islamaumaroc

السكر في المغرب القديم

  دعوة الحق

العددان 111 و112

يعرف مغرب اليوم حملة واسعة في ميدان التصنيع خاصة في ميدان الصناعات المعتمدة على المواد الفلاحية، وفي طليعتها السكر.
وصناعة السكر ليست بدعا في حياة المغرب، وإنما كان لها في الماضي، مثلما قد يكون لها في المستقبل، أثر واضح في اقتصاد بلادنا، بل وفي سياستها الداخلية وكذلك في علاقاتها مع بعض الدول.
إلا أن السكر في المغرب القديم لم يحظ مع كامل الأسف بالدراسات التي يستحقها، ولم تحفظ لنا كتب التاريخ المغربية إلا إشارات مقتضبة عن هذه المادة الحيوية.(1)
ولعل من المفيد أن نستعرض في هذه العجالة بعض جوانب الموضوع فنعرف أين كان يزرع قصب السكر، وأين كان يتم صنعه، ثم علاقة السكر بسياسة الدولة آنذاك.
لقد عرف المغرب زراعة قصب السكر منذ القديم، ورافق ذكر هذه الرزاعة مختلف أطواره التاريخية منذ الفتح الإسلامي إلى انحطاط الدولة السعدية.
فالمؤرخون الأولون الذين تحدثوا عن المغرب من شكل أبي حنيفة الدينوري، وابن حوقل، والبكري، وابن خلدون وغيرهم، كلهم أشاروا إلى أن هذه الزراعة كانت مزدهرة في المغرب ازدهارا كبيرا، وتكاد تنعدم هذه الإشارات فيما كتب عن المغرب قبل مجيئ الإسلام وكذلك بعد سنة 1615 مما جعلنا نعتقد أن عمر هذا الازدهار ابتدأ بالمغرب مع الفتح الإسلامي، وأن قصب السكر جاء به العرب مثلما جاءوا بغيره من الزراعات مثل شجر البرتقال. وهكذا يكون قصب السكر قد عاش في المغرب مدة تعادل ثمانية قرون أي في سنة 895 م إلى سنة 1615 م.
أما الأماكن التي عرفت هذه الزراعة بالمغرب فهي جنوب المغرب خاصة. وقد نستغرب إذا اطلعنا على أن هذه الزراعة كانت أيضا بجبل تنمل مهد الموحدين، وبجوار مدينة سلا وكذلك حول مدينة سبتة.
والقدماء يطلقون على الجنوب المغربي إقليم سوس، وهم يقصدون بهذه التسمية المنطقة الواقعة بين هري شيشاوة ووادي درعة، فهو يضم المنطقة الجبلية الأطلسية المجاورة للبحر، ووادي سوس، والأطلس الصغير إلى وادي درعة.
وقد كانت هذه المنطقة من أخصب مناطق المغرب إن لم نقل أخصبها على الإطلاق، فلم يطنب الرحالة المغاربة، ولا المؤرخون في وصف منطقة ما من المغرب أطنابهم في وصف هذه المنطقة، فقد عددوا خيراتها
الفلاحية والحيوانية، وذكروا من بين غلاتها التفاح والخوخ، كما أنهم ذكروا أنها كانت من أكثر المناطق ازدحاما بالسكان.
فلقد أشار البكري إلى أن "أحلى" عاصمة سوس توجد بجوار نهر عظيم، وإلى أن بهذا الإقليم غلات من جملتها قصب السكر الذي يصدر إلى جميع أنحاء المغرب، ويقول أن نهر سوس يخترق شريطا متتابعا من الجنان، وأن السكان لم يريدوا إقامة طواحينهم على جوانب النهر، وحجتهم في ذلك أن كيف يرغمون ماء حلوا كماء نهر سوس على إدارة الطواحين. وعن كثرة الغلات الموجودة بهذه الناحية يقول بأن الإنسان يمكنه أن يشتري حملا من التمر بثمن أقل من الثمن الذي يكلف نقله من الحقل إلى السوق، وقصب السكر في هذه الناحية يشكل الإنتاج الأكثر وفرة، إذ بربع درهم يستطيع الإنسان الحصول على كمية يعجز الرجل القوي عن زحزحتها من الأرض، كما يشير إلى وجود صناعة السكر بهذه الناحية، وإلى أن القنطار كان يباع بمثقالين أو أقل من ذلك.
وأشار الإدريسي بدوره إلى أن قصب السكر يوجد بسوس، وخاصة بناحية تارودانت وفي سبتة وتبنملل، فقال عن بلاد سوس : "وبلاد سوس قرى كثيرة، وعمارتها متصلة بعضها ببعض، وبها من الفواكه الجليلة أجناس مختلفة، وأنواع كثيرة كالجوز والتين والعنب والمشمش والرمان والخوخ والتفاح وقصب السكر الذي ليس على قرار الأرض مثله طولا وعرضا وحلاوة وكثرة ماء، يعمل ببلاد السوس من السكر المنسوب إليها ما يعم أكثر الأرض، وهو يساوي السكر السليماني والطبرزد، بل يشف على جميع أنواع السكر في الطيب والصفاء". وعن جبل درن يقول الإدريسي : "... أن أهل هذا الجبل لا يبيعونه بينهم (أي قصب السكر) ولا يشترونه لكثرته".
كما يشير صاحب الاستبصار إلى أن تارودانت وهي قرية كبيرة، هي أغنى بلاد الله بقصب السكر وأن معاصرها أكثر عددا، يحمل السكر منها إلى باقي بلاد المغرب.
بعد هذه الوقفة على إقليم سوس، وبعد التعريف به، يمكننا أن نعين المناطق التي عرفت زراعة قصب السكر فنقسمها إلى ثلاث مجموعات :
1) مجموعة الشمال بما فيها طنجة وسبتة وسلا.
2) مجموعة الحوز بما فيها شيشاوة والصويرة وحوض نهر القصب ووادي نفيس وزاوية سيدي شيكر.
3) مجموعة سوس حسب المعنى الذي سبقت الإشارة إليه.
ومن المعلوم أن زراعة قصب السكر هذه لن تكون لها أية فائدة ما دام لم يتم تصنيعها والصناعة تحتاج إلى قوة محركة، فمن أين حصل الفنيون في هذا العصر على القوة المحركة لإنجاز هذا العمل الهام ؟
لقد اعتمدوا في ذلك على القوة المائية، فالمعامل التي اكتشفت آثارها تحتوي كلها على سواقي تجلب فيها المياه من مناطق بعيدة أو قريبة. ويهمنا هنا أن نلاحظ أن المغرب قد تخطى مرحلة استخدام القوة البشرية أو الحيوانية لإدارة هذه المعامل فاعتمد على قوى الطبيعة، وأنجز الصناع من أجل ذلك مشاريع هائلة. ولا يخفى أن بعض معامل السكر كانت في ملك بعض الأشخاص وخاصة اليهود، وقد كان بناؤها يكلف أموالا طائلة. فقد ورد في أحدى الوثائق أن محمد الشيخ بعد أن تم له فتح فاس، أمر بإنشاء سبعة معامل للسكر في تارودانت كانت تكلفه كل عام 7500 مثقال، وكان يكلفه إنتاج السكر الذي كان يصنع في كل منها 15000 مثقال. إذا أخذنا بعين الاعتبار الأموال الطائلة التي كان يتطلبها بناء معامل السكر، وكثرة اليد العاملة، وما ينتج عن ذلك من ازدهار في الصناعة وفي الحركة التجارية، أمكننا أن نقول بأن المغرب كان على أبواب تغيير جوهري وجذري في ميدانه الاقتصادي لولا ما وقع في داخل هذه البلاد العزيزة، وفي خارجها من أحداث خطيرة جعلت التاريخ يكون في غير صالحها.
إن المياه التي تحرك عجلات هذه المصانع في حاجة إلى أن تجلب من مصادرها، وإلى أن ينظم استغلالها حتى تأتي بالنتائج المرجوة سواء في ميدان الري أو في ميدان الصناعة. فقصب السكر يحتاج إلى ما يقرب من 1500 مم من الماء، ونحن نعرف أن ناحية الجنوب لا تتوفر على تساقطات تعادل هذه الكمية فتضمن الإنتاج، ولا نستطيع أن نزعم أن المناخ قد تغير هذا المغير الكبير، وأن الأمطار كانت تضمن الإنتاج.
ولقد أظهرت البحوث أن الماء كان يجلب من الأنهار، فإذا كانت هذه الأنهار غزيرة المياه كنهر سوس وتانسيفت اقتصر على جلب الماء منها وحدها، وإن كانت معرضة للجفاف أو تقل بها المياه، أضيفت إليها مياه العيون القريبة.
وسأذكر بعض الأنهار التي كانت تستغل مياهها في هذا الميدان :
1) مياه نهر القصبة قرب الصويرة وكانت تضاف إليه مياه العيون.
2) مياه نهر تنسيفت التي تغذي الساقية الهروشية التي تحرك معامل سيدي شيكر.
3) مياه نهر شيشاوة، وكانت تضاف إليه مياه العيون.
4) مياه نهر سوس.
والسواقي تقطع مسافات قد تطول أحيانا وتصل إلى بضعة كيلومترات، وهي في طريقها تحتاج إلى أن تحتفظ ببعض الانحدار حتى يتم جريان الماء فيها فإذا ما اعترضها منحدر حملت على أقواس متينة حتى يستطيع الماء اجتياز المنخفض.
وكيفما كان الأمر، يجب أن تصل المياه إلى المعمل وهي تتوفر على علو مناسب حتى يتم الحصول على مسقط ملائم لتحريك عجلة المعصرة.
وقد وجد أن المياه تنزل من علو سبعة أمتار بتصريف يتراوح بين 100 و250 لترا في الثانية، ويكون اتصال الماء الساقط بالعجلة بعد انحدار قدره 5، 4 م أو 5 م. ويتم إيصال الماء إلى العجلة عن طريق أنبوب متين، والعجلة يصل قطرها إلى خمسة أمتار، وتتصل بمعصرة رئيسية ثم بمعصرتين ثانويتين. ولعل هذه المعاصر مصنوعة من الحجر الصلد كما جرت العادة قبل ذلك في عصر الزيتون. فالرومان كانوا يستعملون معاصر من الحجر لعصر الزيتون. وبعد أن يؤدي الماء مهمة تحريك العجلة يتجه عن طريق ساقية غالبا ما تكون مسقوفة إلى المعمل حيث يستغل في الزراعة. وهكذا تنتهي كل ساقية إلى المعمل أولا ثم تتوجه بعد ذلك إلى حقول القصب، وبهذه الطريقة يؤدي الماء وظيفتين، ويستغل أتم استغلال.
وقد وجد في بعض المعامل أن قاعة العصر تتكون من ثلاث معاصر تتصل بها قنوات توصل السائل إلى حيث يعالج، وتتراوح مساحة هذه القاعات بين 2300 م و2400 م هي قاعات كبيرة كما تدل عليه هذه المساحة. ويحفظ عصير القصب مؤقتا في مخازن ريثما يتهيأ المكان له في قاعة الأفران.
وقاعة الأفران هذه تحتوي على عدة أفران يبلغ عددها ستة في بعض المعامل المكتشفة، يقوم كل واحد منها بوظيفة خاصة يمكن أن نلخصها في أنها تهدف إلى تخليص السكر من الشوائب العالقة به، وجعله صالحا للاستعمال. وآخر عملية يشهدها السكر بعد ذلك هي وضع الخلاصة في قوالب ذات أحجام كبيرة نسبيا.
ويمكننا أن نتساءل، هل كان هذا النوع من النشاط الاقتصادي حرا أم أنه كان محتكرا من طرف الدولة، أم أنها كانت تقتصر على التدخل والتوجيه من بعيد؟
الواقع أن كل القرائن تدل على أن السعديين ما كانوا يولون هذه المادة هذا الاهتمام الكبير لولا ما كانوا يجنونه في فوائد جمة بكيفية مباشرة، كما أن هذه المشاريع الضخمة لا يستطيع القراء القيام بها نظرا لما تكلفه من مصاريف ونفقات.
1) فأول دليل يقابلنا لتأييد هذا الرأي هو تسمية السواقي بأسماء مخزنية، من جملة ذلك الساقية المخزنية، والساقية المهدية..
2) ما سبق أن ذكرناه من إعطاء محمد الشيخ أمره ببناء سبعة معامل للسكر في تارودانت كلف كل واحد منها الدولة ما قدره 7500 مثقال، وقد بحث "بيرتي" عن مقابل لهذه القيمة بالفرنك فوجدها تساوي : 60000000 فرنك.
3) حرص محمد الشيخ في حربه للبرتغال على الحصول على ميناء أكادير وآسفي واحتفاؤه بهذا الفتح العظيم، وبناؤه لحصن أكادير لضمان سلامة المصالح الاقتصادية. نعم لا ينكر أحد أنه كان هنالك حافز ديني يحدو السعديين في هذا الفتح، ولكن ينبغي ألا ننكر أيضا وجود المصالح الاقتصادية التي رافقته.
4) لقد كانت تجارة السكر خاضعة لمراقبة صارمة من طرف السعديين، فقد كان هنالك ثلاثة أنواع خاصة بالتصدير، وكان السكر يصدر إلى مملكة إنجلترا في صناديق يسع كل منها 300 رطل، كما كانت الدولة تحدد ثمنا للسكر. فقد أصدر السلطان عبد الملك مرسوما بتاريخ 6-7-1577 يقضي بأن ثمن السكر هذا لن يكون أغلى من السنة الفارطة، وأنه يلزم استعمال موازين معترف بها من طرف الدولة لوزن هذه المادة.
5) المواد التي كان المغرب يستبدل بها مادة السكر هي مواد لم تكن تمتلكها إلا الدولة. فالمغرب كان يتجر مع كل من بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، فكان الإنجليز يزودونه بدلا من السكر بأنواع الثوب الرفيع، وكان يستخدم منه كساء للقواد والحراس.
فقد جاءت سفن (تؤماس ويندهام) محملة بالثياب في سنة 1552 م، وكان الثوب المحبب من قبل الشرفاء هو المسمى (برناطة) أما في إيطاليا فقد كانت تجلب مواد الرفاهية وعلى رأسها الرخام الذي كان يستبدل وزنا بوزن، وأما الفرنسيون فقد كانوا يجلبون أنواعا أخرى من الثياب يستغلها الجيش في صنع الخيام.
غير أن الفائدة العظمى التي كان السعديون يجنونها في تجارة السكر هي حصولهم على الأسلحة من الإنجليز والفرنسيين الذين كانوا يبيعونها إلى المغاربة ضاربين عرض الحائط بالحصار المسيحي المضروب على الدول الإسلامية. فقد كتب أحد سفراء البرتغال في إنجلترا في سنة 1522 يقول أن الأمة الإنجليزية والفرنسية حققتا منذ عشرين سنة فوائد هامة من تسليمها للشريف – مخالفين القوانين الإلهية والإنسانية – كمية هائلة من الأسلحة.
وفي مذكرة لفرانسيسكو جيرالدي سفير البرتغال في لندن بتاريخ 5-3-1577، أشار إلى أن شحنة من العدد الحربية قد أرسلت إلى الشريف من طرف عملاء إنجلترا، وأنها ستعرض لهم بالسكر وملح البارود.
6) جاء في إحدى الوثائق أن اليهود المشرفين على سير مصانع السكر زودوا الملك بمقادير هامة من الأموال في حربه ضد البرتغال.
كل هذا يدل دلالة واضحة على أن الدولة كانت تمسك بيدها زمام الأمر فيما يتعلق بزراعة هذه المادة وصناعتها وتجارتها، وأن السبب في ذلك راجع بالدرجة الأولى إلى القيمة الاقتصادية التي كانت لهذه المادة، فلقد كان ثمن السكر غاليا جدا، وكان استهلاكه مقصورا على الطبقات الغنية، كما كان يستعمل كوسيلة في وسائل علاج أمراض الصدر. فقد كانت تجارة جد مربحة، وكان من أهم موارد الثروة والغنى، ولم تكن تنافسه كبضاعة تصدر إلى الخارج أية مادة أخرى. نعم لقد كان للأجراء الذي اتخذه السعديون بتحريم تصدير الذهب وملح البارود إلى الخارج سببا مباشرا في إفساح المجال للسكر بأن يحتل المرتبة الأولى بين المواد المصدرة.
ولكن هل كانت الدولة تعين موظفين عنها للإشراف على هذه المرافق، أم أنها كانت تبيع في ذلك نظاما آخر ؟.
الغالب على الظن أنها كانت تتبع نظام الامتيازات فقد كانت تمنح حق استغلال هذه المنشآت لمن يستطيع ضمان دفع مبالغ هامة من الأموال. فقد كانت الأراضي والمصانع والمياه كلها ملكا للدولة وكانت بإزاء ذلك تحصي تجارة السكر وصناعته بقوانينها، وتوفر الأمن والاستقرار للمستغلين، ثم أنها تراقب الأثمان وتعقد الصفقات بكيفية مباشرة مع الزبناء. وكان اليهود يحتلون المرتبة الأولى من بين هؤلاء المستفيدين من هذه المشاريع يأتي بعدهم الأوربيون من إنجليز وفرنسيين. ولا يرد ذكر للمغاربة المسلمين في هذا الميدان.
أما النقل فبالرغم من أن المغرب كان يتوفر على أسطول قوي يجوب عرض البحار فلم يرد ذكر لسفن مغربية تكفلت بنقل السكر المغربي إلى الخارج، وإنما كان يتولى ذلك البحارة الإنجليز والفرنسيون ثم الهنديون بعد ذلك.
لقد اهتم السعديون بالسكر لأنهم جنوا منه أرباحا طائلة واستعملوه مادة للمساومة، ولكن هذا الازدهار خبا نوره فجأة.
نعم لقد كانت هنالك في سماء هذا الازدهار نذر تهدد بانفجار منذ وقت بعيد، فقد خرب محمد المتوكل بعض معامل الجنوب أثناء عيشه في السوس، ولكن المغرب لحسن حظه نهض من هذه الكبوة، واستطاع التغلب على هذه الأزمة بفضل همة عبد الملك وأخيه المنصور. ولكن تولى الأزمات فيما بعد أجهز على هذا النشاط وقضى عليه القضاء النهائي. فقد جاء الطاعون إلى هذه المعامل فهجرها أصحابها، ومات المنصور فانتشرت الفتنة، وأصيبت معامل السكر وحقوله من جراء ذلك بضرر بالغ. ولكن دهشتنا من انقراض هذه المادة من الأرض المغربية على هذه الصورة تبعثنا على التساؤل عن الأسباب الخفية والخطيرة لهذا التحول. وسأورد فيما يلي أهم هذه الأسباب وأجلاها وهي :
1) أسباب سياسية، وتتمثل في فقدان المغرب لشخص أحمد المنصور الذهبي، الشخصية القوية الذي فرض هيبته وسلطانه على الجميع. وتنازع الأخوة فيما بينهم على السلطة بعد موته فانعدم الأمن والاستقرار، وهما الدعامتان الأساسيتان لكل نشاط اقتصادي وازدهار تجاري.
وأخل الصناع والتجار بالقوانين التي كانت تحمي هذه الصناعة في الخارج، فاختلط الجيد بالرديء، وانعدمت الثقة في البضاعة المغربية.
2) أسباب اقتصادية، وتتجلى في اكتشاف العالم الجديد، وإقبال الأوربيين على موارده الفلاحية المعدنية، واعتمادهم على نظام الرق، وقيام تجارة مزدهرة في هذا الميدان، فتحول الزبناء عن بلادنا إلى بلاد أخرى تتعدد فيها الإمكانيات ويتصرفون فيها بكل حرية.
3) قد يضاف إلى هذين السببين سبب ثالث يرجع إلى أن قصب السكر كان يحتل أحسن الأراضي وأوفرها ماء، ويتمتع بإمكانيات السقي الوفيرة، وبذلك يحرم السكان من غرس المزروعات التي يعتمدون عليها في عيشهم وعيش دوابهم، مع العلم أن الفوائد التي تجنى من هذه الزراعة كانت تذهب إلى اليهود والأجانب وإلى الدولة مباشرة دون أن يستفيد منها أفراد الشعب. كما أن زراعة القصب تستنزف الأرض وتذهب بخصوبتها، وتتطلب عملا بشريا جبارا، وكان اعتماد السعديين في ازدهار هذا النشاط الاقتصادي على الأجانب والعبيد مما جعل الأهالي ينظرون إلى هذه النبته نظرة كراهية واشمئزاز. ولذلك فإن ازدهار هذه الصناعة كان مرهونا بقوة السلطة المركزية وبمقدار حمايتها.

(1)  نشر الأستاذ (بول بيرتيي) بحثا في كتاب سماه معامل السكر المغربية القديمة وشبكتها المائية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here