islamaumaroc

محمد بن الحسين العرائشي شيخ الجماعة بمكناس

  دعوة الحق

العددان 111 و112

اسمه ونسبه – مولده ومتعلمه الأولى –
أساتذته في العلوم – مسموعات وإجازات – مكانته
العلمية – اشتغاله بالتدريس – الآخذون عنه –
اشتغالات أخرى للمترجم – أخلاقه وغيرته –
مؤلفاته – وفاته ومدفنه وتأبينه.

اسمه ونسبه
هو أبو عبد الله محمد بن الحسين العرائشي، يرقى نسبه إلى قاضي مكناس أثناء العهد الإسماعيلي : أبي محمد عبد الوهاب بن الحاج محمد المدعو حم العرائشي(1) ويتسلسل نسب المترجم إليه – حسب ابن زيدان(2) – هكذا : محمد بن الحسين بن الحاج عبد القادر بن علال بن اليمني بن علي بن القاضي عبد الوهاب المذكور، وقد جاء ذكر فريق المترجم في طالعة "الديوان الإسماعيلي" الموضوع في بعض بيوتات مكناس(3) حسب الفقرة التالية :
العرائشيون من الذين وفدوا مع الولي الصالح سيدي عبد الله بن حمد، واستوطنوا بالعرائش من أرض "تلاحدوت" بأمر الولي المذكور، حسبما برسوم ذلك – التي بأيديهم – القديمة".
وقد كان المولى عبد الله بن حمد(4)) انتقل إلى سكنى مدينة مكناس حوالي أوائل القرن التاسع للهجرة، وبهذا يكون قبيل المترجم وفد على مكناس في التاريخ المذكور، وحسب الفقرة الآنفة الذكر فقد استوطنوا – أولا – بالعرائش من أرض تلاجدوت، وهذه – حسب الحوالة الأحمديــة(5) – تقع بحارة "ورزيغة" أسفل المشهد المنسوب سيدي عبد العزيز(6) شمال المدينة على نحو 3 ك. م. ثم انتقلوا للسكنى بداخل مكناس في تاريخ غير مضبوط، غير أنه من المؤكد أنهم في العصر الإسماعيلي – كانوا قد استوطنوها، حيث كان جد المترجم عبد الوهاب قاضيا بها، كما كان القائد أبو العباس أحمد بن الفقيه أبي يعزى العرائشي عاملا للسلطان أبي الفداء بهذه المدينة(7)، ثم في أثناء القرن الثاني عشر هـ يتصل عالم من فاس(8) بالجد الثالث للمترجم السيد اليمني كأحد طلبة مكناس، التي لمع بها – أخيرا – اسم عمر المترجم : أبي العباس أحمد بن الحاج عبد القادر العرائشي(9) آتي الذكر قريبا في عداد أشياخه، وهكذا يتبين أن نسبة قبيل المترجم ليست للعرائش المدينة المعروفة شمال المغرب، وإنما هي للموضع المشار إليه بمقربة من مدينة مكناس.

مولده ومتعلمه الأولي
ولد في حدود عام 1280 هـ / 1863 – 1864 م ثم حفظ القرءان وتعلم بعض المبادئ الدينية على معلمه الأول :
1 – أبي العلاء إدريس بن محمد بن عبد الهادي الوالي الإدريسي السجلماسي ثم المكناسي، المتوفى عام 1335 هـ / 1916 – 1917 م. وقد كان كتابه يقع في حي "تيبربارين"، في نفس مسجد هذا الحي الذي وقع تجديده أثناء العهد اليوسفي.

أساتذته في العلوم
وضع المترجم فهرسة سيرد ذكرها ضمن لائحة مؤلفاته، وقد أورد فيها أسماء شيوخه في القرءان والعلوم، وألم بتراجمهم مع مقروءاته عليهم، وسنقتبس منها في موضوع أساتذة المترجم، الذي تبتدئ دراسته للعلوم من عام 1295 هـ أو قبيلها، وقد كان عمدته في هذه المرحلة هم الأعلام الذين سيرد ذكرهم حسب ترتيب وفياتهم :
2 – الطاهر بن الحاج الهادي بن العناية المشهور ببوحدو المكناسي المتوفى عام 1305 هـ / 1888 م، قرأ عليه لامية الأفعال لابن مالك مرتين، والسلم للأخضري، وبعض الخلاصة لابن مالك، والعروض والقوافي، وطرفا من أول جمع الجوامع للسبكي إلى الكناية.
3 – عم المترجم صنو والده للأب : أبو العباس أحمد بن الحاج عبد القادر العرائشي المكناسي، المتوفى عام 1318 هـ / 1901 م، قرأ عليه الربع الأول من الخلاصة، وكشف الأسرار عن علم حروف الغبار، للقلصادي : من أوله إلى فصل حل الأعداد إلى أيمتها.
4 – محمد المفضل بن الهادي بن أحمد بن المجذوب ابن عزوز المكناسي، المتوفى عام 1319 هـ / 1901 م، أخذ عنه المرشد المعين لابن عاشر من أوله إلى آخره، ومرة أخرى إلى النصف، والشمائل المحمدية للترمذي، والنصف الأول من الخلاصة، وطرفا كبيرا من الجامع الصحيح للبخاري، وتدرب عليه في الفتوى.
5 – المفضل بن الحاج المكي بن أحمد السوسي الأصل، المكناسي الدار، الفاسي الوفاة والإقبار، عام 1320 هـ / 1902 م، قرأ عليه الرسالة القيروانية، والموطأ، والشفا، وطرفا وافرا من الجامع الصحيح للبخاري، وبعض المختصر الخليلي، وشيئا من علم العروض، والقصيدة الهمزية للبوصيري.
6 – أبو العباس أحمد بن الطالب ابن سودة المري الفاسي، قاضي مكناس، المتوفى بفاس عام 1321 هـ / 1903 م، سمع عليه صحيح البخاري بقراءة غيره ضمن جماعة، سوى مجلسين لم يحضرهما لعذر وقرئا دون حضوره، وأخذ عنه شيئا من المختصر الخليلي من باب الشركة، وقصيدتي البردة والهمزية.
7 – محمد السعدي بن الحاج محمد المنوني الحسني المكناسي، المتوفى عام 1334 هـ / 1916 م، أخذ عنه مطالب الربع المجيب، وشرح له الرقوم المرسومة على رخامة الوقت بسطح مستودع المسجد الأعظم، وغير ذلك، وصار يستنيبه في توقيت هذا المسجد إلى أن استقل به بعد.
8 – محمد بن عبد السلام بن الطيب بن الراضي بن حم الطاهري الحسني المكناسي قاضيها، المتوفى عام 1339 هـ / 1921 م، قرأ عليه المقدمة الأجرومية مرتين، والخلاصة، والمرشد المعين، ثم المختصر الخليلي وتحفة ابن عاصم إلا قليلا في الأخيرين، مع السلم للأخضري، وشيء من مقدمات جمع الجوامع للسبكي.
9 – قاسم بن عبد القادر الحسناوي النشواتي ثم المكناسي، المتوفى عام 1342 هـ / 1924 م، أخذ عنه بعض مطالب الربع المجيب، وعرفه ببعض النجوم التي تتوقف عليها هذه المطالب.
                                                   *  *  *
أما بقية أساتذة المترجم فهم حسب وفياتهم أيضا :
10 – إدريس بن شيخ جماعة القراء بمكناس السيد اليزيد اللنجري ثم المكناسي المتوفى عام 1295 هـ / 1878 م، قرأ عليه المقدمة الأجرومية مرتين.
11 – محمد بن المجذوب ابن عزوز المكناسي، عم الشيخ المفضل ابن عزوز سابق الذكر، والمتوفى عام 1297 هـ / 1880 م، قرأ عليه أول المقدمة الأجرومية.
12 – أبو الصفاء المختار بن الحبيب الأجراوي المكناسي، المتوفى عام 1300 هـ / 1883 م، أخذ عنه المرشد المعين من أوله إلى ءاخره.
13 – محمد بن محمد بن الجيلاني بن المعطي السقاط المكناسي، المتوفى عام 1301 هـ / 1884 م، قرأ عليه أبعاضا من الخلاصة من آخرها، ومن جمع الجوامع للسبكي، ومن الشمائل الترمذية.
14 – عبد السلام بن الحاج محمد ابن عمر الصنهاجي المكناسي الدار، المتوفى عام 1320 هـ / 1903 م، أخذ عنه شيئا يسيرا من الخلاصة والمختصر الخليلي.
15 – محمد بن عبد السلام كنون دعى كنيون – بالتصغير – الفاسي، المتوفى عام 1326 هـ / 1908 م، سمع عليه الشمائل الترميذية بالزاوية التجانية، حين زار مكناس لحضور المجالس السلطانية في صحيح البخاري في رجب وتالييه، وقد ختمها قبل رمضان.
16 – الحاج المعطي بن محمد بن الهادي ابن عبود المكناسي، المتوفى عام 1330 هـ / 1912 م، قرأ عليه بعض الخلاصة.
17 – الحاج المختار بن باشا فاس السيد عبد الله نب أحماد السوسي ثم البخاري، المكناسي الدار، المتوفى عام 1335 هـ / 1917 م، حضر عنده أيامه عديدة في المختصر الخليلي.
                                                   *  *  *
هؤلاء سبعة عشر أستاذا من شيوخ المترجم بمكناس، ولم يدرس بفاس، وإنما قام برحلات قصيرة لهذه المدينة حضر خلالها دروس بعض كبار علماء القرويين، وهم :
18 – أبو عبد الله محمد بن المدني كنون الفاسي، المتوفى عام 1302 هـ / 1885 م، حضر بعض مجالسه في التفسير بضريح سيدي قاسم ابن رحمون، حيث وجده يقرؤ في سورة المجادلة إلى أن ختمها، ثم صادفه في رحلة أخرى يقرؤ بالقرويين جامع الشيخ خليل.
19 – محمد بن التهامي الوزاني ثم الفاسي، المتوفى عام 1311 هـ / 1894 م، حضر بعض مجالسه في المختصر الخليلي عند باب الحوالة.
20 – محمد التهامي كنون أخ المذكور ءانفا، والمتوفى عام 1331 هـ / 1913 م، حضر بعض مجالسه في جامع الصحيح لمسلم.
21 – محمد بن قاسم القادري الحسني الفاسي، المتوفى عام 1331 هـ / 1913 م، حضر مجلسه في جمع الجوامع لابن السبكي عند قول المتن : تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع وإن جاز إلى آخر المسألة.

مسموعات وإجازات
للمترجم سماع وإجازات من بعض الأشياخ المغاربة وهم :
- أبو العباس ابن سودة المري سابق الذكر، سمع عليه الجامع الصحيح للبخاري على ما تقدم، وهذا يرويه من طريق المغاربة : عن شيخه بدر الدين الحمومي، عن محمد التاودي ابن سودة بأسانيده، كما يرويه عن مصطفى الكبابطي الجزائري، عن علي ابن عبد القادر المعروف بابن الأمين، عن علي الصعيدي المصري بأسانيده.
22 – أبو العباس أحمد بن محمد ابن الخياط، الحسني الزكاري الفاسي، المتوفى عام 1343 هـ /
1925 م، كتب له بالإجازة العامة، وبعث له بها من فاس في فهرسته الصغرى، ثم زاره – بعد هذا – بداره قرب مدرسة الشراطين من نفس المدينة، حيث سمع منه الإجازة مشافهة.
23 – محمد بن جعفر الكتاني الحسني، المتوفى عام 1345 هـ / 1927 م، سمع عنه – عام 1323 هـ - حديث الرحمة المسلسل بالأولية، من طريق شيخه الحاج محمد بن علي الحبشي ثم المصري، عن محمد بن محمد – مرتين – بن إبراهيم التاملي العثماني ثم السلوي، عن محمد صالح الرضوي البخاري بأسانيده، وروى عن ابن جعفر – أيضا بالإجازة – صحيح البخاري، عن شيخه أبي العباس أحمد بن أحمد بناني المدعو كلا، عن محمد بن أحمد السنوسي، عن محمد التاودي ابن سودة بأسانيده.
24 – محمد بن أحمد بن إدريس بن الشريف العلوي الإسماعيلي الحسني، الزرهوني ثم المكناسي قاضيها، المتوفى بها عام 1367 هـ / 1947 م، سمع منه الأوائل العجلونية بمنزله من الزاوية الإدريسية، في عشية الجمعة رابع جمادى الآخرة عام 1342 هـ، وأسندها له من طريق الشيخين : عبد الكبير بن محمد، ومحمد جعفر : الكتانيين الحسنيين بسنديهما، كما أجازه بالموجود من فهرسته، وبفهرسة الفلاني، وبغيرهما، إجازة عامة بتاريخ ليلة السبت خامس جمادى الثانية عام 1342 هـ (10)، ثم قرأ عليه سورة البقرة بتفسير الجلالين وحاشية الصاوي، في ليالي رمضان بالروض الزيداني من مكناس، واستفاد منه فوائد نفيسة جليلة.
وسيكون هذا الشيخ آخر شيوخ المترجم الذين أخذ عنهم دراية أو رواية، مع الإشارة إلى أن فهرسته لا تزال تحتفظ بأسانيد أخرى حديثة وصوفية، تطول الترجمة بإيرادها.

مكانته العلمية
كان معدودا من كبار علماء مكناس، ماهرا في النحو والتصرف، عارفا بالفقه المالكي على العموم، متضلعا في فقه العبادات، مشاركا في علوم الحديث والتجويد والأصلين والبيان والمنطق والعروض والقوافي، ملما بالحساب والتوقيت، ملجأ للطلاب في تدريس مختلف العلوم، مرجعا للعامة في أمور دينهم، وكان في أول أمره يعاني قرض الشعر على قلة(11)، كما كان يتعاطى الإفتاء في بعض الأحيان، واشتغل أخريات عمره – أكثر – بوضع مؤلفات في مواضيع متنوعة.
حلاه شيخ الجماعة الإمام أبو العباس أحمد ابن الخياط في إجازته له بـ "الفقيه العلامة، المحقق الدراكة الفهامة، المشارك المدرس النفاعة... ذي التئاليف العديـــــدة، والتحريــــرات المفيــــدة (12) ..."، وعقد له العلامة الأديب الشهير، أبو العباس أحمد سكيرج : ترجمة مقتضبة في بعض رحلاته(13) عام 1329 هـ، وقد جاء فيها :
"ولصاحب هذه الترجمة ذهن وقاد، وقريحة تامة، وله الباع الطويل في علم النحو، والبيان. والفقه، والعروض، إلا أنه قليل النظم".
ووصفه المؤرخ ابن زيدان(14) عند تقديم قصيدة له بـ "العلامة، الملازم للتدريس والإفادة، الفقيه، المفتي، الخطيب البليغ".

اشتغاله بالتدريس
تبتدئ هذه الرحلة من حياة المترجم خلال العشرة الثانية بعد ثلاثمائة وألف، في حياة أكثر أشياخه، وبإذن من بعضهم : مثل المفضلين ابن عزوز والسوسي، وبهذا استمر في التدريس مدة تناهز أربعين عاما، عكف فيها على الإقراء والإفادة دون فتور، وقد أقرأ في هذه الفترة معظم الكتب الدراسية في الفنون التي كانت متداولة آنذاك، وكان منها مما حضرته عليه أو أدركته يقرئه دون حضور :
"الموطأ" بالجامع العلمي : بين العشاءين، وصحيح البخاري في ليالي رمضان بغريفة الموقت من الجامع الأعظم، أدركت منه من كتاب الدعوات إلى أول كتاب الفتن، ثم توفى – رحمه الله – قريبا من ذلك، والمختصر الخليلي، وتحفة ابن عاصم، وجمع الجوامع للسبكي، والخلاصة لابن مالك، زيادة على المتون الصغيرة : أمثال المقدمة الأجرومية، والمرشد المعين، والجمل للمجرادي، ولامية الأفعال، والكافي في علمي العروض والقوافي، ونظم الاستعارات للشيخ الطيب ابن كيران : وكشف الأسرار للقلصادي، وكتيب المترجم درة الولدان آتية الذكر، هذا مع العلم بأني ما أدركت من حياته الدراسية سوى مدة لا تبلغ الثلاثة أعوام.
وكانت طريقته في تدريس الكتب ذات الحواشي أن يتتبع المتن المقرؤ بشرحه وحاشيته، يملي ذلك من الكتاب، ويوضحه توضيحا شافيا ومفيدا، مطرزا ذلك بإفادات متنوعة، وملاحظات في بعض الأحيان، وكان يقرئ الخلاصة بشرح المكودي، ويتتبع تعاليق كتبها على هامش نسخته المطبوعة بمصر، وطوقها بها تطويقا يكاد يعم أكثر الصفحات. كما كان يقرأ بعض المتون الصغيرة بإملائه ودون احتياج إلى مطالعة سابقة، وقد أقرأ – مرة – المقدمة الأجرومية بشرحه – عليها – آتي الذكر، ولما بلغ في قراءة فرائض المختصر الخليل إلى قسم العمل، صار يوضح ذلك بتقييده عليه آتي الذكر، وكان في تدريسه لصحيح البخاري يتتبع تعليق "الفجر الساطع على الصحيح الجامع" للإمام أبي عبد الله محمد الفضيل بن الفاطمي الشبيهي الحسني، وهو تعليق بديع ونادر.
وحسبما أدركته فقد كان أكثر تدريسه بالجامع الأعظم، وموضع جلوسه في الغالب كان بين بأبي العدول قبالة الصحن، وكان يقرئ – قليلا – بغريفة المؤقت من نفس الجامع، وبالمسجد العلمي، والزاوية الكتانية، واقرأ قديما بجامع الزرقاء، وجامع الورزيغي.

الآخذون عنه
كان من أثر عكوف المترجم على نشر العلم وملازمته الإقامة بمكناس، أن تخرج عليه أجيال من العلماء والطلاب طبقة بعد طبقة، وفوجا بعد فوج، وباستثناء أقرانه من العلماء، فقد صار في آخر عمره لا يوجد من ينتمي للعلم بمكناس إلا وله عليه مشيخة، ونحاول هنا أن نثبت تسعة أسماء تمثل طبقت من الآخذين عنه من أعلام مكناس الراحلين، وسيرد ذكرهم على ترتيب وفياتهم :
1 – أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن الفضيل العلوي الإسماعيلي، العدل المدرس المفتي، المتوفى عام 1352 هـ / 1934 م.
2 – عبد الله بن الجيلاني العلمي دعي جمعان. العدل الموثق المدرس، المتوفى عام 1361 هـ / 1942 م.
3 – أبو زيد عبد الرحمن دعي الكبير بن محمد ابن عبد الرحمن ابن زيدان العلوي الإسماعيلي، مؤرخ مكناس الشهير، المتوفى عام 1365 هـ / 1946 م.
4 – محمد بن سعيد بن عبد السلام بن أحمد الدكالي الأصل، المكناسي الدار، الفاسي القرار، الرباطي الوفاة والمدفن، المفتي المدرس الشهير بالقرويين وغيرها، المتوفى عام 1368 هـ / 1949 م.
5 – محمد بن إدريس بن محمد بن الحسين ابن السلطان محمد بن عبد الله، العلوي الإسماعيلي، قاضي الدار البيضاء وغيرها، المتوفى عام 1370 هـ / 1951 م.
6 – محمد – فتحا – بن المبارك بن علي الهلالي، المدرس المفتي الطائر الصيت، المتوفى عام 1372 هـ / 1953 م.
7 – الحسن بن محمد بن الحسين المنوني العدل الحيسوبي الفلكي، المتوفى عام 1375 هـ / 1955 م، وهو من أوائل الآخذين عنه.
8 – أبو الصفاء المختار بن شيخ الجماعة المفضل بن الحاج المكي السوسي، العدل المدرس المفتي، المتوفى عام 1378 هـ / 1958 م.
9 – أبو فارس عبد العزيز بن محمد الأمغاري الحيسوبي الفلكي، المتوفى عام 1380 هـ / 1960 م.

اشتغالات أخرى للمترجم
رغب المترجم عن التوظيف، ولهذا ابتعد – إلا قليلا – عن مباشرة خطة العدالة وهو يتولاها منذ عام 1314 هـ، وعمل نائبا عن قاضي أحواز مكناس، ثم انزوى عن ذلك، وكانت الوظائف التي اختارها لنفسه – على ضئالة مرتباتها – هي التدريس ضمن علماء الطبقة الأولى، وتوقيت الجامع الأعظم، مع خطابة جامع قصبة هدراش، وإمامة مسجد الورزيغي، وفي أحد الأعوام كان أحد نائبي مكناس في المجلس الحبسي الأعلى، المنعقد عام 1335 هـ / 1917 م(16).
وكان له ولوع خاص بالنساخة، يخصص لها وقتا بين أشغاله، وقد كتب منتسخات عديدة لشيخه قاضي مكناس أبي العباس ابن سودة مار الذكر، كما نسخ برسم المكتبة الزيدانية بمكناس مؤلفات لا تزال تزخر بها هذه الخزانة في مجلدات قائمة بنفسها، أو ضمن المجاميع، وكتب لنفسه الشيء الكثير، وقليلا كان يكتب لبعض الأفراد والمكتبات الأخرى، ويأتي في طليعة منتسخاته : "الفجر الساطع، على الصحيح الجامع" لمحمد الفضيل الشبيهي سالف الذكر، في ستة أسفار، حيث كتب منه نسختين من خط مؤلفه : إحداهما للمكتبة الزيدانية، والثانية لنفسه، فأحيا بعمله هذا أثرا من أهم وأندر ما كتبه المغاربة على صحيح البخاري، وقد ساهم مساهمة فعالة في جمع عدد من مواد تاريخ مكناس، وشارك في وضع فهارس المكتبة الزيدانية.

أخلاقه وغيرته
كان المترجم داعيا إلى اتباع السنة بقوله وفعله، محافظا على العبادات، قواما بالليل، لا يغتاب أحدا، مثلا بارزا في التواضع، ميالا إلى القناعة والزهد.
هذا إلى اهتمام بتعليم الناشئين، وقد وضع لهذه الغاية في قواعد الإسلام الخمس، كتيبا صغيرا سماه "درة الولدان..."، ثم طبعه وأخذ يوزعه بنفسه – مجانا – على معلمي الكتاتيب القرءانية، وعلى النشء الصغير، الذين اعتكف – أخريات عمره – على أقرائه لهم ظهر يومي الأربعاء والخميس، ثم صنف – لنفسه الغاية – شرحا مبسطا على المقدمة الأجرومية، ووضحه بالجداول، واقرأه بنفسه حتى ختمه.
وكان عدو التفرنج والتشبه المذموم بالأجنبي، وألف – في هذا الصدد – رسالة "التحذير والتنفير من الأفعال التي تؤدي إلى التكفير".
يحض – كثيرا – على الاهتمام بعلم التجويد ومعرفة أحكامه، وله في هذا الموضوع شرح على الدرر اللوامع، وسيرد ذكر هذا – مع المؤلفات الثلاث الآنفة الذكر – ضمن لائحة مؤلفات المترجم.
وله مواقف معروفة ضد بعض المبتدعة، يندد بهم في مجالسه، ويذهب إلى موطن بدعتهم ليغير عليهم بلسانه، صارخا فيهم بأن ما هم عليه منكر، رائده في هذا : النصيحة للإسلام والمسلمين.

مؤلفاته
لم يضع المترجم أكثر مؤلفاته إلا في أخريات عمره، وسأذكر ما عرفت منها على ترتيب حروف المعجم، مع وصف وجيز لما قرأته من آثاره :
1 – "إتحاف الطالب القانع، بفهم معنى النظم المسمى بالدرر اللوامع"، شرح فيه أرجوزة "الدرر اللوامع، في مقرأ الإمام نافع"، لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن بري.
2 – "التحذير والتنفير، من الأفعال التي تؤدي إلى التكفير"، فرغ من تأليفه في 11 محرم، عام 1351 هـ، ويقع في 21 ص من الحجم المتوسط، حسب مخطوط المكتبة الزيدانية، الواقع ضمن مجموع يحمل رقم 3818، بخط المؤلف نفسه.
3 – "تعليق على أرجوزة الوزير محمد بن إدريس العمروي في صلحاء مكناس"، منه نسخة – مبتورة بنحو الربع الأخير – بالمكتبة الزيدانية تحت رقم 2806، وبنفس الخط، في 19 ص من الحجم الصغير، ويلاحظ أنه خال من اسم المترجم الذي تترجح نسبته من أسلوب الكتابة ونفسها، والموجود من هذا التعليق مفيد – جدا – في تعيين مدافن عدد من أعلام مكناس وصلحائها.
4 – تقييد على ثلاثيات صحيح البخاري ؟
5 – "تقييد في مسألتين : الأولى : بطلان صلاة الجمعة في غريفة الموقت، الثانية : سقوط وجوب الجمعة على المسافر دون مسافة القصر"، يقع في 11 ص من حجم صغير، حسب النسخة التي كتبتها من أصل المترجم في حياته، وهي مذيلة بتقريظ نثري بقلم المؤرخ الشهير أبي زيد ابن زيدان.
6 – "درة الولدان(17) في معرفة ما يجب على الأعيان"، كتيب وجيز في شرح قواعد الإسلام الخمس، طبع بالمطبعة الجديدة بطالعة فاس، عام 1347 هـ، في 14 ص من الحجم الصغير.
7 – "مجموعة فتاوي"، جمع فيها إلى فتاويه : ما عثر عليه من فتاوي شيخه : المفضل ابن عزوز ومحمد بن أحمد العلوي، حسب ذكره لي مشافهة دون أن أقف عليها.
8 – "عنوان السعادة والإسعاد، لطالب الرواية بالإسناد" : إسم فهرسة أشياخ وأسانيد المترجم، التي فرغ من تقييدها عشية الأحد 14 شعبان، عام 1350 هـ، تقع في 83 ص، من الحجم المتوسط، حسب مخطوطة خاصة.
9 – "فتح الحي القيوم على مقدمة ابن آجروم"، شرح فيه هذه المقدمة بأسلوب سهل، ووضحه بالجداول تقريبا للمبتدي، منه نسخة بخط مؤلفه بالمكتبة الزيدانية تحت رقم 3128، وهي مبتورة الطرفين، مع تلاشي والتصاق لبعض أوراقها.
10 – "شرح قسم العمل من فرائض المختصر الخليلي"، شرح فيه من قول المتن : "وقابل بين اثنين فأخذ المثلين...". ووضح ذلك بجداول المنقط الواردة في هذا الموضوع، طبع بالمطبعة السلكية بمكناس، دون تاريخ الطبع، في 59 ص، من الحجم الصغير.

وفاته ومدفنه وتأبينه
توفي – طيب الله ثراه – بدار سكناه من مكناس، الواقعة بحي "التوتة" رقم 7، وكانت وفاته عند الساعة التاسعة وثلاثين دقيقة بالتوقيت المحلي، بعد عشاء ليلة الأحد 10 شوال، عام 1351 هـ / 5 فبراير سنة 1933 م، وشيعت جنازته زوال يوم الأحد المذكور، في موكب طويل وخاشع، سار فيه السكان على اختلاف طبقاتهم وحيثياتهم، مما قل نظيره في مثل هذه المناسبة، وعند المشهد العلمي تقدم للصلاة عليه إمام المجسد، نقيب الأشراف الأدارسة، الفقيه المرحوم محمد بن المختار الإدريسي الشبيهي، ثم أقبر بالزاوية الكنتية بحي سدراتة، ملاصقا للمحراب عن يمين المستقبل.
وقد ترك موته أسفا عميقا عند مختلف الأوساط، وأتبعه الناس ذكرا حسنا، وتسابق عدد من طلابه إلى تأبينه بالنثر والشعر، وكان في طليعتهم نقيب الأشراف العلويين المؤرخ ابن زيدان، الذي رثاه بقصيدة دالية نشرت بكاملها في جريدة "السعادة(18)"، في 37 بيتا من بحر الكامل، ومطلعها :
رزء عظيم فتت    الأكبادا
ولطود صبر       العالمين أبادا
كما رثاه العالم المدرس محمد بن عبد القادر العرائشي العلمي بقصيدة تائية من بحر الطويل في 18 بيتا، وابنه الأستاذ الجليل رشيد بن عبد الله المنوني بكلمة نثرية يقول فيها :
"أيتها العين الجارية، ما هذه الدموع التي تسكبينها ؟ وما هذه العبرات التي تتساقط أمامي سقوط وبل الزرقاء على الخضراء ؟ فهل كنت تبخلين علي حينما كنت أدعوك لدمعة واحدة تخفف عني وطأة الحزن والكمد ؟ أم كنت من الفقراء المعوزين الذين لا يجدون شيئا يشد خلتهم ؟ لا لا، لم يكن هذا ولا ذاك.
عفوا عفوا أيتها العين الحزينة، البئيسة الشفوقة الحنونة، لقد أخذت زمام قلمي وترويت قليلا، واستحضرت نوائب الماضي ومصائبه، فألقيتها في أحدى كفتي ميزان الفكر، وألقيت بالمصاب الحاضر في الأخرى، فكانت النسبة بينهما كنسبة من جعل في الأولى مثقال حبة من خردل، وفي الثانية جبالا وسماء وأرضا، فنعمت الجارحة التي تحبس الدموع في محاجرها حقبة من الزمان، ولا تريقها إلا في هذا المصاب العظيم، والخطب المؤلم الجسيم، مصاب قسم على الأكباد فأزعجها من مراكزها ومواطنها، وصار يعبث بها عبث الريح بالورقة الملقاة على ظهر البسيطة، مصاب أحدث في الطبيعة فتورا، وفي الجو ظلاما، وفي الفكر المكناسي اضطرابا وقلقا، فصاب ذلك الرجل الذي كانت تغترق من بحره الصبيان والشبان والكهول والشيوخ.
شيخ الجماعة بمكناس الفقيه العلامة المنعم السيد محمد الحسن العرائشي غفر الله له ذلك الجهبذ الذي كان المثل الأعلى علما وعملا، ذلك الركن المتين الذي ترك المنابر تبكي وتنتحب، أسفا وحزنا على زواجر وعظه التي كان لها الموقع العظيم في القلوب، ذلك الفقيه العرائشي الذي كانت تمثل الأخلاق المحمدية في شخصه المفقود، والذي كانت ذاته الطاهرة مرءاة ترتسم فيها الصور المعنوية، ارتساما أبلغ من الصور المحسوسة ضياء وبريقا ولمعانا.
فيأيها الفقيد : قد غادرتنا فظن الناس أنهم فقدوا شخصك فحسب، كلا ورب الكعبة، إنهم فقدوا حياتهم الحقيقية، لأنك كنت حاملا علا كاهلك ما يكفل لهم سعادة الدارين، فها هي الروح التي كنت تغذيها بعلومك ومعارفك، أصبحت معذبة تعسة، تختار الفناء على البقاء، وها هو النشء الصغير – الذي كنت ترصع فكرته الصافية بدرر الفضائل والفواضل ليتربى عليها، ويصبح من الرجال الذين فهموا معنى الحياة – ينوح ويبكي بكاء تخر له الجبال الرواسخ، وها هو المسجد الأعظم الذي كان يبتهج بنورك الساطع، لا يرى فيه اليوم إلا الظلام الحالك، وها هي الأرجاء المكناسية ينادي فيها غراب الجهل بالمصائب والكوارث.
اللهم إنك تعلم أن المغفور له كان نعمة من نعمك، كنا نقتبس منها ما نهتدي به في ظلماتنا، فأدركنا بعنايتك، التي تجعلنا في مدارجه من السالكين، وامنن عليه بما كان يظنه في جنابك الكريم، إنك سميع مجيب".
وهذه قصيدة الأستاذ العرائشي :
"سهام المنايا صوبت نحو معشر              وهدت جسوما من رجال أعزة
ففي كل يوم يفجع الدهر أهله                 بنعى بذور واخترام أجلة
خطوبه قد عمت وعم مصابها                 ورن لها الإسلام في كل وجهة
فجعتنا في شيخ البلاد وركنها                 وأوقدت في الأحشاء نار كئابة
فرزء، قد عم البسيطة واغتدى                يفتت أكبادا ويفري بشدة
ألا يا بني الشعب العزيز دفنتم                أبا كان مرماه الرقي لعلية
دفنتم آدابا وعلما وسؤددا                      وحزما وأخلاقا ولين عريكة
دفنتم من كانت زواجر وعظه                 تلين قلوبا أقسى من صم صخرة
دفنتم شهما كان يصدع كلما                   رأى منكرا يوتى بصدق نصيحة
فكم رقى أفكارا وأدب فتية                    وبدد شمل الجهل من كل فكرة


(1)  ترجمة في "إتحاف أعلام الناس" لابن زيدان ج 5 ص 398 – 399، مع إضافة أخرى عنه في افتتاحية الحوالة الأحمدية بمكناس، خ. ع. "فيلم" رقم 3 – لوحة 2، وترجمة والده هي الواردة في نفس المصدر الأول ج 4 ص 43 – 44.
(2)  في "أعلام الحاضر والباد. بقطع أوداج من زعم أن الأدب في ترك مديح صفوة العباد"، السفر الأول، مخطوطة المؤلف بالمكتبة الزيدانية تحت رقم 3174، بمناسبة تقديم قصيدة للمترجم، مع إضافة يسيرة من فهرسة المترجم التي سيرد ذكرها بعد.
(3)  حسب النص الوارد في "المنزع اللطيف في التلميح لمفاخر مولاي إسماعيل بن الشريف" لابن زيدان، خ. ع. ج 595، ص 237 – 243، ومع الرجوع إلى مخطوطة أخرى من نفس المصدر.
(4) )  ترجمته ومراجعها في "إتحاف أعلام الناس" ج 4، ص 498 – 501.
(5)  "الفيلم" السابق – الذكر – لوحة 246.
(6)  لم أقف على ترجمته.
(7)  مقدمة الديوان الإسماعيلي الآنف الذكر.
(8)  هو محمد التاودي ابن سودة المري، الذي ذكر هذا أواخر فهرسته أثناء ترجمة الصالح السيد لحسن بن مبارك السوسي دفين حي حمام الحرة من مكناس، "مخطوطة خاصة".
(9)  ترجمته في فهرسة المترجم، مع "إتحاف أعلام الناس" ج 1، ص 455 – 456.
(10)  ورد نص هذه الإجازة في فهرسة المترجم، وتحتفظ المكتبة الملكية بالرباط بأصل الإجازة المكتوب بخط المجيز على ظهر الأوائل العجلونية رقم 1196، ويوجد بنفس المكتبة إجازة أخرى صادرة للمترجم وبخط المجيز على ظهر فهرسة ابن غازي رقم 1203، مع إجازة أبي العباس ابن الخياط له في فهرسته الصغرى رقم 1205.
(11)  ورد شعر المترجم في المديح النبوي عند ابن زيدان في أعلام الحاضر والباد : السفر والمخطوطة السالفي الذكر عند التعليق على رقم 2، مع ذيل خاتمة "الشمائل الترميذية" لاستاذه الشيخ المفضل ابن عزوز، في قصيدة بمناسبة ختم هذا الكتاب، حسب مخطوطة خ. ع. د. 515، وعند أبي العباس أحمد سكيرج في رحلتيه : "الرحلة الزيدانية" خ. ع. "فيلم" رقم 1030، ثم الرحلة الثانية : "غاية المقصود بالرحلة مع سيدي محمود" خ. ع. "فيلم" رقم 1029 – لوحة 107، وشعره – على العموم – نازل.
(12)  فهرسة المترجم.
(13)  "غاية المقصود..." المصورة الأنفة الذكر – لوحة 107.
(14)  "أعلام الحاضر والباد" المتكرر الذكر.
(16)  نشرة هذا المجلس.
(17)  جمع ولد، وهو من لم يبلغ حد التكليف.
(18)  السنة 29، عدد 3949، بتاريخ الخميس 12 قعدة عام 1351 هـ / 9 مارس سنة 1933م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here