يكتسي عمله الشعري فيما يتصل بالوشاح الخارجي جزالة اللفظ ومتانة التركيب، وجودة التعبير، وروعة اللفظة الشعرية التي يستعملها في موضعها الملائم للسياق الشعري مما يبرهن عن الخصب الذهني والثراء اللغوي، وشفافية الذوق الأدبي.
وإذا كان عبد العزيز القشتالي (ت سنة 1032) وأبو علي الحسن بن مسعود اليوسي (ت سنة 1102) وأبو عبد الله محمد بن قاسم بن زاكور (ت سنة 1120) شعراء أفذاذا عملوا في الحقل الشعري في الأدب المغربي القديم ومثلوا المدرسة الشعرية
المشرقية، فإن ابن موسى يشخص مدرسة أولئك وغيرهم من أقطاب الشعر المغربي القديم خير تشخيص بحيث يعطي لها الصورة المثلى من حيث المعنى والمبنى، بل قد يبدهم في بعض أعماله الشعرية، وذلك لما يخوضه من تجربة شعرية رائعة تحفل بالمعاناة، ولما يحس في أعماقه من سمو في الإدراك وخفة في الوجدان ودغدغة في الشعور، ونلمس كل ذلك في المدح إذا مدح، وفي الرثاء إذا رثى، وفي الغزل إذا تغزل.
وبغبارة جامعة مانعة: أثره الشعري – رغما عن أنه تجاوبت في رحابه أصداء الأولين – يتنفس فيه صدق العاطفة الندية، ورهافة الشعور الخير، واللفتة الإنسانية وتتوهج في مجموعة أصالة الدقة في الأداء الديباجة الحية.
وبعد هذا يحين اللقاء الأول – وستتوالى لقاءات آخر – مع شاعرنا الوزير ابن موسى في قصيدته العفيفة "الأسير السائل" التي تتحدث عن فتاة مشيقة القوام ناعمة جميلة متى برزت أثارت بضياء جمالها كسوفا في البدور، وهي تتحرك فيتثنى قدها في روعة تشير على عشاق الجمال بالركوع في محرابه الشهي.
وإذا افتر ثغرها عن ابتسامة أسرت، ومنعت ذوي الصبابة من الوصل، وطرفها الجميل يستلب القلوب، ويحوم حول المعاقل ليصيبها بسحره، ومت نظر هذا الطرف الجميل إلى العيون سقاها خمرا فثملت وهفت إلى السبات:
وناعمة متى سفرت أثارت
كسوفا في البدر السافرات
تميس قنوات وألبان زاه
فيومئ بالركوع إلى الفتاة
إذا ابتسمت رمت والموت قان
يذود الهيم عن ماء الحياة
فتنتظم القلوب بطرف ريم
يحوم على المقاتل في أناة
متى روى المحاجر خندريسا
هفا أرق المحاجر بالسباة
ويسألها الأسير وصالها فتجيب بأن ذلك قد يكون من المستحيل، بل هو باهت لا أمل فيه إذ العفاف لا ينقاد بسهولة ويسر، كيف يتحقق ذلك ورواح الكماة الشجعان تروح فداه من دون جدوى، فأنت مهما بذلت من الجهود فسوف لا تقدر على النجاة من أسر حبي أو لست ترى الأبطال صرعى هائمين لا يستطيعون الانفلات:
سألت وصالها يوما فقالت
"مطامع أشعب قرعت صفاني
عجبت لمن تلوح له الثريا
فيفتح حضنه للنيرات
وأغرب ما يعيه السمع حلم
يطوف بعاقل بين الصحاة
أفي حرم العفاف تروم صيدا
تروح فداه أرواح الكماة؟
وتنصب للمها مشركا خفيا
وأنت أسير إشراك المهاة
وتطمع في اجتناء الورد غضا
وسيف اللحظ في رصد الجناة
بخد يخلب الألباب قاض
وخد يختل الأرواح عات
ألم تر حولك الأبطال صرعى
فكيف تبوء – ويحك – بالنجاة؟"
ثم يجيبها الأسير المعذب وقد سكر من حديثها الناعم رغم ما اكتنفه من قسوة، وبلحظها اللطيف الفاتن شاكي ما يموج في قرارة نفسه من أحاسيس، وما يلاقي من عذاب متوسلا إليها أن تخفف عنه ما يعانيه من ألم، وما يكابده من شجو:
فقلت وقد ثملت براح لفظ
ولحظ دونه حد الظباة:
"أمالكة المحاسن أن قلبا
سكنت به على طرف الشباة
تراوحه المضاجع بين ماض
من الدنف الذيب وبين آت
فهل لك رحمة في القلب تشفى
بما تولين من بعض الهبات"
وأخيرا تجدد لأسير حبها موقفها، وتدعو له بعدم الشفاء مما أصابه من جفنيها الساحرتين، وهي بذلك تسد في وجهه كل أبواب الآمال ليظل هائما في برزخ المحبين يسعى جاهدا لتحقيق مطامحه، إذ ليس صادقا في محبته من لم يستطب طعم السعادة في مرارة العذاب وألم الزفرات:
فقال "لا شفاك الله مما
أصابك من جفوني الساحرات
ودم خلف المطامع والأماني
وإن تك بعض أحلام العفاة
فليس بصادق في الحب من لم
يذق طعم السعادة في الشكاة"
وليس من شك في أن هذه القصيدة الغزلية لا تمت بصلة من قريب أو بعيد إلي المدرسة الشعرية الغزلية التي عرفت في صدر الإسلام بالمدرسة الحضرية التي كان يمثلها الشاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة والأحوص والعرجي، وإنما هي تجسد لنا خصائص مدرسة أخرى كانت تعاصرها هي المدرسة البدوية (7) التي حمل لواها جميل بن معمر وكثير عزة وغيرهما، والتي اشتهر أعلامها بعفة اللسان، والتدله الصادق والحفاظ على المثل العليا والمبادئ الأخلاقية.
ثم نلتقي بشاعرنا في قصيدة له أخرى تحت عنوان "أغنية الجمال"، والقصيدة كانت في أول أمرها قطعة نثرية لجبران خليل جبران (8) سمعها الشاعر من إذاعة طنجة فدغدغت شعوره ثم خطها مرقمة شعرا بعد أن قدم لها بمقدمة مقتضبة مع إثباته النص الجبراني، وأنصت – قارئي – على مهل، وعندئذ أعقد مقارنة مع نفسك بين النصين، ولاحظ لمن سيكون التفوق، وأما رأيي فستعرفه وشيكا.
في مساء يوم الأربعاء ثالث ربيع الأنوار 1373 موافق 11 نونبر 1953 أذاعت محطة الإذاعة العربية بطنجة في برنامج "رياضة الأصابع" القطعة الآتية،ولإعجابي بمنحاها الشعري، رأيت أن أنظمها في قطعة شعرية مع شيء من التغيير والبسط اقتضاهما الوزن والمناسبة والصناعة، غير أني تعمدت تغيير الفقرة الثالثة بالأصل، لأن طبعي لم يستسغ كون الجمال مأكولا، والقلب آكلا فأبدلتها بما يظهر من المقابلة. ونص القطعة المذاعة:
أنا دليل الحب، أنا خمرة النفس، أنا مأكل القلب، أنا وردة أفتح قلبي عند فتوة النهار فتأخذني الصبية وتقبلني، وتضعني على صدرها، أنا بيت السعادة، أنا مصدر الفرح، أنا مبدأ الراحة، أنا ابتسامة لطيفة على شفتي غادة يراني الشاب فينسى أتعابه، وتصير حياته مسرح أحلام لذيذة، أما موحي الشعراء، وهادي المصورين ومعلم الموسيقيين، أنا نظرة في عين طفل تراها أمه فتسجد وتصلي وتمجد الله.
أنا مذ كانت الحياة دليل الـ
ـحب في غزوه وخمرة نفس
أنا للقلب راحة وعذاب
مستلذ بطيب وخزي كلمي
وأنا وردة أفتح قلبي
في فناء النهار يومي كأمسي
مبسمي مرشف الكعاب وعرشي
أن تراءت من صدرها بين فطس
وأنا منزل السعود وزند
مستراد السرور والأنس أنسي
وأنا روضة ارتياح وبشر
وربيع الحياة مارس غرسي
وأنا إن كسوت بسمة خود
أسفر الصبح بين راحي وكاسي
يستريح لمنظري الحدث الند
ب فأغدو مدى مناه وأمي
مني الوحي وحي من راض شعرا
يقدع الفحل عن أويد شمس
فاستعار البهاء من وجه بدري
واستمد الخيال من عين شمس
وأناملهم المصور إن را
ع وسحر الغناء رقبة جرسي
وأنا نظرة بمقلمة طفل
تجلب العطف من مشاعر خمس
رشقت أمه بير وعته
دون أن ينجلي لفهم وحدس
فانبرت لصلاة تثنى على اللـ
ـه ثناء يصوغ عن قلب قديس
وبالموازنة بين القصيدة الموسوية والقطعة النثرية الجبرانية، يتبين بوضوح مدى ما تنطوي عليه شاعرية الوزير من إبداع خلاق، وقدرة معطاء مهرها التمكن الأصيل، ورقدتها السجية السمحة، وصقلها الطبع الصافي، والحساسية الفنية، ذلك أن الشاعر تمكن من أن يزيد القطعة النثرية سحرا أخاذا ولطافة فاتنة، بما أضفى عليها من روعة التأثير وحيوية نابضة بالحياة، وأسلوب شعري شيق فتي، تتجاوب حلاوته في تلك القوافي السنية التي تحدث جرسا بهيا في الأذن، والكلمات العذبة المعشوشبة، والمعاني المنفحة المشذبة.
وخذ على سبيل المثال حديثه عن قول جبران "أنا مأكل القلب" – وقد انتقده هو بدوره في مقدمته السابقة – فصاغه صياغة حلوة كما أملى عليه طبعه الرفيق:
أنا للقلب راحة وعذاب
مستلذ يطيب وخزي كلمي
فالجمال عنده راحة للفؤاد وعذاب في آن واحد، وخزه كلمسه على السواء، وليس هذا بدعا إذ الجمال يروي القلب، ويبعث في مساربه طمأنينة، وقد يقلقه ويشجيه فيما إذا لم يتأت له التمتع به.
إذن يستوي عند من يهيم بالجمال النقيضان، وكلاهما شهي مستلذ.
وخذ على سبيل المثال ثانيا قول جبران "أنا مبدأ الراحة" ثم أوزنه بقول ابن موسى:
وأنا روضة ارتياح وبشر
وربيع الحياة مارس غرسي
لعلك تفضل صياغة البيت لما فيه من طريف التصوير، فالجمال روضة للارتياح والبشر وربيع الحياة العبق تعهد بحرسه.
وقول جبران: "أنا نظرة في عين طفل" لست أرى فيه من الروعة والقوة ما في البيت الآتي:
وأنا نظرة بمقلة طفل
تجلب العطف من مشاعر خمس
ذلك لأن ابن موسى لا يقتصر على كون الجمال نظرة في عين طفل بل إن نظرته تستدر العطف والحنو من الحواس الخمس.
وقس على ما سبق عن المقابلة بين النصين، وستلمس أن ابن موسى تألق أيما تألق رغم ما تطلبه العملية الشعرية من قواف ووزن وتقديم وتأخير، وتأخير وتقديم
ولا مرية أن كل ذلك قد ذلله الشاعر بسهولة ويسر مستعينا – بغض النظر عن غناه اللغوي – بذوقه الفتي الرهيف في اختيار الألفاظ، وانتقاء "البحر الخفيف" ذي الوقع الرقيق والرنة المحببة، واصطفاء روى مهموس يستلذه السمع، وترتاح له النفس.
ولابن موسى رصيد من الإنتاج الشعري (9) غير هذا مما قدمناه تندى به قلمه الثري في شتى الأغراض كالمدح والرثاء والمولديات والغزل والشكوى والحنين منه ما نشر، ومنه ما لا يزال رهينة الظلمة لم ير النور بعد.
ومن بين رصيده هذا مزدوجة الجناح الأخضر التي عارض بها مزدوجة مدرك الشيباني في صباحه عمرو بن يوحنا النصراني التي مطلعها:
من عاشق ناء هواه داني
ناطق دمع صامت اللسان
معذب بالصد والهجران
موثق قلب مطلق الجسمان (10)
وقد تحدث ابن موسى في هذه المزدوجة – على سبيل الفرض – عن مجلس أنس كان ينعقد من جماعة الفضلاء بالضاحية الشهيرة بالجناح الأخضر من ظاهر مدينة تطوان.
وفي بعض لياليه المنعشة دارت مناقشة بين الجماعة حول مسائل علمية كادت تتطور إلى مشادة ومشاحنة لولا أن تدخل أحدهم فأراد المناظرة بحكمة رشيدة وأخيرا انتهت الجلسة بروح من المودة والصفاء.
قال الشاعر مفتتحا المزدوجة بعد أن قدم لها بمقدمة نثرية جميلة جيدة السبك والبناء وتكلم فيها عن مزدوجة مدرك ومن عارضها ونحا نحوها:
بادر صباحا سافر الآفاق
متبلج الثغور والأحداق
يقضي بنثره إلى الأذواق
فيبعث البشر من الأعماق
ويشرح الصدور للتلاق
بادره وهنا ونجوم الأفق
تنساق في بقية من رمق
تحكي نصوصا في غدير أزرق
أو بردا على فضاء مونق
يغور بالتدريج في المساق
إلى أن يقول باسطا الحديث عن اشتداد المعركة العلمية:
واطردت معركة العقول
دائرة  في حرمة النقول
تستلحق الفروع بالأصول
وتقرع الدليل بالدليل
لتحصر المطلوب في نطاق
فاشتبكت خواطر الفرسان
تفتق ي قوالب البيان
تدير تارة على الأذهان
ما رق من مراشف المجاني
وتارة تنفح بالأعلاق
ثم يختم رائعته بقوله:
فجال بحر بالحديث والأثر
وصال حبر بالقياس والنظر
وجهبذ قضى من العلم وطر
خصص بالنص وقد عم الخبر
فرجع الخلف إلى اتفاق
هناك جلل الوجوه الفرح
وجملت وجه الحديث ملح
فانبسط القوم لها وانشرحوا
وفتحوا لها من هزلهم ما فتحوا
فختم المجلس بالعناق
وقصيدته "شكوى غريبة" نظمها على لسان قصيدة بائية كان قد شارك بها في مباراة أدبية تشكو ما لحقها من ظلم وحيف، وما اعتروها من هضم وضيم بتأخيرها وتقديم غيرها، وهي موجهة لرئيس لجنة التحكيم الفقيه السيد أحمد الرهوني رحمه الله يعتب عليه فيها عتابا رقيقا، ويبين له خصائص البائية ومميزاتها قال في أولها:
من بدر عاصمة البلاد وشمسها
وزعيم نهضتها وطلعة أنسها
ومفيد عالية العلوم بدرسها
ومبيد عادية الهموم برمسها
فضلا حباه الإله وجودا
أرجو الإصاخة من مواهب فضله
لمقال سائقة الكلام بشكله
من فرع مشهور الدليل وأصله
كيما تفوز بلمحة من عدله
فيجوز للأجر الجزيل وفودا
ويختم "شكوى غريبة" بقوله:
وادفع هداك الله وصمة حكمه
عن نسجي العالي النفيس ورقمه
فلقد عرفت بحده وبرسمه
أن الملاحة من لطائف وسمه
والحسن يعشق شخصه المنشودا
أبقاك الله مرفوعا الذرى
مترئسا في كل عام محضرا
تحدو الإجادة والإفادة في الورى
حتى يصير مهللا ومكبرا
رائيك تجمع رمعة وسعودا
وقصيدة له أخرى يساجل بها السيد عمر القباج، ويظهر فيها على علو كعبه في ميدان القريض يقول في أولها:
بشاعر العصر أضحت دولة الأدب
مهتزة العطف بين العجب والطرب
رب القريض ومن تعزى مناقبه
إلى العلا وإلى القباج في النسب

طوى السباسب حتى زارنا فرأت
فيه العرائش شخص الفضل والحسب
ثم يقول في آخرها:
فإن عنى السيف في وصف يميزه
"فالسيف أصدق أنباء من الكتب" (11)
تهوى الجواهر لو صارت بمنطقه
منظومة ونجوم الأفق في التعب
لا زال للفضل والآداب يحرسها
من العوادي ويحيى لهجة العرب
ومولدية له من مولدياته يقول فيها وقد أبدع أيما إبداع:
واها لعهد بأكناف الحمى سلفا
لم أستطب أسفا من بعده خلفا
الوى فما جذوة الأشواق كاتمة
وجدولا الدمع في إخمادها وقفا
يجدو به من زفير الشوق مضطرم
بين الجوانح أن صبر به هتفا
ورثائية جادت بها قريحته في رثاء الفقيه السيد أحمد الزواقي ابتداها بقوله:
قفا بمعاهد أمست تكالى
كواسف من صروف الدهر بالا
ذواهل كلها خشعت لشجو
أباح الشجو للدمع انهمالا
ويطول بنا الحديث إذا رحنا نتتبع أعمال ابن موسى الشعرية، ومعطياته الفنية، ويكفي ما اقتصرنا عليه من شعره ففيه غنية لإظهار شاعريته المتفوقة التي تجيد إحكام النسج، وتضفي على نصه الشعري حيوية ونبضا.


(1) أوراق الورد مثلا،
(2) كتابه الرقيق: العبيد أو الزئبقة أو وحيد أو غيره.
(3) كأس لخمر وهو كتاب يجمع بين دفتيه أحاديث أدبية شيقة وليس ديوانا كما يتبادر إلى الذهن.
(4) اعتمدنا في ذلك على تاريخ صدور ظهير تعيينه بالعربية والإسبانية.
(5) الجريدة الرسمية رقم 1 تاريخ 7 يناير 1955
(6) نشير إلى أن الأستاذ الكبير عبد الله كنون تفضل لقراء هذه المجلة – العدد الرابع – السنة التاسعة – شوال 1375 – فبراير 1966 – قصيدة عصماء للشاعر في مدح المغفور له جلالة الملك سيدي محمد الخامس بمناسبة عودته من المنفى، وقد ألمع الأستاذ – جزاه الله خيرا عن العلم والأدب – في تمهيده للقصيدة إلى ما يلقاه الأديب عندنا من إهمال في حياته ومماته، وها نحن اليوم نرجو من وزارة الثقافة والجمعيات الأدبية وغيرها مما لها مسيس بالعلم والأدب أن تولى الفقيد الشاعر ما يستحقه من الاهتمام.
(7) وتسمى أيضا بالمدرسة العذرية نسبة إلى قبيلة عذرة
(8) القطعة موجودة في المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران – قدم لها وأشرف على تنسيقها ميخائيل نعيمة – ص 340 – دار صادر.
(9) يحتفظ الأخ الأستاذ محمد أبو خبزة بجل إنتاج الشاعر، وقد أطلعني عليه مشكورا.
(10) القصيدة أوردها صاحب معجم الأدباء في ج 19 ص 136 وما بعدها – مطبعة دار المأمون، وصاحب تزيين الأشواق بتفصيل أشواق العشاق ص 163 – المطبعة الأزهرية والشريف العلمي في الأنيس المطرب ص 221 وما بعدها – طبعة فاس.
(11) عجز البيت من قول أبي تمام في مطلع قصيدته البائية الرائعة التي قالها في فتح عمورية كما هو معلوم:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here