islamaumaroc

فلسفة الإسلام التربوية

  دعوة الحق

114 العدد

من كلمات نبي الإسلام، محمد عليه السلام، والتي كان يرددها كلما عاد من إحدى غزواته: "عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".
ويعني هذا الجهاد الأكبر، طبعا، مجاهدة النفس، ومجالدة نزواتها الأمارة بالسوء، ومحاولة توطينها على الصبر على المكاره، وتحمل تبعات الحياة وأعبائها والعمل على إبعادها عن مواطن الزلل والعثرات وتجنيبها دركات الارتكاس في حماة الشهوات.
ومضمون كلمة سيدنا تلك، هو خلاصة الفلسفة الإسلامية، في ميدان التربية، أو معركة الحياة التي على الإنسان – وهو يباشر معطيات معنى وجوده، ويحدد أبعاده – أن يخوضها.
وتعني هذه الفلسفة أولا، أن الإنسان الذي خلق في كبد، وفي نفس الوقت، خلق في أحسن تقويم، مدعو في حرارة وإلحاح – وعلى الدوام – للتحرك واليقظة اللتين تعنيان الإيجابية في الحياة، يوجهيها: وجه الدعوة والهدوء، أو السلم. ووجه الجيشان والتوثب والتحفز، أو الحرب. وعلى أساس الإيمان بكل معنى من معاني الشعور بنقل العبء وضخامة المسؤوليات.
وتعني هذه الفلسفة ثانيا – بوجهيها المتقابلين المتجانفين – تقييم هذا الوجود، وإعطاءه الروافد الفوارة التي تمده بالحيوية الخلاقة، وتضمن له الديمومة والاستمرار.
ومن هذه الفلسفة الحركية، إن صح التعبير، تنطلق أصول العقائد، وأصول السلوك في الإسلام، العقائد التي تؤكد وثيق صلات الإنسان بالله، عن طريق الاعتراف بعبودية الإنسان لواهبه الحياة، وجاعله شاعرا بها، وعن طريقه خضوعه للإدارة العليا لواهبه هذه الحياة. والسلوك الذي يجب أن يهدف – في نظر الإسلام – إلى إبراز شخصيتك وكيانك كمخلوق يتألف من مادة وروح، وذلك عن طريق تمشي الإنسان طبق الأسباب والمسببات، ووفق سنن الله الذي أتقن كل شيء، والذي أحسن كل شيء خلقه. وهذا السلوك الإسلامي يتحقق بواسطة العمل اليومي الذي يجب فيه التقيد بالإحسان الذي يعني مراقبة الله في السر والعلن، وبالدرجة التي يعبر عنها سيدنا محمد في حواره مع جبريل بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أي أن نتوفر على طاقات حية وهائلة من الإدراك الحقيقي لمواقعنا. ومن يقظة ضمير تجعلنا لا نغفل طرفة عين – ونحن في غمرة أعمالنا اليومية، وحتى الروتينية منها- عن الاعتقاد بأننا محط عناية الرب، وأننا في نفس الوقت المنفذون لإرادته والمبلغون رسالاته. ويجب أن نؤمن في نفس الوقت بأن هذه الإرادة، وتلك الرسالات، تعنيان – بالدرجة الأولى – الإخلاص لكل أولئك الذين يرتبطون معنا بأقوى الوشائح وأوثق الصلات، والذين يكونون معنا هذه المجموعة الإنسانية، التي يكون كل فرد منا إحدى خلاياها الحية. ثم علينا بعد ذلك أن نربط مصيرنا كمجموعة بكل شيء يحيط بنا، وعلى أساس أن له بنا شديد الاتصال وبالغ الارتباط انطلاقا من مبدأ الإخلاص له.
والإخلاص يعني استنفاذ جميع قوانا العقلية والإدراكية والجسمية، لوضع الأشياء في محالها، وجعلها تتساوق وما تتطلبه المصلحة العليا لمجموعتنا الإنسانية، وللحياة نفسها.

وإذا كنا ندعو – ونحن في غمرة التيارات المتعاكسة طبعيا، والمتضاربة ظاهريا، وتبعا للمجاهر التي نشاهد بها المد الحضاري لإنسان العصر الحديث، عصر المادة المتعجرفة – ندعو إلى ابتهاج السلوك الإسلامي في تقييم الحياة وموازينها، وفي تقعيد علاقات بعضنا بالبعض، بل وإلى اعتبار هذا السلوك هو وحده المعيار والطريق الموصل لتحقيق أهداف الإنسان وغاياته على هذه الأرض وفي السماء، أو في تلك الحياة الأخرى، فلأن كل الدلائل الواقعية والمحسوسة أثبتت، وتثبت أننا بغير هذا السلوك لن تكون شيئا مذكورا أو ذا قيمة.
وإذا كان لكل مجموعة بشرية ما، ميزتها الخاصة، تلك التي تبلورها البيئة والمناخ والمواقع الجغرافية، وكل العوامل الإقليمية، وكل الرسوبات المتخلفة عن التفاعلات والانفعالات التي تعاقبت على النفس الإنسانية وعوالمها المتنوعة والعديدة، فإن من الملاحظ تاريخيا، من بين الدول العالمية – وربما على الخصوص – قد اقترنت أبدا طفراته الحاسمة، في مضمار الحضارة والعمران، وقيام ما نشاهده أو شاهدناه من ممالك ودول وإمبراطوريات التي تعاقبت عليه عبر عهوده التاريخية: من عهد البربر والفينيقيين إلى العهد الذي انتهى باستعماره من فرنسا، وعهد انعتاقه من استعمار فرنسا السياسي. اقترنت وجودا وعدما بالحماس الديني أو فتوره.
وهكذا نلاحظ أنه كلما قوي الحماس الديني في هذا البلد، اتجهت النفوس للخلق والابتكار واليقظة والنوئب، والانطلاق لبناء الأمجاد، وتشييد جلائل الأعمال. وكلما خبت الروح الدينية أو اعتورها فتور، أو حاقت بها انتكاسات ما، ضعفت العزائم، وخارت القوى، وادلهمت الأمور وتفاقمت سوى الأوضاع، وأصاب هذه الأمة كل أنواع الفوضى الاجتماعية، من تفسخ وميع في الأخلاق، وتهاون في المسؤولية، وانعتاق من التبعات، وفي كل المرافق والميادين والمجالات.
ولمن شاء التثبت من هذه الحقيقة البسيطة، أن يراجع الأطوار التاريخية التي مرت بها هذه البلاد، والمواقف الحاسمة فيه بالخصوص، تلك التي واكبت نشوء كل الدول التي تعاقبت تباعا على هذه الأرض الطيبة المباركة المعطاء. وخاصة مراحل انتقال الحكم من يد دولة فيه إلى يد أخرى.
ولنا في طريقة إرساء دولة إدريس بزرهون، وطريقة ظهور المرابطين، وبقيادة عبد الله بن ياسين الزعيم الروحي والديني لهذه الدولة، وفي قيام قواعد دولة الموحدين، بل ومن اسمهم على يد المهدي بن تومرت، وفي طريقة وصول الدولة الحاكمة حاليا إلى الحكم: دولة العلويين أقول: لنا في كل هذه الدول وغيرها مما شاهدته أرضنا الطيبة هذه، أعظم برهان على أن الدين وحده هو الذي به يحقق أبناء هذه الأرض المعجزات، ويكونون الإمبراطوريات، ويشيدون الحضارات.
والملاحظ أن الدولة العلوية بالخصوص، لا في بداية منطلقها فحسب، وإنما في عنفوان أوجها وعزتها، كانت تضع قضية الظاهرة الدينية هذه، ضمن مهامها الأولى ومشاغلها الكبرى، وكانت لذلك توليها عظيم العناية، وشديد الاهتمام، وحتى كانت تصدر في خصوص شأنها المراسيم الحكومية، والظهائر الملكية، وتوجهها إلى عمالها على الأقاليم، منبهة إياهم إلى ضرورة تطبيقها، وبدون تلكؤ أو هوادة، فقد جاء في ظهير عام للمولى عبد الرحمن، كان وجهه لسائر عماله، هذه العبارات الملزمة التأكيد على ضرورة الاحتفاظ بمراسم الدين وطقوسه وشعائره، قال: "ويلزم العامل كل دوار أو جماعة، مشارطة طالب علم، يرجعون إليه في أمر دينهم، وتعليم صبيانهم وجهالهم، ويقوم بالآذان والإقامة والصلوات الخمس في أوقاتها، ومن لم يفعل زجره وعاقبه".
بل يرى ابن خلدون – وهو من أرومة هذه البلاد واحد أبنائها – أن هذه الظاهرة، ظاهرة ارتباط مصير الأمة بمدى تشبثها بالدين، ظاهرة عامة في كل الجنس العربي، ويعللها، في الفصل الذي عقده للحديث عن كيف أن العرب لا يحصل لهم ملك غلا بصيغة دينية، من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة –كما هو تعبير في مقدمته – يعللها "بأن العرب أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلطة والأنفة، وبعد الهمة، والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فهل انقيادهم واجتماعهم".
ونرى قبل المضي في عرض مبسط على حد ما لنوعية هذه التربية يراها الإسلام بل ويفرضها على منتقيه، ولسعادة الإنسان وحريته وكرامته، نرى ونحب أن ندرس ثلاث قضايا أساسية في مثل هذا البحث.
والأولى تتعلق بالدين كفكرة مجردة، وهل هو ضروري للبشر، ولتحقيق سعادته التي يجب أن تظل وتبقى هي الهدف من وجوده على هذه الأرض، حسبما ترشد إليه الفطرة، وتقرره الطبيعة البشرية نفسها، أم ليس ضروريا ويمكن للبشر الاستغناء عنه بالكلية؟.
والثانية هي التساؤل عن هل لا يمكن أن يترك الناس بدون دين سماوي إلهي؟ أي أن يتركوا لما أنشأوه هم أنفسهم مثلا من فلسفات وقوانين وآراء غيبية عن الحياة ومرافقها ومجالاتها.
لقد عرف الإنسان عبر تطوراته المتعاقبة، منه وعلي، عديدا من الأهواء وكثيرا من النزعات (1). لقد أثبت علم الإنسان أيضا – وبما لا يدع شكا أو ريبا، وبما اكتشفه من صور الأمم الحاملة لأقدم الحضارات الإنسانية الأولى – كيف أن تلك الجماعات الإنسانية "كانت لا متدينة فحسب بفكرة غيبية ما، وإنما كانت على عقيدة التوحيد، بريئة كل البراءة من آثار الشرك ومراسيمه (2)".
بل ودلت الأبحاث أيضا على أن هذا الإنسان العريق القدم "بذل ما في وسعه من الجهد في البحث لنسه عن الله وانتهاج طريقة ما لعبادته. وتوجد أمم إلى اليوم لا تزال تمثل في حياتها لعصر الابتدائي للنوع البشري. ومع ذلك قلما وجدت خالية من تصور العبادة والمعبود، مما يدل دلالة واضحة على أن كل ما اجتازه الإنسان من الأدوار والتطورات في تاريخه منذ أقدم الهمجية إلى أحدث المدنية، ما زال تصور العبادة ملازما له فيه ولو على صور مختلفة ومظاهر متنوعة عديدة (3)".
وهذه الظاهرة، ظاهرة العبادة أو التدين، فطرية كالجوع والعطش والإحساس بالبردة والحرارة والرطوبة واليبوسة، وليست إرادية، لأنه – كما قال الدكتور بيرن – "لو كان الأمر كذلك أي إرادية، لما ساد هذا التصور أبناء البشر على مثل هذا الوجه، إذ من المستحيل عقلا أن ينعقد الإجماع أو الاتفاق بينهم، أي بني البشر، على شيء ما، إذا كان أوجده الاختراع والإرادة، وتشترك فيه الجماعات الإنسانية كلها على صفة واحدة، وفي كل دور من أدوار تاريخها. كما أنه لا يكاد يتصور البثة أن يكون الناس في كل زمان عقدوا مؤتمرا عالميا ليتفقوا فيه على العبادة، مهما كانت آلهتهم مختلفة، وطرقهم لعبادتها متنوعة (4)".
والإنسان منذ كان يتمذهب بمنطق الغابة، حيث الغلبة والفوز والانتصار للأقوى جسمانيا أو عقليا، أو عصبية ومالا، وهو يعاني تجارب مختلفة لاختيار المناسب لمداركه وميوله.
ومن الإنصاف الاعتراف بأن محاولات عديدة، من هذا الإنسان نفسه، قد بذلت – بحثا عن سعادته وطمأنينته وأن تكون هذه الطمأنينة، وتلك السعادة نسبية، تختلف باختلاف العصور، والمدارك والوحادات، إلا أن الملاحظ والمؤكد هو أن هذه الحركات واكبت الإنسان في تطوافه عبر مجاهل مسيرته الطويلة والشاقة، والتي ما تزال تواصل بكد وإيمان وصبر وأناة.
وإذا كان الدين الوضعي والفلسفة والقوانين الوضعيتان أيضا يتوخى من حكتها نفس الغايات ونفس الأهداف المتوخاة من الدين الإسلامي أي جعل البشر يحس طعما للحياة، ويجد لها مستساغا، يجعله بدوره شديد الرغبة فيها، قوي الشوق لها، ومن ثمة يجد المحافظة عليها وعلى أصولها، أو على الجانب الأفضل والأجمل والأبرك فيها، واعتبار هذا الجانب رسالته على هذه الأرض، أقول: إذا كان هدف الفلسفة والدين والقوانين الأرضية هو تقريبا هدف الديانات السماوية، فإن منطلق الدين هو الله خالق البشر والفلسفة، وبارئ واضعي القوانين، بينما منطلق الفلسفة والقوانين هو الأرض والبشر.
والبشر – كما يقول الدكتور محمد البهي – "محدود بالبيئة، ومحدود بالوراثة، ومحدود بنوع الثقافة، ونوع المعرفة... وإذا كان محدودا بهذه المصادر فهو منفعل بها، وتنعكس بالتالي في سلوكه، وفي تفكيره، وفي تحديده للحياة وأهدافها".
أي وكل ذلك مدعاة لقيام خلافات واختلافات جوهرية جذرية في الاتجاهات، وتقييم المفاهيم، وتحديد الغايات.
وإذا كنا حقا ننشد – وهذا ما لا يمكن لعاقل أن ينكره – قيام أممية عالمية، ومجتمع متكامل في الأخلاق والواجبات، متكافل في الحقوق والالتزامات، فإن قيام وحدة فكرية وعقائدية يصبح راهنا وضروريا ومؤكدا.
وحيث أن كل عقيدة من العقائد، تلك التي يكون مصدرها الإنسان، هذا الإنسان الذي مهما بدا أنه قد حقق تقدما ملحوظا في مضمار الرقي والحضارة والعمران، فهو يكشف نفسه، وعن طريق أعماله وسلوكه، أنه ناقص وغير كامل، وأن فروقا عقلية عظيمة ما تزال يثيرها الاختلاف في العقائد، والمستويات العقلية، والإدراكية مما يكون – لكل ذلك وبسببه – مدعاة لعدم تحقيقه غرضه، وعدم الاستجابة لمتطلباته المتجددة بتجدد دم الحياة، والمتغيرة بتغير الظروف والأحداث. هي متأثرة بما يحسه هذا الإنسان ويحده من نقص.
ثم إذا كان من الممكن أن يتحول كل إلى الآخر، عن طريق فلسفة الدين، ثم إخضاعه مع أحكامه للعلل العقلية، ومباحث المنطق، أو عن طريق تقنينه باتخاذ أحكامه ومبادئه قانونا عاما للعقائد والسلوك، أو عكسيا عن طريق اعتبار كل من الفلسفة والقانون دينا، فإن الفارق بين الدين الذي هو فطري وضروري، كما أبنا سابقا، وبين القوانين والفلسفة، أن الدين بعد أن يستمد وجوده من الله، ويصدر أحكامه باسم الله، يعتبر كل الأعمال والحركات التي يأتيها الإنسان أو يقوم بها، هي مندرجة، أو يجب أن يراعى فيها الاندراج تحت مفهوم هذه الآية القرآنية (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نوتيه أجرا عظيما). والإشارة في الآية إلى النجوى في الأمر بالصدقة أو المعروف، أو الإصلاح بين الناس. وهذه الأمور الثلاثة، كما يدرك كل ذي عقل سليم، من أهم دعائم قيام مجتمع متكامل ومتكافل.
أما غير الدين فينطلق مما أشرنا إليه سابقا، من الحدود، وما ينشأ عنها من اختلافات المدارك والمفاهيم. ومن ثمة فأصحابه لا يمكن أن يتجاوزوا في حركاتهم وأعمالهم، أو أن يصدروا عن غير ما تشير إليه الآية القرآنية: (أن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) ومثل هذا يصفه القرآن، وبحق، بأنه (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)
فالدين الغير محدود والغير مظنون، تكون معطياته ذاتية، بينما الفلسفة والقانون عرضيا المنطلق والهدف. ولهذا الاعتبار أجمع العقلاء على اعتبار الدين ضروريا للإنسان، ولإبقاء وجوده في آفاقه العليا، حيث خالقه الذي لم يخلقه سدى.
والعقل وحده – كما يقول محمد عبده – "في القانون لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كما لا يستقل الحيوان في درك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لا بد معها من السمع لإدراك المسموعات مثلا، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة، وتصريفها فيما منحت لأجله، والإذعان لما تكشف له من معتقدات وحدوث أعمال (5)"
ثم إذا كانت تلك الحركات، التي انبثقت عنها الفلسفة والقوانين، في القديم، لم تعرف اصطداما ما أو عنيفا على الأقل، وإنما كانت إحداها تترك الميدان للأخرى عن طريق الطواعية، أو العجز عن المجاراة، فإن الحركات التي من هذا النوع – في عصرنا الحديث الذي نحياه ونعيش فيه – قد امتشقت السلاح في وجه بعضها، وأخذت كل حركة تتحدى الأخرى، وتنازعها النفوذ ومناطقه. وإذا كان من السابق لأوانه التنبؤ لمن تكون الغلبة في هذه الحلبة، ولمن يكون الشبق، فإن من المؤكد أن عجز الفلسفة اليونانية، والرومانية، ربيبتها، والزرادوشتية، والمزدكية قديما، عجزها عن تحقيق أحلام البشر وسعادته، لن يوحي للإنسان الحديث بانتظار أبهر النتائج وأروعها من الفلسفات الآنية القائمة. وفي هذا العصر المادي البحث، والذي توشك فيه التقنية والآلة أن تستحوذ، لا على أفكار الناس فحسب، وإنما أيضا – والله لطيف بعباده – على أرواحهم وأفئدتهم، وذلك بما تنكشف عنه من عوالم، كانت – لو عرف مخترعوها منطقة الإيمان – تكون حافزا للإيمان بخالقها، وخالق خالقها رب العالمين رب العرش العظيم.
(والقوانين هي بدورها – من صنع البشر – ما أظنها بقادرة على تحقيق ما عجزت عنه الفلسفة، ذلك لأن نقص واضعيها ما كان ينجيها هي الأخرى من النقص، وفاقد الشيء لا يعطيه، فما دام الكمال ليس من صفات البشر، ولا حتى من لوازم الأفذاذ من البشر، فمن المقطوع به والمؤكد، أن نتاجه لن يكون بدوره بالغا حد الكمال.
أما النقطة الثالثة التي نرى ونحب تحديدها قبل المضي في تقصي جوانب هذه الدراسات، فهي مفهوم الإسلام. وفي هذه النقطة بالذات نحب أن نذكر ونقرر، بأن هذا الإسلام الذي يتحدث عنه القرآن – وكانت مهمة النبي محمد مبلغ ذلك القرآن عن الله هي تثبيت مبادئه، وتقعيد أسسه واعتباره الدين الوحيد الذي يتمتع برضا الله، ورضا كل المعتدلي المزاج، الواعين لدور الإنسان على هذه الأرض – أقول أن هذا الإسلام، أو لفظة "الإسلام" بتعبير أدق، مشتقة من: أسلم، الذي يأتي بمعنى خضع، واستسلم. ويستعمل بمعنى: أدى، وبمعنى: دخل في السلم بالفتح والكسر مع سكون اللام أي السلام، وبفتحتين بمعنى الخالص من الشيء، وعلى هذا المعنى وردت الآية القرآنية (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل)
والدين الذي جاء به سيدنا محمد بشيرا ونذيرا، تصلح له كل الاستعمالات التي ترد لها لفظة "أسلم" واشتق من مادتها "الإسلام". واستعمالها الأخير أي الخالص أوضحها في الموضوع، وأنسبها له، وألصقها به، الآية القرآنية التي تصف أفضلية الإسلام، وكونه من أحسن الأديان، (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا)
وعلى الاستعمال الأخير، يكون الإسلام هو التوحيد الخالص لله رب العالمين. ويتضمن الإخلاص في العمل، وتنقية الأرواح والعقول وتصفيتها من كل شوائب الشرك بالله، أو الاعتقاد لغيره بالتصرف. ويتضمن بالتالي إصلاح النفوس والقلوب حتى تتوجه خالصة مخلصة لخير الأعمال، والخلوص في نيتها للواجب الوجود مبديء الخلق ومعيده.
وإذا قلنا أن الإسلام يتضمن مضمونه كل تلك المعاني، فلسنا نقصد أن هذا الدين الذي جاء فيه محمد خاتم النبيئين، بجميع طقوسه وشعائره، هو وحده دون غيره الذي يصدق عليه أنه "إسلام" وإن يكن هذا المفهوم هو المقصود بعد بعثة محمد عليه السلام، وغنما يشمله، أي دين الأميين، ويشمل غيره من الديانات السماوية التي جاءت قبله، وكانت تمهيدا له وإرهاصات لمقدمه.
ومن هنا كان معنى كلمة القرآن (أن الدين عند الله الإسلام) أن المصدر الوحيد لكل الديانات السماوية الصحيحة، وأن الهدف والمصير لها، واحد متحد... أي أن هذه المعاني التي ترمز إليها لفظة "إسلام" هي وحدها المعاني التي دعا إليها واستهدفها كل الرسل والأنبياء قبل محمد وهي التي يدعو إليها دين محمد الذي جاء خاتم المطاف لكل الديانات التي تعاقبت على الإنسان عبر تطوافه الطويل بين دروب هذه الأرض، منذ بدء الخليفة وآدم، إلى عهد ظهور سيدنا محمد عليه السلام... وهذا الدين الذي استهدفه كل أولئك، كان الإخلاص لله، والرجوع عن الهوى المتبع إلى الصراط السوي، صراط الله الذي له ملك السماوات والأرض، والذي تصير إليه كل الأمور.
والمتتبع لمناطق الإيمان والإسلام: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ينتهي إلى غايتين اثنتين، وهما المقصد من كل دين سماوي:
الأولى: وحدة ذات الإنسان، عن طريق حصر معتقداته وعبادته في ذات الله.
والثانية: وحدة العلاقات بين مختلف القطاعات البشرية، عن طريق مطالبتها دينيا بتوحيد سلوك البشر العام.

(1) مما جمع وصنف على أساس كونه تراثا وفلسفة وقوانينا وربما دينا أيضا واتخذ فيما بعد التراث ما له علاقة بالدين؟ أم أنه اتخذ من الدين اسم "علم الإنسان" فهل لم يكن من بين ذلك إحدى مقوماته وروافد حياته؟.
(2) و (3): علم الإنسان للدكتور: بيرن أميرالف إيهرن فلس، تعريب محمد عاصم الحداد
(4) المرجع المتقدم
(5) رسالة التوحيد صفحة 82

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here