islamaumaroc

الإسلام والمسلمون

  دعوة الحق

العددان 111 و112

إن العالم الإسلامي يربض على الثروات المعدنية الهائلة ويتربع على الكنوز الثمينة، ويملك من الحقول البترولية، أجداها نفعا، وأكثرها ثراء وسخاء، وأقواها تدفقا ودفعا. ويتبوأ استراتيجية هامة، ويشغل من خريطة الدنيا حيزا جغرافيا عظيما.
فالإطار الخارجي الأقصى للعالم الإسلامي يصل شمالا حتى أعالي الفولجا، غير بعيد عن دائرة العرض 60 درجة شمالا، ويترامى جنوبا حتى نهاية إفريقيا عند الرأس على خط عرض 35 درجة جنوبا.
أما شرقا بغرب فنحن مع الإسلام من خط طول 120 درجة شرقا حيث الفلبين إلى حوالي 20 درجة غربا، عند الرأس الأخضر، فهذه شقة تبلغ 95 درجة بالطول، ونحو 140 درجة بالعرض أي حوالي ربع وثلث محيط الأرض على الترتيب، أو ما يعادل نصف دورة من دورة الليل والنهار، ونصف دورة من دورة فصول السنة على التوالي.
ومحيط العالم المسلم يتحدد أساسا بنصف الكرة الشمالي أولا، وبنصف الكرة القديم ثانيا، فالإسلام جنوب خط الاستواء أطراف أو أصابع ثانوية وهو في العالم الجديد شظايا سديمية متطايرة.
ويمكن أن نعبر عن هذا الامتداد النادر بأكثر من طريقة فنقول : إن الإسلام يمتد في قوس مجدد من بكين إلى كازان إلى بلغراد في الشمال، أو في قاطع من فرغانة إلى غانة – كما يقول مؤرخو الإسلام – أو في قاطع آخر من جبل طارق الأطلس إلى سنغافورة جبل طارق الهادي، أو من مالاجا بالأندلس إلى مالقا بالملايو إلى قبائل المورو بالفلبين، كذلك يمكن أن تحدد قاعدة العالم الإسلامي في الجنوب بمحور "يمتد من قبائل السنغال، حتى قبائل التاجال بالفلبين، أو من غينيا إلى غينيا الجديدة، أما بالطول فدونك من الفولجا والدانوب حتى الزمبيزي والليمبوبو.
وتلك أبعاد لا تقل بحال عن نصف مساحة العالم القديم.
فالإسلام دين عالمي أو كوكبي –بلا مراء- رغم ما يدعيه البعض من أنه دين جزئي، أو إقليمي أحيانا، أو من أنه دين "أفريقاسي" أحيانا أخرى. إذ يوشك ألا تكون هناك دولة في عالم اليوم، لا يتمثل الإسلام فيها ولو ببضعة عشرات من الآلاف كما في أستراليا وغرب أوربا مثلا.
وبالعالم الإسلام قابليات بشرية فائقة، والمسلمون يمثلون تقريبا 15 % من مجموع سكان هذا الكوكب الذي يبلغ اليوم قرابة 3300 مليون نسمة.
وبعبارة أقرب وأوجز، يمكن أن نقول : أن واحدا من كل ستة أشخاص يدين بالإسلام ومناطق العالم الإسلامي تعد – عند الباحثين والدارسين – من أقاليم النمو السكاني السريع.
فالعالم الإسلامي يشمل منطقة جغرافية تمتد من المحيط الباسيفيكي شرقا، إلى المحيط الأطلسي غربا، مجتازة جاليات ودولا إسلامية ذوات طاقات بشرية واقتصادية وعقلية وحضارية لا حدود لها، ومنطقة العالم الإسلامي تتميز بأنها :
* تقع من العالم موقع الحزام من جسم الإنسان، بعيدة عن القطبين، وسالمة من الأعاصير والطوفانات والثلوج والبراكين، ولها دفء معين يساعد على تنوع الحاصلات الزراعية وتناسل الحيوانات البرية.
* وأنها تمتلك من شواطئ البحار الكبيرة والصغيرة ما يمكنها من الإشراف على عدد كبير من أعظم موانئ العالم، كما بها من الأنهار والمنابع ما يجعلها من أخصب المناطق وأكثرها ازدهارا ونماء.
* وأن فيها من موارد الحضارة كالماء والنفط والمعادن والحاصلات الحيوانية والزراعية ما يمكنها من إغناء الحضارة الإنسانية وزيادة الأمن والرخاء.
* وبها من مواطن السياحة ما يرقى بها إلى أسمى ما قدر من التقدم والسمو والمجد والسؤدد.
* وأن التجانس المذهبي بين سكان العالم الإسلامي يجعل المنطقة في منأى عن الانشقاق الملحوظ في المذاهب الأخرى، ويقرب بينها ويحفظ وحدتها ويزيدها تفاعلا وتفتحا وتقدما.
وتلك أمور تجعل العالم المسلم قوة إيجابية مرهوبة الجانب، مخطوبة الود، يتهيب العدو بأسها، ويخشى سلطانها، وتجعله أيضا مهيأ للإسهام في بناء الحضارة الإنسانية، وإعادة صنع الحياة، وإنقاذ البشرية من الهوة السحيقة المتردية فيها ووهدة الفوضوية والإباحية والاستعمار والإلحاد.
وإذا انتقلنا من الحديث عن الناحية الجغرافية والموقع، وما لهما من خصائص ومميزات، وما بهما من كنوز وخيرات، ومن الحديث عن خصائص العالم الإسلامي التي برز بها غيره، إلى الحديث عن الإسلام نفسه : فإننا نجد أنه دين العقيدة الحية الصحيحة التي جاءت وقت بلوغ العقل البشري طور رشده وكماله وتفتقه.
العقيدة التي تقر التوحيد الخالص والتنزيه البالغ أرقى صوره وأشكاله، عقيدة ترفع من قيمة الإنسان لأنها تصله بالله الواحد الذي لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد".
ولا تبيح تلك العقيدة الإسلامية للإنسان أن يتعلق بالمخلوقات أو يدعوا ويعبد غير الخالق الذي أبدع وفق حكمته جميع ما يشاهد ويحس أو يعترف بوجوده في هذا الكون الفسيح "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". والإسلام من جهة أخرى دين اجتماعي يراعي حاجة الإنسانية ومصالحها الحيوية في حدود الحق والفضيلة والشرف وباعتبار هاتين الحقيقتين – التوحيد الخالص، والاجتماعية – أمكن للإسلام أن يقيم المجتمع على أسس القيم الأخلاقية العليا، وأن يرضي مطالب الزوج والجسد، حتى ترافقا في اعتدال، وكونا حقيقة الإنسان المهذب والمؤمن الكامل.
وبالجمع بين السمو الروحي والتهذيب الاجتماعي أمكن للإسلام أن ينتشر في أركان الدنيا بالعدل والحق والأخلاق وسمو المبادئ.
والإسلام وليد العقيدة الرائقة الرائعة التي تطهر النفس وتذكي القلب وتربي الخلق وتغذي العقل وتوقف الغريزة عند حدها، وتعطي كل مطمح من مطامح الإنسان معناه الذاتي وسيره الطبيعي.
والعقيدة الإسلامية : عقيدة استعلاء من أخص خصائصها : أنها تبعث في روح المؤمن بها الإحساس بالعزة من غير كبر، وروح الثقة في غير اغترار، وشعور الاطمئنان في غير تواكل.
والعقيدة الإسلامية قوة لا تدانيها قوة في شد الأعصاب وشحن الدماء بالتضحية والفداء ونكران الذات. وأثر الإيمان بالعقيدة السليمة يبرز بوضوح في الدعوات التي غيرت وجه التاريخ. لذا يعمد أصحاب الدعوات إلى اختيار العناصر المشبعة بروح العقيدة، ويصرفون نظرهم عن الكثرة فهم لا يريدون (الكم) بل يريدون (الكيف).
ذلك أن العقيدة هي الروح التي تحرك الجسد وتبعث فيه الحياة والرعيل الأول من المسلمين كانوا أساتذة الدنيا بقوة عقيدتهم وإيمانهم بربهم. وقد لاقوا آلاما شديدة لو صبت على غيرهم لتغير موقفهم. ولكن الإيمان بالعقيدة حين يخالط قلب المسلم يحيله إلى إنسان فوق العادة.
فبلال الحبشي، وعمار بن ياسر، ومصعب بن عمير، وصهيب الرومي. ضربوا الرقم القياسي في صلابة العقيدة وصدق النية وقوة الإيمان. وهم الذين لم يدرسوا كتب الفلسفة ولم يقرأوا علوم اليونان والرومان. ولكنهم درسوا القرآن الكريم وتتلمذوا في مدرسة محمد بن عبد الله رسول الله إلى الناس كافة.
وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد والمقداد بن الأسود وطارق بن زياد وموسى بن نصير قادوا الدنيا وفتحوا البلاد وهم الذين لم يدرسوا في الكليات الحربية ولم يقرأوا علوم اليونان والرومان الحربية. ولكنهم درسوا القرآن العظيم وتتلمذوا في مدرسة محمد رسول الله.
فالإيمان بالعقيدة هو الجذوة المتقدة، والقوة الخلاقة، التي تكون النفوس وتشحنها بأنبل القيم وأسماها، وتبينها على الحق والإباء والعزة والكرامة.
والإسلام : دين ومجتمع وحضارة :
دين : لأنه عقيدة توحيد وتنزيه لله – سبحانه وتعالى – تعتقدها القلوب وتدين بها، ونطق بها الألسنة في كل صلاة وذكر، وتتزكى بها النفوس، فتنجلي عنها كل شدة وبؤس.
ومجتمع : لأنه ليس طائفيا ولا عنصريا، ولا جاهلا، ولا جامدا ولا خامدا ولا يتوخى استعباد جنس لجنس ولا قوما لقوم، ولا طائفة لطائفة "إنما المؤمنون أخوة". "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن".
والفرد في المجتمع الإسلامي جزء من كل يكمله ويكتمل به، ويعطيه ويأخذ منه، ويحميه ويحتمي به، وليس في الإسلام انفصال بين مسؤولية الفرد نحو المجتمع ومسؤولية المجتمع نحو الفرد لأن هاتين المسؤوليتين هما أولى وسائل الإسلام في الإصلاح العام، والإسلام من ناحية أخرى اعترف بالقيمة الذاتية للأفراد باعتبارهم مدينين بوجودهم لله ومسؤولين أمامه عن أعمالهم "كل نفس بما كسبت رهينة". "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" "ولا تزر وازرة وزر أخرى". والإسلام الحنيف حينما جعل الفرد مسؤولا أمام الله عن أعماله والمسؤولية تقع عليه وحده. الإسلام جعل ذلك ليرفع من قيمة الفرد الذاتية ويصل به إلى أعمال الخير والدفع البناء وفي الوقت نفسه لبنة من لبنات المجتمع المسلم وعضو من أعضائه يعمل لصالح الجماعة والجماعة تسعى لخير الفرد.
والإسلام لا يعترف بالقهرية التي يدمج بها الفرد في المجتمع قسرا ورغما عنه كما في الشيوعية لأن الشيوعية من الوجهتين العملية والنظرية تستغني عن الفرد إن لم يخدم غرض الدولة أو إن لم يتبع طريقة الحزب دون نقاش.
فالإسلام دين اجتماعي يرقى بالمجتمع إلى أسمى ما قدر من سلام ورخاء وتعاون وتكافل وتساند وتوادد "والمؤمنون بعضهم أولياء بعض".
قال المستشرق الفرنسي (ماسينيون) : "إن لدى الإسلام من الكفاية ما يجعله يتشدد في فكرة المساواة وذلك بفرض الزكاة التي يدفعها كل فرد لبيت المال. وهو يناهض الديون الربوية والضرائب غير المباشرة التي تفرض على الحاجات الأولية الضرورية. ويقف في نفس الوقت إلى جانب الملكية الفردية ورأس المال التجاري(1).
وللإسلام ماض بديع من تعاون الشعوب وتفاهمها وليس من مجتمع آخر له مثل ما للإسلام من ماض حافل بالنجاح في جمع كلمة مثل هذه الشعوب الكثيرة المتباينة على بساط المساواة في الحقوق والواجبات".
وقال المؤرخ الإنجليزي (توماس كاريل) : "وفي الإسلام صفة أراها أشرف الصفات وأعظمها وهي المساواة بين الناس، وهذا يدل على صدق النظر وصواب الرأي، والإسلام لم يقنع بجعل الصدقة سنة محبوبة بل جعلها فرضا على كل مسلم وجلعها قاعدة من قواعد الإسلام(2).
وقال العلامة (لبودوروس) : "ولقد وجدت في الإسلام حل المشكلتين اللتين تشغلان العالم طرا، الأولى في القرآن "إنما المؤمنون أخوة" والثانية "فرض الزكاة على كل ذي مال"(3).
آراء كوكبة من الباحثين وكبار المستشرقين فيها إنصاف واعتراف بقيم الإسلام وذلك حينما يكتبون لمرضاة العلم في ذاته. وحين لا تقتادهم السطحية.
وحضارة : لأنه متصل بشئون الحياة والحكم والفكر، والإسلام قادر بطبيعته الذاتية على مواجهة تطور الأزمان واختلاف البيئات والمجتمعات وله من القدرة والقوة ما يمكنه من التبلور والتناسق بحيث لا يتوقف ولا يجمد، ولا يتعارض مع طبائع الأمم في حركتها الداخلية الممتدة عبر العصور.
والإسلام ينظر إلى الحياة نظرة كاملة وشاملة، ويتدخل في جميع شؤونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالإضافة إلى أنه دين يهتم بالجانب الروحي من الإنسان ويريد منه أن يتحمل الخلافة في الأرض بأمانة وقوة وحزم وعزم. نادى الإسلام بالحرية والإخاء والمساواة ورسم رسائل تحقيقها، وأقام موازين الحق والإنصاف والعدالة ودعا إلى التعاون والتبادل والمودة والألفة.
ويمكن أن نقول بعبارة أوجز : أنه ما من شيء يهم الإنسانية ويشغل بالها، ويأخذ قسطا من عنايتها إلا وله في الإسلام هدى وبيان واهتمام.
وما من شيء يلامس حياة الناس أو يتعمقها إلا وله في الإسلام عرق ينبض وأصل عريق.
ولقد اكتملت قوة الإسلام بوحدة العقيدة، وجامعة اللغة العربية، واشتراك المجتمع في مظاهر العبادات والعادات والتقاليد زيادة على توحيد الأهداف والغايات من الحياة.
ونخلص من كل ما سبق : إلى أن الإسلام دين عالمي. ولهذه العالمية كان الإسلام وما زال ملائما لجميع الأجناس البشرية، وقد أثبت منذ ظهوره حتى اليوم أنه الدين الذي يتلاءم مع كل عقل وتفكير، ويتجاوب مع تطور الزمن.
وإن آداب وتعاليم الإسلام كفيلة بأن تجعل العالم الإسلامي في وضع يسمح له أن ينمي فلسفته الخاصة به، المتميزة عما عداها، والتي تنبع من الفكر الإسلامي النير، تستمد عناصر وجودها من كتاب الله القرآن الكريم وسنة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
وذلك دون أن يتبع المجتمع الإسلامي أي شكل من الأشكال التي يعافها الإسلام وتمجها الفطرة الإنسانية الصافية.
وإذا كان المجتمع الإسلامي، له من المميزات ما لا يتوفر لغيره، وله من التعاليم والقيم والآداب ما يسمح له أن تكون فلسفته الخاصة بوجوده. فهل ممكن لحضارته أن تعود إلى إشراقها من جديد فتنقد الإنسانية من هوة الفوضوية وتقشع عنها السحب الداكنة والأعاصير المقلقة وتزيل الأصفاد والقيود المحيطة بكل تقدم، والمعرقلة للنهوض، وتعيد للعالم الإنساني السلام الحقيقي والحق والعدل والنور والأمن والاطمئنان؟
إن تعاليم الإسلام الغراء صالحة لكل زمان ومكان، وفي الإصلاح الإسلامي من كليات وجزئيات، كفيل بقيام مجتمع إنساني تسوده روح الصدق والمحبة والتعاون والبر والوفاء والإخلاص ولكن ذلك رهين برجوع المسلمين إلى منابع عزهم ومجدهم والتمسك بأسمى القيم والأخلاق الإسلامية. والعمل بتلك القيم والاسترشاد بالتعاليم الحية النابضة بالسمو، المليئة بالجذوات المتقدة التي لا يخبو ضوؤها. قال الدكتور جورج سارطون : "إن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى عظمتهم الماضية وإلى زعامة العالم السياسية والعلمية – كما كانوا من قبل – إذا عادوا إلى فهم حقيقة الحياة في الإسلام والعلوم التي حث الإسلام على الأخذ بها(4)".
وقال العلامة وامبري : "إن روح نظام المسلمين هو الدين، والذي أحياهم هو الدين، والذي يكفل سلامتهم في المستقبل هو الدين ليس إلا(5)".
ويرى الدكتور فيليب حتى : "أن الشرق الإسلامي هو اليوم في مطلع دور جديد في حياته العلمية كما أنه في فجر طور جديد في حياته السياسية، وهو دور يمكن أن نسميه : دور الإبداع والابتكار ضمن إطار الميرات الخالد من القيم الدينية والأدبية. ولنا أن نتكهن أن أبناء الثقافة الإسلامية على اختلاف بيئاتهم سيقومون بقسطهم في خدمة المدنية والإنسانية، وبما يجعلهم خلفاء جديرين بالميراث الذي تركه لهم أجدادهم(6)".
والدكتور سميث أستاذ ورئيس قسم الديانات بكلية ووستر بولاية أوهايو يرى : "أنه لو أمكن إثارة التماسك الإسلامي في سبيل أغراض إيجابية وتكتيل الأمم الإسلامية الكثيرة المتخلفة في وحدة حية لأمكن أن تصير هذه الوحدة قوة إيجابية في العالم(7)".
وكلام أولئك الأفذاذ من أئمة البحث وكوكبة الاستشراق قد يكون إنصافا ولمرضاة العلم في ذاته بعيدا عن السطحية والأغراض التعصبية.
وقد يكون بمثابة التحذير لأقوام أوربا الحاقدين على الإسلام والمسلمين. ليرف الأوربيون أن المسلمين إذا اجتمعت كلمتهم في ظل العمل بالإسلام، كان ذلك خطرا على الاستعمار والاستعباد والظلم.
وعلى أي حال وسواء كان هذا أو ذاك فإن العالم العربي والإسلامي لا ينهض إلا برسالته التي وكلها إليه رسول الإنسانية محمد عليه الصلاة والسلام والإيمان بها والاستماتة في سبيلها، وهي رسالة مشرقة قويت واضحة لم يعرف العالم رسالة أعدل منها، ولا أفضل، ولا أيمن للبشرية منها.
وهي نفس الرسالة التي حملها المسلمون في فتوحاتهم الأولى، والتي بلغوا بها ذروة ما قدر لهم من سؤدد ومجد وسلطان.
كانوا أقوياء في عقيدتهم بالله وأقوياء في نفوسهم، لا يرهبون الردى ولا يخافون من الموت سواء وقعوا عليه أم وقع عليهم، غير هيابين ولا وجلين :
إذا صنعوا فصنعهم المعالي
           وإن قالوا فقولهم الصواب
مرادهم الإله فلا رياء
           ونهجهم اليقين فلا ارتياب
لأمتهم وللأوطان عاشوا
           فليس لهم إلى الدنيا طلاب
كمثل الكأس تبصرها دهاقا
           وليس لأجلها صنع الشراب
ويعرب عن كل ذلك الفيلسوف الإسلامي محمد إقبال الشاعر الباكستاني فيقول :
كم زلزل الصخر الأشم فما وهى
           من بأسنا عزم ولا إيمان
لو أن آساد العرين تفزعت
           لم يلق غير ثباتنا الميدان
وكأن نيران المدافع في صدو
              ر المؤمنين الروح والريحان
توحيدك الأعلى جعلنا نقشه
              نورا تضيء بصبحه الأزمان
فغدت صدور المؤمنين مصاحفا
              في الكون مسطورا بها القرآن
                           *  *  *
لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو
              نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهارا لا إله سوى الذي
              صنع الوجود وقدر الأقدار
ورؤسنا يا رب فوق أكفنا
              نرجو ثوابك مغنما وجوارا
كنا جبالا في الجبال وربما
              سرنا على موج البحار بحارا
كنا نقدم للسيوف صدورنا
              لم نخش يوما غاشما جبارا
ولقد مرت على المسلمين والإسلام زهاء أربعة عشر قرنا من الزمان، حورب فيها الإسلام وحارب وانتصر، وشاهد فرقا وأحزابا تألفت ضده واندحرت وجمعيات سرية هدامة، عملت جهدها لتشويه الحقائق، وقد باءت بالفشل، ودولا عديدة انقضت على بلاده تريد نهب الخيرات والقضاء على القيم العليا ولكنها منيت بالهزيمة.
ولا زال الغرب مدفوعا بدوافع نفسية حاقدة متعصبة حينا، وأخرى استغلالية أنانية، ولقد حاول الغرب تحقيق أغراضه الخبيثة بالتوجيه الثقافي والغزو الفكري مرة، وبالضغط السياسي والاقتصادي مرة أخرى، وبالقوة أحيانا، وما حدث بالبلاد العربية لدليل واضح على الحقد الذي يسيطر على الغرب تجاه الإسلام والمسلمين "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر".
فليستيقظ العرب، ويعيدوا صنع حياتهم على ضوء المفاهيم الصحيحة، وليجمعوا الصفوف ويوحدوا الأهداف :
            وفي التوحيد للهمم
  ولن تبنوا العلا متفرقينا
               تساندت الكواكب فاستقرت
  ولولا الجاذبية ما بقينا
               ولتكن حياتنا كلها حركة وبناء
جهاد المؤمنين لهم حياة
              إلا أن الحياة هي الجهاد
عقائدهم سواعد ناطقات
              وبالأعمال يثبت الاعتقاد
وليفتح المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أعينهم وليبينوا خططهم على أن لا أمل في أنفسهم ولا حياة إلا ببذل الجهد في سبيل تدعيم البناء الروحي والمادي. وبهذا ك
سنمضي في طريق النور قدما
                 وإن طفقت تعارضنا الشعوب
سنمضي حاملين لواء عز
                 به يتفتح الأمل الرحيب



(1)  راجع كتاب "الإسلام والنظام العالمي" تأليف محمد علي الهندي ترجمة أحمد جودة السحار.
(2) انظر كتاب "نبي الإسلام" الأستاذ عز الدين فرج.
(3)  كتاب "اشتراكية الإسلام" مصطفى السباعي.
(4)  كتاب "الشرق الأوسط في مؤلفات الأمريكيين" ترجمة عمر فروخ، بيروت.
(5)  راجع كتاب "الإسلام في غزوة جديدة" للأستاذ أنور الجندي، القاهرة.
(6)  انظر كتاب "الثقافة الإسلامية" طبع مؤسسة فرانكلين.
(7)  نفس المصدر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here