islamaumaroc

ابن رضوان…

  دعوة الحق

114 العدد

يحدثنا صاحب بيوتات فاس عن بيت بني رضوان النجاريين الذين عرفوا بالعلم والرياسة في كل من غرناطة. ومالقة. وفاس. على عهد دولة بني مرين في المغرب، ودولة بني الأحمر في الأندلس...
وما يزال إلى الآن أثر لهذا البيت النجاري في اسم درب من دروب مدينة فاس يسمى:
"درب رضاونة" ويحرفونه فيقولون في اللهجة العامية "درب رطاونة"
ولاشك أن إضافة اسم هذا الدرب على بني رضوان منذ العصر المريني إلى الآن يدل على ما كان لهذا البيت من شهرة وجاه توازنهما الأحفاد عن الأجداد طيلة قرون... !
والمؤرخ المغربي محمد بن الطيب القادري مؤلف كتاب: "نشر المثاني" ينص في النسخة الخطية من هذا الكتاب في ترجمة: "هاشم الطاهري" على انقراض بيت بني رضوان هؤلاء من فاس... كما ينص على أن آخرهم سكنى وحياة بفاس هاجر إلى المدينة المنورة = أوائل القرن الثاني عشر الهجري = وخلف بنتين تزوج هاشم الطاهري المذكور أحداهما...
والحديث الآن متصرف على شخصية أبي القاسم ابن رضوان أحد أفراد هذا البيت النجاري الذي يمت إلى مالقة بولادته، وإلى غرناطة بدراسته، وإلى فاس برياسته وشهرته...
ومن حسن حظ أبي القاسم ابن رضوان أنه عاش في عصر كانت فيه أقلام أبي زكرياء السراج... وأبي الوليد ابن الأحمر... وأبي زيد ابن خلدون... ولسان الدين ابن الخطيب... لا يجف مدادها من التدوين والتسجيل... !
وشخصية أبي القاسم ابن رضوان تنجاذبها نواح متعددة من العلم، والأدب، والرياسة. وكان في كل ناحية يظهر أمام معاصريه وكأنه فارس الميدان... مع اتزان وأناة لاسيما في المنصب السياسي الذي كان دائما عرضة للرواجف والروادف المتكررة...
عرف أبو القاسم نور الحياة في مالقة سنة 718 (1) هـ. وهو عبد الله بن يوسف بن رضوان... ويحلى أبو الوليد ابن الأحمر في كتابه "مستودع العلامة" (2) ابن رضوان وأباه وجده فيقول:
"شيخنا الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى أبو القاسم عبد الله بن القائد الفقيه يوسف ابن الفقيه القاضي الخطيب رضوان النجاري الخزرجي المالقي المعروف بابن رضوان". ثم يردف ذلك فيقول: "ووالده يوسف تولى قيادة الديوان..." ويذكر أن الجد رضوان عرضت عليه وزارة أمير مالقة أبي سعيد بن إسماعيل فاعتذر ورضي بمنصب القضاء (3) هناك... !
ويحدثنا السراج في فهرسته عن نشأة أبي القاسم في مالقة وعن الدروس الأولى التي كان يتلقاها عن أبيه القائد يوسف... وخاله أبي الحكم عبد الرحمان بن القاضي أبي القاسم ابن ربيع الأشعري... فهذه نشأة مثالية... فالوالد قائد والخال أستاذ... وكل من الجد للأب... وللأم قاض... !
ثم يحدثنا السراج – وهو من تلاميذة أبي القاسم ابن رضوان – عن شيوخ أستاذه فبعدهم واحدا واحدا ويذكر ما أخذه عنهم وتضم هذه القائمة التي ذكرها السراج شيوخا من مالقة. وغرناطة. وفاس. وسلا. وآسفي وغيرها... فيهم الفقيه، والمحدث، والنحوي، واللغوي، والأديب، والصوفي.
فتنوع المعرفة في ذلك العصر كان يحتم أن ينال رجال العلم صنوفا متعددة من العلوم الدينية والأدبية مع شيء كثير أو قليل من التهذيب الخلقي والسلوك الصوفي... وقد نقل قائمة شيوخ ابن رضوان الشيخ أحمد بابا السوداني في كتابه "نيل الابتهاج" (4)
وعناصر المعارف التي أخذها ابن رضوان كان لها أثر كبير في ثقافته وسلوكه... كما أنها انعكست على آثار قلمه... فيما بعد... حينما دخل غمار الحياة في التدريس والتأليف والرياسة...
والظروف السياسية التي عاش فيها أبو القاسم في كل من مالقة وغرناطة قبل أن يلتحق بالمغرب... كانت ظروفا دقيقة في تاريخ دولة بني الأحمر... فأمراء غرناطة كانوا يختارون لأنفسهم القابا ضخمة... بينما كان أقاربهم في مالقة يجاذبونهم حبل هذه الألقاب بثورة حينا... وبكيد ومكر أحيانا... والعدو يتربص الدوائر بالجميع في انتظار النهاية... !
ودولة بني مرين جادة في الدفاع عما بقي في الأندلس... وتحارب الغزاة برا وبحرا... لكن راجفة معركة طريف سنة (741 هـ. 1341 م) التي استشهد فيها جماع من أعلام الأندلس وفي مقدمتهم أبو القاسم ابن جزي شيخ ابن رضوان... كان لها أكبر الأثر في استئساد الغزاة وجشعهم... وتسرب الهلع في الذعر إلى قلوب الأندلسيين... ! إشفاقا من أهوال المستقبل...
ولعل أبا القاسم نال حظه من الهلع والذعر والإشفاق إثر معركة طريف... وهو الشاب الذي لا يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره... ! ولعله قدر أن الحياة بالمغرب في كنف دولة بني مرين ستعطيه فرصة ثمينة لتتميم دراسته أولا... ونيله المنصب ثانيا... وهو الذي لم يتول في مالقة غير الشهادة (5)
ويذكر ابن خلدون أن ابن رضوان لحق بمدينة سبتة (6) بعد معركة طريف وبها اتصل بالسلطان أبي الحسن المريني الذي كان بهذه المدينة يعالج آثار النكبة التي حلت بالأسطول والجيش...
وقد وجد ابن رضوان في أبي الحسن. وفي رجال دولته تقديرا واهتماما...
فالقاضي إبراهيم التسولي استنابه في القضاء والخطابة...
وكانت الدولة عبد المهين الحضرمي أدناه وأفاده... وصيره كاتبا من كتاب ديوان الإنشاء... وكان الجو الذي وجده ابن رضوان في بلاط أبي الحسن... وفي غيره طافحا بالمواهب العلمية والأدبية فاستفاد من ذلك... ولم يترك ذا معرفة إلا جلس إليه ولازمه وأخذ عنه... فسمة العصر كانت تعطي للمعرفة طابع الشفوف والاعتبار والجاه...
كما أن المنهاج السياسي الذي كان أبو الحسن ينهجه كان يدعوه إلى أن يجعل من بلاط المريني مجمعا لأعلام الفكر... ليستعين بهم على توحيد أقطار المغرب الثلاثة... كما كان الحال على عهد الموحدين...
وقضى ابن رضوان سنوات في ديوان الإنشاء يعمل تحت رياسة شيخ كاتب الدولة عبد المهيمن الحضرمي... وهذه السنوات هي الواقعة بين تاريخ معركة سنة 741 هـ. وسنة 748 هـ. التي قاد فيها أبو الحسن حملته لتوحيد أقطار المغرب ووصل فيها إلى تونس...
وهناك يأخذ الكلمة ابن خلدون ليحدثنا عن هذه الحملة التي شاهد حوادثها في بلاده تونس... وتعرف على أسبابها ونتائجها... واتصل برجالها ومن ضمنهم أبو القاسم ابن رضوان الذي كان ضمن العلماء الذين صحبوا أبا الحسن (7)...
ويظهر ابن خلدون كان معجبا "بصاحبه" ابن رضوان فقال عنه: "أنه من مفاخر المغرب" كما يظهر أن أبا القاسم ابن رضوان حظي عند أبي الحسن في هذه الرحلة فأدناه يؤم به في الصلاة... ويخطب له على المنابر...
وانتهى أمر الحملة بما هو معروف في كتب التاريخ... بعد أهوال ومحن أظهر فيها أبو القاسم إخلاصا لأبي الحسن وتجليدا... بخلاف شيخه ورئيسه عبد المهين الحضرمي الذي غلبه الذعر فاختفى ملتجئا إلى دار ابن خلدون (8)... الأمر الذي أسخط أبا الحسن فأعرض عنه وجعل كتابة العلامة لغيره... ثم توفي عبد المهيمن بالطاعون الجارف الذي اجتاح البلاد سنة 749 هـ. ورجع أبو الحسن إلى المغرب تاركا ابنه أبا الفضل ليعالج الأوضاع الناتجة عن ثورة الأعراب... وجعل أبا القاسم كاتبا له ومعنيا...
لكن روادف النكبات توالت على أبي الحسن المريني ومشاريعه... وأسطوله... وعرشه... فاضطرب ابنه أبو الفضل إلى العودة من تونس إلى المغرب... واضطر أبو القاسم ابن رضوان بعد سنة من الانتظار في تونس إلى مغادرتها بحرا إلى الأندلس وفي (المرية) مكث مع ثلة من أعوان السلطان المنكوب ينتظرون نتيجة الصراع القائم بين أبي عنان... وأبي الحسن.
وفي فترة الانتظار هاته يقول ابن خلدون أن سلطان غرناطة أبا الحجاج يوسف ابن الأحمر دعاه إلى الالتحاق بكتاب دولته... فامتنع.... !
وعند نهاية الصراع... وفد أبو القاسم على أبي عنان فأحسن استقباله لما يعهده فيه أيام والده من إخلاص ومقدرة واستقامة واتزان... وذلك سنة 752 هـ.
وكما كان الشاب في دولة أبي الحسن حيث كان عبد المهيمن الحضرمي هو كاتب الدولة الأول... وغيره تابع له... فإن أبا عنان جعل من رفيقه وحاجبه أبا عبد الله محمد ابن أبي عمـــرو (9) كاتب دولته الأول...
وقتل ابن رضوان في البلاط المريني على عهد أبي عنان مع ابن أبي عمرو... ما مثله على عهد أبي الحسن. مع عبد المهيمن الحضرمي...
لكن أبا عنان أرسل سنة 754 هـ ابن أبي عمرو حاكما على بجاية فخلا الجو لابن رضوان وإذ ذاك أصبح كاتب الدولة الأول لمدة ثلاث سنوات...
ولعله من المناسب هنا أن نذكر عن كاتب الدولة الأول في العصر المريني أنه هو الكاتب الذي كان يدعى إذ ذاك بصاحب العلامة... وهذه العلامة تعني إمضاء خاصا بحروف متميزة يكون الكتاب بسببها نافذ المفعول عند كل من وصله من رجال الدولة وغيرهم... (10)
ولعل أبا عنان تأثر بأقوال منافسي أبي القاسم... وما أكثرهم في بلاطه... ! وكان هذا البلاط حافلا بالأعلام... ورجال السيف... والقلم... والسياسة...
فهناك الباقعة ابن خلدون...
والكاتب أبو عبد الله ابن جزي...
وأسرة بني أبي مرين...
وهناك غير هؤلاء... ممن كان من المألوف المعروف في ذلك العصر أن ينافسوا إن لم يحسدوا رجلا مثلا مثل ابن رضوان...
فلا غرابة إذا علمنا أن أبا عنان أزاح ابن رضوان عن كتابة العلامة... وتركه ضمن كتاب الدولة... !
ومات أبو عنان سنة 759 هـ وتولى على عرش بني مرين بعده ثمانية ملوك... وابن رضوان في منصبه متنقلا بين كتابة العلامة... ومطلق الكتابة... في المدة بين سنة 759 هت. وسنة 783 هـ التي توفي فيها أبو القاسم بمدينة آزمور... وهو في طريقه إلى مراكش صحبة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم المريني... (11)
فابن رضوان خدم دولة بني مرين أكثر من أربعين سنة فمنذ اتصاله بالسلطان أبي الحسن 741 هـ في سبتة إلى أن توفي سنة 783 هـ وهو يشاهد شريط الأحداث السياسية... ويتصل بالشخصيات العلمية... وعرف في هذه المدة عشرة ملوك... وطوحت به الأيام ما بين سبتة. وفاس. وتلمسان. وتونس. والمرية... وأخيرا: آزمور...
فهل كانت هذه الأحداث التي مرت بابن رضوان كافية لتدفعه كما دفعت معاصرين أمثال لسان الدين ابن الخطيب. وأبي زيد ابن خلدون – وقد كان في وضعية شبيهة بوضعيته من بعض الوجوه – إلى تسجيل تجاربه في السياسة وأفكاره وخواطره ومشاهداته...؟ بالإضافة إلى العمل الرسمي الرتيب في كتابة رسائل الدولة... ونظم قصائد المناسبات في الأمداح والتهاني والوصفيات...
هنا يسكت المؤرخون الذين تناولوا حياة ابن رضوان وفي ضمنهم ابن خلدون الذي عاصره وعرف من أخباره الشيء الكثير (12)... ويتكلم أبو العباس المغربي في كتابه (روضة الآس) عند ترجمته لأبي عبد الله محمد بن يوسف ابن رضوان... وكان من شعراء فاس... الذين لقبهم المقري في رحلته لمراكش سنة 1009 هـ
يقول المقري عن محمد بن يوسف ابن رضوان: "لقيته بمراكش حماها الله... وهو من ذرية الإمام رئيس الكتاب الشهير أبي القاسم ابن رضوان... صاحب المؤلف في (السياسة) وغيره..." (13)
ويتكلم أيضا الشيخ بابا السوداني في كتابه (نيل الابتهاج) فيختم ترجمته لأبي القاسم ابن رضوان بقوله:
"وله تأليف حسن في (السياسة) السلطانية وكتاب (السياسة) هذا يسمى:
"الشهب اللامعة في السياسة النافعة"
وتوجد من هذا الكتاب عدة نسخ...
ففي الخزانة العامة بالرباط وتوجد نسخ ذات هذه الأرقام: ف 92 – و – د. 729 – و – ج. 908
وتوجد نسخ أخرى في مكاتب خاصة...
والمحور الذي تدور عليه فصول هذا الكتاب هو المحور الخلقي والسلوك العلمي لرجال السلطة والحكم...
وهذا الكتاب من قبيل كتاب "التاج" للجاحظ... وسراج الملوك، للطرطوشي... غير أن به نقولا هامة عن كتب نادرة أو مفقودة...
أما شعر أبي رضوان ونثره فمنه الشيء الكثير وهو جدير بالجمع والدراسة... وكذلك فهرسته المذكورة في فهرس الفهارس ج 1 ص 331
ولا أودع ابن رضوان دون أن أشير إلى شيئين يتعلقان به في فاس:
1) أن صاحب بيوتات فاس يشير إلى عرصة كان يملكها أبو القاسم ابن رضوان مجاورة لعين بوخزر... ولعل أبا القاسم كان يسكن بها... وموقعها الآن بردوس الرحي...
(2) يشير صاحب بيوتات فاس إلى أسرة أخرى من بني رضوان غير بني رضوان النجاريين المالقيين... الذين منهم أبو القاسم ابن رضوان... بل هو من قبيل آخر ومنهم شيخ ابن الأحمر عثمان بن رضوان الوزروالي... المتوفى سنة 798 هـ وهو مترجم في السلوة ج 3 ص 309


(1) فهرسة السراج مخطوطة...
(2) ص. 51 – ط. تطوان
(3) المصدر السابق ص 52
(4) على هامش الديباج لابن فرحون ص. 145 – القاهرة 1351 هـ.
(5) نثير الجمان لابن الأحمر "مخطوط"
(6) التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا ص. 41 – القاهرة سنة 1951 م.
(7) المصدر السابق
(8) المصدر السابق ص 40
(9) ترجمه أبو الوليد ابن الأحمر في نثير الجمان "مخطوط" وابن القاضي في درة الحجال ج 1 ص 283
(10) انظر ما كتبه في موضوع العلامة. أبو الوليد ابن الأحمر في كتابه مستودع العلامة ص 20
(11) ابن خلدون كتاب التعريف ص 44، وانظر ابن القاضي في جذوة الاقتباس الذي ذكر وفاة ابن رضوان في مدينة (آنفا) وذكره في درة الحجال ج 2 ص 461 ولم يشر إلى مكان الوفاة... وصاحب بيوتات فاس يجعل وفاته سنة 782 هـ بآنفا...
(12) كتاب التعريف. القاهرة، 1951 م.
(13) روضة الآس ص 338 – الرباط، 1964 م.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here