islamaumaroc

بين مهمتين في إفريقيا -1-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

منذ ست سنوات قمت بجولة عبر إفريقيا زرت فيها السنغال وليبيريا وغانا وساحل العاج ونجيريا وسيراليون التي منعنا من دخولها رفقة أعضاء وفد مؤتمر العالم الإسلامي قصد الدعاية للقضية الفلسطينية والحصول على تأييد الشعوب الإفريقية وحكوماتها لجانب الحق والعدل. وكان الوفد يتركب من السادة: موسى أبي السعود وهو فلسطيني الأصل وعضو في الهيئة العربية العليا لفلسطين، ورياض العابد وهو سوري الأصل وكان يعمل محاميا في دمشق، وكاتب هذه السطور وقد كنت في ذلك الوقت رئيسا لمصلحة الإذاعة والتلفزة التربوية بوزارة التربية الوطنية. وقد قمنا بهذه الجولة آنذاك والشعوب الإفريقية التي زرناها لم يكن مر بعد على حصولها على الاستقلال إلا سنة أو سنتان باستثناء غانا التي كانت استقلت منذ أربع سنوات. ومعنى هذا أن الشعوب الإفريقية في ذلك الحين لم تكن استكملت بعد استقلالها ولكنها كانت ما تزال تخضع في الميادين الاقتصادية والإدارية والعسكرية للنفوذ الأجنبي الذي كان يفرض عليها سيادته بواسطة المساعدات المادية والتقنية. وكان معظم حكام هذه الأقطار التي حظيت بالاستقلال دون بذل الأرواح وتقديم الضحايا في مقاومة الاحتلال الأجنبي يعملون تحت تأثير السلطات الاستعمارية التي تكرمت على بلدانهم باستقلال صوري بعدما احتفظت لنفسها بالسيطرة الفعلية على أهم أجهزة هذه الدول حتى توجهها حسب مشيئتها ووفق إدارتها. ولم يكن غالبية الأفارقة آنذاك بوعي سياسي يجعلهم يدركون قيمة وزنهم في الميدان الدولي ويفرضون رأيهم في المنظمات العالمية بل كانوا كما قال الشاعر:
"خليفة" في قفص     بين وصيف وبغا
يقول ما قيل له        كما تقول الببغا
كانت فكرة الوحدة الإفريقية ما زالت غريبة عن أسماع رؤسائهم ومرؤوسيهم، وكان اهتمامهم بالقضايا الدولية بسيطا جدا، فلم يكونوا يعرفون عن مشكلة فلسطين أي شيء، ولم تكن حرب الفيتنام لتشغلهم ولا حصار كوبا يهمهم ولا السباق نحو التسلح يزعجهم. ولعل من القضايا التي كانت تثير بعض الاهتمام عندهم قضية الميز العنصري الذي كان آخذا في الاستفحال في إفريقيا وأمريكا، ومشكل الكونغو الذي تأزم واحتد بعد فشل الأمم المتحدة.
أما عن قضية فلسطين المقدسة فلم يكن الأفارقة يلمون بها البتة، لأنهم كانوا يعيشون تحت ضغط الاستعمار المتستر وراء المساعدات والمستشارين التقنيين، كما كانوا متأثرين بالدعايات الإسرائيلية التي كانت متعددة الوجوه ومتنوعة الأشكال. فقد جعلت إسرائيل رهن الشعوب الإفريقية كامل إمكانياتها البشرية والمادية، فكانت تمدها بالمساعدات المالية والفنية والتجهيزات الأساسية. كانت إسرائيل آنذاك تدرب جيش ساحل العاج وتجهزه كما كانت تبني العمارات الإدارية الشاهقة والفنادق العظيمة والمعاهد والكليات الضخمة، كانت تبعث بالمدرسين والمعلمين وتوزع المنح الدراسية بسخاء على أبناء إفريقيا حتى يقبلوا على مدارسها للدراسة والتحصيل والتخصص. وكانت تقوم بدعوة رؤساء الدول الإفريقية ووزارئها ومختلف إطاراتها وأعضاء مجالس النواب فيها وأرباب المهن الحرة لزيارة إسرائيل وقضاء أسبوع على الأقل في ربوعها حيث يلقى الجميع الاستقبال الحار والحفاوة الفائقة والإكرام المتناهي، وليت الأمر انحصر عند هذه الأشياء، ولكنه كان يتجاوزها إلى حد بعيد حيث تلبى جميع الرغبات والشهوات مهما كان نوعها فتعرض المشروبات الشهية وتنظم السهرات الممتعة التي يجد فيها الزائر جميع ما لذ وطاب. وأي دولة غير إسرائيل يمكنها أن تقدم لزوارها وضيوفها ما يرغبون وما لا يرغبون فيه من ملذات وإن كان ذلك على حساب الأعراض والأخلاق؟ وأذكر أن غالبية رؤساء الدول الإفريقية آنذاك كانوا زاروا إسرائيل بدعوة من حكومتها، كما كان رئيس دويلة الصهاينة وبعض مساعديه يستعدون للقيام بجولة عبر كثير من الأقطار الإفريقية لرد الزيارة واحترام قواعد الضيافة والمجاملة. وأذكر أن رئيسا إفريقيا واحدا لم يكن زار دولة عربية ما في ذلك الوقت أو كان حدد موعدا لزيارتها، اللهم ما كان من الدول الأعضاء في منظمة دول إفريقيا الثورية التي كان رؤساؤها زاروا بلادنا للحضور في مؤتمري الدار البيضاء الأول والثاني ومؤتمر القاهرة.
ألم يكن من المعقول مع هذا أن تكون ميول الدول الإفريقية تسير في اتجاه السياسة الإسرائيلية وأن يكون المسؤولون الأفارقة يحبذون موقف إسرائيل التي كانت السباقة إلى شرح وجهة نظرها والمسرعة للحصول على رضاهم وموافقتهم نظرا للجهود التي بذلتها والمساعدات التي قدمتها؟ ألم يكن من المعقول أن يتخذ رؤساء الدول الإفريقية وشعوبهم مثل هذا الموقف بعدما تقاعس العرب ولم يتفضل أحد منهم للتعريف بقضيتهم وعرضها على أنظار الأفارقة حتى يدركوا الحقيقة ويستطيعوا اتخاذ موقف مناسب بعد دراسة مقارنة لنظريتين متعارضتين وموقفين متباينين؟ ألم يكن من المعقول أن تسير الدول الإفريقية ورؤساؤها في ركاب إسرائيل بعد ما سمع معظم هؤلاء القادة الإفريقيين بعض الإذاعات العربية تسبهم وتنعتهم بعملاء الاستعمار الجديد في إفريقيا وتخص بالذكر منهم هو فويت بوانيي وسنغور وحماني ديوري؟
إن آفة الأمة العربية في الماضي وطامتها العظمى في الحاضر، ونرجو أن لا تظل آفاتها في المستقبل، هي ضعف أجهزة الإعلام والدعاية العربية التي لا تعتمد على الطرق العلمية والواقعية لكسب المؤيدين والمناصرين وربح الموافقين والمعضدين، والتي تبني برامجها الضحلة الغثة على أسس من العواطف الهوج والمشاعر الكاذبة والافتراءات الفارغة.
 في هذه الظروف القاسية التي لا تتلاءم مع موقف الأقطار العربية قام وفد مؤتمر العالم الإسلامي بمهمته في سنة 1962. وقد اقتصرت هذه المهمة على اتصال برؤساء الدول الإفريقية التي تمكن أعضاء الوفد من زيارتها وبعض القادة الشعبيين وشيوخ الطرق والزوايا والجاليات العربية التي تعيش في الأقطار الإفريقية، والتي كانت تقضي حياتها في عراك مرير ونزاع أليم وخلافات قوية بسبب التيارات السياسية التي كانت تهز العالم العربي، والمذاهب المتنازعة في سبيل البقاء والانتصار في الشرق الأدنى. فقد كان من بين أعضاء هذه الجالية من يناصر القومية العربية التي كانت قوية الشوكة آنذاك، كما كان من بينهم من يناصر الاتجاه العربي المتحرر.
أما فيما يتعلق بفلسطين فقد كان من بين أفراد هذه الجالية من يجاهر بعدائه لمفتي فلسطين الشيخ الحاج أمين الحسيني ويؤيد الفئات التي قامت ضده، كما كان فيهم من يرى أن مفتي فلسطين قد أبلى البلاء الحسن في الدفاع عن الحق العربي في فلسطين وأن إخفاق مساعيه يرجع لتكالب قوى الشر والعدوان ضده وضد العرب. وقد وجدنا آنذاك من أفراد الجالية العربية من كان يتعاون مع إسرائيل داخل الشركات التجارية والمؤسسات الصناعية التي كانت تشرف عليها إسرائيل بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
وإذا كان من المعقول أن لا يصل وفد مؤتمر العالم الإسلامي إلى نتائج إيجابية نظرا لهذه الظروف الصعبة والعوامل المعاكسة، فإن من باب الصدع بالحق أن نؤكد أن الوفد لم يكن مستعدا للقيام بمأموريته السامية على الوجه الأكمل رغم نوايا أعضائه الحسنة واستعداداتهم الطيبة، ويرجع هذا إلى العقلية العربية السائدة في الشرق والتي ما زلت بعيدة عن التنظيم العملي والحياة الواقعية وتقدير المسؤوليات. كان أول خطأ ارتكبه الوفد هو عدم الاضطلاع بالمهمة إلى نهايتها؛ فقد اكتفى بزيارة ببعض الأقطار وفضل العودة دون أن يزور بلدانا أخرى كان من المقرر الوصول إليها والاتصال بالمسؤولين فيها. فقد بلغ الجهد والعياء من أعضاء الوفد مبلغا كبيرا حتى فضلوا الرجوع إلى ديارهم راضين من الغنية بالإياب كما يقول امرؤ القيس. والواقع أن المقام في إفريقيا صعب فقد كانت معظم الأقطار لا تتوفر على فنادق صالحة للإقامة كما كانت وسائل المواصلات وما زالت عسيرة وقليلة، الشيء الذي جعل المقام يطول دون الوصول إلى أية فائدة. ومن الأخطاء التي ارتكبها الوفد آنذاك توجيه الخطاب للأفارقة بلغة حماسية لا تعتمد على الواقع والمعقول، وعدم عرض القضية في إطار سياسي وإسلامي يجعلها مقبولة في الإسماع، وإنما كانت ترتكز على إذكاء الحماس وانتزاع التأييد انتزاعا من الإخوان الإفريقيين وبلهجة قوية لا تخلو من السب والشتم والتحطيم. ومع ذلك فقد وجد الوفد نوعا من التأييد بلغ درجة الحماس في بعض الأحيان، كما نجح الوفد في تبليغ الأخوة العربية وطرح قضية فلسطين في ربوع الأقطار الإفريقية لأول مرة رغم التغلغل الإسرائيلي الذي كان قوى الشوكة ثابت الدعائم، والعملية في حد ذاتها خطوة إيجابية كان من اللازم أن تتلوها خطوات أخرى لتركيز الفكرة وشغل الأفكار بها وتركها تختمر في نفوس أبناء إفريقيا مدة من الزمن قبل الإقدام على المطالبة بالتأييد المطلق والمناصرة التامة.
وقد جاءت مهمة الوفد المغربي لمؤتمر العالم الإسلامي هذه السنة لتربط الحلقة بالمهمة السابقة وتحقق نفس الرسالة. وإذا كان مؤتمر العالم الإسلامي قد قرر في دورة عادية عقدها في العراق سنة 1962 إرسال بعثات لمختلف الأقطار للدعاية للقضية الفلسطينية فإن المؤتمر عقد هذه المرة دورة استثنائية في عمان على إثر العدوان الصهيوني الغاشم على الأراضي العربية والبقاع المقدسة واتخذ، بعد دراسة الأوضاع التي نتجت عن هذا العدوان الأثيم في العالم الإسلامي وما تركه احتلال المسجد الأقصى في نفوس المسلمين من عواطف الألم والحراسة، قرارا بتوجيه وفود عنه إلى مختلف البلدان الإسلامية للاتصال برؤسائها وشعوبها وقادة الرأي والدين فيها وعرض قضية البقاع المقدسة عليهم ومطالبة جميع المسلمين بالعمل المتواصل والسعي المستمر لتحرير المسجد الأقصى والأماكن الإسلامية الطاهرة من دنس اليهود وعبث الصهاينة الآثمين.
وقد انتدب ممثل المملكة المغربية في مؤتمر العالم الإسلامي أخونا الأستاذ أبو بكر القادري للاضطلاع بهذه المهمة النبيلة في القارة الإفريقية كما تقبلت الحكومة المغربية وعلى رأسها صاحب الجلالة الملك المعظم الحسن الثاني هذا التكليف بفرح عظيم وحماس كبير. فما أن أشعر أخونا الأستاذ أبو بكر القادري بالمأمورية الملقاة على عاتقه حتى رفع الأمر إلى صاحب الجلالة الذي شجعه على القيام بهذه المهمة السامية وبذل له المساعدات اللازمة لإتمامها على الوجه الأكمل. وكان من جملة هذه المساعدات تعيين عضوين آخرين في الوفد لمؤازرة الأستاذ القادري في رحلته وتكليف سفارات المملكة المغربية في الأقطار الإفريقية بتيسير مهمة وفد مؤتمر العالم الإسلامي وتزويد أعضاء البعثة بنسخ عديدة من القرآن الكريم قامت بطبعها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأمر من صاحب الجلالة بمناسبة احتفال المغرب بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن. وسوف لا أعدو الواقع إذا قلت بأن هذا المصحف الجليل لعب دورا كبيرا في نجاح مساعي البعثة، وقد كان أخونا أبو بكر القادري ملهما عندما فكر في أخذ هذه النسخ وحملها معه إلى القارة الإفريقية. فقد أثر هذا المصحف تأثيرا عظيما في نفوس إخواننا الإفريقيين الذين كانوا يتلهفون شوقا للحصول عليه ويتسابقون للتبرك به ويتهللون بشرا وانشراحا كلما تمكنوا من حيازته، كما كان لهذا المصحف مفعول عجيب في تعزيز أواصر الأخوة الإسلامية وتقوية معنوية المسلمين الأفارقة الذين اعتبروه أجل هدية يمكن أن يقدمها وفد إسلامي بين يديه. ورغم أن الوفد لم يكن يحمل صبغة رسمية فإن جنسية أعضائه كان لها أكبر الأثر نظرا للروابط العديدة التي تجمع بين المملكة المغربية وغالبية الأقطار الإفريقية والتقدير الكبير الذي يحظى به صاحب الجلالة والمهابة الملك المعظم الحسن الثاني أيده الله ونصره لدى قادة هذه الأقطار وشعوبها بسبب العطف المكين الذي يكنه جلالته لهذه البلدان والرعاية الفائقة التي يوليها لأبنائها.
وهكذا فقد تمكن وفد مؤتمر العالم الإسلامي الذي كان يترأسه هذه السنة أخونا الأستاذ أبو بكر القادري عضو المؤتمر والذي كان يتركب من السيد عبد الكريم حجي رئيس مصلحة اللاجئين بوزارة الشؤون الخارجية وكاتب هذه السطور من الاضطلاع بالمأمورية النبيلة الملقاة على عاتق أعضائه وأداء الأمانة الجليلة التي نيطت بأفراده. وقد قام الوفد بزيارة الجمهورية السنغالية وطاف بين مختلف ربوعها وأرجائها خصوصا تواون وطوبي وكولخ وسان لوي، كما قام بزيارة كامبيا وسيراليون وغينيا وساحل العاج وفولتا العليا والنيجير ومالي، حيث ربط اتصالات مهمة مع رجالاتها وقادتها وعقد اجتماعات مفيدة مع منظماتها السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية. وقد عرض الوفد قضية فلسطين في إطارها الإسلامي والسياسي وبسط العواقب الوخيمة التي نتجت عن الاعتداء الصهيوني على بيت المقدس والأقطار العربية المجاورة لإسرائيل، كما بين الواجب الذي فرضه الدين والحق على المسلمين لانتشال هذه البقاع الطاهرة من أيدي المعتدين. فكيف كان رد الفعل لدى هذه الأقطار الإفريقية؟ وما هي الأصداء والآثار التي خلفتها زيارة وفد مؤتمر العالم الإسلامي عند قادتها وشعوبها؟ وكيف تلقى إخواننا المسلمون في إفريقيا هذه البعثة؟ وهل عرفت قضية فلسطين تطورا ما بعد هذه الجولة؟ وما هي النتائج الإيجابية التي توصل إليها الوفد بعد أداء مهمته؟ ذلك ما سنحاول أن تقف عليه في الحلقة المقبلة بحول الله.

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here