islamaumaroc

زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي -1-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

حينما استدعت حكومة الاتحاد السوفياتي الوفد الإسلامي المغربي منذ شهور بعيدة لزيادة أقطار الاتحاد السوفياتي وجمهورياته الإسلامية، رأى سماحة الشيخ السيد ضياء الدين بباخانوف أن تقع هذه الزيارة في أعقاب فصل الشتاء، وأوائل الأيام الجميلة لفصل الربيع حيث تكون الطبيعة الأنيقة الغناء تنعم بالصفاء والبهاء والدفء، والنسيم الفاتر العاطر ينفح الجسوم، والجو المنعش الرائق يملأ الصدور.
وقد تم بعد الرغبة الكريمة والإذن المولوي السامي...
وهكذا غادر الوفد الإسلامي المغرب متوجها إلى موسكو في اليوم العشرين من شهر ماي الماضي حيث وصلها في اليوم التالي في الساعة السادسة مساء بعد أن قضى ليلة بمدينة بروكسيل العاصمة البلجيكية.
وترأس الوفد معالي وزير عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد بركاش وعضوية السادة الأساتذة : عبد الرحمن الدكالي، وعبد الله كنون، وعبد الكبير الفاسي، ومحمد بنعبد الله.
ولدى وصوله وجد في استقباله بالمطار سعادة سفيرنا بموسكو الأستاذ السيد عبد الهادي الصبيحي، وسماحة الشيخ السيد ضياء الدين باباخانوف رئيس الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاغستان، وممثلي الحكومة، وفي مقدمتهم السيد بارمينكوف الكس القائم بأعمال الرئيس لمجلس الشؤون الدينية لدى رئاسة الحكومة، والسيد ماكارتسف بوطر نائب رئيس المجلس في الشؤون الدينية للاتحاد السوفياتي والسيد شويدوف رئيس قسم إفريقيا بوزارة الخارجية الذي كان سفيرا لبلاده في المملكة المغربية، والسيد ميراغطموف مير صالح عضو المجلس الديني ووكيله في جمهورية أوزبكستان، والسيد كادوكوف ميخائيل من موظفي المجلس، والسيد تشيمودين مراسل وكالة نوفوستي وإمام مسجد موسكو وعضو لهيئة الإدارة الدينية لمسلمي أوربا وسبيريا السيد أحمد جان مصطفى...
وبعد تبادل التحايا بين أعضاء الوفد ومستقبليه غادر مطار موسكو العظيم ممتطيا سيارات خاصة، متوجها إلى النزل الذي أعد لإقامة أعضائه.
كان الجو صحوا، وشمس الأصيل تنفض تبرها على سطوح المنازل، وحواشي الأفق، والطبيعة الغناء ترقص فرحة ضاحكة بعد ما أجهدها فصل قارس البرد شديد الزمهرير، يخترق الثياب إلى اللحم فالعظم.
وموسكو المتفتحة، تستقبلك ببشاشة وبشر وحبور وانشراح، وقد تبدت في حلة رائعة أضفاها عليها فصل الربيع الجميل الضاحك الذي يملأ الجو عطرا، والعيون سحرا، والقلوب فتنة وبهاء.
لقد دبت الحياة في هذا الفصل في كل شيء، فانتعشت الغصون الذابلة التي كان يجللها الثلج، وتفتحت الأفنان السليبة وقد أخذت تتضوع بعبير الخمائل، وتنتشي بمرح الطيور، وتسكر برياحين الرياض والغياض.
هكذا استقبلتنا موسكو الضاحكة، التي طاب نسيمها، ورق هواؤها في فصل الزهور والرياحين..
وهكذا وجدنا مستقبلينا الذين أظهروا من الحفاوة والإكرام، والبشاشة والترحيب ما سيبقى عالقا بنفوسنا وهو يحمل أجمل الذكريات...
وقد رافق الوفد في جميع تنقلاته داخل الاتحاد السوفياتي شخصيات مرموقة، لها مقام معلوم، ومكانة في بلادها، كالمفتي السيد ضياء الدين والسيد ميراكزاموف "صالح" ممثل مجلس الشؤون الدينية لدى المجلس الوزاري للاتحاد السوفياتي، والسيد شاكروف "يوسف" مترجم، والسيد تشيمودين مراسل وكالة الأخبار بنفوستى، والسيد أكاميتشين ممثل الإدارة الدينية الإسلامية بموسكو، وثلاث صحفيين لأخذ المعلومات والأفلام عن حركات الوفد المغربي وتنقلاته في رحلته عبر أقطار الاتحاد السوفياتي.
وكان أول عمل قام به أعضاء الوفد في اليوم التالي هو زيارتهم للمجلس الأعلى للشؤون الدينية بمدينة موسكو، حيث كان في استقباله السيد بارمينكوف أليكس الذي رحب بهم، وتمنى لهم إقامة طيبة في الاتحاد السوفياتي وجمهورياته الإسلامية راجيا من أعضائه أن يطلعوا على الحرية التي يمارس المسلمون بها شعائرهم الدينية في الاتحاد السوفياتي في أمن وسلام، ويقفوا في عين المكان على الجهود التي تبذلها الحكومة الاتحادية لإسعاد المواطنين المسلمين.
وبعدها تناول رئيس الوفد المغربي الكلمة فشكر حكومة الاتحاد السوفياتي والإدارة المركزية للشؤون الدينية على دعوتها الكريمة، وحفاوتها البالغة بالوفد المغربي الذي عينه صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله بمجرد بلوغ الدعوة إلى الحكومة المغربية، وذكر لهم الروابط القديمة والحديثة التي تربط المغرب بالاتحاد السوفياتي، والتي توجت بالرحلة الملكية الميمونة التي قام بها صاحب الجلالة نصره الله في عام 1966، كما تمتنت بالاتفاقيات الاقتصادية والثقافية المبرمة بين البلدين...
وبعد هذه الزيارة التي قام بها الوفد المغربي للمجلس الأعلى للشؤون الدينية بمدينة موسكو أقام هذا المجلس حفلة غذاء تكريما للوفد المغربي، وقد تبودلت أثناء هذا الغذاء كلمات بين السيد باباخانوف ورئيس الوفد المغربي، حيث أشاد السيد باباخانوف بالروابط الإسلامية التي تربط المسلمين المغاربة وبين إخوانهم مسلمي آسيا الوسطى، كما نوه بعناية صاحب الجلالة الملك المعظم مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده بالوفد الإسلامي للاتحاد الإسلامي لدى زيارته في شهر رمضان المعظم بمناسبة ذكرى نزول القرءان الكريم، وتمنى للوفد المغربي إقامة طيبة حتى يحملوا معهم إلى بلادهم ارتسامات لطافا وصورا حية عن إخوانهم المسلمين بالاتحاد السوفياتي...
وقد أجابه السيد رئيس الوفد المغربي الذي تحدث عن مبادئ الإسلام السمحة، ومبادئه السامية، وأصوله العامة مشيدا بالمواقف البطولية الفذة التي نهض بها الإسلام عبر القرون، في حدود لا إكراه في الدين، لأن الإسلام دين عام خالد، وقد بلغهم عناية صاحب الجلالة بالمسلمين وتحياته السامية، وأثنى على جهود سماحة المفتي الشيخ ضياء الدين بباخانوف لخير الإسلام والمسلمين الذي يعتبرونه نقطة اتصال بين مسلمي آسيا الوسطى والجمهوريات الإسلامية، وبين العالم الإسلامي.
                                                      *  *  *
ومعلوم أن الاتحاد السوفياتي يضم ست جمهوريات إسلامية، فيها أغلبية كثيرة من المسلمين، وهذه الجمهوريات هي : عزبكستان، وتاجيكستان، وتركمانستان وأذربيجان، وقازاكستان وفرغستان. وهذه المناطق تعد من الأقطار التي للمسلمين فيها الغلبة العددية. غير أنها في الواقع لا تعدو أن تكون مجرد مقاطعات خاضعة لموسكو...
ومعلوم – أيضا – أن الدستور السوفياتي أفرد بابا خاصا لتنظيم الشؤون الدينية، وبيان موقف الدولة منها. إذ ليس للاتحاد السوفياتي دين رسمي، إذ كل بيوت العبادة فيه تتمتع بحقوق متساوية.
فالمادة 124 من الدستور تقضي بانفصال الكنيسة عن الدولة، وانفصال المدرسة عن الكنيسة، بمعنى أنه لا يسوغ للكنيسة أن تتدخل في النشاط السياسي للدولة، وليس للدولة أن تتدخل في شؤون الكنيسة أو المسجد، ولا تمولهما بنقود، بل إن المسلمين هم الذين يتبرعون بإخراج الصدقات، وما أفاء الله عليهم من مال لمساعدة العلماء والأئمة لإحياء الدين الإسلامي، وإقامة شعائره في أرجاء الاتحاد السوفياتي، ولا سيما بعد تأميم الأوقاف من قبل الحكومة السوفياتية.
وقد أشار الدستور السوفياتي – أيضا – إلى أن الدولة لا تفرق بين المواطنين بسبب دينهم، ولا يسوغ أن يثبت دين المواطنين في الوثائق الرسمية..
فالديانة مسألة شخصية تخص المواطن وحده وترجع أولا وأخيرا إلى ضميره وعقيدته. ويتجلى ذلك بصفة خاصة في حياتهم العملية، فقد أدلى الرئيس السابق السيد خروتشوف بتصريح أثناء زيارته للهند في احتفال أقامه السيد غلام محمد رئيس وزراء كشمير يقول فيه :
"إن مسألة العقيدة هي مسألة تتعلق بضمير هذا الشخص أو ذاك، وهذه أو تلك، ووفدنا هذا يضم بين أعضائه، جابر رسولوف، وزهرة رحيمبا بابيفا، وشرف رشيدوف، وهم يمثلون أزبكستان، وتاجيكستان، وشعوب هذه البلاد تعتنق الإسلام..".
غير أننا نجد مادة في نص دستورهم تقول :
"لكي يتمتع المواطنون بحرية الضمير تفصل الكنيسة في الاتحاد السوفياتي عن الدولة، والمدرسة عن الكنيسة، وتكفل لجميع المواطنين حرية العبادة الدينية، كما تكفل لهم حرية الدعوة ضد الدين".
ويتضح من هذا النص الصريح أن الملحدين قد وجدوا ضالتهم المشودة، لحمل سلاح مشروع لشن حملاتهم المتوالية ضد الأديان في ظل القانون ورعايته !!                                                *  *  *
والأغلبية الساحقة من المسلمين في الاتحاد السوفياتي من أهل السنة، ويوجد عدد كبير من الشيعة في جمهورية أذريبجان، وفي الجمهوريات الآسيوية الوسطى، وفي أنحاء متعددة من الاتحاد السوفياتي.
وقد أنشأت الحكومة الاتحادية مجلسا لمسائل الطقوس الدينية، وهذه المجالس تساعد الهيئات الدينية على حل المسائل التي يحتاج حلها إلى تدخل السلطات أو المنشئات الحكومية، وتراعي هذه المجالس التطبيق الصحيح لحرية العقيدة، وحرية العبادة كما نص عليها الدستور.
والإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاغستان تعتبر اليوم مركزا روحيا للمسلمين، يقوم بتوجيه وتسيير الأمور الدينية. وتنتخب هيئة رياستها العليا من قبل ممثلي جميع مناطق آسيا الوسطى وقازاغستان في المؤتمر الذي ينعقد في كل خمسة أعوام، وهي عبارة عن أحد عشر عضوا يلقب الرئيس بالمفتي، وهو اليوم الشيخ ضياء الدين بباخانوف ونائبه بمعاون الرئيس، وهو الشيخ إسماعيل المحذوم الذي حج هذه السنة على رأس وفد كبير من المسلمين، والباقون بالأعضاء، وهم يعملون في مناطقهم بالوكالة عن رئاسة الإدارة الدينية.
ففي كل جمهورية عضو ممثل دائم يشرف على شؤون الإسلام في نطاق الجمهورية، ويبلغ المسلمين الإرشادات والفتاوي الدينية التي يتلقاها من المركز، كما يقوم بإلقاء الخطب الدينية في المساجد تختلف مواضعها حسب توجيهات الآيات القرءانية، والأحاديث النبوية، ويرسل التعليمات إلى خطباء الجوامع والمساجد في تلكم الجمهوريات، ففي جمهورية قازاغستان يشغل وظيفة ممثل الإدارة فضيلة الشيخ مقصود حاجي ابن نظربيك. وفي تركمانستان الشيخ آتاجان بن عبد الله...
كما أن للإدارة الدينية دستور عمل خاص يسمى "بميثاق الإدارة"، وتتخذ جميع تدابيرها المتعلقة بشؤون الدين وغيرها حسب مواد هذا الميثاق.
والهيئة العليا للإدارة الدينية مكونة من ثلاثة أشخاص، رئيس، وعضوين، هذه الهيئة تجتمع كل ثلاثة أشهر لبحث القضايا المتعلقة بشؤون الدين، وكثيرا ما يشترك في جلسات الهيئة جميع ممثلي الإدارة في الجمهوريات الستة، وأعضاء لجنة التفتيش الذين يستمعون إلى تقريرات رئيس الإدارة عن أعمالها ومشاريعها، وهم من جهتهم أيضا يقدمون التقريرات عن أعمالهم وأحوال المساجد والجوامع وطلبات المسلمين عامة..
وفي مستهل كل سنة تجتمع الهيئة لجلستها الرئيسية التي تصادق عادة على الميزانية السنوية ويحضرها الأعضاء، وفي كل سنتين على الأقل يعقد اجتماع عام لأعضاء الهيئة العليا والممثلين ومندوبي المسلمين من الجوامع، ويتناولون البحث في تحسين شؤون وأمور المساجد وعمرانها، وشؤون التعليم والتدريس في المعهد الديني والوعظ والإرشاد وغير ذلك...
وحسب ميثاق الإدارة الدينية، فإن جميع خطباء الجوامع وأئمتها يختارون من قبل الإدارة الدينية، وهي التي تقرر صلاحية أولئك الرجال لأداء المهام الدينية، وتعزلهم عن وظيفتهم إذا تبين عدم صلاحيتهم لتلك الوظائف..
ولدى الإدارة الدينية معهد لتدريس العلوم الدينية، وأعداد رجال العلم لتغطية حاجات الوعظ والإرشاد، ونشر علوم الدين بين عامة المسلمين في أرجاء بلاد آسيا الوسطى وقازاغستان المترامية الأطراف.
وسماحة المفتي ونائبه وسائر مسؤولي الإدارة الدينية يقومون، بانتظام، برحلات إلى المدن والقرى للتفتيش في أعمال المساجد والجوامع ودراسة حاجاتها وإمكانيات إصلاحها وغيرها، ويجرون المقابلات، ويقيمون الحفلات الدينية في تلك المناطق.
والنظارة الدينية الإسلامية التي يشرف عليها السيد المفتي ضياء الدين توجد بطشقند عاصمة الجمهورية الأزبكية، وهي تخدم مصالح المسلمين، وما ذكر من المراسم الدينية والأحوال الشخصية، ولديها من الموظفين ما يبلغ عدده أكثر من ستمائة موظف ديني من النواب والقضاة والمفتشين والأئمة الكبار.

ويمكن تقسيم المراكز الدينية الإسلامية كما يأتي :
1) المركز الديني الإسلامي في الأول والقديم، وهو مركز النظارة الدينية للمسلمين في بلاد سيبريا والقسم الأوربي، ورئاسته للسيد أحمد جان مصطفى خطيب المسجد الجامع بموسكو.
2) المركز الثاني بآسيا الوسطى، وبها خمس جمهوريات : عزبكستان. تاجيكستان. وقازاغستان وفرغستان وتوركمانستان، والمركز الديني الإسلامي في طشقند عاصمة أوزبكستان، وهذه الجمهورية تضم كثيرا من البلدان الإسلامية والمؤسسات العليا للعلم والعرفان في مختلف العصور كسمرقند. وبخارى وفرغانة، وترمذ، ونسف، وخوارزم..
3) المركز الثالث للإدارة الروحية للمسلمين فيما وراء القوقاز بأذريبجان، والمذهب الشائع في هذه المناطق شيعي جعفري، وفي البلاد التابعة لهذا المركز الثالث كثير من السنيين. وللشيعة شيخ الإسلام، وهو اليوم السيد علي آغا سليمان زاده.
ولأهل السنة مفتي إسلام وهو السيد أحمد أفندي.
ومقر إدارة هذا المركز مدينة باكو العظيمة التي تشرف على بحر الخزر أو قزوين بالجمهورية الأذربية.
4) المركز الرابع للإدارة الدينية الإسلامية للمسلمين في مقاطعات داغستان والقرم...
                                                   *  *  *
هذه المراكز تقع كلها في آسيا الوسطى.. وآسيا الوسطى عبارة عن أربع جمهوريات داخلة ضمن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية التي تبلغ خمسة عشر جمهورية وثلاث مقاطعات...
وقد كانت آسيا الوسطى تعرف فيما قبل بالتركستان، وهي بلدة إسلامية صميمة خالصة، ومساحتها تقدر بنحو 5.988.000 كلم2 وهي شرقية وغريبة، أما الشرقية فهي تئن تحت نير الاستعمار الصيني، وأما الغربية فهي ضمن الاتحاد السوفياتي.
كانت التركستان مهدا لرجال الدين والعلم، ومركزا للفن والأدب، وموطنا للدول المستقلة الحرة والإمبراطوريات الذائعة الصيت في العصور المتعاقبة قبل الإسلام وبعده.
وقد دفع العرب المسلمين الذين فتحوا تلك البلاد الشاسعة الأطراف إيمانهم الصادق وعقيدتهم الراسخة إلى أن يتجشموا تلك المخاطر، ويركبوا المخاوف غير مبالين في سبيل نشر العقيدة الإسلامية، بتلك الصحاري المجدبة، والأجزاء الماحلة، والقفار الواسعة، يحفزهم إلى ذلك شرف المقصد، وبعد الهمة، ونبل الغاية، وإعلاء كلمة الله، ونشر العقيدة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
فقد فتحوا بلاد ما وراء النهر بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي الذي وجهه الحجاج بن يوسف الثقفي في عام 65 – 671 م فقد خاض حربا عوانا لنشر عقيدة الإسلام، وبت الدعوة المحمدية بين السكان.
وفي هذه الحملة الإسلامية، كتب الشاعر عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، أعشى همدان قصيدة عن إحداث هذه السنة، لأنه كان جنديا في الجيش الذي وجهه الحجاج لفتح بلاد ما وراء النهر.
ومن توافق الصدف أن أقدم (مصور جغرافي) في العربية يعود إلى هذا الجيش، فعندما استبطأ الحجاج حصار قائده لبخاري، أرسل إليه يطلب منه (مصورا جغرافيا) للمنطقة، وعندما تلقى هذا (المصور) درس الوضع الحربي في ضوئه، وأرسل إلى القائد بتعليماته.
وفي خلافة هشام بن عبد الملك فتحوا الطاغستان عام 105، ووطد أخوه مسلمة الحكم العربي في تلك الديار، وكانت تغرا من ثغور العرب، ومنها انتشر الإسلام في تلك الأقطاى بعدما كان الأهالي من قبل وثنيين ويهودا ونصارى.
ولما اجتاح المغول بلدانهم كان أكثر هؤلاء صاروا المسلمين من أشد أنصار الإسلام، وأحمسهم في بث دعوته، ونشر عقيدته، وأن أكثر أشراف الطاغستان يدعون أنهم من أصل عربي، وأن آباءهم قدموا مع مسلمة بن عبد الملك.
وأن صفحة الأمة التركستانية في ميدان الحضارة والمجد، والبطولة والعز لهي صفحة مشرقة القسمات تنبض بالحيوية والحماس، وتتحدث إليك سطورها عن جنودها الأبطال، وأبنائها الغر الميامين من حكماء وعلماء الذين نبغوا في شتى العلوم والمجالات، والذين ما برحت أسماؤهم أغرودة حلوة عذبة لكل من يتغنى ويشدو بمفاخر الإسلام، وعظمته الأولى...
والتركستان تعتبر اليوم من أغنى بلاد العالم، بثروتها المعدنية، بخصوبة أرضها، بوفرة مياهها، بجمال طبيعتها، بعبقرية رجالها، بما فيها من البترول والأورانيوم، والحديد، والبلاتين، والفحم والذهب وغيرها من المعادن، كما يزرع في ربوعها القطن والقمح، لذلك كانت عرضة لهجومات متوالية...
هذه الأمة التركستانية ذات التاريخ الأمجد والعز الأقعس، والسناء الأسنع ظل مسلموها يقاومون الظلم، ويناضلون الطغيان إلى آخر رمق، وإلى آخر نقطة، وإلى آخر لحظة في سبيل المحافظة على عقيدتهم وديانتهم ورسالة السماء.

عدد المسلمين بالاتحاد السوفياتي :
من الصعب جدا أن يظفر السائل بعدد المسلمين بالاتحاد السوفياتي. فالإحصائيات الرسمية بالاتحاد لا تعطي العدد المضبوط للمسلمين لأنها لا تقوم على أساس الدين، لأنه غير معترف به كوسيلة لتكوين قطاع اجتماعي، ولأن الأديان لم تعر عناصر مميزة بين السكان، ولهذا فمن العسير أن يحدد ضبط تعداد المسلمين داخل الحدود السوفياتية، إذ أن الإحصائيات الوحيدة التي يمكن الاستناد إليها ترجع إلى عهد القياصرة في عام 1897، فقد دلت وقتئذ على وجود نحو خمسة عشر مليونا من المسلمين.
والعجيب أنه طبع أخيرا كتاب عن حياة المسلمين في الاتحاد السوفياتي صدر عن الإدارة الدينية لمسلمي قسم الاتحاد السوفياتي الأوربي وسيبريا، ذكر بأن عدد القاطنين من المسلمين في الاتحاد في الوقت الحاضر يبلغ أكثر من 15 مليون مسلم.
مع أنه قد أجريت إحصائيات خلال عامي 1926 – 1939 لم يراع الدين فيها، وإنما روعيت التبعية العنصرية، وقد اتضح من هاتين الإحصائيتين أن عدد المسلمين قد صار من 18 إلى 21 مليونا في مختلف أنحاء الإمبراطورية السوفياتية.
ويسود الاعتقاد عند آخرين بأن عدد المسلمين في العقد الأخير يبلغ نحو 25 مليون نسمة، أي أن نسبتهم تبلغ 12% من مجموع عدد الرعايا السوفياتيين.
ونحن نعتقد بأن عدد المسلمين يربو على أربعين مليون نسمة.
فمنذ سنة 1921 سأل أمير البيان شكيب أرسلان الذي ذهب إلى موسكو لتفحص الأحوال عن قرب الشيخ عبد الودود فتاح الدين قاضي المسلمين في موسكو وبتروغراد عما يقال عن عدد المسلمين بالاتحاد السوفياتي كله : فقال له : "في ولايات قازان، وأورنبورغ، وأوفا، وتوابعها مع الباشقرد 5 ملايين. والغرغيز 5 ملايين، وتتر سبيريا نصف مليون، وولايات تركستان، طشقند، سمرقند، وخوقند 12 مليون، وبخارى مليونان، وخيوة مليون واحد، فهذه 25 مليونا ونصف مليون...
قال أمير البيان لمحدثه : "وفي القوقاز ثلاثة ملايين إلى أربعة طاغستانيون وجركس، وثلاثة ملايين في أذبيجان وكرجستان، ونصف مليون أو أكثر في القريم، فهذه نحو 33 مليونا.
فوافق السيد عبد الودود الأمير شكيب على هذا القول.
ثم سأل أمير البيان المجاهد غير الشيخ عبد الودود حتى ممن كانوا إذ ذاك من أعضاء مجلس الدوما الروسي، فقال أن عدد المسلمين نحو 35 مليون نسمة.
هذه لمحة سريعة عن حياة المسلمين بالاتحاد السوفياتي وعددهم، وقد أتينا بها قبل زيارة الأماكن والبلدان التي سنتحدث عنها في أعدادنا المقبلة حتى يكون القارئ الكريم على بصيرة من حياة المسلمين في هذه الأقطار الشاسعة الأطراف المترامية الأجزاء.

زيارة سريعة لمعالم مدينة موسكو
قام الوفد المغربي بزيارة سريعة في يومه الأول لمعالم المدينة الباسمة التي كانت سماؤها في ذلك اليوم صافية الأديم ونسيمها فاتر عاطر، وقد بدت على سكانها أمارات البهجة والانشراح، وتألقت وجوههم ببسمات الغبطة والانبساط، لأنهم استقبلوا شمسا جميلة منعشة، وسماء حافلة بالسحر والجمال، وجوا ضاحكا تنتشر فيه سكينة الدفء فهم يذرعون في نشوة وزينة شوارعها الفسيحة، وأحياءها العصرية الرائعة التي تمتاز بعمارات جديدة لا تغلو في الارتفاع، وإنما إلى الحد الضروري الذي يقدر بقدره، ويبقى للمدينة بهاءها ورواءها، وتفتحها وإشراقها، وقد فرشت أرضها أو كادت، بالكلأ الأخضر الناضر الذي ينم عن أنه ارتوى حتى طفح.. تتخلله أشجار ذات أوراق يانعة، ورياحين يتضوع أريجها عطرا وشذى مما يترك الإنسان يهيم في الجمال والفتون...
والحق أن هذه المدينة لا توحي بالجهامة والقتامة كغيرها من العواصم الأوربية، وإنما تحتضنك وأنت داخلها في وداعة واحتفاء، وشوق وبشاشة...
عرجنا على جامعة موسكو، ولم تتيسر لنا – لضيق الوقت – زيارتها، وإنما علمنا بأن بناءها ابتدأ في عام 1948، وانتهى عام 1953، وهي تضم 288.000 غرفة على الطراز العصري الحديث، وبها مغاربة يتلقون دراساتهم العليا...
ثم توجهنا إلى بنوراما، وهي عبارة عن معرض ذي منظر عجيب عملاق، وفن ينم عن العبقرية الإنسانية، ومدى ما وصلت إليه رهافة الذوق وفرط الإحساس مما ينتزع الدهش والإعجاب من الإنسان.
وقد افتتح هذا المعرض العظيم الرائع في سنة 1962 بمناسبة ذكرى مرور 100 سنة على الحرب الوطنية لسنة 1862 التي تشخص معركة برودينو المشهورة التي وقعت عن بعد 120 كلم من موسكو بين الشعب الروسي وجيوش الإمبراطور الفرنسي نابليون الذي غزا تقريبا كل أقطار أوربا الغربية.
وقد كانت هذه المعركة أهم حدث تاريخي في هذه الحرب حيث لقبها نابليون ب "صراع العمالقة"، وكتب عنها في مذكراته : "أن معركة موسكو كانت أصعب المعارك التي خضناها رغم المجهود الجبار الذي بذلناه فيها".
فلا غرو إذا أصبحت حقول قرية بروينو فخر حرب روسيا.
بنى معرض "بنوراما" من قبل مشروع المهندسين اللامعين، وأهم شيء فيه يثير الإعجاب والدهش هو المنظر العملاق لمعركة برودينو الذي أنجزه الرسام الشهير الدائع الصيت "فرانتز الكشفش روبو".
هذا المنظر الرائع الذي رسم في قماش (محيطه 15 مترا، طوله 115 مترا) تتحد فيه كل الأشياء التي وقعت في المعركة، وكأنك – أطال الله حياتك – في صميمها، فكل الصور فيه تنبض بالحياة تحكي ساعاتها الخالدة، فيبدو لك وكأنك تعيش تلك اللحظات المروعة، والساعات الحرجة التي أصبغ عليها الرسام "روبو" لونا من عبقريته وعظمته. أنه ينقل إليك، بأمانة وصدق، تلك اللحظات الحرجة من معركة برودينو التي ابتدأت في ساعة مبكرة.
إنك حقا نشاهد الجناح الأيسر من الجيوش الروسية، التي تحمي قرية سمينوفسكايا المسرح الأساسي لهجومات الفرنسيين، والتي كانت تحت قيادة الجنرال بكراسيون.
ما هي أحداث هذه اللوحة التي تسجل هذه الحقبة التاريخية من حياة الشعب الروسي إذ ذاك..؟
حوالي الساعة الثانية عشرة زوالا قاوم الروس سبع هجومات من هجومات العدو، غير أن الهجوم الثامن أضعف الجيوش الروسية، فتراجعوا إلى الوراء، بعد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وجروح خطيرة لحقت بالجنرال باكراسيون..
لقد كان التراجع في انتظام إلى ما وراء حافة سيمينوفسكي.
وفي الصباح هاجم الفرنسيون قلب الجيوش الروسية، فتكسرت هجماتهم، وقضي على أول هجوم في الساعة العاشرة صباحا...
ثم هاجم الفرنسيون هذه الوحدة مرة ثانية، واستطاعوا أن يصلوا إليها، لكن الروس ولوهم الأدبار بعد عراك عنيف...
هاجم المشاة الأشداء، بالمدافع الثقيلة قرية سيمينوفسكايا، لكن المدفعية الروسية التي بعثت من طرف الكومندار الروسي الكبير كوتوزوف باغثت الجيوش الفرنسية من الوراء.
وجم نابليون من شدة هذه الضربة المفاجئة واحتار في أمره حتى أنه أوقف لمدة ساعتين فصول هذه المعركة الدامية.
أعضاء الوفد المغربي ينزلون من الطائرة وهم السادة الأساتذة : عبد الكبير الفاسي، عبد الرحمن الدكالي، عبد الله كنون، محمد بن عبد الله.
في هذه اللحظة جمع كوتوزوف جموعا جديدة لحماية الوحدة وقرية سيمينوفسكايا.
حوالي الثانية زوالا استأنفت الحرب بشدة ودامت حتى الليل، وكان عدد القتلى والجرحى 5800 رجل في مدة خمسة عشر ساعة. ووجد نابليون نفسه مكرها على الرجوع بعساكره إلى نقطة الانطلاق والجيش قد وقع في غماء، فلا يعرف له قائد، ولا علم، وقد جمدهم الصقيع، وغشاهم البرد.
وربحت المعركة من طرف الجيوش الروسية.
هذه اللحظات العصيبة من المعركة هي التي صورها الرسام روبو في لوحته...
وإن المرء ليقف مشدوها واجما أمام هذا المنظر الرائع، الذي يخيل إليك وأنت تراه، أنك تحضر المعارك الحية، وتغشى صفوف المقاتلين، وتتخطى الأشلاء والأعضاء في صمت واعتبار.
والحق أن قد يكون ترك الوصف أبلغ من الوصف لهذه اللوحة الرائعة في معرض بنوراما.

إلى لينينغراد :

(يتبع)

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here