islamaumaroc

ولد الخادم

  دعوة الحق

114 العدد

تنهدت "زيدة" وهي تنظر إلى ولدها "مرزوق" وحبات العرق تلمع على وجهه الأسمر... كان يجاهد لتعليق كبش مسلوخ على مخطاف يتدلى من سقف المطبخ، ويقول:
- هذا آخر خروف
وحين انتهى من تعليقه اقتربت منه أمه، وأخذت تمسح عرقه بفوطة على كتفها وتقول له بحنان كبير:
بعد هذا ستذهب للحمام، وتلبس ملابس الجديدة... ستكون عريسا تماما كأخيك سيدي إدريس... لا فرق بينكما... سوف ستتزوج بأخت عرسه "للا الزاهية"، وتدخل ليلة دخلته... ماذا تريد أكثر من هذا؟
وزفر مرزوق وهمهم:
- أخت عروسه البشعة الحذباء، هذا كل ما أستحقه، لأنني ابنك، ابن الخادم !
واعترضت زيدة:
- حذباء، نعم... أما بشعة، فلا... أنا أعرفها... للا الزاهية لها من الأدب والصواب والحشمة ما يعوضها عن نقصها... والزواج قسمة ونصيب يا ولدي
ودفعته من كتفه بلطف:
- اذهب مع أصحابك للحمام... خذ الصرة والصطلة من غرفتك لقد جمعت لك فيهما كل ما تحتاج إليه...
وخرج يمسح العرق عن جبينه بكمه وأمه تنظر إلى ظهر قميصه الموشح بدم الخرفان وتكتم تنهيدا عميقا في صدرها...
خمسون سنة قضتها في خدمة سيدها الحاج الفاطمي بلعيد الذي تدعوه بسيدي الكبير، منذ أعطيت له هدية من أبيه ليلة زفافه وهي في الخامسة عشرة خفيفة جميلة ناعمة البشرة لامعة السواد...
أخذها الحاج الفاطمي بلعيد لتكون خادمته الشخصية فكانت تعرق عاداته كلها وتسبقه بالخدمة قبل الطلب...
وفي السادسة عشرة كانت زيدة تحفة جميلة من الإغراء والأنوثة... كانت ابتسامتها العريضة تضيء البيت، وصوتها الموسيقي يملأ السمع والقلب حين تغني وهي تشتغل... وكان جسدها الغض الناعم يتفتح يوما عن يوم... وكانت سيدتها "للا أم هانئ" التي تكبرها بسنوات قليلة تأخذها معها للحمام لتساعدها على حمل أصطال الماء، وحك وتدليك أعضائها، وغسل شعرها الطويل بالغاسول وتسريحه... وكانت للا أم هانئ بدورها تحك ظهر خادمتها زيدة، وتضفر شعرها الأكرد ضفائر صغيرة تدل على العناية والاهتمام...
ظلت علاقتهما طيبة حتى ذات يوم ظلت زيدة تذكره طوال حياتها...
                                                   *
كانت سيدتها قد ذهبت لحفلة عرس وبقيت زيدة لحراسة البيت، وإطعام سيدها، والقيام بحاجاته... وجاء الحاج الفاطمي إلى البيت ذات مساء على غير عادته، وكانت زيدة وسط قاعة البيت الكبيرة ملفوفة بفوطة تنشف جسدها بعد حمام خفيف وتنظر إلى صدرها الناهد، وبقية أطرافها بافتتان في المرآة البلورية المعلقة بجدار المقعد...
ولم تشعر بسيدها الذي كان يقف على عتبة المدخل وراءها وفي عينيه نظرة غريبة لم ترها من قبل...
وأطلقت صرخة مكتومة، والتفت بفوطتها وأسرعت لتصعد إلى غرفتها... ولكن الحاج الفاطمي اعترض طريقها وأمسك بها من خصرها بيد ونزع الفوطة باليد الأخرى، ثم نظر إلى جسدها...
- أين كنت تخفين كل هذا؟
وكانت هي تدفعه عنها بفزع ممزوج بفرحة مكتومة، ومشاعر مختلطة فيها خوف غريزي من ألم بدني حاد، وأسرار غامضة أخرى...
ودفعته عنها بضعف وهي بين ذراعيه القويتين تتمتم.
- آويلي آسيدي... أرجوك... خلني أذهب لألبس... ماذا تقول سيدتي لو دخلت علينا هكذا...
وكان جوابه أن ضمها إليه وقال:
- لا تخافي... سيدتك لن تأتي الآن تعالي معي... وجرها من يدها خلفه، وصعد بها إلى غرفتها بالدور الأعلى وهي تغطي صدرها بكفها وتردد رجاءات لم يكن يسمعها...
لم تنس "زيدة" تلك اللحظة السحرية التي جمعتها بسيدها الوسيم، والذي كانت تكتم حبها له في ركن عميق من قلبها لا تصل غليه حتى الأحلام... فقد كان بعيدا عنها بعد السماوات والنجوم.
واكتشفها سيدها هي الأخرى... كان يراها منذ أن كانت طفلة صغيرة ملساء الصدر حافية القدمين كقطعة من أثاث المنزل أو حيوان من حيواناته الأليفة واليوم تقف أمامه امرأة كاملة النضج، يلمع جلدها الأسود الحالك أنوثة وشبابا وجاذبية...
كان يسمع عن الشيوخ أن السوداوات أسخن من البيضاوات أجساما، وأشدهن إمتاعا... وهناك من يدعي أن في عشرتهن علاج لأمراض الشيخوخة وعجزها المشين... ولم يخطر بباله أن يجرب حتى اكتشف "زيدة"...
ودامت العلاقة سرية ثلاث سنوات، حتى حملت زيدة بولدها "مرزوق"...
وضغطت "أم هانئ" على زوجها الحاج الفاطمي لينكر أبوته للمولود فرفض... ونشبت خصومة بين الزوجين والعائلتين كانت زيدة في قلبها...
شيء واحد لم تستطع زيدة نسيانه من كل تلك الزوبعة... بقيت ذكراه حية في مخيلتها أمدا بعيدا... كانت تجلس في غرفتها الصغيرة وفي حجرها طفلها الصغير "مرزوق"، وهي تنظر إلى شفتيه الصغيرتين مطبقتين حول حلمة ثديها يمتصه مغمض العينين، وقد امتلأ قلبها حبا وحنانا، إذ دخلت عليها أم هانئ زوجة سيدها فكانت ترفع الولد إليها لتفرح به، ولكنها فوجئت بنظرة الغيرة والحسد تلهب عينيها... ودفعت غريزة الأمومة بزيدة إلى ضم طفلها وحمايته بذراعيها عندما أحست بروح الشر التي كانت تتقمص أم هانئ
ونظرت هذه إلى الطفل وإليها نظرة احتقار شديد ثم بصقت في وجهها وانصرفت تشتم الخدم وتلعن أصلهم...
ومسحت زيدة وجهها بكمها مرة بع أخرى: وغسلته بعد ذلك بالماء الساخن والصابون... ولكنها كانت تحس بلل البصقة ما يزال على وجهها ودفنت القهر الذي أصابها عميقا في داخلها...
                                                   *
ومرت الأيام... وهدأت العاصفة، وقلت اللحظات السعيدة التي كان يقضيها الحاج الفاطمي مع زيدة، رغم أنه أعلنها جارية وسرية، لشدة رقابة الزوجة وحرصها على الإبعاد بينهما...
ولم يهدأ بال أم هانئ حتى حبلت هي الأخرى وولدت ولدا ذكرا سموه إدريس على اسم جده... فخفت بذلك التوتر والمنافسة...
ورغم اعتراف الحاج الفاطمي بولده مرزوق فقد كان مفهوما أنه أدنى درجة من ولد الحرة إدريس...
وشب مرزوق في بيت واحد مع أخيه إدريس يلعبان معا ويذهبان لمدرسة واحدة حتى سن المراهقة، إذ بدأت الميزات والفروق الاجتماعية تباعد بينهما...
وشعر إدريس بامتيازاته على أخيه وعامله بقسوة الصغار على أنه ابن الخادم، وأنه أدنى منه درجة وأقل امتيازات...
ورغم ذكاء مرزوق وحرية روحه فقد بدأ ينطفئ وينعزل عن أقرانه السابقين إلى رفقاء جدد تجمعه بهم رابطة الشعور المشترك.
ورغم صغره فقد ظل عاكفا على دراسته في الخفاء، بينما يتردد أحد من أهل الدار في تسخيره وتكليفه بحمل الأثقال وتنظيف المجاري، وغير ذلك من الأعمال التي لا يزاولها إلا الخدم...
وكان يقسو على أمه حين يمتلئ قلبه ألما تحاول تهدئته وتسليته، وتعطيه ما جمعته من نقود ليصرفها أو تشتري له ملبوسا جديدا...
وكانت ثورات غضبه تؤثر عليها هي الأخرى، فتلوذ بالصمت أياما طويلة وهي عاكفة على تقشير الخضروات في المطبخ أو على جفنة التصبين...
كانت علاقتهما البدنية بسيدها قد انقطعت من زمان... منذ تجاوزت الأربعين وذهب شبابها وذبل جسدها... وبانقطاع العلاقة البدنية ازدادت الفوارق الاجتماعية بينهما، ونزلت زيدة إلى مجرد خادمة لها من سيدها ولد...
إلا أنها لم تفقد سيطرتها على البيت من الناحية الإدارية... كانت أم هانئ تعتمد عليها اعتمادا كاملا، وتعمل برأيها فيما يخص إدارة البيت، وإطعام الضيوف، وتنظيم الحفلات والمناسبات الاجتماعية... وساعدها نشاطها وحيويتها التي لم يثلمهما الزمان، ورغبتها في نسيان متاعب ابنها على الاستمرار والبقاء في صحة دائمة...
                                                   *
وحان موعد زفاف الولدين إدريس ومرزوق، بأختين من عائلة في مستوى عائلة الحاج الفاطمي الاجتماعي، ورخائها المادي...
ولم يكن أب البنتين ليرضى بتزويج ابنته لمرزوق، ابن الأمة، لو لم تكن حذباء يتفاداها الخطاب ويتجاوزوها إلى أختها الصغرى...
وبدأت حفلات العرس الذي دام سبعة أيام، وفي قلبه كانت زيدة لا تنام إلا لحظات، تأمر وتنهي في الخادمات والمساعدات، وترتب البيوت وتحمل الموائد على رأسها مليئة بالشموع والهدايا، وتزغرد وتهلل وتصلي على النبي، وترقص على الغناء والدفوف وتضحك على النكات التي تقال عنها، دون أن ينضب لنشاطها معين...
وكان إدريس، ابن الحرة، مع أصدقائه ووزرائه في (دار رسلان) غارقا في ملذات العزوبة التي أشرف على وداعها... كان يوم حفلة جديدة يفيض فيها الأكل والشراب، ويعبق الجو بروائح الأنبذة والخمور والدخان وأصوات المسمعين وموسيقى العود والكمنجة والطار...
وفي ليلة الزفاف أقيمت له حفلة حمام فذهب مع أصدقائه إلى حمام الحارة الذي اكتراه ليلا للمناسبة...
وبعد الحمام جاء الحلاق لتشذيب شعره على كرسي وسط الدار عل أنغام الموسيقى، وطيب الند والعود والشاي المنعنع، ونكات الرفاق والوزراء...
وجاء وقت الحناء وقدم فقيهان معروفان في المدينة بتحنية العروسين وبروحهما الخفيفة وكثرة فكاهاتهما، فعجنا الحناء في وعاء فضي بماء الورد وهما يتغنيان بالشعر والأذكار، ومد العريس يده اليمنى فرسما بالحناء ريالا مستديرا كالدينار في كفه، ودعيا له بالسعد والهناء وطول العمر... واستمرت الحفلات...
وذهب مرزوق مع حفنة من أصدقائه المقربين إلى حمام صغير، وذهبوا به بعد ذلك لبيت أحدهم حيث اجتمعوا حوله يغنون ويعبثون... وأرسلت أمه إليهم أطباق الطعام والفاكهة وصواني الحلوى... حتى أن وقت الدخول...
وقفت زيدة على باب قبة سيدها الصغيرة إدريس، وجالت ببصرها على السرير المغطى بالأستار المخملية الثقيلة تغطيها أستار أخرى شفافة توحي بشعور من الرفاهية والبذخ... وجالت بعينها على المطارف والوسائد المطرزة... كل شيء على ما يرام...
وانتقلت إلى القبة التي سيدخل فيها ابنها مرزوق على عروسه تلك الليلة، فدارت فيها هي الأخرى، ووضعت آخر اللمسات على أروقتها وحشاياها، وحين تأكدت أن كل شيء في مكانه خرجت وأقفلت القبة خلفها ونزلت تنتظر العروسين القادمين بنرفزة تحاول إخفاءها...
واقتربت أصوات المزامير والطبول، والأذكار والأناشيد، وطلقات البارود، وقرقبات جناوة من باب دار الحاج الفاطمي، تعلن وصول العروسين، واكتظ الدرب بالمتفرجين، والسطوح بالنسوة، لا تبدو إلا عيونهن من وراء الأقنعة... وانفتح الباب على مصراعيه ودخل الهوذجان إلى وسط الدار التي كانت مزدحمة هي الأخرى بالنسوة في أبهى حللهن، وقد أثقلتهن القفاطين والحلي الذهبية، وهن يشرئبن بأعناقهن نحو الهوادج المزينة، كأنها نسوة بدينات...
وانطلقت الزغاريد، وهللت الخادمات بالصلاة على النبي، وتغزلن في جمال العروسين كل واحدة باسمها...
كانت زيدة وسط المعمعة تفتح باب الهودج لتخرج عروس ابنها مرزوق بينما أم هانئ تستقبل عروس ابنها إدريس...
وصعد العروسان كل إلى قبتهما تصحبهما النسوة بالشموع والزغاريد...
وفي غرفتيهما جلسا تستريحان، والخدم يغسلن وجهيهما بماء الورد، ومشطت شعورهما، وجلستا في قميصين حريريين وقلباهما يخفقان في انتظار قدوم العريسين...
وفي الخارج كان موكب آخر يقترب نحو الدار... الشموع والمزامير والأذكار تحيط بالعروسين وهما في جلابيبهما البيضاء وحولهما الأصدقاء والأحباب، ووراءهما موكب من أعيان المدينة، وعلى باب الدار ارتفعت الأصوات مرددة.
عباها عباها... والله ما خلاها...
ثم انشق ذلك عن أصوات مهيبة تنشد بلحن مؤثر:
من يعتصم بك يا خير الورى شرفا
الله حافظه من كل منتقم
ثم رفع الفقهاء الفاتحة، ودعوا للعريسين بالسعادة والرفاء والبنين... ثم عادت الضوضاء تملأ الفضاء وبدأ الصغار ينشدون
عباها عباها... والله ما خلاها...
ويدقون الدربكات والتعاريج والأكف ويتزاحمون بالأكتاف ويشرئبون بالأعناق نحو وسط الدار خلف العريسين.
واختبأ النسوة في الغرف وفوق الدرابيز ووراء الأروقة يتفرجن على الموكب المتلاطم ويتسترن خلف الأقنعة والجلابيب...
وتقدمت الموكب زيدة وهي تهلل وتكبر وتزغرد ذاكرة اسم سيدها الصغير داعية له ولابنها بالرضى والسعد حتى أدخلت كل واحد قبته...
وحين فتحت الباب لابنها ضمته إلى صدرها وقبلته على خديه وجبينه ثم همست شيئا في أذنه ودفعته داخل القبة وأقفلت الباب وراءها ثم التفتت إلى موكب الأصدقاء تدفعهم بلطف قائلة:
- بارك الله لي فيكم اللي جانا يجيه الخير، والعزاب كيف تكونوا معهم إن شاء الله... وسمعت من وسط النسوة صيحات تقول:
- التبن للعزاب... التبن للعزاب...
ونزلت زيدة خلف الموكب تزغرد وتكبر...
وفي وسط الدار أصر الجميع على الوقوف في حلقة واسعة للغناء، ودخلت زيدة وسطهم هي الأخرى ترقص محركة أكتافها حركات مكهربة، ووجهها يشع بأنوار البهجة والسعادة... واجتمع حولها أصدقاء مرزوق يمزحون معها ويهنونها بزواج ابنها، وهي تشكرهم وتتمنى لهم الأماني...
وفي فجر اليوم الثاني جثمت على دار الحاج الفاطمي بلعيد سحابة كثيفة من الحزن...
لقد وقع خطأ فظيع... مرزوق، ولد الخادم، دخل بعروس أخيه إدريس ابن الحرة... ونام إدريس مع أختها الحذباء، زوجة مرزوق دون أن يدري لشدة سكرته... تبادلا العروسين...
ونظرت زيدة إلى وجه سيدتها أم هانئ وقد هضمه الألم والإهانة واليأس...
ورفعت يدها فمسحت عن خذها بصقة لم تمحها السنون...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here