islamaumaroc

روابط متينة بين دولة الإسلام في الأندلس والهند الإسلامية الحديثة (تر.ع.ر.بنعبد الله) -1-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

إن من مظاهر ضعف الثقافة عندنا – كما يرى بعض رجال الفكر في بلادنا – إهمال عنصر أساسي هو الترجمة. فالعصر الحاضر يدعو إلى الأخذ بهذه الصناعة كما تأخذ بها كل الأمم الحية إذ أنها تغني اللغة وتنقل مستجدات العصر وتربط القارئ المغربي بآفاق العالم المتحضر. والترجمة تلعب دورا هاما في إطلاع المثقفين على ما كتب باللغات الأجنبية لا عن المغرب فحسب ولكن بالنسبة للعرب والمسلمين عموما.
والدراسة التي تولينا تعريبها أسفله تسلط بعض الأضواء على جوانب غامضة من تاريخ الإسلام وتعرض للوشائج الروحية والفكرية التي جمعت بين المسلمين في العصر الوسيط مهما نأت الديار وشط المزار. ولقد كان لهذه الصلات من الأثر البعيد في نفوسهم ما جعلهم يعملون على دعم كيانهم الروحي والديني في القرن العشرين صونا للمكاسب التي حققتها دولة الإسلام في عهود الأمجاد الغابرة. – المعرب -
تشير كتب التاريخ إلى أن غزو السند قد واكب في تاريخ الفتوحات الإسلامية، تأسيس دولة عربية في إسبانيا. كانت الإمبراطورية العربية على عهد المتأخرين من خلفاء بني أمية تمتد إلى السند، وتحدها في الشمال بلاد الأندلس. وقد انتقلت علوم الهند وكتاباتها فيما بعد، عن طريق بغداد، إلى بلاد الأندلس حيث عكف بعض العلماء من أضراب أحمد المجريطي (المتوفى سنة 1007 م) وابن السمح (المتوفى سنة 1035 م) على كتابة شروح ضافية لكتاب السدهانتا الذي غدا بعد ذلك موضع جدل ونقاش بين كثير من علماء الأندلس كعبد الله بن أحمد السرقسطي وابن سعد الأندلسي، بيد أن الصلات بين الأندلس ودولة الإسلام بالهند في العصر الوسيط كانت ضئيلة، ولعل الفضل راجع في التاريخ لها، رغم ذلك، إلى آثار الرحالة العرب من أمثال ابن حوقل الذي زار العالم الإسلامي (أو دار السلام) من أقاصيه إلى أقاصيه. لقد كان من العسير على الإقليمين المسلمين المتباعدين أن يوثقا علاقاتهما الفكرية والسياسية لبعد المسافة بينهما وكثرة المخاطر التي كانت تتهدد الرحالة في ذلك الحين. وأهم من ذلك أن الأندلس قد انفصلت عن العام الإسلامي على عهد العباسيين، فيما بقيت دولة السند موالية، إلى حين، للسلطة المركزية في بغداد حتى إنها غدت جزءا من الإمارات التي تشعبت عنها بعد ضعف الخلافة وتفكك الوحدة الإسلامية.
وجدير بالإشارة أن فتح شمال الهند قد تم على يد الأتراك سنة 1000 م ممن أثرت فيهم الثقافة الفارسية إلى حد بعيد، هذا إلى أن الصلة القائمة بين الهند من جهة وإفريقيا الشمالية والأندلس من جهة أخرى كادت أن تصبح مستحيلة بعد أن تعرض العالم الإسلامي في عقر داره لغزو المغول الوثنيين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. فليس غريبا أن نلحظ في الآثار التاريخية الأولى التي سطرها المؤرخون المسلمون في الهند غموضا كبيرا في معلوماتهم التاريخية عن الأندلس، على ما تتسم به هذه الكتابات من طابع الأحاطة والشمول. لقد كانوا يطلقون على الأندلس والمغرب والجزائر لفظ "المغرب" الشهير. فهناك شخصيات "مغربية" ظهرت على فترات متقطعة ببلاد الهند الإسلامية : بعضها كان يرتادها سائحا وبعضها كان يفد عليها للمغامرة. هذا إلى جانب البعثات الدبلوماسية التي نختص منها بالذكر مهمة الإمام شمس الدين المغربي الذي أوفده أحد أمراء أوربا الوسطى سفيرا له ببلاط السلطان ناصر الدين محمود (1246 – 1266) في دهلي. أما أبرز الرحالة المغاربة على الإطلاق فهو ابن بطوطة. لقد خلف الرحالة الشهير وصفا ضافيا عن الحياة وعن الأوضاع في الهند كما هو الشأن بالنسبة لغيرها من الأقطار التي زارها حيث تولى مناصب هامة – في خدمة محمد ابن تغلق (1325 – 1351) – بما في ذلك منصب سفير في البلاط الصيني. وأشار في رحلته أيضا إلى أن ملوك الهند أكرموا وفادة عدد آخر من "المغاربة". بيد أن الأمر لا يعدو أن يكون اتصالا شخصيا. وإذا كان محمد بن تغلق أول الملوك المسلمين بالهند الذين أبانوا عن ميل أصيل إلى تحقيق الوحدة الإسلامية، فأقر السلطة الروحية للخليفة العباسي المنفي بالقاهرة، وتبادل البعثات الديبلوماسية مع مصر وفارس فإنه لم يفكر في أن يوجه سفيرا له إلى البلاط العربي بالأندلس.
والملاحظ أن الهند الإسلامية في العصر الوسيط قد تأثرت كثيرا للتحدي الصارخ الذي كان يجسمه وجود المغول الوثنيين وناصرت حركات المقاومة أو الاسترجاع التي كان يقودها الأهالي آنذاك، فيما جهلت أو تجاهلت مأساة الإسلام بإسبانيا وتحدي النصرانية في أوربا تمهيدا لإعلان الحروب الصليبية.
بيد أن الغرب الإسلامي أثر بصورة حاسمة في الفكر الهندي والحياة الدينية والصوفية بالهند الإسلامية في العصر الوسيط. ولعل من الأصوب أن نقول أنه تأثير للفكر الصوفي الذي تكشفت عنه كتابات المتصوف محيي الدين بن العربي (المرسي) فقد دخلت مؤلفاته الهند في أواسط القرن الثالث عشر على يد الشاعر المتصوف فخر الدين العراقي الذي أقام طويلا في دار الضيافة السهروردية بملطان والتقى بعد ذلك في كونيا بصدر الدين، تلميذ ابن العربي وشارح مؤلفاته. وقد أصدر العراقي "نصوص الحكم" إلى سلطان، مشفوعا برسالة في التصوف كتبها بنفسه على نسق كتاب ابن العربي المذكور. وقد كان لابن العربي أثر بعيد في الفكر الهندي، ممثلا في نظام الصوفية السهروردية، ثم في نظام الصوفية الصشتية، خصوصا فيما يرجع لنقطتين أساسيتين من نظريته الصوفية. وتتلخص الأولى في عرضه حول بنية الطبقات الصوفية التي تتضمن في وسطها قطبا يماثل المحور المقدس الذي تقوم حوله ثورة الكون، وهذه نظرية قد دعمت في الهند موقف نظام الصوفية الصشتية، بتعضيد حق السلطة الروحية التي يجب أن تمنح لرئيس النظام. وهي إلى ذلك تعكس في المجتمع الهندي الإسلامي أثر الصراع الذي احتدم في العصر الوسيط ببلاد النصرانية بين البابا والإمبراطور. أما الثانية، فلها جذور في أعماق الفكر الهندي، وتتجلى في التفسير الدياليكتيكي الذي أعطاه ابن العربي للوحدة الأنطولوجية مع ما ينطوي عليه هذا الرأي الصوفي من عناصر دخيلة على الإسلام. وقد خصها المتصوفة المسلمون في الهند بتعاليق ضافية في محاولتهم للتوفيق بينها وبين المبادئ الجوهرية في الوثوقية الإسلامية (Dogme musulman) فيما ندد بها كبير المفكرين الصوفيين الهنود الشيخ أحمد السرهندي، والذي لا مراء فيه أن الوحدة الأنطولوجية عند أبي العربي تشبه في كثير من معطياتها الوحدة المطلقة التي نادى المتصوف الهندي الشانكراشاريا. ومن المحتمل أن تكون نظريات "ابن العربي في التصوف قد تأثرت، بصورة غير مباشرة، عبر آسيا الوسطى بتعاليم الهندية الأولى حتى أن الروح الهندية أعجبت بها أيما إعجاب، بيد أن صلة الفكر الهندي بنظريات ابن العربي كانت تعرض المعطيات الدينية والسياسية بالهند، في نظر رجال السنة الإسلامية، لمخاطر الابتداع والتلفيق. وقد عمل الشيخ أحمد السرهندي على وضع حد لشيوع هذه الظاهرة في بداية القرن السابع عشر، فوضع نظرية الوحدة الظواهرية، في حدود النظام الصوفي النقشباندي الذي ينتمي إليه. وقد اعتمدها سواد الناس في الهند الإسلامية آنذاك. والجدير بالذكر أن هذه النظرية قد كان لها من الصدى ما جعل الشاعر الفيلسوف إقبال يصف في القرن العشرين "الفتوحات المكية" لابن العربي بأنها لا تعدو أن تكون بدعة وأقوالا غامضة.
هناك مظهر آخر لفكر "ابن العربي" لا صلة له بمنهجه الصوفي، ونقصد به التعريف الذي اصطنعه لنظريته الجوهرية في الرابطة الإسلامية التي لم يكن لها أي تأثير على الهند الإسلامية في العصور الوسطى. على أننا لا نستبعد أن تكون هذه النظرية نواة للنظرية الحديثة في الرابطة الإسلامية كما وصفها رائد هذه الحركة في القرن التاسع عشر السيد جمال الدين الأفغاني.
فقد نظم ابن العربي في القرن الثالث عشر السياسة المناهضة للحروب الصليبية في البلاط الإسلامي بالأناضول وسوريا، وأشار على المسلمين بأن يبتعدوا عن المناطق التي أغار عليها المسيحيون، وقد كان بدون شك، يرسم الاتجاه الذي اختطه جمال الدين الأفغاني فيما بعد عندما نظم في القرن التاسع عشر قواعر الرابطة الإسلامية.
إنها، على وجه التحديد، النظرية السياسية للرابطة الإسلامية في الهند الإسلامية المعاصرة كما نلاقيها في كتابات المفكر الديني المسلم للشيخ ولي الله الذي عاش في القرن الثامن عشر حيث وصف المجتمع الإسلامي الوحدوي "الجماعة"، وكما تطالعنا في آثار المفكرين السياسيين في القرن العشرين من أمثال إقبال وأبي الكلام آزاد. وإذا كانت نظرية ابن العربي لم ترد في كتابات المتأخرين، بوصفها مرجعا مباشرا للرابطة الإسلامية، فإنه لا يخامرنا شك في أن ولي الله قد تأثر بها كثيرا حتى أن حاول التوفيق بين نظرية ابن العربي ونظرية الشيخ أحمد السرهندي بخصوص الوحدة الأنطولوجية.
كان لقاء المفكرين المسلمين بالهند مع تراث الإسلام بإسبانيا لقاء في بالغ الأهمية شهده القرن التاسع عشر، يوم أكتب النخبة المثقفة الجديدة التي تلقت تعليما غريبا على قراءة المؤلفات التي كتبها المستشرقون الأوربيون، في أعقاب الثورة الهندية، سنة 1857. وإذا كانت هذه النخبة قد تفتحت على المراجع العربية الأولى في الفلسفة والتاريخ والأدب مما وصل إليها عن طريق الغرب، فإن العلماء المسلمين الذين تلقوا تعليما كلاسيكيا تقليديا كانوا أوفر حظا وأشد اهتماما بهذه الأصول. ومن نافلة القول أن هذا التطور أعطى ثماره في أقل من عشر سنوات. لقد كانت نظرة المسلم في الهند إلى تاريخ الرابطة الإسلامية تصور له تاريخ الإسلام ذاته عملية فريدة انتظمت العالم الإسلامي قاطبة في آن واحد، ونتيجة لذلك، فإنه كان يطالب في كثير من الاعتزاز بالمكاسب التي حققها المسلمون في الأندلس بوصفها جزءا لا يتبعض من ميراثه الثقافي. وبالرغم من احتكاك علماء الهند بالمستشرقين الغربيين الذين كانوا ينظرون إلى التاريخ على ضوء التقسيم الجغرافي، فإن هؤلاء يقرون بأن "النزوع إلى الملكية" عند المسلم الهندي لم يمس بشيء. بيد أن بعض الضباط الإنجليز بالهند في القرن التاسع عشر تفهموا هذا الاتجاه التاريخي في الفكر الإسلامي وعملوا على تعضيده. ونضرب لذلك مثل السير شاراز تريفليان الذي أهدى بعد سنة 1860 بقليل جائزة لأحسن دراسة مقارنة حول أثر الأدب الإغريقي على العرب على عهد العباسيين والأمويين الأندلسيين وما استتبعه من تأثير للأدب العربي على الأوربيين، كما أشار النائب الملكي البريطاني اللورد ليتون، عند تدشينه للمعهد الإسلامي الإنجليزي الشرقي إلى أن أبرز المكاسب وأبقاها أثرا عند الأجناس العربية ما حققته في ميادين العلم والأدب والفن... لقد أمدوا جزءا هاما من هذه القارة بهندسة معمارية كانت موضع الإعجاب والاندهاش في هذا القرن، في حين كانت المجتمعات المسيحية في أوربا لا زالت تتعثر في دياجير الجهالة والبربرية الرعناء... لقد أنشأوا في كل ربوع شبه الجزيرة الإبيرية كثيرا من مدارس الطب والرياضيات والفسلفة. وكان تعليمها يفوق مستواه واقع العلوم المعاصرة إذ ذاك في أوربا. وأنه لمن المؤكد أن سكان إسبانيا والبرتغال مدينون بالشيء الكثير من إمكانيات التغذية ذاتها لأعمال المهندسين الزراعيين العرب في العصر الوسيط.
لقد كان ذلك بمثابة اعتراف رسمي يصدر عن الأوساط الرسمية آنذاك بخصوص الموقف والاتجاه الذين اتخذهما العلماء المسلمون بالهند في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فليس من الغريب أن ينقطع المثقفون في الهند الإسلامي، في بادئ الأمر، إلى دراسة آثار ابن رشد في نهاية القرن التاسع عشر، مع ما كان لها من بعيد الأثر على تقديم الفكر الأوربي، فأصدر عماد الملك بلغرامي حوالي سنة 1870 دراسة عن ابن رشد، أعقبتها دراسة علمية للفيلسوف المغربي محمد يونس من "الفيرانجي ماهال" وظهرت كذلك أول ترجمة أردية لفصوص الحكم لابن العربي ما بين 1891 – 1984. أما في سنة 1901 فقد تمت ترجمة كتاب ميكان Meakin المسمى "الإمبراطورية المغربية". وظهرت في سنة 1904 ترجمات ذاتية لا باجة وأبي حيان الغرناطي. وقد صدرت في نفس الوقت، على شكل مذكرات سفر، زحمة من الآثار الشعبية في المجلات حول تاريخ الأندلس وثقافتها. واعتبارا للقيمة الإنسانية والدور الطلائعي الذي لعبه الإسلام بالأندلس بالنسبة للحضارة الأوربية فقد أضحت موضوعا حماسيا للذود عن الكيان الإسلامي، خاصة في كتابات عامر علي وسيراج علي. أما علماء الدين الذين ينتمون إلى مدرسة ديوباند، فقد عالجوا الموضوع من زاوية مختلفة. ويظهر من مؤلفاتهم أن إسهام الإسلام بالأندلس يحتل مكانه في التوزيع الذي يخضع له الفكر العربي والثقافة العربية عموما. وعلى هذا النهج سار المؤرخ الأردي الكبير شلبي نعماني في كتابة مؤلفاته التي تعالج الدين والأدب والثقافة، وإليه يرجع الفضل في التعريف بالجهود التي أسهم بها الكتاب المغاربة، ممن تناولوا المواضيع الدينية، فيما خلفه من مؤلفات لا تقع تحت حصر، وقد قام المثقفون أيضا بنشر عدد هائل من الدراسات الأصيلة في كثير من المجلات كالمعارف، وفي بعض الكتب كالجغرافيا التاريخية للأندلس، لعناية الله. ولم تهن عزائم المثقفين في دراسة الإسلام بالأندلس إلى أن استقلت الهند والباكستان سنة 1947. وتدل الوثائق التي كتبت سنة 1941 على أن اهتمام المسلمين في الهند بميراثهم المفقود في شبه الجزيرة الإبيرية كان يتزايد باستمرار. وقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور كثير من الكتب في الموضوع سواء ما كان منها موضوعا أو منقولا.
في اعتقاد العامة من مسلمي الهند أن المؤلفات الأدبية الأردية تشكل صلة وصل بينهم وبين الأندلس. فلقد كتب الشاعر المجدد الطاف حسين حالي سنة 1879 قصيدته الشهيرة "مسدس" حيث يرثي مأساة الإسلام ويعبر عن أمله في نهضة له يسترجع فيها ما فات من أمجاده. والقصيدة تتضمن ثلاثة مقاطع مؤثرة يعرض فيها الشاعر لمآثر الإسلام بإسبانيا مؤكدا عروبتها الأصيلة سواء من حيث الشكل أو المضمون، وكذا سمو معالمها التي لا تبلى جدتها على مر الأيام. وقد شاعت هذه القصيدة في الأوساط الشعبية بصورة أصبح معها السكان في الهند يطلقون على منازلهم أسماء المدن الإسبانية محتفظين بشكلها العربي كما وردت في أبيات القصيدة الآنفة الذكر.
وسارت القصة التاريخية الأردية على نهج القصيدة الأردية ونسجت على منوالها في قالب أندلسي فقد كتب عبد الحليم شرار، من المعاصرين للشاعر حالي – ولكنه أصغر منه سنا – عدة قصص تاريخية اقتفى فيها أثر الكاتب والترسكوت Walter Scott من حيث الفن والمنهج، وتناول فيها مختلف المراحل في التاريخ الإسلامي، كما ألف في سنة 1890 مسرحية تاريخية سماها "شهيد الوفاء" وتعالج هذه المسرحية انهيار المجتمع الإسلامي في غرناطة مما أدى إلى سقوطها في قبضة فرديناند وإيزابيلا، وقد أتبعا شرار سنة 1896 بقصة في الحوار التاريخي سماها "فلورا فلوريندا" وتناول القصة موضوع التوتر الذي كان يسود بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا. والقصة من حيث هي تقتصر إلى كثير من الحياة والأضواء، ولعل المسوغ الوحيد لقراءتها في الهند الإسلامية كامن في لونها الرومانطيقي والحوار التاريخي الذي تحتذيه. وهناك قصة تاريخية أخرى "لشرار" كتبها عن إسبانيا أيضا وسماها "الفاتح المفتوح" وتدور أحداثها حول الصراع الذي دارت رحاه بين عبد الرحمن الغافقي وشارل مرتيل، وما استتبعه ذلك من انهزام للعرب بأرض الغال مما أوقف الزحف الإسلامي في أوربا. والقصة زاخرة بصور البطولات، ولها من التماسك وعمق النظرة ما يعوز غيرها من الكتابات السابقة التي أصدرها شرار عن إسبانيا. وقد نشر شرار، علاوة على القصص، حكايات شعبية في الدوريات التي كان يصدرها للتعريف بالأحداث والشخوص التي تملأ تاريخ الإسلام بما فيه تاريخ الأندلس. وإلى جانب القصص الهندية التي تجري أحداثها على مسرح التاريخ الأندلسي، فقد تقبل الشعب عن طيب خاطر، ترجمات الكتب التي ألفت بلغات أجنبية في نفس الموضوع. وهكذا نقل إلى الأردية سنة 1906 كتاب المؤرخ اللبناني جرجي زيدان الذي يقص تاريخ الفتح العربي للأندلس دراسة الإسلام بعد اكتشافه في الأندلس كانت قوة خلاقة خلقت أثرا بارزا في عبقرية الشاعر الكبير والمفكر الهندي المسلم محمد إقبال (الذي وافته المنية سنة 1938). وقد تبدت هذه القوة رموزا تشع في نتاج الشاعر الموهوب. فطارق أول ضابط عربي وطئت قدماه أرض إسبانيا، عندما يأمر بإحراق أسطوله في جبل طارق، يعد رمزا للعزيمة الصادقة التي لا تنال منها وفرة جيوش العدو، وعبد الرحمن الداخل، حين يغرس أول شجرة من أشجار النخيل في أرض الأندلس، يمثل حياة العرب الفاتحين وهي تمد جذورها في تراب الإسبان. ولعل أبرز هذه الرموز وأجملها مسجد قرطبة الذي زاره إقبال مستلهما في سنة 1932، فألهمه قصيدة جياشة من أحسن ما خطته يده. وإذا كان "حالي" أول من ابتدع عبادة الأندلس قبل إقبال بنصف قرن، فلقد بلغت الذروة في قصيدة هذا الأخير التي عنونها بمسجد قرطبة. ويستهل إقبال قصيدته بسلسلة من الصور المجردة حيث يمنح الزمان صفات الخلق والاختبار والإقصاء والتحطيم. وفي رأيه أن حظوظ البقاء من نصيب النشاط الخلاق الذي يمارسه "رجل الإيمان" لأن هذا الأخير يستلهم نشاطه من الحب الخلاق، والحب الخلاق يتجلى في إبداع الفن كما نرى ذلك جليا في مسجد قرطبة. لقد أشار إقبال إلى الخصائص الفنية التي تطبع بناء المسجد وأكد على عروبتها الأصيلة وانتمائها إلى الإسلام. وهو ينحني في إجلال وخشوع أمام الآثار الباقية مما أبدعته العبقرية الخلاقة بالأندلس في ميادين الثقافة، ويحيي مظاهر الحياة وطريقتها عند الإسبان في العصر الحديث. وقد تم نقل هذه القصيدة وكثير غيرها مؤخرا إلى اللغة الإسبانية.
كل القصائد الأردية التي تناولت الأندلس تفيض بهذه الانفعالات الجياشة حتى ليصح القول بأن زيارة الأندلس بالنسبة للمسلم الهندي أو الباكستاني تعتبر حجا ثقافيا. وإذا كانت القصيدة الأردية قد أضحت تخدم أغراضا أخرى، تحت تأثير التيارات الأوربية الحديثة، فأن القصة الأردية التاريخية لم تحد قط عن المناخ المغربي الأندلسي. ومن الأمثلة على ذلك قصة "يوسف بن تشافين" التي كتبها نسيم حجازي سنة 1952 بالباكستان.
وراء الإعجاب الذي يكنه المسلمون في الهند لعظمة المسلمين الأندلسيين في ميدان الثقافة والتاريخ تكمن مجموعة من الاتجاهات السياسية والنفسية. وهذه الاتجاهات في الواقع ليست إلا رد فعل المسلمين يوم انحسر نفوذ الإسلام بسرعة في القرن التاسع عشر تجاه التقدم الموصول الذي أبانت عنه الإمبراطوريات الغربية وحضارتها. لقد استجابت النخبة المسلمة المثقفة في الهند بالتعبير عن كبريائها ممثلا في نقطتين أساسيتين، حيث تمخضت الصلات بين الإسلام والغرب عن تفوق عسكري وتأثير ثقافي : إسبانيا في العصر الوسيط والإمبراطورية العثمانية.
هذا الفخر بالميراث المشترك الذي يتقاسمه المسلمون الذين يدينون بالولاء للسدة العثمانية كان يحفزهم لاعتماد الاتجاه التركي، خاصة حين بلغ الذروة مع ظهور حركة الخلافة حوالي سنة 1920 بيد أن الحضارة الغربية كانت تتحداهم بما تبنته من نزعات تحريرية متسامحة. فأصبح من العسير على المثال الذي كانت تضربه تركيا في القرن التاسع عشر أن يكون جوابا نفسيا شافيا. وبديهي أن النزعة الإنسانية التي تتسم بها الحضارة الأندلسية والتي أقر النزهاء من المستشرقين الغربيين بسموها وتفوقها على المجتمعات الغربية آنذاك بما لها من أيادي بيضاء في خلق القيم الفكرية والإنسانية كانت تخفف بلا مراء من وطأة الحرمان الذي يستشعره المسلمون الهنود في القرن التاسع عشر. والمسلمون في هذه البقاع يذكرون بمزيد الفخر الصلات التي كانت تشد بين الأندلس وأوربا المسيحية، على خلاف المعاملات التي كانت قائمة بين أوربا والعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر. لقد حمل المجتمع الإسلامي مشعل المعرفة وقدمه للمجتمع المسيحي الذي كان يتخبط في دياجير الجهالة والأمية. والمسلمون في الهند لا يفوتهم، وهم يكتبون عن الفردوس المفقود، أن يبرزوا هذا الوضع المثالي وأن يشيروا إلى ما عهد في العرب من نبل وتسامح وما أمكنهم أن يحققوه بفضل ذلك من منجزات فنية في غاية الإبداع وما لعبوه من دور طلائعي في صيانة الفكر الإغريقي وتنميته وتقديمه إلى الغرب سائغا مكينا، وما تركوه من منشآت بلغت قمة الإتقان والجمال، كما يعقدون مقارنات بين الأخلاق والمكاسب العربية وما دونه التاريخ عن حركة الاسترجاع التي حشد لها المسيحيون كل إمكانياتهم من تعصب وتزمت ومغالاة في العنف مما أدى إلى الإجهاز على مظاهر الحضارة الإسلامية في إسبانيا. ولم تسلم النخبة المسلمة في الهند وهي تتلقى على يد الإنجليز قيم الحضارة الغربية، من انتقادات المستشرقين ومجادلات المبشرين. هذا إلى وقوف الغربيين موقف المتفوق على صعيد الجنس والثقافة. فكانوا يتعزون بالذكريات الجميلة التي يحتفظون بها عن دولة الإسلام بالأندلس فلقد كانت مركز إشعاع في أوربا طوال القرون الحالكة التي مرت بها .. وفي المعركة التي خاضها المسلمون في الهند لإثبات الذات، صرفوا عناية بالغة للتأكيد على النزعة الإنسانية التي كانت السمة الغالبة على الثقافة الإسبانية العربية مشيرين إلى الأشواط التي قطعتها الأندلس في التقدم الاجتماعي حتى أنها أشركت النساء العربيات في المهن الجليلة كالطب مثلا.
هناك أيضا اتجاه سياسي نفسي آخر دفع بالمسلمين في الهند إلى اعتماد المثل الذي خلفته بالأندلس، ومرد ذلك يعزى إلى أن المسلمين في الهند قد انتابهم، وهم على أبواب تأسيس نظام ديمقراطي في البلاد، شعور عارم بالخوف على مستقبلهم الاقتصادي والسياسي لأنهم يشكلون أقلية ضئيلة وسط الأغلبية الساحقة من الهنود الذين لا يدينون بدينهم. وإذا كانوا قد حكموا شبه الجزيرة الهندية مدة سبعة قرون أو يزيد، كما فعل الأندلسيون من قبل، فهل ينتظرهم نفس المصير؟ بيد أنهم لم يفطنوا لأوجه الشبه القائمة بينهم وبين المسلمين في إسبانيا إلا بعد ذلك بكثير... ونما هذا الشعور لدى المسلمين بطيئا ولكنه مد جذوره إلى الأعماق. والواقع أن الخوف الذي كانوا يستشعرونه من الانصهار في بوتقة الأغلبية الهندية مع ما يستتبعه من انسحاب من المسرح الثقافي قد هيمن على الفكر السياسي والديني في الهند الإسلامية منذ إرساء قواعد الحكم الإسلامي بدلهي في بداية القرن الثاني عشر. بيد أن استيلاء الهنود، وعددهم كثير، على دواليب الحكم في القرن العشرين قد عمق وعي المسلمين بالشبه الموجود بينهم وبين إخوانهم الأندلسيين وأسهم في تعزيز حركة الانفصال الإسلامية في الهند الحديثة لتأسيس دولة باكستانية مستقلة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here