islamaumaroc

أزمة المدفوعات بين المغرب والبلدان الاسكندنافية في القرن 18

  دعوة الحق

العددان 111 و112

ترتبط هذه الأزمة بالوضعية، القانونية والسياسية، التي كانت عليها البحار يومذاك. فإلى زمن جد متأخر، بقي التنظيم القانوني للبحار ضيقا، محدود المدى بين البلدان المتجاورة. غير أن اتساع النشاط البحري – في الحرب والتجارة – عمل على ظهور فكرة قانون موحد يتعدى نطاق الأقاليم المتجاورة وذلك إما عن طريق اتفاقية دولية عامة، أو بتعديل الأنظمة الإقليمية، حتى تتسع لمصالح جميع الدول. لقد نشأ عن هذا التبدل أكثر من نزاع. وتدخل أزمة المدفوعات الاسكندنافية للمغرب في هذا الإطار.
لم يكن بد من أن يتأثر المغرب بوضعية البحار دوليا، وذلك باعتباره بلدا يطل على المتوسط والأطلنطي. وإذا كانت البحرية المغربية قد عرفت عصورا زاهرة خلال القرن الثاني والثالث عشر، فإن الفتور الذي اعتراها بعد لم يبلغ بها درجة الانقطاع. هكذا بقيت تمارس نشاطا محدودا حسبما يتوفر لأهلها من نزوع إلى المغامرة ومحبة في الكسب، خصوصا بعدما اتضح من أهمية مجالها في ربط الأطلنطي بالبحر المتوسط.
إنه ليبدو غريبا – والحالة كما وصفنا – أن ينطبع المغرب في أذهان الأوربيين بخطورة بحرية يضطرون معها إلى أداء "أتاوة" ضمانا لسلامة مرور سفنهم. ولعل هذا الأمر يتضح قليلا إذا لاحظنا أن البحرية التركية، في باقي شواطئ الشمال الإفريقي ألقت على البحرية المغربية كثيرا من الظلال... وجعلت الأوربيين ينظرون إليها بشيء من المبالغة.
في سنة 1763 م، أبرم المغرب – باسم السلطان المولى محمد بن عبد الله – معاهدة سلم وصداقة مع مملكة السويد (أدولف فريديك). وقد صيغت هذه المعاهدة في ثلاثة وعشرين بندا تناول معظمها حرية التجارة بين البلدين. ثم ألحق بها اتفاق آخر التزمت السويد بموجبه أن تقدم للمغرب، كل سنة، مقادير معلومة من غيار السفن والذخيرة والسلاح. وهناك معاهدة أخرى أبرمت في فاس عام 1803 م وقعها باسم البلدين : القائد الحاج عبد الرحمن العشاش، وقنصل السويد (ويجيك). وقد عدلت في أيام المولى سليمان بأن يؤدي السويد مقدار 20000 بياستر كل سنة عوضا عن المعدات التي اتفق عليها في المعاهدة الأصلية.
وفي سنة 1767 م، أقام السلطان المولى محمد ابن عبد الله معاهدة سلم وتجارة مع ملك الدانمارك (كريستيان السابع). وقد ورد بها أن مملكة الدانمارك تلتزم بأن تدفع إلى السلطان كل سنة جملة من المدافع والذخائر الحربية وبعض المواد الأولية لصناعة الذخيرة.. وغيار السفن. وقد جعل الخيار لحكومة الدانمارك بين أن يكون الدفع في شكل سلع ونقود، أوفي شكل نقود فحسب، وقدرها 25000 بياستر. وتضمن الاتفاق أنه فيما لو حدث ظروف طارئة حالت دون الأداء خلال سنة ما، فإن سلطان المغرب يحتفظ بحقه في اقتضاء تلك الواجبات خلال السنة التالية، كنوع من الأداء المؤجل. ولابد أن نشير إلى أن السويد والدانمارك لم تكونا وحدهما ملتزمتين بأداء مقادير مالية أو سلعية إلى المغرب، ذلك أن البندقية كانت بدورها تؤدي مقدار 1800 بياستر، وهامبورج 5000 بياستر، وبريم 2000 بياستر.
لقد قيل أن هذه المقادير كانت تتوجب من غير مقابل. والحق أن هذا مجال نظر، ذلك أن سبب أدائها – وهو وضعية البحار – ظلت حتى ذلك الوقت مسألة سياسية أكثر منها قانونية. أجل، ظلت مسألة ترتبط بالمصالح الخاصة لكل دولة، وتحل على أسا المؤتمرات. وقد ظل المغرب في غيبة عنها لا بحكم التحرج الذي عرفته بعض أدواره الدبلوماسية فحسبن بل أيضا لأن الدبلوماسية الأوربية لم تكن قد تخلصت من طابعها المسيحي. فلا غرابة أن يأخذ سلاطين المغرب في معالجة هذه القضية بالطريقة التقليدية وبالمتشبث بالاتفاقيات والأوضاع القديمة، مهما تعارضت مع النظريات التي استجدها أصحاب المصلحة فيها. ومن جهة أخرى فإن هذا الواقع كانت له مزاياه وفوائده بالنسبة إلى من اتفقوا عليه مع سلاطين المغرب، إذ عمل على تسهيل الملاحة وتأمينها، لا في شواطئ المغرب فحسب، بل كذلك عبر الشواطئ التي كان لأصحابها علاقة حسنة بالمغرب، ونعني الأتراك في باقي الشمال الإفريقي.
حوالي منتصف القرن التاسع عشر أخذ بعض هاتيك الدول في الاعتراض ضد أداء المدفوعات المذكورة، وذلك بتأثير النظريات القانونية في حرية البحار واحتجاج التجار وشركات الملاحة؛ لقد قيل أن الأمر يتعلق بتكليف لا مبرر له على التجارة. وقيل أن الأمر يتعلق بخرق قواعد القانون الدولي، كما تدرعت تلك الدول بمبدأ المساواة في وجوب معاملتها نفس معاملة الدول التي لا تدفع شيئا.
والواقع أن حلول فرنسا في الجزائر (1830 م) كان ذا أثر حاسم بالنسبة إلى مسألة المدفوعات هذه. لقد بدل هذا الحدث من أفكار الأوربيين عن أحوال المغرب، ووجدوا أنهم يبالغون في تقدير قوته. وإذن فليصروا على أنهم لن يدفعوا شيئا بعد اليوم !
خلال عام 1843 قرر ملك الدانمارك (كريستيان الثامن) دعوة المخزن إلى التفاوض حول مسألة المدفوعات الواردة في اتفاقية 1776. وحتى يتسع نطاق هذا المشروع أوصاه مستشاروه أن ينجز مساعيه باشتراك مع ملك السويد والنرويج. بل ذهب كريستيان أبعد من ذلك حين أراد أن يستعين بالنفوذ الفرنسي والبريطاني باعتبار وجودهما في كل من الجزائر وجبل طارق.
أما شارل الرابع عشر، ملك السويد والنرويج، فرأى أن المشروع يكون أكثر توفيقا إذا تبنته مجموع الدول الخمس الكبرى يومذاك (فرنسا، إنجلترا، بروسيا، النمسان روسيا). وقد تبين من المساعي والاتصالات أن الدول الأخيرة الثلاث تعطف على القضية، غير أنه يكون عمليا أن توضع القضية في طوق الفرنسيين والإنجليز. وكان من رأي (ميترنيخ) أن تتبنى إنجلترا المسألة بنصيب أوفر، نظرا للحالة التي توجد عليها العلاقات الفرنسية المغربية الناجمة عن احتلال الجزائر وما تلاه من حوادث في المنطقة الشرقية... هكذا قام قنصل الدانمارك في طنجة (كارستنسن) وقنصل السويد (أرنهوف) بالمبادرة الأولى، يعززهما تدخل القنصل الإنجليزي (دراموندهاي – وبعده ابنه جون هاي) وسفير بريطانيا في مدريد (بولوير) وحاكم جبل طارق. بينما كانت مساعي الفرنسيين على يد القنصل (فرنسوا دونيون). وكان وسيط المخزن في هذا الحوار هو الباشا (بوسلهام بن علي) نائب السلطان في طنجة، والسيد محمد بن إدريس الذي كان يقوم بما يسمى اليوم وزارة خارجية، كما شارك في المحادثات، علو نحو أقل اتساعا، تاجر مغربي هو مصطفى الدكالي، الذي كان – بحكم أسفاره – مطلعا على أحوال فرنسا وبريطانيا.
غداة وصول كريستنسن إلى طنجة، التحق بالسيد بوسلهام في العرائش. وقدم له ثلاث رسائل باسم البلدان الاسكندنافية وفرنسا وبريطانيا. وقد جاء في الرسالة الأولى، أن القنصل يلتمس – وقد اعتمده ملك الدانمارك – من سلطان المغرب إلغاء المدفوعات التي تضمنتها معاهدة 1767، لأن التعهد الذي وقع بشأنها لم يعد مطابقا لمنافع جميع الأطراف فإذا كان قد أتى وقت رضي فيه الدانمارك بالتحمل بتلك المدفوعات فإن ظروفه آنذاك لم توجب تعارضا في المصالح أو إضرارا بأحد الطرفين. أما الآن (سنة 1844) فإن الأمور تغيرت ولم يعد يستفيد من تلك المعاهدة إلا المغرب. إن ظروف الملاحة قد تغيرت. والفوائد التي كان ينتظر الدانمارك اجتناءها – سواء من حيث الإبحار أو التجارة – لم تعد متوفرة. وزادت الرسالة في تعليلاتها أن مملكة الدانمارك فقدت نصف أراضيها باستقلال النرويج، وهذا مما يزيد في عجزها عن أداء تلك المقادير. وإن كريستيان الثامن يلتمس من عدالة السلطان وحكمته أن يستجيب إلى هذه الرغبة. وأنه إذ يفعل ذلك سيمكن شعب الدانمارك من الوقوف على قدم المساواة مع بقية الشعوب في هذه المسألة.
لم تصرح الرسالة بأن الأمر يتعلق بظلم تحملته الدانمارك عند توقيع معاهدة 1767، إنما ورد فيها أن المعاهدة كانت مفيدة فيما مضى. وذلك هو الواقع فإن القرصنة كانت شيئا معمولا به يومذاك. وذات الوضعية التي كانت لها في المتوسط مثلا كانت لها في البحار الشمالية الاسكندنافية. وبالنظر إلى منطق ما قبل تشبع البلدان بالأعراف البحرية يعتبر دفع الأموال فإلى سلطان المغرب – مقابل الحماية – حلا لا بأس به. كذلك يبدو، من اعتذار القنصل بضعف الدانمارك إثر انفصال النرويج عنه، إنه لم يطلب رفع الأتاوة كحل وحيد.. وهو لذلك ترك الباب مفتوحا لما قد يظهر من حلول أخرى.
أما ملتمس القنصل الفرنسي (نيون) فكان أميل إلى اللهجة الشديدة : "إن عصرنا مشرق بحكمة السلم. وجميع الدلو تجاهد لتوطيد علاقاتها الودية على أساس القانون والعدالة الدوليين. وبالنظر إلى هذه الروح يبدو من الصعب على الأمة الدانماركية أداء النقود إلى المغرب..." وهي لهجة تفهم سرها على ضوء احتلال الفرنسيين للجزائر وما تلاه من حوادث على الحدود... هذا مع العلم بأن الحكومة الفرنسية أوصت قنصلها "بألا يعمل على أن تكون فرنسا طرفا في النزاع". أما ملتمس القنصل البريطاني فأكثر اعتدالا..
في 21 أبريل تلقى كريستنسن – بواسطة محمد ابن أدريس – جواب المولى عبد الرحمن. وهو جواب سلبي كان مثار دهشة. وقد علق عليه محمد بن إدريس بن السلطان، إذا كان لا يريد إلغاء اتفاقية 1767، فإن السبب هو أنها أساس العلاقة السلمية التقليدية بين البلدين : أن إلغاء المدفوعات لا يعني سوى إلغاء تلك العلاقة...! وليس من المعقول أن نلتمس علاقة أخرى غير الود.
أضحى جواب السلطان مثار نشاط المثلث الدبلوماسي، وكالعادة قال القنصل الفرنسي للسيد ابن إدريس، أن بلاده "لن تتهاون في مبادئ العدالة وقواعد القانون الدولي، واسمحوا لي – يقول للوزير – أن آمل بأن يكون نفس الشيء بالنسبة إلى المغرب" وعقب القنصل البريطاني بأنه تلقى تمنيات حكومته بقيام تفاهم بين الطرفين. أما الدانمارك فلم يؤسه جواب السلطان، بل عاد يشرح القضية ويبرز مختلف جوانبها ذاكرا أنه في الوقت الذي أبرمت فيه المعاهدة كان الأسطول الدانماركي يشمل 600 قطعة، بينما الأن لا يعدو الستين.
مهما كانت الديبلوماسية التي اختطها السلطان في هذه المسألة، فلا شك أنه لم يكن يرحب إطلاقا بوجود الفرنسيين ضمن القائمين بالمساعي. لذا نجد السيد ابن إدريس يكتب إلى القنصل الفرنسي بألا يعمل "على خرق معاهدة تهم طرفين.. وتؤسس العلاقة الموجودة بينهما". والجدير بالذكر أن الدبلوماسية السويدية باسم الملك (أوسكار الأول) تأخرت عن تقديم طلبها المباشر طيلة أربعة أشهر. ولم يختلف جواب المغرب عن ذي قبل.
جبل طارق : أما بريطانيا التي قبلت مبدأ رسو هذه السفينة في المنطقة، فقد أوصت، حاكم الجبل وقنصلها في طنجة بالتزام الحياد. وبعد ذلك بقليل جاءت ثلاث سفن حربية سويدية. وبدا أن القضية تأخذ اتجاها حرجا.
لم يلبث ممثلا البلدان الاسكندنافية أن أبلغا السيد ابن إدريس بأن حكومتيهما لم تعودا على استعداد لأداء المقادير المتفق عليها في المستقبل. ولكنهما تودان من جلالة السلطان إبرام اتفاق جديد أو تجديد الاتفاق السابق (1767) مع إلغاء ما تضمنه من أداءات مالية. وزاد أن الحكومتين غير مستعدتين لأداء ما بقي عليهما من السنوات الماضية. وعلى عكس ذلك هما على استعداد لأداء المقادير التي تؤديها الدول الأخرى... التي لها مع المغرب اتفاقات في الموضوع (العبور البحري).
جانب التصلب في هذا الموقف هو أن القنصلين أثارا، ولأول مرة، مسألة الديون التي ترتبت في ذمة السويد والدانمارك عن ثلاث سنوات مضت. ويظهر أن المولى عبد الرحمن كان يتمسك بعدم التساهل في مضمون اتفاقية 1767 ضمانا لبقاء "بعض" فوائدها أو على الاقل ضمانا للديون التي ترتبت عنها. خصوصا وهو يرى الموقف يتحرج من أكثر من جانب، وخاصة من ناحية فرنسا. وقد عبر كريستنسن عن ذلك فيما كتبه إلي أرنهوف من أنه "إذا لم تنجح مساعينا واضطررنا إلى الاختيار بين الأداء وبين الحرب فإننا سنجد في وضعية الحرب تجاه بعض الدول خير ما يساعدنا على النجاح !"، أن قنصل الدانمارك لا يشير بذلك إلى فرنسا فحسب – وقد كانت بواخرها تقبل بعض شواطئ المغرب – بل كذلك إلى توتر العلاقات مع إسبانيا إثر مقتل قنصلها في الجزيرة.
ثم تحركت الدبلوماسية الإنجليزية، بأن تدخل (بولوير) سفير بريطانيا في مدريد. فقد انتقل إلى جبل طارق فطنجة حيث أقام اتصالا مباشرا مع السيد بوسلهام ومصطفى الدكالي ذاكرا أن الحل الذي عرضه القنصلان عملي.. ملوحا إلى أن السويد والدانمارك صاحبا قوة بحرية لا يسهل الاحتكاك بها. ولا شك أن السيد بوسلهام قد أدرك أن الإنجليز ليسوا أقل تورطا في التلويح بالعنف، خصوصا وأنهم "استضافوا" البواخر الاسكندنافية في قاعدتهم بجبل طارق. ثم ازداد نشاط الاسكندنافيين والإنجليز عندما رأوا الأزمة المغربية الفرنسية في طريقها إلى الحل دون أن يستفيدوا منها شيئا ذا بال، فاتصل القنصل الدانمركي والسويدي بقنصل فرنسا في طنجة ولفتا نظره إلى أن يأخذ قضيتهما بعين الاعتبار. كما أن وزير خارجية السويد تحدث إلى السفير الفرنسي في ستوكهولم في موضوع "الحكومة الفرنسية التي بحكم مركزها تستطيع أن تتحدث لفائدة المسيحية". وهو يقصد بذلك مفاوضاتها مع المغرب فيما كان له فرنسا من مشاكل.
والواقع أن فرنسا حاولت أن تجعل هذه القضية ضمن ما ستتفاوض فيه مع المغرب. لكن دراموندهاي – قنصل بريطانيا في طنجة – طلع بمشروع الاتفاق الذي ستحل المشكلة على أساسه. ومضمنه أن يؤدي الاسكندنافيون ما ترتب بذمتهم عن السنوات الفارطة مع أموال أخرى في شكل هدايا. ونقل السيد ابن إدريس ذلك إلى السلطان، فوافق عليه. ووقع اتفاق بذلك في خامس أبريل عام 1845.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here