islamaumaroc

وجه آخر من وجوه التداخل بين العلم والقانون؛ عمليات زرع الأعضاء من زاوية أخلاقية وحقوقية

  دعوة الحق

العددان 111 و112

التوسع في البحث القانوني ظاهرة من ظواهر العصر، مثل ما هو الحال أيضا بالنسبة إلى التوسع الهائل، الذي يعرفه العلم المادي، والتقنولوجيا الناشئة عنه.
وقد تعرضنا في فصول سابقة – ضمن "دعوة الحق" – إلى أوجه مختلفة من ظاهرة التوسع القانوني هذا، وبالأخص ما يتعلق من ذلك بموضوع الإرتياد الفضائي، وتطورات وسائل الإعلام الحديثة، وفي هذين الموضوعين، لا يزال البحث بكرا إلى حد ما، وما فتئت المسائل من هذا القبيل، موضوع توسع في البحث والنظر قبل أن تنال درجة كافية من الرسوخ والأصالة.
ونتعرض في الفصل الحاضر إلى قضية أخرى من قضايا التوسع القانوني الحديث هي من أحدث القضايا من هذا القبيل، ومن أكثرها أخذا بالاهتمامات العامة في الوقت الراهن، ونريد بذلك، حالة زرع القلوب، أو إفسال القلوب، وهذه الحالة قد فرضت نفسها على مدار الاهتمام القانوني، بعد أن تكررت بقدر غير يسير، وتعددت الأحوال والصور التي ظهرت بها، واختلفت النتائج التي استقرت عنها. وما تزال مع ذلك في البداية، وحقيقة التطور تدفع بها – ولا شك – إلى توسع متزايد.
فما هي الأوجه القانونية التي تبدو بها قضية "زرع القلوب" ؟ وعلى ماذا تقوم هذه الأوجه القانونية، وإلى أي مدى تذهب إليه ؟
في الثالث من شهر دجنبر من السنة المنصرمة، توصل الدكتور "برنارد" إلى تحقيق المأثرة الطبية، التي أصبحت شهيرة الآن في تاريخ الطب، والتي تعرف عند البعض باسم "عملية مدينة الرأس".
لقد بدت القضية في أول أمرها مدهشة إلى حد لا يقارن إلا بشعور العجب والمباغتة الذي أحدثه في العالم، إطلاق أول كوكب فضائي في أكتوبر من سنة 1957 ! وبطبيعة الحال، فإن الإثارة التي أحدثتها "عملية مدينة الرأس" قد فقدت حدتها فيما بعد، وبمرور بضعة أسابيع فقط، والآن فإن أنباء زرع القلوب أو أفسالها قد غدت من بين الأنباء المألوفة جدا، لدى عموم الناس، فلم يعد من شأنها أن تثير عجبا ! والأمر كذلك طبعا بالنسبة إلى موضوع الفضاء وإطلاق الأقمار الاصطناعية ! فقد فقد كل ذلك – أو كاد – إثارته الأولى، وأضحى من المألوفات التي يغدو الناس عليها ويروحون، وربما يصير الأمر من الابتذال عند الناس، ألا يثير دهشتهم نزول إنساني محتمل على ظهر القمر، يوم يتحقق هذا النزول، إذ أن الأقمار الاصطناعية المرسلة إليه لحد الآن، قد حققت فيه من الاتصالات مع الأرض، ما غدا معه أمر القمر الطبيعي، مألوفا عند الناس بقدر كبير.
وفي موضوع القلوب، حدثت إخفاقات عديدة أكثر مما تحقق من نجاح، إلا أن الموضوع من أساسه موضوع زرع القلب، قد أصبح من جملة القضايا الحارثة، وتعود الناس على تصور أن يعيش الطبيب الذي كان موضوع العملية الثانية في تاريخ طب زرع القلوب، تعودوا علن تصور أن يعيش هذا الطبيب بقلبه المستعار، وأن يواصل حياة عادية كما يؤكده المحيطون به، ومن الجائز أن يفضي علم زرع القلوب الذي لا يزال في بدايته الآن – من الجائز أن يفضي إلى تطور متسلسل، يكون من نتائجه إنشاء أبناك للقلوب، مثل ما هنالك من أبناك لبعض الأجهزة والمواد الجسيمة الأخرى التي أمكن أن تنشأ لها أبناك، على أنه إذا كان من السهل، أن يتلقى المرء نجاح هذه المآثر أو تلك، ثم يتعود ذلك فلا يعود يلقى إليه بالا فيما بعد، فليس من السهل بنفسه المقدار – حل جميع المشاكل الإنسانية التي يحدثها التقدم العلمي من هذا القبيل، وهي مشاكل عديدة ومتنوعة، ولها من الأوجه ما يذهب في مجال التشعب إلى حد كبير، ومن الجائز القول – بهذا الصدد – أن علم زرع القلوب – إذا كانت له جوانبه العلمية الطبية، فإن له أيضا جوانب أخرى، لا تقل أهمية عن غيرها، والمراد بذلك، الجوانب الفكرية والسيكولوجية والاجتماعية التي تتصل بهذا الموضوع على نحو أو آخر، وتتبلور من خلالها مشاكل كثيرة نتعلق بها صورة أو غيرها، فهناك إذن – على هذه الحال – تقنيتان، تدخلان في موضوع القلوب هذا، إحداهما لها صبغة تأسيسية، وهي التقنية الطبية المتعلقة بعملية الأفسال نفسها، والثانية من هاتين التقنيتين لها صبغة فرعية، وهي التقنية القانونية في الموضوع أي مجموع السبل والوسائل الفكرية التي تتخذ بشكل أو بآخر للتغلب على المشاكل الأخلاقية، التي يحدثها طب الأفسال هذا، سواء أكانت هذه المشاكل متعلقة بالأفراد، كل على حدة، أو بالجماعة في عمومها ! وهذا الجانب من الموضوع، الجانب القانوني هو الذي يعني بطبيعة الحال الحقوقيين والمشرعين ورجال الفكر بصورة أعم، أولئك الذين يدخل في حسبانهم – على الخصوص قضية الحق والكرامة والمشروعية في حياة الناس، وعلاقة بعضهم ببعض، ويلح عليهم أكثر ما يلح، أن تسير الأشياء باتجاه منطقي متوازن، أو ما يبدو أنه كذلك.
على أن هنالك مداخلة أخرى تتصل بالموضوع، موضوع زرع القلوب وقد لا يكون للحقوقيين والإنسانيين فيها تدخل مباشر، لأن لها اتصالا بعالم الطب والعلاج أكثر مما لها من ارتباط بأمر الحقوق، وما يدخل في ضمن ذلك من قضية العلائق بين الناس وتنسيق المصالح القائمة فيما بينهم، هذه المداخلة التي نشير إليها، تتعلق بأمر العواقب النفسية التي قد تنشأ عن عمليات زرع القلوب في الأمد البعيد، أي ما يمكن أن ينتج عن حالة تداخل الأجسام الغريبة بعضها مع بعض من آثار محتملة على نفسية الفرد الذي يتحمل جسمه هذا التداخل، ويتحمل بالتالي النتائج القريبة والبعيدة، المترتبة على ذلك.
وعلى الرغم من أهمية الجانب النفسي في موضوع من هذا القبيل، فإن هذا الجانب لا يشغل من الاهتمامات، مقدار ما تشغله الجوانب الأخرى من أمر زرع القلوب، ولعل مرجع ذلك، هو أن الملابسات النفسية في قضية زرع الأعضاء، لا تبدو ذات أهمية ملحة في الوقت الحاضر، بل ولا يظهر لهذه الملابسات الآن وجود موضوعي يبرز العناية بها مثل ما تنصرف العناية إلى الجوانب الجراحية والقانونية في هذا المجال والعملية الجراحية هذه – كما أسلفنا – أساس جوهري في الأمر، ومن عوامل الاهتمام بها، أن الجراحة على هذا النحو، هي من أحدث ما عرفه الطب من أنواع الجراحة، ومن ثم، فمن الضروري أن تتركز الأنظار العلمية حول طبيعة هذه الجراحة بالذات، وأي الطرق أنجع وأشد فاعلية في هذا المضمار، ومن الضروري أيضا أن تتركز الأنظار – ربما بقدر أقل – ولكنها تتركز على أي حال في موضوع الحق الإنساني الذي تمسه القضية من جانب أو آخر، حق الفرد الذي ينتزع منه العضو، وأيضا حق الفرد الذي ينقل إليه، فالإنسان محور العملية من أساسها ومن ثم، فإن القيم والمثل التي تتحقق منها إنسانيته، توجد هي من جهتها – محورا رئيسيا في الأمر، أضف إلى ذلك، أن الموضوع بهذا الشأن – غير منحصر في النطاق المثالي، وما يندرج فيه من مبادئ ومثل، بل إنه يمس كذلك – وبصورة أكثر – جانب الحياة العملية، حياة الناس اليومية، إذ أن عمليات زرع القلوب – إذا ما ترسخت في تقاليد الطب وصارت عملية مألوفة من عملياته، فإنها ستدخل بذلك طابعا شديد الإلحاح على واقع الحياة اليومية، وبالنتيجة لذلك، فإن المجال الذي تفتحه – مجال الاحتكاك بين مصالح الناس، لا بد أن يتسع – بسبب هذا – أكثر فأكثر، وتتسع معه جملة المسائل القضائية وغيرها مما قد يثيره ذلك على صورة أو غيرها، وكل هذه الاعتبارات وكثير غيرها، قد ألبست موضوع زرع الأعضاء أهميته القانونية المتزايدة، وجعلت الموضوع، في أوربا مثلا مجالا لكثير من الأخذ والرد الفلسفي والقانوني بل ونقلت القضية في إطارها الحقوقي هذا إلى المحافل السياسية والقانونية العليا في عدد من أقطار الغرب، كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغير هذه الأقطار، ففي إنجلترا، عرضت قوانين بشأن إفسال الأعضاء وخاصة القانون المتعلق  بنقل الكلي من أجسام المرضى الذين تدركهم الوفاة في المستشفيات، وفي الولايات المتحدة، يتوالى نشاط قانوني من أجل تقعيد الأحوال التي يتم فيها نقل القلوب بين الأجسام، وإعطائها إطارا قانونيا قارا تتحدد به الحقوق والواجبات بهذا الصدد.
وفي إيطاليا، وفي الدانيمارك، وفي غير هذه الأقطار، يشتد الاهتمام بمثل هذه القضايا، وليس من شك في أن هذا الاهتمام، لا يعود إلى مجرد الرغبة في تقعيد حالة قانونية ناشئة، بل يؤول – أكثر من ذلك – إلى حرص مشروع على تلافي مشاكل، يجب تلافيها قبل أن تصير أكثر تعقيدا.
                                             *  *  *
الأفكار القانونية التي تدور حول موضوع زرع الأعضاء، ليس مرجعها هذه الشهور الأخيرة، أي حينما نشطت حركة إفسال القلوب، كما يتصور، فالأمر سواء من ناحيتيه الطبية والحقوقية، يعود – بطبيعة الحال – إلى عهد أقدم، فالعملية التي أجريت في "مدينة الرأس" أواخر السنة الماضية، لم يكن لها لتحدث، لو لم يقع التمهيد لها بأبحاث طويلة في هذا المجال، ولو لم تحدث في مضمار ذلك تطورات متلاحقة، بلغت قمتها بعملية دجنبر الشهيرة ! وكذلك الأمر بالنسبة لموضوع الصلة بين عمليات زرع القلوب من جهة، والملابسات القانونية المتعلقة بذلك من جهة أخرى، فالتفكير في هذا الأمر، وبروز النظريات في موضوعه – وإن كان قد اتخذ صبغته الواسعة في أثناء الشهور الأخيرة، - غداة إجراء عملية "مدينه الرأس" – إلا أن هذا التفكير كان مع ذلك موجودا منذ عهد غير قصير، وقد برزت في السنوات الأخيرة عدة إشهادات بهذا الشأن، يعتبر بعضها ذا صبغة وثائقية، ويعود الأمر في ذلك إلى أن الموضوع، كما فكر فيه أربابه من قبل – لم يكن منحصرا بالضرورة في قضية زرع القلوب التي كانت لم تدخل بعد في حيز التطبيق، بل إن الموضوع كان دائما موضوعا عاما يتعلق بنقل الأعضاء عموما من أجسام إلى أخرى.
ومن المعلوم أن الأعضاء التي يجري عليها مثل هذا، هي عديدة، ومنها الكلي، وغير ذلك ! ويحاول الآن زرع الكبد والبنكرياس وسواهما ! فالموضوع كما نراه هو أوسع بكثير من موضوع القلب الذي تركزت حوله الأنظار غداة عملية يوم 3 دجنبر 1967، ومن ثم فإن المسألة القانونية القائمة اليوم، هي مسألة زرع الأعضاء، لا زرع القلب فقط، والإطار الذي يدخل فيه مفهوم زرع الأعضاء، إطار واسع جدا، ومن المنتظر أن يزداد توسعا كنتيجة مباشرة، للمزيد من التطورات التي يمكن أن تحققها الجراحة الحديثة بهذا الشأن !
                                                *  *  *
هنالك حالتان تعرضان في موضوع الاستعارة من الأجسام، (الحالة الأولى) وهي التي تتمثل في استعارة مادة جسيمة يمكن للمعطي أن يعوضها في فترة تقل أو تكثر، وبهذا، فإن الأمر لا يؤدي به إلى حد حرمان نهائي من العضو أو المادة التي منحها من جسمه إلى جسم آخر، والمثال البارز هنا، هو مثال تحاقن الدم، حيث يتنازل شخص من الأشخاص عن جزء من دمه، فيقبل أن يعتصر منه، لينقل إلى جسم شخص آخر، أما شخص معين في حاجة إلى دم لم يجده، وأما إلى أي شخص، وفي هذه الحالة يكون الدم المعطى هبة للعموم، ولا يسأل المعطي عادة عمن سينقل إليه ذلك الدم، وسواء كان الدم معطى لشخص معين، أو هبة إلى العموم، فإن هذه الحالة، حالة تحاقن الدم، هي من أشيع حالات التعاطي بين الأجسام، ولا تثير اليوم اعتراضات حقوقية مبدئية، إلا إذا كانت هنا أحوال خاصة، يمكن أن تقوم في مضمونها ملابسات قانونية خاصة أيضا، وهذه الحالات الخاصة لا يعتد بها، لأن الأساس القانوني والطبي الذي يقوم عليه تحاقن الدم أساس راسخ بالقدر الكافي، وله الآن تقاليده التي لا يجادل فيها أحد.
(الحالة الثانية)، هي الحالة التي لا يستطيع المعطي فيها أن يعوض لنفسه العضو أو المادة التي منحها لغيره، وهذه الحالة كما نرى، تختلف في عواقبها بالنسبة للمعطي عن العواقب الناشئة عن إعطاء الدم، أن المعطي في هذه الحالة، يتعرض لحرمان حقيقي ودائم، حرمان من العضو أو المادة التي فقدها بتنازله عنها لغيره، ومثال إعطاء الكلية واضح في هذا السياق، فالكلية إذ تنتزع من جسم لتنقل إلى جسم آخر، فإن الجسم المعطي إياها، لا يمكن أن يسترد بديلا لها عن طريق التفاعلات الحيوية داخل الأجسام كما هو الشأن بالنسبة للدم مثلا، فالفرق هنا هو إذن فرق شاسع، ولا يمكن بهذا مقارنة الحالة التي تنجم عن إعطاء الدم، بالحالة الأخرى الناتجة عن إعطاء عضو، لا يعوض كالكلية مثلا، وهنا مدخل للناظر في الموضوع من الناحية القانونية، وثمت مدخل آخر تعرض لنا فيه أيضا حالتان من حالات نقل الأعضاء بين الأجسام (الحالة الأولى) موافقة المعطي أو المنقول منه على مجموع العملية التي سيكون طرفا فيها، (الحالة الثانية) موافقة المنقول إليه العضو، وهو السبب الأصلي أو السبب المؤسس لمبدأ العملية ومداخلها وما قد ينتج عنها من عواقب؛ أما موافقة المعطي فهي حجر زاوية في القضية من أساسها، فالحالة التي يتعرض لها المعطي – فضلا عن كون جسمه لا يفيد منها شيئا في الغالب، فإن هذا الجسم قد يتعرض – أكثر من ذلك – إلى عواقب محتملة في الحال أو المآل، أن المعطي هو في كثير من الأحوال، شخص إنساني النزعة، أو المفروض فيه كذلك إذ أن القضية التي يجعل من نفسه طرفا فيها، وتسبب له حرمانا عضويا لا يعوض – علاوة على الآلام المحتملة التي قد يتحملها – هذه القضية، يقحم نفسه فيها، بينما هو غير ملزم بهذا الاقتحام من الناحية الفسيولوجية أو البيولوجية، أي أنه ليس هناك دواع جسمية تتعلق بذاته، تجعل منه هذا الطرف المقحم في قضية طبية عويصة، كقضية عطب كلية شخص آخر، وافتقارها بسبب ذلك للتعويض، وقد يتصور أحدنا أن يكون هناك مصلحة للمعطي أحد أعضائه إلى آخر، مصلحة مادية مثلا، كأن تكتسي القضية صبغة صفقة تجارية، فيكون إعطاء العضو إذن مقابل مقدار مالي أو ما في حكمه متفق عليه بين طرفين، والواقع أن مثل هذا الاحتمال، مما قد يترجح في ذهن البعض من الناس ! لكن النظرة القانونية إلى الموضوع تختلف عن هذا في التطبيق، اختلافها عنه في المبدأ ! فالروح القانونية ليس المفروض فيها أن تسمح دائما بتبادل الأعضاء عن طريق البيع والشراء ! وبعض التقنيات الحديثة – في أوربا – تعبر عن معارضة صارمة لمثل هذا السلوك، بل وتنص على عقوبات بدنية ومالية في نطاق ردعه، والمغزى الذي يرمي إليه القانون بهذا الصدد من الوضوح بدرجة كبيرة، وهو مغزى أخلاقي بالدرجة الأولى، ومغزى اجتماعي كذلك، ومن ثم فإنه لا يبقى دافع في هذه الحالة للمعطي، يحثه على منح أحد أعضائه لشخص آخر، إلا الدافع الأخلاقي أو العاطفي أو ما هو من نوع ذلك، وقد تتدخل الدوافع المصلحية في الأمر، ولكنها في كثير من الأحيان، تكون ممزوجة بنسب من العاطفة تقل أو تكثر، كالزوج الذي يعير عضوا له إلى زوجة بغية إنقاذها من الموت أو من عطب دائم ! وهي سنده في الحياة والقائمة على شؤون أولاده، وهكذا مثل هذه الصور، التي تتمازج فيها العاطفة بالمصلحة ! إلا أن المصلحة هنا مصلحة نبيلة في الغالب، وذات ملابسات أخلاقية إيجابية في المحط الأول.
ومن مجمل كل هذا تبدو عملية منح الأعضاء كقضية تضحية وإيثار من جانب المعطي، أكثر مما هي أي شيء آخر ! وتتأكد جلية العوامل الأخلاقية والعاطفية التي تتدخل في مثل هذا الأمر وتقوم فيه بدور الحافز الأساسي، لكن الأخلاقية هنا إذا كانت محورا تدور به أو حوله الاعتبارات القائمة في هذا الموضوع، فإن هذه الأخلاقية، لا بد أن يكون لها نطاق شامل في مجموع العملية بمختلف الأطراف المشاركة فيها، أي أن هذه الأخلاقية إذا كانت دافعة للجانب المعطي على أن يعطي لصالح الجانب المستفيد، فلا ينبغي أخلاقيا كذلك أن يكون هذا الجانب المعطي مجرد ضحية تغرير به لصالح الجانب المستفيد، وذلك بأن يستدرج المعطي إلى التنازل عن عضو من أعضائه، لا لأنه يتقبل ذلك عن طواعية، وتحمس، مع علمه بتفاصيل كل ذلك وتبعاته، بل لأنه فقط لا يدري أهمية ما يقدم عليه، وما قد ينشأ عن ذلك من عواقب واحتمالات بالنسبة إليه شخصيا، أما في المستقبل القريب أو البعيد ! مثل هذه الحالة، حالة غير معقولة ومرفوضة مقدما من الناحية الأخلاقية ! إذ أن الأخلاقية التي تتمثل في ضرورة الإنقاذ، إنقاذ الجانب المستفيد، تنتفي – من ناحية أخرى – بالنسبة إلى الجانب المعطي نظرا إلى ما يحصل لهذا الجانب الأخير من غبن كنتيجة لعدم علمه العلم الكافي بمدى ما يقدم عليه، والأبعاد التي تمتد عليها مبادرته؛ والأخلاقية – كما نسلم به جميعا – هي كل لا يتجزأ ! فلا يمكن أن تتحقق أخلاقية حالة من الحالات على أساس اعتماد الأخلاقية في نفس الحالة، وانطلاقا من هذه الاعتبارات وما في حكمها، يذهب القانون إلى التشدد في موضوع مصادقة الطرف المعطي للعضو، ويقتضي وجود هذه المصادقة في أكثر صورها تدقيقا وتثبتا، محترزا في ذلك احترازا يتناسب مع أهمية الحياة في نظر القانون، وحرصه على الحفاظ عليها، أكثر ما تمكن المحافظة، وهذه الناحية من موضوع تدخل القانون في الطب، أي الناحية المتعلقة بمصادقة الجانب المعطي، مصادقة واعية، متثبة، اختيارية حرة، هذه الناحية تنشأ عنها قضايا وملابسات مهمة يتدخل فيها القانون كذلك وعلى نحو تتزايد تشعباته بمقدار ازدياد التقدم التقني الذي تحققه جراحة نقل الأعضاء بين الأجسام، وسنفحص بعضا من ذلك في الفصل القادم بحول الله.
وللنظر الآن – كتتمة – لموضوع المصادقة من الناحية المبدئية، ننظر في مصادقة الطرف الثاني الذي يعنيه الأمر أيضا، ونريد الطرف المنقول إليه العضو، أو الطرف المستفيد من عملية نقل العضو ! فهذا الطرف له أيضا اعتباره – الذي يمكن أن نصفه بـ "المهم" – اعتباره في موضوع المصادقة التي تقتضيها الأخلاق، وتلح عليها، كشرط إجرائي أساسي، قبل محاولة أية عملية لنقل الأعضاء بين الأشخاص ! وقد يرى البعض في اشتراط موافقة المستفيد أنه من قبيل الترتيبات الشكلية التي لا تسندها اعتبارات أخلاقية ملحة كالاعتبارات الأخلاقية التي توجب موافقة الشخص المعطي للعضو، وتوجب ذلك بأشد ما يكون من الإلحاح، وينبني نظر من يذهب إلى قول كهذا – ينبني على أساس الاعتقاد بأن العملية في مجموعها هي عبارة عن تضحية يتضرر منها الطرف المعطي، بينما الطرف المستفيد هو مستفيد فقط، لا يتحمل تضحية في الأمر، ولا يمسه منه سوء محتمل، بل إن مصلحته في هذا الأمر هي كل شيء، وهي مبدأ الأمر ومآله ! فليس هناك – بهذا الاعتبار – تعادل في الحالة بين الطرفين ! فهل يجب لذلك – العناية باتخاذ نفس الإجراءات الاحتياطية بالنسبة إلى كلا الطرفين، والحال أنهما لا يعترضان إلى نفس المحذور، وبالتالي، فإن "الضغط الأخلاقي" الذي يخلقه كل منهما، مؤثرا به على ضمائرنا – لا يجب أن يكون في نفس المستوى وداعيا إلى اتخاذ نفس الاحتياطات ؟ وأبادر – أولا – إلى القول، أن هذه النقطة الأخيرة، المتعلقة بأمر المستفيد، ووضعيته داخل مشتبك العملية الجراحية المتعلقة بنقل الأعضاء بين شخصين، هذه النقطة، توجد موضوع نظر وتأمل، وأحيانا موضوع نقاش وجدل، ويتركز الاهتمام في ذلك حول الاعتبارات النظرية ربما أكثر مما يتركز في النطاق التقني الذي تتشكل به المسالك الإجرائية بعدد نقل الأعضاء ولكن أهمية النظريات التي تروج في الموضوع ليست في مجرد صبغتها النظرية الأكاديمية، بل بما لها من تعلق بالاعتبارات القانونية الأكثر اتصالا بالحياة وما يمكن أن تؤدي إليه من تقنيات تتعلق بإحقاق الحقوق، وتحديدها في موضوع نقل الأعضاء بين الأجسام، أما القول، بأن المستفيد في أية عملية للنقل العضوي هو مستفيد على أي حال، ولا يتحمل من التحضيات ما يتحمله المعطي للعضو، ومن ثم وجب أن تكون الاحتياطات الإجرائية المتخذة في حق المعطي أشد صرامة، وأوفى نطاقا من أية احتياطات أخرى، تتخذ في نطاق إجراء عملية نقل العضو – القول بهذا، لا شك أنه منبني على جهل أو تجاهل المشاكل الواسعة التي تحدث لـ "المستفيد" نفسه بسبب نقل عضو من جسم آخر إلى جسمه هو، أي جسم المستفيد، أن الجسم المنقول إليه العضو، هو مستفيد من ناحية مبدئية كما هو ظاهر بالبداهة، لكن هذه الاستفادة، ليست دائما مأمونة العواقب، كما يلحظه حتى المراقب من بعيد لأنباء عمليات نقل الأعضاء بين الأجسام ! فهناك لحد الآن نجاحات عملية بسيطة، تحققت، في هذا المدار، بالنسبة إلى الإنفاقات الكثيرة التي أودت بحياة الكثيرين أو بالأصح، انتهت بهم إلى نفس النهاية التي كانت متوقعة لهم، قبل إجراء عمليات نقل الأعضاء المعارة لهم ! وقد يقال، أن هذه مرحلة مؤقتة من مراحل تطور التقنية الطبية بصدد موضوع نقل الأعضاء ! ولابد أن يؤدي التقدم المستمر في هذا المجال، إلى تقليل نسبة الخطورة التي يتعرض لها المستفيد، وتوفير أكبر حظوظ النجاح للعمليات الاستبدالية التي تجري في المستقبل ! وقد يقال أيضا أنه حتى في هذه الظروف الأولية، التي تقع فيها عمليات نقل الأعضاء في الوقت الحاضر فإن حظ المريض الذي ينقل إليه العضو هو على أي حال – أحسن من حظه – فيما لو ترك على حالة مرضه المزمنة، وبعضوه الأصلي المطلوب، وهو عضو يعتبر عمله الفسيولوجي أو البيولوجي في حكم المنتهى أو يكاد يكون كذلك ! كل هذا وغيره وارد، بصدد النظر في موضوع حالة المستفيد من نقل الأعضاء ! إلا أن ما يرد منه مثل هذه الأقوال، لا يغير من المشاكل القائمة في هذا الموضوع، وإن كان يدخل على النظريات المدلى بها في هذا المجال بعض التنويع الهامشي ! ذلك أن مشكلة الاحتمالات في مصير المريض، المستفيد من نقل العضو ستبقى قائمة، بكل ما تنطوي عليه من خطورة، إلى أن يتم هذا التقادم العلمي الذي يزيل غالب الاحتمالات السلبية في عمليات الإفسال ويوفر بهذا للمستفيد حظوظا أفضل، وفي انتظار ذلك، فإن "الضمير" القانوني لا يستطيع أن يتغاضى عن الاحتمالات التي يتعرض لها هذا الجيل من المرضى الذين يعيشون فترة التجربة العلمية التي تجتازها تقنيات نقل الأعضاء اليوم، وهي احتمالات مأساوية في كثير من الحالات، كما نلحظه اليوم، وحتى عندما تتقدم التقنية الطبية في هذا المضمار، وتصبح العمليات الاستبدالية مأمونة بقدر كبير، فإن ذلك لا يرفع نهائيا احتمالات الخطورة التي هي لازمة من لوازم مثل هذه العمليات الدقيقة.
ويتساءل من جهة أخرى عن حتمية عملية الاستبدالات إذا كان يقدم عليها أحيانا دون أن يكون ذلك ضروري، ضرورة مطلقة لا خيار فيها، ولا بديل عنها على أية صورة أخرى يكون البديل ! فالمريض الذي ينقل إليه العضو البديل، ليس من شأن جسمه أن يتلاءم مع ذلك العضو المستعار ويتكيف بكيفه، إلا بعد أن يجتاز المريض من أجل ذلك فترة امتحان عسيرة، قد لا يكون أعسر منها في حالة علاجية مشابهة، وكل هذا يفرض على الضمير القانوني اعتبارات احتياطية مهمة بالنسبة للمستفيد، بقدر ما هنالك من اعتبارات احتياطية تتعلق بالمعطي، ومن ذلك استحمال المصادقة، مصادقة المستفيد، مثل ما هو ضروري أيضا الحصول على مصادقة الشخص المتطوع بإعطاء العضو المنقول، وبطبيعة الحال، فإننا نتصور المصادقة في إطار التسليم بأن المعطي للعضو يكون في حالة قدرة على إدراك ما يقدم عليه، ليمكنه المصادقة على ذلك أو رفضه، ويعني ذلك أنه حيا في حالة إعرابه عن الموافقة، وينتج عن ذلك في كثير من الأحيان، أنه سيبقى حيا – كما هو المفروض – بعد استئصال العضو المنقول من مثل ما هو الأمر بالنسبة إلى نزع الكلية ! لكن ما الأمر إذا كان "المعطي" فاقدا الإدراك في حالة إقدام الطب على انتزاع العضو المنشود منه، وما الأمر أيضا إذا كان المفروض في المعطي أن يفارق الحياة أثناء أو على إثر انتزاع عضوه منه ؟.
ذلك أفق آخر من البحث في هذا الموضوع سنحاول النظر فيه – بحول الله – في الفصل القادم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here