islamaumaroc

تأملات في استعمال اللغة العربية ونحوها -1-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

1 – فاعل ومفعول :
كلما تدبرت هذه اللغة التي يشرفني أنني من الناطقين بها ازددت يقينا على أنها لغة صالحة لكل عصر، ولكل مكان ومقال، وبقدر ما هي مضبوطة، واضحة، بقدر ما هم (وأعني المنتسبين إليها) غامضون في حديثهم مضطربون في استعمالهم لها.
هؤلاء قوم من الله عليهم بلغة عجيبة، مدروسة، مقننة، فأهملوا هذه النعمة وجعلوها وراء ظهورهم، فانقلبت نقمة عليهم وصارت عارا في جبينهم، عوض أن تكون مفخرة يباهون بها غيرهم.
قل لي بربك أنت الذي أتقنت اللغة الفرنسية كيف تسمون من يبالغ في فعل ما، عفوا، نسيت أن اللغة الفرنسية لا يمكنها أن تضع الصيغة للشيء قبل ذكره بمادته الحقيقية لأنها لا تعرف هذه الطريقة الموجزة بل لابد لها أن تذكر الشيء بصيغة خاصة به، ولا تنسج على منواله أبدا، قل لي إذن كيف تسمون من يضحك كثيرا، وقل لي كيف تسمون من يضحك عليه كثيرا.
لا شك أنك ستأتي بكلمة أو بجمل تعتقد أنها صحيحة لكنك عندما تتدبر ما سأقوله لك وتحاول تطبيقه، ستلاحظ أو أنك مضطر أن تلاحظ أن بين ما قلت لي في اللغة الفرنسية وبين ما ذكرت لك في اللغة العربية بون شاسع، الأولى مضطربة غير واضحة، لا تعتمد على قانون ثابت، والثانية مضبوطة، واضحة، مقننة إلى درجة أنها تثير الاستغراب.
الذي يبالغ في الضحك نسميه ضحكه، على وزن فعلة، بضم الضاد وفتح العين والذي يضحك عليه كثيرا نسميه ضكة بضم الضاد وسكون الحاء، وليس هذا خاصا بالضحك بل هو قياس مطرد، فكلما أردت أن تعبر عن من يفعل الشيء ويبالغ فيه قلت فعله، وكلما أردت أن تعبر عن من يقع عليه الفعل بكثرة قلت فيه فعلة، وهكذا تقول في الذي يتعاطى كثيرا اللعب لعبة وتقول في الشيء الذي يلعب به الطفل، طيلة يومه وجزءا من ليله، لعبة، كما تقول همزة وهمزة ولمزة، ولمزة وسخرة وسخرة.
حاول الآن أن تترجم هذه الأشياء إلى اللغة الفرنسية، تر أنك في حاجة إلى جملة طويلة لتترجم مفردة واحدة جمعت فأوعت، ولم تجمع المعنى فقط، وإنما حوت أيضا معنى الفاعل حين فتح العين ومعنى المفعولية حين سكونها. تأمل رحمك الله، هذا بالضبط وع ذلك.
وبعد هذا يوجد منا أو من غيرنا من يدفعه جلهه أو تعصبه أو سذاجته، فيذكر لغته بسوء ويثني الثناء الحسن على لغات أجنبية هي منه براء لأنها في غنى عن ثنائه.
هي منه براء لأنها ليست منه وهي زيادة على ذلك غنية عن ثنائه، والولد العاق لا ينفع نفسه كما لا ينفع غيره، والولد البار مفيد لنفسه نافع لغيره، فكن بارا بلغتك، تجلب لنفسك ولغيرك من بني بجدتك العزة والفخر.

سألني أحد طلبتي في المدرسة الوطنية الفلاحية: لماذا لا نستطيع أن نترجم تلك العبارات التي يكثر استعمالها في اللغة العربية مثل الحضرة والمقام والرفيع القدر وصاحب العزة وما إلى ذلك من العبارات التي يأتي بها الكتاب عن قصد أن عن غير قصد، في مناسبة أو في غير مناسبة. ولماذا لا يوجد مقابل هذه العبارات المتحجرة، عبارات فرنجية ؟
كنت أجبت هذا السائل أن هذه العبارات ليست متحجرة كما يظن، أو بالأحرى لم تكن متحجرة ولا ميتة يوم دخلت الاستعمال، وتناقلتها الألسن خلفا عن سلف. ولم تتحجر إلا بعد أن تغيرت الظروف التي ولدتها، وانمحت الأسباب التي أنتجتها.
أما لماذا لا نستطيع ترجمتها الآن إلى اللغة الفرنسية أو الإسبانية أو الإنجليزية فهذا عائد كما شرحت في أحاديث سابقة إلى ظروف الناطقين بهذه اللغة وبيئتهم وحضارتهم.
فإذا أردنا أن نعرف سر وجود هذه العبارات رجعنا إلى وقت ظهورها ودرسناه من جميع جوانبه. آنذاك سيتضح لنا سبب استعمال هذه العبارات، وسر صعوبة نقلها إلى لغة أخرى.
كان العرب قبل البعثة النبوية الشريفة يعيشون في الصحراء، بدو، رعاة إبل، يسيرون في كثير من الأحيان وراء الكلأ حيث كان ينزلون؛ وأين ظهر ونما يستقرون، ثم يرتحلون عنه كلما جف وندر. أو بدو مقيمون حول مياه قليلة، لا تتعدى حضارتهم جماعات، ولا ينتشر صيتها، ويداع أمرها، إلا في أحايين نادرة جدا.
فلما ظهر الإسلام، غزوا وشرفوا، فرفع من قدرتهم، ونزحوا من صحرائهم إلى بلاد الله الواسعة الخصبة معتزين بعروبتهم، مفتخرين بأنفسهم، فأخضعوا لأمورهم شعوبا وقبائل أذلوها ولم يرفعوها إلى منزلتهم؛ فبقيت، والحالة تلك، خاضعة، ذليلة حقيرة أمام الأباة الأعزاء، حاملي دين الحق، وناطقين لسانا عربيا مبينا.
فكان لزاما – والحالة ما بينت – أن يجد هؤلاء الأذلاء المغلوبون على أمرهم، الشاعرون بحقارة نسبهم، وضعة محتدهم، ألفاظا يخاطبون بها هؤلاء السادة النبلاء النجداء الأعزاء. فبحثوا ووجدوا، فكانت الحضرة، والمقام الرفيع، وصاحب العزة، وصاحب المعالي، والكريم المحتد، إلى آخر هذه العبارات التي كان يخاطب بها المولى سيده في كل صغيرة وكبيرة. والتي لا نستطيع نقلها إلى اللغة الفرنسية لأن هؤلاء لم يسمعوا بالشكل الذي سما إليه العرب ولم يخضعوا طيلة تاريخهم الطويل شعوبا مثل ما أخضع العرب.
رحم الله ذلك الزمان، يوم كان العربي يفتخر بعروبته ودينه، ويرفع رأسه عاليا من أجلهما، وأعادنا الله من هذا الزمان الذي صار العربي يخجل من انتسابه إلى العروبة والإسلام.
واللهم ارحم أعزاء كرماء نبلاء ذلوا وأهينوا، فانحطت لغتهم الدالة عليهم والمشيرة إليهم.

لم تفهم هذه الجماعة منا – غفر الله لها – التي تتعصب للغة الفرنسية أو الإنجليزية وتفضلهما على لغة أمها في كل وقت وحين، إن اللغة العربية، التي يطيب لهم الطعن فيها والنيل من أمرها، ليست من جنس الفرنسية ولا من جنس اللغة الإنجليزية ولا من إحدى مثيلاتها في شيء، وكان على هذه الجماعة، التي تتبجح علينا بأنها نالت في المدارس والمعاهد والكليات العصرية التي مرت منها ثقافة عميقة صحيحة، أن تعرف أن اللغة العربية، كسائر اللغات متأثرة بالبيئة التي ولدت ونمت، وترعرعت فيها.
ومن الجهل بالأمور أن يطالب المرء اللغة العربية بما يطالب به الفرنسية أو الفرنسية بما يطالب به اللغة العربية، والعاقل اللبيب هو الذي يقدر لكل أمر قدره، وكل، - حتى في ميدان اللغات – ميسر لما خلق له.
واللغة العربية منشأها الصحراء وأهلها الناطقون بها صحراويون بدو، رعاة إبل، وسكان وبر، وهم معتزون بهذه الحياة مقبلون عليها بفرح وسرور.
واللغة الفرنسية منشأها باردة شديدة البرودة، وأهلها الناطقون بها سكان مدن وأرياف، تغمرها المياه من كل جانب في جميع فصول السنة وتغطيها الثلوج في جزء مهم من فصل الشتاء، وبلاد اللغة العربية سهول وأودية يغطيها في كثير من الأحيان رمال مختلف الألوان، لا يستقر على قرار؛ تتحكم في مصيره رياح حارة، عاصفة تذروه في كل اتجاه.
وبلاد اللغة الفرنسية سهول وجبال ووديان وخضر، ينعشها ماء جار كثير، وتغرد فيها طيور مختلفة الأشكال والألوان.
وأثر كل ما تقدم باد لكل ذي عقل في اللغتين.
أنت إذا أردت خيرا للعربي قلت له (أثلج الله صدرك) وهو يحب ذلك طبعا، لأن الجو عليه شديد الحرارة، كما شرحت لك، ودعاؤك يبرده عليه، فهو دعاء عزيز عليه، مناسب لبيئته، عبرت عنه لغته بما يهوى.
أما إذا أردت نفس الدعاء تقدمه للفرنسي باللغة الفرنسية، فحذار أن تترجم ذلك حرفيا، حذار أن تقول له في لغته، أثلج الله صدرك. فماذا تريد – بالله عليك – أن يفعل بالبرودة في صدره، وهو يرتعد من شدة البرد القارص طيلة السنة تقريبا، قل له، ويحك، ادفأ الله صدرك، ربما هو كلام لا تقبله اللغة العربية ولكن ترجمه إلى اللغات الأوربية وقله للأروبي، ترى، بحول الله ومعونته ما يسرك، ولله في خلقه شؤون.

 وجها لوجه، يدا بيد
كم من مرة رأينا الناس يتلذذون بالعبارة يسمعونها أو يقرأونها، ثم يحلو لهم بعد ذلك أن يطنبوا في التشهير بجمالها ورونها. وقد يحملهم هذا الزهو إلى محاولة مقارنة هذه العبارات الجميلة بما يخيل إليهم أنهم يعرفونه في اللغات الأخرى. ويتفق أن هؤلاء الذين يستحلون هذه العبارات، يستحلونها في اللغات الأجنبية على العموم والفرنسية على الخصوص وأنهم يقارنونها بما في اللغة العربية التي يجهلون عنها الكثير ولم يقدر لهم أن يتعبوا أنفسهم في معرفتها، فضلا عن الغوص إلى أعماقها. ولهذا يصلون حتما إلى تفضيل اللغة الفرنسية على لغة الأم. أنا أعرف كما تعرف ويعرف الناس معنا أن من حقهم أن يقوموا اللغات، ويفاضلونها بينها، ثم يصدرون أحكاما ينشرونها أو يكتمونها. ولكنني مع ذلك لا أجهل كما لا تجهل وكما لا يجهل الناس معنا أن التحيز للغة ما، عمل ممقوت رديء يحسن الترفع عنه. وأنا أرى كما لا شك ترى معي ويرى الناس جميعهم معنا أن الحكم النزيه هو الذي يعتمد على المعرفة الصحيحة الشاملة الكاملة لجميع عناصر المسألة.
فالذي يعرف العبارة الفرنسية ولا يعرف غيرها، لم يتمكن من جميع العناصر؛ ولهذا ستراه، طبعا، يميل إلى اللغة الفرنسية، تدفعه نحوها دوافع لا يستطيع أن يصفها، ويفر من اللغات العربية يحمله على الفرار منها محامل يصعب تحديدها، فهو إذن يحب الأولى ويكره الثانية، وهذه سنة الكون والذي يعرف العبارة العربية ويجهل مثيلاتها في اللغة الفرنسية يحترم الأولى ويقدرها، ويبغض الثانية ويحتقرها، وهو أمر طبيعي يساير القانون البشري ولا يخالفه.
والعبارة التي أحب أن أحدثك عنها اليوم، والتي كانت سبب هذا البيان أعلاه، هي قول الفرنسية (En tête à tête) ولقد وجد بعض أصدقائي في هذه العبارة جمالا لا يوصف، كما يقول. ولا أكتمكم إن قلت لكم، أنني – رغم محاولات مخلصة نزيهة – لم أجد فيها جمالا، لا الذي يوصف ولا الذي لا يوصف – رغم أن ثقافتي فرنسية لا عربية. ولا يمكن أن يكون فيها جمال، وهي عبارة محرفة عن أصلها مستحدثة في اللغة الفرنسية لا لجمالها؛ وإنما أوحاها هذا التيار الجارف العاتي الذي بدأ يهب على الفرنسية أيضا، دون شفقة ولا رحمة؛ يغلب الاستعمال على النحو لا يعبأ بجمال ولا يحترم فنا.
ولا أدري هل صديقي الكريم المنوه بهذه العبارة يعرف أنها كانت محاربة من طرف علماء اللغة الفرنسية وأن العبارة الصحيحة المقبولة هي (Tête à tête) أم لا ؟.
فليعلم – أمتع الله به – أن هذه العبارة الفاسدة التي يحلو له ترديدها لم تظهر إلا منذ حوالي قرنين من الزمن.
إن موليير لم يقل في روايته "المنافق إلا" (Tête à tête) التي أترجمها بـ "وجها لوجه".
الآن جاز لنا أن نقارن بين العبارتين، نفاضل بينها، نعارض هذه بتلك، نبحث عن سهولة النطق وصعوبته؛ وعذوبة الجرس، وسلاسة الصوت في كلتيهما.
أنا لا أحب أن أؤثر في نتيجتك، بل أتمنى أن تكون حرا في اختيارك، واختيارك، ولا شك سيكون مطابقا للذوق السليم. والذوق السليم هنا واضح بين.
ومثل هذه العبارة قولهم (En main propre) التي يقول فيها العرب : "يدا بيد" والتي يستنكف
شبابنا – عفا الله عنه – عن استعمالها. وحجته في هذا الصدد أن العبارة محملة دينا، وأن رائحة الفقه تعبق منها من بعيد، عفا الله عن شبابنا وهداه السبيل.
اللغة كما قال أكثر من مفكر "كائن حي" وهو كالكائن الحي، تولد وتنمو وتشب وتهرم ثم تموت. تمر في حياتها بما يمر منه كل كائن حي. ولابد لكل كائن حي من مسببات ليولد، والولادة قد تكون عسيرة، وقد تكون صعبة، والولد قد يكون معروف الوالدين، وقد يكون مجهولهما. وليس ثمة أي فرق بين الولد يولد من بطن الأم، بعد مخاض قد يطول وقد يقصر، وبين الكلمة تولد في فم الناس.
ولابد لكل كائن حي من مسببات ليموت، والموت أصعب مما نظن، يعرف علاماتها الأطباء ويشاركهم في بعضها عامة الناس. والألفاظ – لأنها كائنات حية أيضا – تموت؛ وعلامات قرب فنائها معروفة عند المهتمين بهذا الأمر. ولا بأس بذكر بعضها هنا؛ فقد يفيدنا ذلك في معرفة لغتنا، وهي الغاية التي نريد الوصول إليها. وأكرم بها من غاية ? يصيب اللفظة بعد الاستعمال الطويل عياء لا قبل لها به؛ فتبدأ أجزاؤها تتقلص وتسقط الواحدة تلو الأخرى، وتشرف على خطر داهم يقودها إلى نهايتها.
لكن لكل داء دواء، فداء السل كان يميت الناس دون شفقة ولا رحمة، فوجد الأطباء له علاجا بعد بحث مضن، متواصل، وهم الآن يبحثون عن دواء لداء السرطان، ولن تخيب جهودهم أبدا.
فحقن B.C.G. تقتل مكروب Koch الفتاك، فتطيل عمر المصاب بداء السل إلى أن يشاء الله، ولكنها لا تمنحه الأبدية.
وعلماء اللغة توصلوا إلى نفس النتيجة التي توصل إليها إخوانهم الأطباء. استطاعوا أن يجدوا دواء للفظة التي أصيبت بداء فتاك كداء السل وأطالوا بذلك عمرها إلى أن يشاء الله، ولكنهم لم يمنحوها ولن يمنحوها الأزلية على كل حال، وما هم بقادرين.
قلنا أعلاه أن اللفظة تولد وتموت كما يولد كل حي ويموت، وقلنا أن للولادة أسبابا، وللموت أسبابا، ولكننا لم نمثل لذلك بعد.
أما ولادة اللفظة فأمر معروف لا يحتاج إلى بيان، فكلما دعت الضرورة لتمتين شيء أوجدوا له، في أحوال كثيرة، لفظة تدل عليه، أما كيفية إيجاد هذه اللفظة، وتوليدها فأمر يطول شرحه ولا تسمح بنشره الظروف الحالية.
أما فناء اللفظة فهو الذي سنبسط الكلام فيه، لأسباب أهمها أن الناس لا يعرفون بعد، أن اللفظة تموت، ولا يعرفون تبعا لذلك علامات فنائها، ويشرفني أن أكون في اللغة العربية من السابقين لهذه الفكرة وليست هي على كل حال فكرة نهائية لا تقبل النقاش، بل هو رأي اعتقدت أنه صوابا؛ فإذا عن لغيري عكس ما رأيت، فليتفضل مشكورا لإرشادنا.
أشرت إلى علامات قرب فناء اللفظة حين قلت "تبدأ أجزاء اللفظة تتقلص الواحدة تلو الأخرى، وتشرف على خطر داهم يقودها إلى نهايتها، وأحسن مثال لذلك كلمة، أو على الأحرى عبارة "أيمن الله" فقد أصابها مرض عضال، بدأ ينقص من أطرافها، فسقط أولا النون من" "أيمن" فصارت "أيم الله" ثم سقط الألف فصارت "يم الله" ثم سقطت الياء فصارت "م الله" آنذاك تدخل أطباء اللغة محاولين تمديد عمر هذه الكلمة فمنحوها دواء ناجعا، أطال عمرها إلى أمد غير مسمى، فقالوا أنها صارت حرفا، والحرف مبني أبدا. والبناء دواء فعال في مثل هذه الظروف، لا يشك أحد في فائدته، نرجو لهذه المفردة المريضة ولمثيلتها طول العمر.
تموت الأفراد لسبب من الأسباب، ولكنها تقتل أيضا لجريمة ارتكبتها.
تحدثنا فيما سبق عن الموت الطبيعي يصيب الأفراد كما يصيب الألفاظ، والآن نتحدث عن القتل الذي تستحقه ألفاظ اللغة لجريمة اقترفتها كما تستوجبه جميع الكائنات الحية، حين الإجرام الكبير.
وسبب قتل الكلمات نوعان : نوع مدني، إن صح التعبير، تفرضه الحياة التي نعيشها وعوائد الناس من أدب وحشمة ووقار وعفة، ونوع ديني يحتمه الدين الحنيف، وتفرضه مبادئ الشريعة السمحاء.
نضطر في الحياة اليومية التي نعيشها أن نسمي الأشياء بأسمائها، وليست كل الأسماء التي نتناولها
بالحديث أسماء عادية يستطيع أن يذكرها الكل للجميع، دون حياء؛ بل فيها كلمات يطلب الأدب من الناس أن يترفعوا عن ذكرها مع الآخرين أو إذا جاز الحديث بها مع الأجنبي، كره الحديث بها مع فرد من أفراد العائلة قريب أو بعيد.
ومن بين هذه الكلمات المفردة التي وردت في بيت الشاعرة حاجة بنت الحفص الركونية للشاعر أبي جعفر، والتي نطلق عليها حياء الخلاء.
ومن بين هذه الألفاظ التي نستحيي من ذكرها أمام من نحترمه، ما جاء في البيتين الشهيرين الذين وصف بهما ولادة بنت المستكفي الشاعر الأندلسي، ابن زيدون حين قالت له :
ولقبت المسدس وهو نعت
     تفارقك الحياة ولا يفارق
........................
     وديوث وقرنان وسارق
أعوذ بالله من هذه الألفاظ، تصدر من امرأة عالمة نشأت في بيت الخلافة.
هذه الألفاظ ومثيلاتها التي مرت بنا آنفا، لا لا نقولها بذاتها، وإنما نعبر عنها، أما بما يشعر بها، وأما بوصف يقارب معناها، كل حسب مداركه.
فهذه الألفاظ وأمثالها كثيرة مقتولة غير مستعملة بذاتها، وإن كان القاموس العربي يشملها هي وشرحها.
وكثيرا ما نغير اللفظة التي توحي بفجور أو مجون بلفظة "طاهرة" تدل على معناها ولكن هذه اللفظة "الطاهرة" تنزل مع الاستعمال ومع طول المدة إلى الدرك الوسخ، فتبدأ توحي بما كانت توحي به اللفظة القديمة التي سبقتها.
والأمثلة على ذلك في اللغة العربية كثيرة جدا، وأخاف أن اقتصرت على اللغة العربية لم تعم الفائدة لأننا – نقولها متأسفين – لا نهتم بعد بتطور لغتنا، حتى نستطيع أن نأخذ العبرة من أمثلتها. ولذا أراني مضطرا أن أمثل باللغة الفرنسية وما يقال في لغة يقال في سائر اللغات1. كانوا يطلقون في اللغة الفرنسية على مكان الخلاء Cabinet ثم رأوا أنها كلمة ساقطة يجب الترفع عنها فقالوا w.c وهما الحرفان الأولان من كلمتين ساكسونيتين. لكن بعد استعمال طويل أتضح أنهما صارتا بدورهما توحيان بما لا نحب أن نسمعه، ولهذا نرى الآن في عصرنا هذا الميل إلى تغيير w.c بـ Toilette وهي مفردة لا زالت طاهرة، وأعتقد أنها ستبقى طاهرة لمدة طويلة وبعد ذلك تقتل كما قتلت مثيلاتها. هذه هي نهاية كل كائن حي؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here