islamaumaroc

الشخص في الإسلام: وضع المرأة.-2-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

إن المرأة تقرن بالرجل، كلما خاطب الله الناس، وها مثالان من بين عشرات أخرى :
"إن المسلمين والمسلمات، والمومنين والمومنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما". (33-35).
والسنة، كذلك، تضم كثيرا من إمارات العناية بالمرأة، نذكر منها خطبة الوداع حيث نجد عدة مقاطع هامة تتصل بموضوعنا :
"أما بعد، أيها الناس !
فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا. لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه(1)، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة(2). فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح. فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
واستوصوا بالنساء خيرا ! فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله (...)
اتقوا الله في النساء، وعاملوهن بالمعروف (...)
أيها الناس !
اسمعوا قولي واعقلوه. تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم"(3).
                                                   *  *  *
كذا تعلي "خطبة الوداع" من شأن المرأة، بيد أن الرجال، ويا للأسف ! كثيرا ما كانوا، في معاملتهم لها، أنانيين يستأثرون بالامتيازات، حقا، يلاحظ أن ذلك التعسف ظاهرة عرفتها الإنسانية على ممر تاريخها واختلاف أديانها، فليست من خاصيات العالم الإسلامي. فيما أن كل الفقهاء إلا من ندر، هم من الرجال، فقد أولوا معطيات المشاكل حسب منظار الرجل أكثر من اللازم.
رغم ذلك، إن وضع المسلمة وضع تحرري ممتاز، إذا قورن بما كانت عليه المرأة العربية في الجاهلية، أو المرأة عند الشعوب القديمة "العريقة في المدنية".
مرت قرون على (أثينا) والمرأة لا تعتبر إلا بضاعة من البضائع تستعمل في المقايضات المختلفة. وكان للروماني الحق في أن يقتل زوجته، وعبيده، وإماءه، وسمح القانون بتعدد الزوجات، مع إسناد سلطة تسيير القطيع النسوي إلى الزوجة الأولى. ونجد في تاريخ الفرس نظاما أكثر تعقيدا من نظام الرومانيين. فإذا رغب الفارسي في نكاح أمه، أو أخته، أو عمته، أو خالته، لم يكن يجد أية معارضة من القانون أو من أي أحد. وقد ساد الاعتقاد بأن الدم نجاسة، لذا، كلما حاضت المرأة اضطرت إلى الانعزال كي لا يقترب منها أحد، لأنها دنس يحرم عليها مس أي كائن ممن يحيط بها.
                                             *  *  *
نواجه الآن مشكلا آخر. بما أن المرأة مساوية للرجل، من الجانب الأنطولوجي، أيمكنها أن تكون نبية؟
إنها مشكلة وضعت، أكثر من مرة فيما مضى، فأكد كثير من علماء الإسلام المرموقين أنه قد أوحى إلى نساء. ولم لا يجوز ذلك ؟ فبعضهن لم يكن ملهمات فحسب، إذ هذا شيء طبيعي، ولكنهن ارتفعن إلى درجة عليا من النبوة. وتدعيما لهاته القولة، يورد ابن حزم آيات من القرءان، ويعطي أسماء نساء أوحي إليهن، مثل (أم إسحاق، وأم موسى، ومريم أم عيسى)(4).
فليس من تبرير يجعل النبوة امتيازا خاصا بالرجال. أليست النساء، عند الله، شقيقات للرجال؟ فلن تكون أبدا قابلية الاكتمال خاصة بالرجال ك أن للمرأة، مثل ما للرجل، من الإمكانيات في العمل على التجاوز الذاتي(5).
                                             *  *  *
قضية مساواة المرأة بالرجل نقطة ارتكاز في كل اتجاه شخصاني، لذا نرانا ملزمين بأن نتفحصها من جوانب مختلفة.
تتساوى المرأة مع الرجل، كامل التساوي، من حيث التركيب البيولوجي، كما وضحناه سابقا(6). ونضيف، إلى ذلك، آية قرءانية نظنها بينة لا تبقي مجالا للريب :
"والله خلقكم من تراب ثم من نطفة، ثم جعلكم أزواجا" (35 : 11).
كذلك التساوي من حيث التكوين السيكولوجي :
"ومن آياته أن خلق لكم، من أنفسكم، أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". (30 : 31). فالخلق قد حصل، من نفس واحدة، ليتكامل الزوجان، فبنى الله علاقاتهما على الحب، أي على "المودة والرحمة"، وهي أمتن وأعمق عروة بين شخصين.
وتتميما لهذه المعاني، نأتي بالآية الأولى من السورة 4 :
"يا أيها الناس !
اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة،
وخلق منها زوجها،
وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام.
إن الله كان عليكم رقيبا".
يطلق "زوج" على الذكر والأنثى (الرجل والمرأة)، كما تنص عليه الآية، في خطاب موجه لآدم : "وقلنا يا آدم : اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا ! " (1 : 34).
وتتساوى النساء، في الأحكام، مع الرجال من الجانب الديني. فهن، كما كانت تقول عائشة زوج النبي : "شقائق الرجال" فالمرأة والرجل متماثلان في الحقوق، متماثلان في الواجبات.
                                                   *  *  *
د- الرجا قوامون على النساء
لا مناص لنا، ونحن نقر بالنظرة الأصلية الأصيلة في الإسلام، من أن نلاحظ، ويا للأسف أن كثيرا من المسلمين كانوا، في أغلبية الأزمنة، يعملون على الحيلولة دون التساوي بينهم وبين المسلمات. فحتى في الاتجاه السلفي المعاصر (جماعة المنار)، نجد مسحة محافظة تعطي أحكاما عامة اعتباطية، بغية الدفاع عن الإسلام، أكثر مما ترمي إلى دراسة أحواله بتدقيق مجتمعي وتاريخي للواقع المعاش. أن التزام الأستاذ الإمام محمد عبده كان مناداة بإصلاح أخلاقي لا بإصلاح مذهبي. حقا، أن الحركة السلفية التي تزعمتها جماعة المنار نيرة، و"تقدمية" في دفاعها عن المرأة، لذا قد يستغرب من كون محمد عبده، بعد أن قرر مبرأ تساوي المرأة بالرجل، يتراجع ليؤكد أن الأسرة والمجتمع في حاجة إلى رئاسة، وأن الرجل هو الأحق بها : "لأن الرجل أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله"(7).
ربما قيل عن هذه الأحكام، أنها غير مدعمة، لا منطقيا ولا اجتماعيا ولا بيولوجيا. فالرجل ليس (بكيفية مطلقة) "أعلم" من المرأة، والتاريخ على ذلك شهيد؛ وليس الرجل (دائما) أقوى من المرأة، ولا أغنى. ولنقتنع بذلك، ما علينا إلا أن ننظر حولنا !.
فخديجة كانت أثرى (ماديا) من زوجها محمد ! والنبي الرسول نفسه يصرح بأن "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" (البخاري ومسلم). والقوة، هي أيضا، ليست ميزة كافية للرآسة والأفضلية، فبسالة الجنود في الحرب ليست بالحجة الكافية على التفوق الفكري والأخلاقي، أو على الدهاء في التدبير المنزلي والسياسة العامة. وهذا واضح بين في الحديث النبوي : "رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس"(8). فأمهات المومنين، بشهادة ما ورد في "السيرة"، كن أقدر من كثير من الرجال، على "الجهاد الأكبر" : "يا نساء النبيء ! لستن كأحد من النساء أن اتقيتن" (33 : 32). فأمهات المومنين مفضلات أن اتقين. وفعلا، قد امتزن بالتقوى، فكن خيرا من كثير من المومنين الصادقين، وبالأحرى من مطلق الرجال !.
إن ما دفع بـ (المناريين) إلى أن يعطوا حق الرئاسة (أي الإقرار بعدم المساواة، من بعض الوجوه) هو، على ما يظهر، حرصهم على تأويل الآية (34 من السورة 4)، فجاء تأويلا متأثرا بالنظام الأبيسي(9)، وإن لم يقصدوا ذلك. نعم، الآية تؤكد أن "الرجال قوامون على النساء"، لكن، ما معنى "قوامون"؟
إن الجذر : ق. و. م. (= قام، قياما، قهو قائم) الذي اشتق منه لفظ "قوامون" يدل على العناية والاعتناء، والحماية، و"القيام" بشؤون الغير، كما قاله كثير من اللغويين. فـ : "قيام الشيء" هو المراعاة للشيء والحفظ له (...). ومن القيام الذي هو بالاختيار، قوله تعالى : "الرجال قوامون على النساء" وقوله : "والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما". والقيام في الآيتين جمع "قائم"(10). فالرجال "قوامون على النساء"، أي يتكفلون بمصالحهن المادية، ما دامت النفقة فرضا على الرجل. نقرأ في مقاييس اللغة : "قام قياما، إذا انتصب، ويكون قام بمعنى العزيمة، كما يقال : قام بهذا الأمر، إذا اعتنقه"(11). تستعمل الديبلوماسية المعاصرة تعابير، منها : "قائم بأعمال"، و"مكلف بمهمة"، وتعني موظفا ليست له أية سلطة مطلقة، وإنما هو في "خدمة" السفارة. ومن هذا الباب : قومت الشيء، تقويما، وأصله "إنك تقيم هذا مكان ذاك (...).
وهذا قوام الدين والحق، أي به يقوم".(12) فعندما "ينتصب" الرجل خادما لأهله، يكون للبيت "القوام"، لا "الرئاسة"، لأنه إذا جعل القوام في القمة لا في القاعدة، تصدع الكيان.
                                                *  *  *
لقد انزلق المفسرون من المعنى السابق إلى ما يصدر عنه من انحرافات، في وسط غير سوي مجتمعيا وسياسيا. حقا، قد أصبح الرجال، كما يصرح المناريون "أعلم" و"أقدر" و"أغنى" من النساء، عندما سيطروا بأنانية على زمام السياسة والاقتصاد. فتفوق الرجال مغتصب، وليس أصيلا في الطبيعة البشرية، كما تبنيه السيكولوجيا الحديثة. إنه تفوق كسبي، في مجتمع سادته الأبيسية المطلقة، إلى حد أن النساء صرن، كما يصفهن المناريون أنفسهم : "كالآتن الحاملة، والبقر العاملة (...) فسق الرجال عن أمر ربهم (في العالم الإسلامي) فوضعوا النساء في هذا الموضع بحكم قوتهم، فصغرت نفوسهن، وهزلت آدابهن، وضعفت ديانتهن، ونحفت إنسانيتهن، وصرن كالدواجن في البيوت (...) فساءت تربية البنين والبنات، وسرى الفساد الاجتماعي من الأفراد إلى الجماعات (...) لبث المسلمون على هذا الجهل الفاضح أحقابا، حتى قام فيهم اليوم من يعيرهم باحتقار النساء واستعبادهن، ويطالبونهم بتحريرهن ومشاركتهن في العلم والأدب وشؤون الحياة..."(13).
نعتقد أن الوضع سيبقى على هذا الشكل إذا لم تتحرر المرأة، عمليا، تباعا لهدي الإسلام وما جاء به من الإصلاح، نعني إذا بقيت للرجل وحده اليد العليا في الاقتصاد والسياسة، أي السلطة المطلقة في الأسرة والمجتمع، وله وحده.
                                                   *  *  *
لقد حرر الإسلام المرأة من الواد : "من كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله تعالى الجنة"(14). وحرم الإسلام السبي، والطيرة، إذ كان عرب الجاهلية يقولون : "الطيرة في ثلاث : في المرأة، والدابة، والدار،". فالإسلام بمواقفه تلك، أعاد للمرأة كرامتها الإنسانية، إذ سوى بينها وبين الرجل في حد القذف، وهو تساو في العرض، كما أقر الحكم بالقتل على قاتلها، لأن دمها مساو لدم الرجل(15). ومنح الإسلام المرأة حقوقاً كثيرة، على رأسها، حق الحكم، وحق الفتوى، اعترافا بأنها لا تقل عقلا ودراية من الرجال(16). إن عثمان ابن عفان، في أيم خلافته، تردد على بيوت أمهات المومنين مستشيرا في شؤون الدولة. فلقد نصحته مرة أم سلمة، نصيحة فيها من النقد السياسي بقدر ما فيها من الوعظ، فرد عليها الخليفة معترفا، مقدرا، شاكرا : "أما بعد، فقد قلت فوعيت، ووصيت فاستوصيت، ولي عليك حق النصتــــــة..."(17) فبينما كانت المرأة في الجاهلية تورث وتباع أصبحت المسلمة ترث وتتمتع بحق الملكية الشخصية والتصرف التام فيها، وتستشار في تسيير أمور الدولة.
تلك هي المرحلة الأولى في تحرير المرأة، وإن لم تكن المرحلة الحاسمة والأخيرة.



(1)  بدل الفراش، كذلك، على الشرف والشهرة. يعضد هذا الحديث الذي يطلب فيه من المؤمن أن لا يقف موقف الشبهات.
(2)  الفاحشة، هي الكلمة الخاصة بالفقه. فاستعمالها هنا يعضد مفهوم كلمة "فراش" في التعليق السابق.
(3)  عن سيرة ابن هشام، ج 3، ص 1023، تحقيق م. محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، 1963.
(4)  ابن حزم، الفصال، ج 5، ص 17.
(5)  امكانية نبوة المرأة مثال يظهر إلى أي حد يعتبر من الإجحاف أن نسم الأسرة الإسلامية بأنها أبيسية. توجد، إلى يومنا هذا، مجتمعات إسلامية قريبة من المجتمعات الأموسية، نذكر منها الطوارق في الجنوب الجزائري.
(6)  انظر : القسم الأول، الفصلين 1 و 2.
(7)  تفسير المنار، ج 2 (ط 3) ص 380، دار المنار، القاهرة 1367.
(8)  وفي حديث آخر : "الجهاد أربع : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في مواطن الصبر، وشنآن الفاسق" ابن نعيم، الحلية. أنظر : السيوطي، الجامع الصغير، عبد الحميد حنفي، ج 1 ص 146.
(9)  انظر الأبيسية (Patriarcat) في المصطلحات الفلسفية، نشر دار الكتاب بالدار البيضاء.
(10)  الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرءان، ص 416، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1961.
(11)  أحمد بن فارس، ج 5، ص 43.
(12)  نفس المصدر، نفس الصفحة.
(13)  تفسير المنار، ج 3، ص 323 – 324، ط 4 القاهرة 1960. هاته التصريحات التي تعض على واقعنا المتخلف عن مبادئ الإسلام الحق، وعن تقدم الحضارة المعاصرة، مظهر من "تقدمية" محمد عبده، وليست آراء مجموع المناريين. فالسيد محمد رشيد رضا يقف من قضية المرأة دون موقف أستاذه بكثير، فنجده يبرر تعدد الزوجات ويؤيده، كما يدافع عن "مزايا الحجاب"، (انظر كتابه : نداء إلى الجنس اللطيف. أنظر كذلك : المنجي الشملي : "قضية المرأة في تفسير المنار" في حولية الجامعة التونسية، العدد 3، سنة 1966، ص 5 آلى 27).
(14)  حديث نبوي نقله عن (تيسير الوصول) الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه الإسلام والمرأة، ط 2، ص 59، دار الفكر، دمشق، 1964.
(15)  بينما كان الرومان وغيرهم من الدول المتحضرة يبيحون الرجل قتل أزواجه.
(16) أنظر مثلا ابن الجوزي سيرة عمر ابن الخطاب حيث يروي مناقشة تشريعية بين امرأة وابن الخطاب، اضطر الخليفة في آخرها آلى أن يعترف بخطئه، فتراجع عن حكمه : "امرأة أصابت ورجل أخطأ... كل الناس أفقه من عمر ?".
(17)  أمالي الزجاجي، ص 125، المطبعة المحمدية التجارية، 1935.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here