islamaumaroc

كلمة السيد وزير الدولة الأستاذ عبد الهادي بوطالب في جلسة افتتاح مؤتمر كتاب المغرب

  دعوة الحق

العددان 111 و112

في الشهر الماضي عقد اتحاد كتاب المغرب مؤتمره الثاني تحت الرئاسة الشرفية لصاحب الجلالة الملك المعظم مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده.
وقد ناب عن جلالته في حفلة الافتتاح وزير الدولة الأستاذ السيد عبد الهادي بوطالب حيث ألقى كلمة باسم صاحب الجلالة حي فيها المؤتمرين.

وهذه نص الكلمة :
إنه لشرف عظيم أن أفتتح باسم صاحب الجلالة الملك المعظم مؤتمر اتحاد كتاب المغرب العربي.
وإنه ليسعدني أن أجدد لكم عناية صاحب الجلالة بكتاب المغرب العربي الذين سخروا ألسنتهم وأقلامهم لخدمة قضية بلادهم فحطموا أغلال الاستعمار، وما يزالون يجاهدون بنفس السلاح لتحرير مغربنا الكبير من التخلف وللدفع به نحو النماء والتقدم.
ومن الطبيعي والمغرب العربي بخوض معركة البناء والتنمية أن يجتمع حملة الأقلام ورجال الفكر، ليتحملوا أمانتهم كرواد وبناة، يشيدون بالحرف والكلمة، سلاحهم الإيمان المتدفق على أقلامهم والنابع من عقول واعية وقلوب حية.
ولقد اصبح من الطبيعي بعد أن حقق مغربنا خطوات في ميدان التنمية الاقتصادية والفلاحية أن يجتمع الكتاب في هذا المؤتمر تحت شعار (الفكر في خدمة المجتمع) ليحددوا دورهم في المعركة، ويخططوا للمستقبل في ثقة وعزم.
فلم يعد الكاتب يعيش لنفسه في أنانية أو يأس أو تعال، ولم يعد الأدباء شعراء أطلال يقفون ويستوقفون، ويبكون ويستبكون، ويتذكرون الأحباب والمنازل، وإنما أصبح الكاتب رائدا يسير في الطليعة يحمل قلمه كما يحمل الجندي سلاحه، والعامل مسحاته وفأسه.
وأصبح الأدباء بناة عاملين وعمالا مشيدين للأخلاق، وجنودا يدافعون عن الحق، وأطباء يعالجون الأرواح : سلاحهم الكلمة المشحونة عزما ويقينا وثقة، وهدفهم خدمة الإنسان والسمو بوجدانه وإسعاده في قومه ومجتمعه وعالمه. .
إن الكاتب إذن رجل رسالة، يسخر مشاعره الفكرية والوجدانية لخدمة قضايا أمته التي تكدح من أجله، وتوفر له إنتاجها ليهبها بالمقابل إنتاجه أيضا.
إنكم أيها الكتاب تجتمعون في مؤتمركم الثاني تحت شعار (الفكر في خدمة المجتمع) لمدارسة قضايا الحرف ووسائل التعبير، وأساليب نشر الكلمة وإذاعتها، وتآزر القصيدة والمقالة، والبحث والمسرحية والقصة، والفنون التشكيلية في معركة البناء... وستناقشون قضايا الإنتاج الفكري والوجداني وكل ما يمس التعبير عن حركة الجماهير وتوجيه حماسها، وإنقاذ ذلك التعبير من العبث والإسفاف، والبعد به عن الانزلاق والانحراف.
وهذا موضوع من الصعوبة بمكان فمن واجبكم أن تكونوا مؤمنين برسالتكم. وإذا كان من السهل أن تخططوا فإن من الواجب أن تلائموا بين رسالتكم وهدفكم، وما يتطلبه ذلك من جد وأناة ومثابرة. وما تنتظره الأمة منكم من توجيه صادق، لتقاوموا الانحرافات الخلقية والفكرية فقد أصبح من أعظم ما نلاقي من نكبت أن نبتدئ ولا نستمر، وأن نقول ولا نفعل، ونعد ولا نفي، وأن نكتفي من الحقيقة بمداعبة الحلم بها. فالتخطيط ليس بعملية انطلاق فحسب ولكنه عملية استمرار.
إن أمتنا تنتظر منكم حماة لتراتها الخلقي، والروحي، والأدبي. وواجب إنقاذ المجتمع من التخلف والحيرة ملقى على كاهل الكتاب، فهذا هو ميدانهم ومجالهم الحيوي. وإذا كان مجتمعنا يعاني من الانحلال وأمراض التخلف وقسوة المادية وانهيار القيم، فالكتاب هم دعاة الأخلاق لا بأساليب الوعظ، ولكن بأسلوب التحليل، واستخدام الكلمة الهادفة في شحن العقل والوجدان بمبادئ الأخلاق الإنسانية.
إن الكتابة ليست فنا للتلاعب بالزخرف البلاغي، وليست مجرد هواية وألهية مهما تكن متعتها، وإنما هي دعوة ملتزمة لخدمة المبادئ الكريمة والقضايا الإنسانية النبيلة، وكل ما يعين المواطن على تحقيق سعادته كفرد في مجتمع شريف.
إن رسالتكم أيها الكتاب لعظيمة، وصعبة أيضا. إن سلاحكم هو الكلمة ولكن كيف تبلغون الكلمة إلى القلب وكيف تجعلون منها كلمة نبيلة؟ إن الإيمان بها والصدق في التعبير عنها شرطان أساسيان لذلك ومن أجل ذلك يجب خلق الحوار بأسلوب الحوار الصادق الهادف ولغته الرصينة.
ومسألة أخرى ستعترضكم... فنحن أمة تجتهد لتساير العصر، فكما نستخدم لأول مرة أدوات الفلاحة العصرية ونسخر لنا المواصلات المعاصرة، ونعمل للاستفادة من التقنية الحديثة بمزاولة طرقها وأساليبها نزاول نوعا جديدا من العمل الأدبي في الشعر والقصة والمسرحية والفنون التشكيلية. فهي فنون من التعبير جديدة في لغتنا تتطلب المزيد من الإبداع الشخصي وتسمو عن مجرد المحاكاة والتقليد. وإذا كان ميدان التزامكم وعقيدتكم سهلا واضحا لأنكم مسلمون وعرب تحمون الوطن بما يحمله من معاني الحق والعدل والعقيدة والجمال، وتدافعون عن قضايا شريفة وعادلة، فإن أساليب التعبير مع ذلك يجب أن تجدد في أدائها وقوالبها. وإذا كنتم لا تحتاجون لفلسفة ولا لشروح فيما تتوخونه من مقاصد وأهداف فأنتم مع ذلك في حاجة إلى أن تصقلوا لغتكم وأسلوبكم حتى يكون أكثر نفوذا وأوضح في الدلالة وذلك لفائدة القضايا التي تشرحونها.
إن كتاب بلادنا يحملون القلم في معركة البناء. ومن واجبهم أن يعوا مسؤولية الكلمة قبل خوضها. وعليهم أن يتقنوا مهنتهم قبل معالجة الموضوع، فإذا كانت معالجة المريض لا تجوز إلا للطبيب، فليس لكل من ينسق بين الأوزان والقوافي أن يطمح في أن يكون شاعرا يأخذ بمجامع الأحاسيس، وقديما فرقوا بين الشاعر والناظم وقارنوا أن تأتت المقارنة بينهما مقارنة رفعت مكانة الأول ونزلت بمكانة الثاني، ولهذا فليس شاعرا كل من يفرض الشعر موزونا مقفى، وليس المهم أن يقرض الشاعر شعره ملتزما بمقتضيات العروض أو أن يثور عليها ليخط كلمات مهلهلة متناثرة بدعوى حرية الشعر والبعد به عن القيود، وإنما يجب أن يكون الشاعر ملما بثقافة الشاعر، لأن منبع الشعر هو الشاعر نفسه. والتجربة الشعرية لها مواهبها وشروطها الثقافية ومعطياتها ومنطلقاتها وأبعادها.
كما أن القصة ليست مجرد سرد للأحداث ولكنها عبقرية في التحليل والاستنتاج والتأثير.
وليس الفن تعبيرا بالألوان والانتماء إلى المذاهب أو الثورة عليها ولكنه القدرة على ربط الجزئيات بالحقيقة الكبرى وتكوين الصور الذهنية وتفاعلها في انسجام هادف. إن الفنان هو الذي يسيطر، والكاتب فنان طبعا، على الكلمة الباطنية ويدرك الصور الأدبية إدراكا جليا متكاملا قبل التعبير عنها بالكلمة أو الريشة أو النغم.
ومهما تختلف أساليب التعبير بالنسبة إلينا نحن، فثقافتنا أصيلة خالدة، عربية في لغتها، إسلامية في فلسفتها، إنسانية في أهدافها، ولن يعسر بعد ذلك على كاتبنا أن يعبر فيحسن التعبير، ويبلغ فيحسن التبليغ، ليكون كاتبا قائدا رائدا كما قال الشاعر القديم.
ولولا خلال سنها الشعر ما درى
     بناة المعالي كيف تبنى المكارم

أيها الكاتب والكاتبات
لعلكم كنتم تنتظرون مني أن أفتح مؤتمركم بكلمة رسمية كما تفتح المؤتمرات عادة، غير أن انتمائي إلى اتحاد المغرب العربي، وعضويتي في أسرته، فرضا علي أن أدلي برأيي ككاتب حمل الكلمة في معركة التحرير، وما يزال يحملها في معركة البناء... وقد أكون عرضت عليكم آراء متداولة غير أنها نابعة من قلب صادق مؤمن بالكلمة، لم يستطلع أي شيء أن يشغله عن عالم الحرف والكلمة كما قال الشاعر أبو العلاء :
ولو طار جبريل بقيمة عمره
     من الدهر ما اسطاع الفرار من الدهر

أيها السادة المؤتمرين
أحرص مرة أخرى على أن أجدد لكم في هذا المحفل الكريم مشاعر العناية والرعاية التي أمرني جلالة الملك المعظم نصره الله أن أعرب لكم عنها باسمه، وعن أمله في أن ينبثق عن مؤتمركم هذا من التوصيات ما يزيد رسالة الكتاب تبلورا ووضوحا وأهدافهم أصالة ونبلا. فجلالته كملك مكافح عاش مع والده وشعبه نكبة الحرية هو حامي الحرية في هذه البلاد، وهو يحرص على أن يوفرها كاملة لدوي الأقلام، وجلالته كمسؤول عن مصير هذه البلاد أكبر من يقدر رواد الفكر فيها، وكمثقف أصيل يتجاوب وجدانه مع مشاعركم وأحاسيسكم لذلك فهو يبارك جهودكم ويرعى نشاطكم لتؤدوا رسالتكم في خدمة بلادكم ولتساهموا عن طريق التوعية في المعركة التي يشنها جلالته بعنف وفي غير هوادة ضد التخلف في جميع مظاهره وأشكاله.
وأحرص قبل أن أختم كلمتي على أن أرحب بالوفود الشقيقة الحاضرة معنا باسم حكومة صاحب الجلالة مشيدا بظاهرة التآزر والتجاوب التي أخذت تعم جميع مرافق نشاط المغرب العربي وتقرب الخطوات نحو بنائه وتحقيقه متمنيا لكم كامل التوفيق والنجاح.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here