islamaumaroc

نكبة فلسطين في الشعر المغربي الحديث -3-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

لقد تمكنت الصهيونية الغاصبة، الحاقدة من تحقيق حلمها؛ غير أن أطماعها لم تقف عند حد، فهي ما فتئت "تتغنى" بحلمها الكبير ولا "تذخر" من خستها ودناءتها ما يسهم في تحقيقه؛ وليس هذا الحلم الكبير للصهيونية غير إقامة وطن اليهود القومي على رقعة الأرض التي تمتد من ضفاف النيل وتنتهي عند مياه الفرات، ولا يستحيي متزعمو الصهيونية من التصريح بأن "حدود إسرائيل ليست طبيعية ويجب تعديلها(1) "...
انتهت مأساة فلسطين سنة 1948 بعقد هدنة بين حكومات البلاد العربية التي تجاور أرض الوطن السليب وبين اليهود في غضون سنة 1949 .. ومع ذلك لم تنقطع على توالي السنوات أعمالهم الغادرة، العدوانية ضد الأراضي والسكان العرب المجاورين.. وكان آخر أعمالها الإجرامية، الهمجية ضد الوطن العربي من أجل توسيع حدود إسرائيل أو استعادة أرض "إسرائيل التي يحتلها العرب" كما يزعمون، ذلك العدوان الغادر الذي شنته عصابة الشر والإثم بالتعاون مع الامبريالية الغربية على الدول العربية صبيحة يوم 5 يونيه الماضي،، ولست استهدف، اللحظة، الإفاضة في الحديث عن هذا العدوان وعما خلف من آثار، فكلنا عشنا المأساة بكل دفقة من دمنا، بكل رعشة من وجداننا، بكل نبضة من وجيب قلوبنا، وإنما أريد أن أقول : أثارت هذه المأساة مشاعر شعرائنا وأيقظت وجداناتهم، فوقفوا يندبون ويبكون، ويستنهضون النفوس والهمم ويدعون إلى لم الشعث، وجمع الكلمة للإجهاز على العدو المغتصب؛ وهكذا امتلأت صحفنا ومجلاتنا بزاد ضخم و"دسم" من الإنتاج الشعري، إذا لاحظ الناقد المتذوق على بعض عدم توفره على النضج الفني والوشاح الجذاب فإنه لن يجد سبيلا إلى أن ينفي عنه صدق العاطفة ونبل الشعور.
هذا شاعر الوطنية الرائد علال الفاسي يهتف بأن الهزيمة يجب ألا تفت في عضدنا طالما أن إيماننا بحقنا قو، وعميق :
لا النكبة العظمى ولا مأجرت
  بمبيدة أمل الحياة الحرة
عهد علينا أن نصون كياننا
  ونرد عنا عار تلك النكبة
ولئن بدا العادون في حلفائهم
  أقوى فأقوى من عراهم همتي
لا ضير أن سلبوا بلادي حقبة
  ما دام إيماني بها وبأمتي
وهو في بيت من قصيدته يعجب من وعد بلفور :
ما وعد بلفور بمعط عصبة
  مجلوبة حقا لها لم يثبت
ثم يتساءل في سخرية :
هل كان يملك أرضنا بلفور حتى
  يستبيح مقايضات الصفقة ? ؟
ويبين، بعد هذا، أنه لا يؤمن بهذا الوعد ولكنه يؤمن بوعد الله – جل شأنه – لبني إسرائيل باللعنة، والله لا يخلف وعده :
آمنت بالوعد الإلهي أنه
  أعطت لإسرائيل وعد اللعنة
وفي ختام قصيدته يوجه الخطاب لأبناء الإسلام والعروبة، يبصرهم بأن لا حياة تلذ لهم وتطيب ما دامت مقدساتهم ترسف في قيود المذلة، ثم يدعوهم إلى الجهاد ذيادا عن المسجد الأقصى ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم والقبلة الأولى :
إيه بني الإسلام في أرجائه
  وبني العروبة والنفوس البرة
هاذي فلسطين تنادي نصركم
  والقدس تنشدكم عهود الملة
والمسجد الأقصى ومسرى أحمد
  والقبلة الأولى وصنو الكعبة
بيد الصهاينة الذين تحالفوا
  أن يرجعوه لهيكل الوثنية
ومساجد الجبهات من أبطالنا
  أضحت مواطئ نعلهم – يا حسرتي !
إني تطيب حياتكم في قومكم
  والقدس ترسف في قيود الذلة
لا تذهلنكم الوقيعة إنها
  مثل الخيال أو السراب بقيعة
قوموا أنسفوا ديان في آماله
  ولتنصروا الديان رب العزة(2)
وهذا الشاعر محمد المهدي العلوي يدعو المسلمين والعرب إلى الجهاد ويستحثهم على التضحية :
أأخي انتفض للثأر واحم المجدا
  واملء حمى الوادي زئيرا مرعدا
أأخي انتفض ليثا فعار أن يدا
  س المسجد الأقصى بأقدام العدا
ثم يقول :
أو ما فلسطين كثغرة نحرنا
  تبت يدا من راشها تبت يدا
فرض علينا مسلمين ويعربا
  أن ترتوي بدمائنا أو تفتدى
هل من سبيل للشهادة مثخنا
  في ظلها ولأثلها متوسدا
تحلو المنية في ثراها كوثرا
  للمومنين كما اطمأنوا سجدا
طوبى لهم تلك المضاجع أزلفت
  في عليين مجاورين محمدا(3)
أما شاعرنا محمد الحلوي فقد وقف يدعو إلى المقاومة وخوض الحرب بثبات وصمود وعدم الاستسلام للدمع والجزع :
كفكف الدمع ولا تجزع لما حل
  وخضها بثبات وصمود
جولة كانت وما أكثر جولاتك
  يا ثائر في هذا الوجود
ثم يمضي موضحا أن الأمة العربية لا تستسلم ولا تذعن للخنوع، ولا تخشى اليهود الجبناء، وكيف يعقل أن تخشى الأسود أذؤبا وقرودا ? ؟ ?
هل درت صهيون أنا عرب
  لا يخافون نفايات اليهود ؟
كيف تخشى الأسد في آجامها
  صولة الأذوب أو زحف القرود ؟
هل نسوا ماضينا فاستأسدوا
  أم نسوا ماضيهم تحت القيود ؟
ثم يكشف عن لؤم اليهود وغدرهم، فيقول :
لو تلجى اللؤم في صورته
  لتروه لم يكن غير يهودي ؟
أو سألت الغذر عن منبعه
  قال : إصداري عنهم وورودي !
ويختم قصيدته مهيبا بالعرب إلى وحدة الصف، فوحدتهم قوة جبارة تسحق كل قوة :
وحدوا الصف ففي وحدتكم
  قوة تصهر دنيا من حديد
إن يكن يوما علينا فلنا
  غدنا الحافل بالنصر المجيد(4)
وهذا الشاعر عبد القادر السحيمي يحدثنا في قصيدة له عن "أورفيوس" الحزين الذي لم يعد يغني أناشيد الحب والتحنان بافتنان؛ لأن الأطفال الأيتام في فلسطين يحرقون بقنابل النابلم :
ما عدا أورفيوس يغني باقتنان
ما عدا أحبائين كما كان
في سالف الأزمان :
أناشيد الحب والتحنان
كانت أجمل من أن تنسي كالأحلام
كانت تجتذب الولدان
والطيور المغردة في الوديان
لكنه ما عاد أحبائي، كما كان
أورفيوس يغني بافتنان
لأن الأطفال الأيتام
يحرقون اليوم بالنابالم
في فلسطين، يا للآثام ?
ثم ينهي السحيمي قصيدته :
فيوما وإلى الآباد
سنمحي أحلام أرض الميعاد
ولو طالت ليالي شهرزاد
ويتيه يهودا في الفيافي والأنجاد
عمل المذلة، وثوب الحداد
سنضرمها حرب جهاد
لا تبقي ولا تذر غير الرماد
بالنيران والأحقاد
وزمجرة الآساد
ويوما غريب الآجال
سيعلم الغدره
سيعلم الأنذال
والأعور "ديان"
أي مصير، وأية أحزان
وأي الرجال الشجعان
يثأرون للشرف المهان(5)
وهذا الشاعر عبد الرحمن الدكالي يتحدث عن الخلاف بين الحكومات العربية والإسلامية وبين نتائجه الخطيرة :
داء الخلف وأي داء مثله
  قد هدنا بقطيعة وبعاد
هاذي النتائج ما نرى في مصر، في
  أرض الشام وأردن الأمجاد
القدس بيت الله، أول قبلة
  قد دنت بعصابة الأوغاد
تلك المحارب والمنابر ضمخت
  بدماء من رغبوا في الاستشهاد
ثم يبين للمسلمين في شرق وغرب أن دين محمد ابن عبد الله صلوات الله عليه يدعوهم للجهاد في سبيل نصرته :
يا أمة الإسلام في شرق البـ
  ـلاد وغربها يا أمة الآساد
دين الرسول "محمد" يدعوكم
  لتسارعوا للبذل، للإنجاد
هبوا لنصرة دينكم فعدوكم
  أضحى لهذا الدين بالمرصاد
ثم يقول :
قولوا لصهيون اللعينة أننا
  سنكون بعد غد على ميعاد
إن تتركوا صهيون فوق ترابكم
  فلتلبسن الذل ثوب حداد
الروضة الفيحاء حيث "محمد"
  والبيت في البلد الحرام ينادي
من لم يقل : لبيك إني مسلم
  للروض، للبيت العتيق جهادي
فبراءة الإسلام منه براءة
  تبقى على الأحقاب والآباد(6)
وننهي هذا العرض بالإنصات إلى شاعرنا الطبال وهو يغني لنا "يافا" غناء مؤثرا، يبلغ من نفوسنا أغز مبلغ :
(يافا) جزيرة كل أحلامي، شراع الشوق يبحر في عيوني، في دمي شلال أنغامي، وصورة كل أطيافي، وصوت الحب يدوي في فمي.
ويمضي الشاعر معترفا بأنه إن هجر ربيع العمر، فأنه حزين، ولقد فاض هذا الحزن في عينيه دمعا، وغار في صوته جرحا، وهو حزين، فلا يفتر ثغره عن ضحك، ولا تسيل حنجرته بشدو؛ وإنما هو كذلك لأن شذاذ الطريق تأسدوا وهم البغات، واكتسحوا أرضه :
من كل فج كالجراد المسخ، جاءوا كالظلام إلى بلاد الأنجم فغزوه، قرصان السلام، زعافف التاريخ، سود المعصم.
ثم يرسم الشاعر لوحة لوحشية قرصان السلام، وهمجيتهم يوم دخلوا "يافا" ف :
مسخوا الدروب المؤمنات فجلجلت فيها حوافر كل مخ أقزم
رفعوا المشانق في الطريق لكل من رفعوا البنود وصاولوا كل أجذم
نسفوا بيوت الله، يا ويح الذين تدينوا أبدا بدين الدرهم
لا نفحة الأنساب، لا خلق النبوة في سوائمهم ولا في الاهيم
حرقوا المزارع والكروم وما أرتووا فالحقد لا يروى بغير المأتم
فاستنسروا في كل دار يذبحون ويعبثون بكل قدس المحرم.
... وهكذا باتت "يافا" الهادئة، الجميلة، مأتما ومناحة، وإذا بأهلها يتشردون،، يهيمون على وجوههم مرغمين، تغرق أقدامهم المتبعة في الرمال، وتتعلق أنظارهم، بلهاء، بالآفاق البعيدة، فلا ديارهم تترقب الليل ليعودوا إليها، ولا الشط الجميل يدعوهم إلى بساطه الأخضر، و :
لا الفجر ينتظر المآذن أن تهلل فالمآذن دراسات المعالم
لا الدرب في يافا يحن إلى الصباح فأين أطفال الصباح الأبكم ؟
أين الصباح الحلو، أين قياثر الأشواق تحكي خاطرات البرعم ؟
داستهم الأقدام، تاهوا في القفار يرددون : إلى متى في الميتم ؟.
ثم يصور الشاعر عزم المشردين على العودة، وإصرارهم على الأوبة ولو تطايرت أشلاؤهم وأنثرت شظايا :
يافا الحزينة أننا في النار نمشي لن نعود إلى خيام النوم
نمشي إليك، إلى الديار ولو شطايا. إن صوتك فوق صوت المرجم
فلتنشر أشلاؤنا ولتلتهب آفاقنا نارا كنار جهنم
لكننا نوقف الزحف الكبير فإننا قبر التتار الظلم(7)
لعلنا استطعنا أن نلمس من خلال هذا الغرض الشعري إثر نكبة فلسطين في شعرنا المغربي الحديث، وكيف أنه واكب مرحل هذه النكبة القاتمة منذ بدايتها، راصدا تطوراتها، وعاكسا آثارها، ومبينا خطورتها، ومحذرا من عواقبها، وموقظا للنفوس الهاجعة، وداعيا إلى توحيد الصف، وجمع الشمل لطرد اليهود السفلة من الأرض الحبيبة.
على أننا نود قبل أن نختم هذا الحديث أن نشير إلى ملاحظات :
أ – لأسباب عدة لم يكن إثر النكبة الفلسطينية قويا وواضحا في شعرنا انطلاقا من وعد بلفور إلى قيام دولة الأشرار، ولعل في طليعة تلك الأسباب الاستعمار الذي كان يكتم أنفاسنا ويحاول، مجدا أن يقطع أواصر الأخوة والدم التي تربكنا بإخواننا في الشرق، ومن ثم كان الزاد الشعري الذي أوحت به الفحول الأولى من مأساة فلسطين ضئيلا لا تعثر عليه إلا بشدة الأنفس، مدفونا في طيات صحف ومجلات كانت تصدر عهدئذ.
ب – أما الزاد الشعري الذي قدمه شعراؤنا بعد نكسة 5 يونيه الماضي فقد بلغ من التضخم درجة عظيمة، يدلك عليها أن الشعر استعمل حتى في الدعاوة لمقاطعة اليهود.
جـ - وتضخم الكم يجرنا إلى البحث عن قيمة الكيف، وفي رأيي أننا لا نكون مغالين إذا قلنا : أن جل ما أذاعه شعراؤنا عن المأساة كانت تطغى عليه السمة المنبرية ويذهب بشفوف اللمس الذاتي أو عمق الصخب النفسي من ثناياه شيء غير قليل من "الفن" العنتري وتقريرية الموروث الحماسي و"الهتافية" الخطابية، ولم ينج من الوقوع في ذلك إلا نماذج قليلة جدا، جدا، لا يخطئها العد، تعمقت المأساة، وعكستها بصور حية ترفدها فحولة شعرية، تحملنا على الإعجاب بها؛ غير أن هذا الرأي ليس من شأنه أن يذهب بنا بعيدا فننكر على الشعر الذي قاله شعراؤنا في النكبة صدق العاطفة التي أملته ونبل الشعور الذي صاغه.
د – وإنصافا للحق يجب أن نقول بأن موقف الشعر المغربي من نكبة فلسطين لم يكن موقفا سلبيا، بمعنى أن ما قيل من شعر لم يكن دمعة وحرقة وآهة تؤلف فيما بينها رثاء حزينا لهذا الوطن المنكوب؛ بل كان موقفا إيجابيا، بمعنى أن ما قيل من شعر كان ثورة على الاستعمار الذي مكن لخليط من سقاطة الشعوب في أرض فلسطين، وكان دعوة إلى المقاومة ونداء بالوقوف في وجه السرطان الصهيوني وتذكيرا للشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة بأمجاده في ماض غابر، وبطولاته في عهد سالف.
وإننا نبارك هذه الروح في شعرائنا، ونكبر فيهم هذا التعاطف الأخوي مع أشقائنا عرب فلسطين، وندعوهم إلى مواصلة الحديث عن النكبة وتصوير أبعادها وآفاقها بفن رفيع، ليس يثير في النفس العربية خورا وضعفا واستكانة بل يفجر فيها شلالات جارفة من قوم وعزم وإصرار على استرجاع الوطن السليب،، وليس ببعيد – بحول الله – ذلك اليوم الذي يتحد فيه الصف وتخلص النية فننقض على الأشرار البغاة، ونطهر أرضنا من دناءتهم وخستهم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here