islamaumaroc

أبو عبد الله الهبطي واضع وقف القرآن بالمغرب -3-

  دعوة الحق

العددان 111 و112

من القراء من يرى أن وقف الهبطي قد تواترت روايته، واستفاضت شهرته، وتلقاه الناس بالقبول، جيلا بعد جيل؛ فيجب الوقوف عنده، ولا تجوز مخالفته؛ ومنهم من يرى أن الوقف من أصله جائز، وأكثر وقف الهبطي لم تثبت روايته، فيجوز الخروج عنه؛ وقد خالفه عدد من العلماء؛ فمنهم من زاد عليه، ومنهم من نقص منه. على أن الهبطي نفسه ترك كثيرا مما وسمه الداني بالوقف التام أو الكافي.
وابن عبد السلام الفاسي ممن شايع هذا الرأي، قال: ".. فما يعتقده كثير من قراء زماننا، من أن كل كلمة قيدت عن الهبطي، وردت بها الرواية، جهل منهم بمعنى الرواية؛ لأنهم حيث قرأوا على شيوخهم، وأدوا على ذلك، اعتقدوا أن تلك الحال التي أدوا عليها هي الرواية في كل ما أدوا عليه؛ ومن جملة ذلك، الوقف على الكلمات التي قيدت عن الهبطي؛ ثم تمادى بهم الحال، حتى خطأوا من ترك الوقف على كل كلمة مما قيد عنه، أو زاد على ذلك، وجهلوا أنه لا تتعين متابعة الهبطي في شيء من ذلك.
وهذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو هل الوقف مروي بالنوع أو بالشخص، والمختار أنه مروي بالنوع والصلاحية، لا بالشخص والتعيين. وما مر من أنه لا تتعين متابعة الهبطي فيما قيد عنه من وقف إنما يمكن حمله على القارئ المتفقه، والعالم المتبصر؛ أما جهلة القراء، وعامة الناس فينبغي لهم الوقوف عندما قيد عن الهبطي، كما يلمح إلى ذلك صاحب "القول الوجيز، في قمع الرازي على كتاب الله العزيز"، إذ يقول : وإذا كان الأمر في الوقف والسكت هكذا فالواجب - بالوجوب الأدائي- على التالي أن يقف على أماكن الوقف الذي يتلو عليه، كالوقف المنسوب للهبطي في زماننا - وقفا يتنفس فيه ويستريح؛ قال: فأما قراء زماننا - سامحهم الله - فلا يعابون بشيء من هذا؛ ولكنهم إذا مروا بمواضع الوقف عند الهبطي أسكنوها، واستمروا إلى أن يرهقهم النفس ويضطرهم، فيقفوا في مواضع الاضطرار.. وأقبحهم في ذلك أهل صناعة الإرداف؛ لأنهم يعتقدون أن الحافظ هو الذي يفعل ذلك، وزاد يقول: فالوقوف التي يوقف عليها كلها تراعى فيها معان، لابتنائها على الإعراب الكفيل بالمعاني ومفادات الكلام؛ لأن فاعلها لم يضعها بالتشهي، بل وضعها باعتبار إعرابات وإشادات إلى معان ونكت في التفسير؛ وإن نوقش في بعضها، لأنه بشر ليس معصوما..".
ومما نوقش فيه الهبطي وقفه على أواخر السورة مع أن الذي ذكره العلماء في كتب الخلاف، كالشاطبية والتيسير، أن ورشا يسكت، أو يصله بأول السورة بعده؛ فذكر الهبطي الوقف عليه، إما باعتبار أنه محل وقف وتمام، ولا أتم من آخر السورة، وعليه فتتعين البسملة حسبما هو منصوص، وإما باعتبار رواية قالون، أو أنه كان يقرأ لنافع بروايتيه معا بالبسملة، فعلى ما به الأخذ عن ورش من السكت والوصل، على التخيير بينهما - يجب أن لا يذكر آخر السورة فيما يوقف عليه، إلا مع بيان أن ذلك باعتبار رواية من يبسمل بين السورتين، ثم بيان أن ذلك أيضا باعتبار أخذ من يقف على آخر السورة ممن يبسمل؛ أما ذكره على الإطلاق لنافع فيوقع عوام الآخذين في جهل وخطأ عظيمين؛ ذلك أنهم يأخذون في أول التعليم والتلقي بضبط ألواحهم على حسب العادة، ومن جملة الضبط وضع علامة الوقف التي هي (صه) على الكلمة الموقوف عليها، - بمعنى أسكت - فيضعونها على أواخر السور، كما في كلماتها الموقوفة؛ ثم لا يقع تنبيه من أشياخهم على أن ورشا لا يقف على آخر السورة، وإنما حكمه عنده السكوت عليه، أو وصله بأول السورة بعده؛ ويكتفون بالتلفظ لهم، فيرى المبتدئون أن أشياخهم واقفون، ويستمرون - اعتقادا أن ورشا يقف على آخر السورة، ولم يفهموا أن الوقف عليه يوجب البسملة لابتداء السورة، فيقرءون له ولا يبسملون، ويعتقدون أنه واقف غير مبسمل؛ وذلك خطأ من جهتين: من جهة الرواية، ومن جهة الأداء؛ لأنهم يتركون البسملة التي تترتب على الوقف، وربما يعتلون بذكر الهبطي أواخر السور في عداد الكلمات التي يوقف عليها، جهلا منهم بمراده. نبه على هذا العالم المقرئ ابن عبد السلام الفاسي، وزاد يقول: "وكنت أسأل حفاظ السبعة منهم، فأجدهم على هذا الاعتقاد الفاسد، وإذا نبهوا أقاموا على جهلهم، تقليدا لأشياخهم؛ قال وكنت آمر الآخذين عني بأن لا يضعوا علامة الوقف على أواخر السور، لأن الوهم إنما أتاهم من قبل وضعها..".
قلت وعمل القراء - إلى اليوم - لا يزال على وضع علامة الوقف أواخر السور؛ عملا بالقول المأثور "خطأ مشهور أفضل من صواب مهجور"؛ على أن وضع علامة (صه) على الكلمات الموقوفة ليس من وضع الهبطي، فالنسخ القديمة - التي بين أيدينا - مجردة من هذه العلامة، وربما كانت من وضع بعض تلاميذه.
ثم هناك اختلاف بين النسخ في بعض الوقوف، فمثلا قوله تعالى: "(وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ)، - سورة البقرة، آية 88 - أغلب النسخ يقف على الذين كفروا، بناء على أن "كفروا به" جواب "لما" الثانية، وحذف جواب الأولى للاستغناء عنه، وهو رأي الزجاجي والأخفش، واختاره الزمخشري. وذهب المبرد إلى أن جواب "لما" الأولى هو "كفروا"، وكرر "لما" لطول الكلام، وقيل إن جواب "لما" الأولى محذوف دل عليه جواب "لما" الثانية. وعلى هذا فلا يحسن الوقف على "الذين كفروا"، ولذا لم يوقف عليه في بعض النسخ.
وهذا الاختلاف قد يرجع إلى تغيير وجهة نظر الهبطي في بعض الوقوف، فأثبتت في رواية بعض التلاميذ، ولم تثبت عند الآخرين، وهذا ليس ببدع، فكثير من العلماء وقع لهم مثل هذا، فاختلفت نسخ مؤلفاتهم ما بين زيادة ونقص؛ فالشافعي مثلا روايته في القديم، غيرها في الجديد؛ وكذلك في فقه مالك، نجد الفقهاء يقولون إن هذا القول مرجوع عنه، لا تجوز الفتوى به.
هذا وقد أحصى القراء المتأخرون وقف الهبطي، وعدوا كلماته، ورتبوها على حروف المعجم، وسموا هذه الوقفيات، بـ "الحطيات".
وقد طغت موضة "العدد" عند القراء في العصور المتأخرة، فنجده في كل شيء، في القراءات، وفي الوقف والوصل، والثبت والحذف، والهمز والوصل، وهلم جرا.
وبعد فهذه نظرة عجلى عن وقف أبي عبد الله الهبطي، الذي يدين له المغاربة بالفضل، مدى أربعة قرون أو تزيد؛ وكم نود أن لو طبع هذا الوقف مع بعض شروحه؛ التي تبين مغزاه ومراميه؛ إحياء لتراثنا القومي، وخدمة لكتاب الله العزيز. وفقنا الله جميعا إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here