islamaumaroc

الأدب النسوي في المغرب (الأندلس) -14-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

وكما كان لولادة في عصرها شاعر اكتوى بنار حبها، كان لحفصة شاعر تعلق بها، وساجلها وساجلته، وإن اختلفت ظروف الشاعرتين، واتفقت في بعض منها.
أما صاحبها فهو الشاعر أبو جعفر أحمد الذي كان وزيرا لعثمان بن عبد المؤمن أمير غرناطة، أحب شاعرتنا حفصة، وبادلته هي بعض هذا الحب، ولكن هذه المرة لم يكن المنافس للحب وزيرا كالوزير ابن عبدوس، وإنما كان أمير غرناطة وسيدها عثمان السالف الذكر.
ولقد أدت هذه المنافسة على الرغم من أنها لم تكن ظاهرة واضحة ولا قوية شديدة إلى أن أمر الأمير بضرب عنقه، وذلك أنه بلغه قول أبي جعفر لعشيقته حفصة : "ما تحبين في ذلك الأسود، وأنا أقدر أن أشتري لك من سوق العبيد عشرة خيرا منه".
فأسر الأمير عثمان هذه القولة الجارحة في نفس إلى أن حانت الفرصة عندما لحق أخو أبي جعفر عبد الرحمن بالثائر مردنيش في شرق الأندلس.
وفي معجم الأدباء(1) يزعم ياقوت أن الذي تولع بحفصة ليس هو الأمير عثمان وإنما هو أبوه عبد المؤمن أمير المؤمنين؛ بيد أن هذا ليس من الواقع في شيء؛ وآية ذلك أن المصادر الأندلسية كالنفح(2) والمغرب(3) تنسب هذا التعلق لابنه عثمان، الأمر الذي دفع أبا جعفر هو في حالة نفسية من الغيرة القاتلة إلى أن يطعن فيه ويحتقره بلونه الأسود، في حين أن عبد المؤمن كان أبيض ذا جسم عمم تعلوه حمرة شديد سواد الشعر وضيء الوجه، كما يقول المراكشي(4).
ولا جرم وحفصة دوما في اتصال مباشر أو غير مباشر مع صاحبها أبي جعفر أن تتمخض أعمالها الشعرية عن لقاءاتهما العذبة، وظروف الحياة التي كانت تجمع بينهما أحيانا.
فها هو أبو جعفر يطلب منها أن تجود عليه باجتماع معها فسوفته شهرين، وعند ذاك أرسل إليها أبياتا يبثها فيها لواعجه وحرقاته يقول :
يا من أجانب ذكر اسـ
  ـمه وحبي علامه
ما أن أرى الوعد يقضى
  والعمر أخشى انصرامه
اليوم أرجوك لا أن
  يكون لي في القيامه
لو قد بصرت بحالي
  والليل أرخى ظلامه
أنوح شوقا ووجدا
  إذ تستريح الحمامه
صب أطال هواه
  على الحبيب غرامه
لمن يتيه عليه
  ولا يرد سلامه
إن لم تنيلي أريحي
  فاليأس يثني زمامه
فأجابته حفصة منتقدة إياه :
يا مديحي في الهوى الحسـ
  ـن والغرام الإمامة
أتى قريضك لكن
  لم أرض منه نظامه
ضللت كل ظلال
  ولم تفدك الزعامة
ما زلت تصحب قد كنـ
  ـت في السباق السلامة
حتى عثرت وأخجلـ
  ـت بافتضاح السآمه
بالله في كل وقت
  يبدي السحاب انسجامه
والزهر في كل حين
  يشق عنه كمامه
لو كنت تعرف عذري
  كففت تحرب الملامة
ثم أرسلت هذه الأبيات مع رسول أبي جعفر بن سعيد بعد أن سبته هو وصاحبه، ولما وصل إلى أبي جعفر سأله ما وراءك يا عصام، فقال له ما يدل على عدم موافقة الشاعرة على الاجتماع معه، وبعد ذلك سلم له الأبيات، وعرف من خلالهما أنها ستأتي إليه عكس ما قاله رسوله، وأن الموعد سيكون بجنته المسماة "بالكمامة".
وما أن مرت فترة ليست بالقصيرة حتى وصلت حفصة إلى "الكمامة" فهم بتوبيخها ولكنها أنشدته بصوت رخيم حلو :
دعى عد الذنوب إذا التقينا
  تعالي لا نعد ولا تعدي
وفيما هما فيه من حديث يجري في رفق تتخلله كلمات الحب، وعبارات الهيام إذ برقعة يرسلها لأبي جعفر الشاعر الكتندي مكتوب فيها :
أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد
  خلوت بمن تهوى رغما لحاسد
فهل لك في خل قنوع مهذب
  كتوم عليم باختفاء المراصد
يبيت إذا يخلو المحب بحبه
  ممتع لذات بخمس ولائد
وقرأ أبو جعفر الأبيات على حبيبته حفصة فلم تملك إلا أن قالت :
- لعنه الله قد سمعنا بالوارش(5) على الطعام والواغل(6) على الشراب ولم نسمع اسما لمن يعلم باجتماع محبين فيروم الدخول عليهما.
ثم قال لها أبو جعفر والابتسامة تتلألأ على محياه :
بالله عليك سميه لنكتب له بذلك.
فقالت :
- إنني أسميه الحائل لأنه يريد أن يحول بيني وبينك.
وبعد برهة كتب على ظهر الرقعة أبياتا أولها :
يا من إذا ما أتاني
  جعلته نصب عيني
تراك ترض جلوسا
  بين الحبيب وبيني
وكتب أيضا :
سماك من أهواه حائل
  إن كنت بعد العتب واصل
مع أن لونك مزعج
  لو كنت تحبس بالسلاسل
وأسرع الرسول قاصدا الكتندي ليبلغه الأبيات، ولكنه وجده قد وقع في حفرة نجسة، وعندما قرأها طلب من الرسول أن يخبرهما خبره، ولما علم الحبيبان ما حدث استولت عليهما نوبة من الضحك فكتب كل واحد منهما بيتا على سبيل التناوب يسخران منه أشد السخرية.
ولم يكن هذا هو اللقاء الأول والأخير لحفصة بحبيبها أبي جعفر، لا، فقد تعددت اللقاءات في أماكن مختلفة، وكثرت المواعد في بساتين متنوعة، فها هي حفصة تقضي معه سويعات قرنفليات في بستان "جوزمؤمل" وفي ذلك يقول أبو جعفر في مستهل أبيات له بعثها إليها بعد الافتراق :
رعى الله ليلا لم يرج بمذمم
  عشية وأرانا بجوزمؤمل
فكتبت هي إليه تقول :
لعمرك ما سر الرياض بوصلنا
  ولكنه أبدى لنا الغل والحسد
ولا صفق النهر ارتياحا لقربنا
  ولا غرد القمرى إلا لما وجد
فلا تحسن الظن الذي أنت أهله
  فما هو في كل المواطن بالرشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه
  لأمر سوى كيما تكون لنا رصد
وليلة كان أبو جعفر في جلس مع ثلة من الأصدقاء يتحدثون أحاديث مختلفة إذا بطرقات على الباب فخفت جاريته لتنظر من بالباب فوجدت امرأة فقالت لها :
- ما تريدين ؟
فأجابتها :
- سلم لسيدك هذه الرقعة
ثم سلمت لسيدها الرقعة، وإذا به يجد مكتوبا عليها أبياتا علم من ثناياها أنها لحفصة، وكيف يخفى عليه شعرها وقد احتك به احتكاكا. وعرف نكهته، وصياغة أسلوبه، وطريقة تكوينه التعبيري، وأعاد قراءة الأبيات بصوت هامس خافت :
زائر قد أتى بجيد الغزال
  مطلع تحت جنحه للهلال
بلحاظ من سحر بابل صيغت
  ورضاب يفوق بنت الدوالي
يفضح الورد ما حوى منه خد
  وكذا الثغى فاضح للالي
ما ترى في دخوله بعد أذن
  أو تراه لعارض في انفصال
ولها في حبيبها الذي نزح عنها وهو طي الحشا رغم البعاد :
سلام يفتح عن زهره الـ
  ـكمام وينطق ورق الغصون
على نازح قد ثوى في الحشا
  وإن كان تحرم منه الجفون
فلا تحسبو البعد ينسيكم
  فذلك والله ما لا يكون
وتقول وقد ذكرها البارق الخفاق بمن تهوى :
سلوا البارق الخفاق والليل ساكن
  أطل بأحبابي يذكر وهنا
لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة
  وأمطرني منهل عارضه الجفنا
ودوام الحال – كما يقولون – من المحال؛ لذلك تعكر جو الحب بين الحبيبين عندما تناهى الخبر إلى حفصة بأن عشيقها أبا جعفر يحب فتاة سوداء، وأنه قضى معها أياما بظاهر غرناطة، فقالت ساخرة به وبمعشوقته الجديدة :
يا أطرف الناس قبل حال
  أوقعه نحوه القدر
عشقت حسناء مثل ليل
  بدائع الحسن قد ستر
لا يظهر البشر في دجاها
  كلا ولا يبصر الخفر
بالله قل لي وأنت أدرى
  بكل من هام في الصور
من الذي هام في جنان
  لا نور فيها ولا زهر
وتمر أيام النحس وساعات النكد لتحمل مكانها أوقات الانبساط والانشراح، فها هي تبعث إليه قولها :
سار شعري لك عني زائدا
  فأعر سمع المعالي شنفه
وكذا الروض إذ لم يستطع
  زورة أرسل عنه عرفه
فيجيبها أبو جعفر :
قد أتانا منك شعر مثلما
  أطلع الأفق لنا أنجمه
وفم فاه به قد أقسمت
  شفتي بالله أن تلثمه
وشاعرتنا حفصة رغم ما كانت تخص صاحبها أبا جعفر بالعناية، ويلقى هو بين أحضانها دفء الحب، واستجابة لنداء قلبه فإنها لم تكن لتهمل أمير غرناطة عثمان بن عبد المؤمن، ولسنا ندري بالضبط نوع علاقتهما بهذا الأمير إلا أنه كان يهواها، واستمع إليها إذ تكتب إلى عثمان تستأذن عليه في يوم عيد :
يا ذا العلا وابن الخليـ
  ـفة والإمام المرتضى
يهنيك عيد قد جرى
  منه بما تهوى القضا
وأفاك من تهواه في
  طوع الإجابة والرضا
هذه هي حفصة بنت الحاج الركونية شاعرة القرن السادس الهجري في الأندلس، امتازت برقة اللفظ، وجودة التعبير تعلن به عن واقع حب عميق الغور، ولهاث ساخن يعكس ظلال المشاعر المعبرة عن البوح الإنساني.
وتفيض نفس الشاعرة، وتختفي من الحياة فتختفي معها الكلمة الموحية الملهمة، وذلك سنة 586 هـ بمدينة مراكش.
خاتمة المطاف :
من هذا التطواف تسنى لنا أن نتبين دور المرأة العربية الأندلسية التي قفزت إلى ميدان الحياة بروح يحدوها الجد، ويأخذ بزمامها الأقدام، فشاركت مشاركة في النشاط الأدبي، مدركة خطورة الوظيفة التي حملت أعباءها على عاتقها؛ لذلك راحت تعبر عن شعورها الدافئ أصدق تعبير، وتصور ما في نفسها من الأحاسيس الطيبة والخبيثة معا : الطيبة تنداح فيما أبدعته من لوحات حافلة بهتافات القلوب المحرورة، والخبيثة في حديثها عن الذات في ظهور انحطاطها عن القيم العليا الوضيئة.
فبانطلاقة الأدب النسوي في الأندلس تأكد أن المرأة الأندلسية تمكنت من فرض شخصيتها ككائن له ما بعده يسهم بنهضة في معترك الحياة، لا توقفه حواجز ما دامت الغاية إيجاد عمليات الخلق الفني المتضوعة بنكهة الأنوثة العطرة.
ونجم عن ذلك تفتح أكمام تزف إلى الشعر روعته، وتنقل الإنسان إلى آفاق رحبة تلتقي في عرصاتها معانة التجربة، مما جعلنا نتيقن أن المرأة الأندلسية الشاعرة كادت تشارف – أو شارفت – ربوة وادي عبقر حيث عرائس الشعر تروح وتغدو لتحرك دافن النبوغ، ولتطلع شهي الثمر.
ومن يرجع إلى تلك الضمانات المفوفة التي قدمناها بين يدي القارئ يجد هذا القول حقا لا مبالغة فيه، وكم كنت أتحرق شوقا إلى العثور على أكبر عدد ممكن من النصوص الشعرية كيما تكون لنا شمعة هادية تنير لنا السبيل وأداة ربضة ذلولا تكشف لنا عن حقائق لا تزال غامضة علينا، ولكن بدون جدوى.
ولا مشاحة أن القارئ الكريم قد تتبع حلقات البحث التي استهلتها بمقدمة أبرزت فيها الإسهام النسوي في شتى الأغراض الشعرية، وأنه وإن طالت المقدمة بعض الشيء – كما لاحظ الإخوان – فإنما يرجع ذلك إلى إظهار تفوق المرأة العربية عموما في التماسك الحضاري، وأنها خليقة بأن تخوض المعترك الأدبي على نقيض ما تزعمه جماعة من الناس.
وبعد هذا حاولنا تقسيم البحث إلى العصور السياسية التي شهدتها شبه الجزيرة الأيبيرية من عصر الإمارة إلى عصر الموحدين بله عصر المرابطين، كما ألمعنا إلى ذلك قبلا. كما حاولنا إدارة الحديث عن كل عصر ومعطياته الثقافية والعلمية لعرض شاعراته الممثلات له.
ولعل القارئ الكريم بعد إطلاعه على هذا البحث – الذي لا أبرئه مما يكون قد إعتوره من قصور – قد وضحت في ذهنه صورة عن الأدب النسوي في الأندلس ومعالمه في عصور مختلفة.

(1)  ج 10 ص 220.
(2)  ج 2 ص – 430 المطبعة الأزهرية.
(3)  ج 2 ص 138 وص 164 بتحقيق الدكتور شوقي طيف.
(4)  ص 197 بتحقيق الأستاذين : سيعد العريان ومحمد العربي العلمي.
(5)  الوارش من مادة ورش على القوم دخل عليهم وهم يأكلون من غير أن يستدعى.
(6)  الواغل من مادة وغل على القوم، دخل عليهم. فشرب معهم من غير أن يستدعى.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here