islamaumaroc

ما وجدت لتبقى

  دعوة الحق

العددان 111 و112

نص المحاضرة العلمية الفلسفية التي ألقاها في حفلة افتتاح الموسم الثقافي للمعاهد الثانوية العليا في طرابلس العلامة الجليل والأديب الكبير صاحب السماحة مفتي طرابلس ولبنان الشمالي الأستاذ الشيخ نديم الجسر عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر.
إن الكلام مع النخبة من العلماء والفهماء هو من أصعب الصعاب، وأهون الهينات.
أما السهولة فهي من جهة أن المتحدث إلى النخبة يجد نفسه غير محتاج إلى مزيد من الإسهاب، والتبسط، والتهبط عن مستواه، ثم يجد نفسه، في الموضوعات الدقيقة الشائكة، التي تفتقر إلى كثير من اللطف والحذر في التعبير، مستغنيا عن التصريح بالتلميح، وعن العبارة بالإشارة...
أما الصعوبة، فهي من جهة أن العلماء والفهماء لا يؤخذون بسحر الخطابة، والسفسطات، والأغاليط، والمبالغات، ولا يمشي الحال معهم بالبهلوانية، والنطيط، والقفز من المعقول إلى اللامعقول على قنطرة هوائية من المستحيل، بل لابد للكلام، معهم، أن يعتمد على المنطق الصارم.
وبهذا المنطق الصارم سأحدثكم عن بعض جوانب النكبة، وعن إسرائيل، بلا غرور، ولا غلو، ولا خرط، ولا أوهام، ولا أحلام.
من جوامع الكلم المروية، عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله :
(ما هلك أمرء عرف قدره).
ومما اشتهر على السنة الناس من كلام الحكماء، من عهد الإغريق، قولهم (اعرف نفسك).
ولكن أكثر الناس يحملون، هاتين الكلمتين الذهبيتين الجامعتين، على وجه واحد من النصيحة، وهو أن يعرف الإنسان جوانب ضعفه ونواحي عجزه. وقل أن يتبادر منهما إلى الذهن ذلك المعنى الأعم الأوسع، الذي نحن أحوج إليه اليوم.
إن غفلة الإنسان عن معرفة نفسه، في حقيقة ضعفها وعجزها، ليست أكثر ضررا من غفلته عن عرفان نفسه في حقيقة قوتها، وقدراتها.
ويزداد هذا القدر ضراوة واستشراء إذا كانت هذه الغفلة في حادث يتعلق بالجماعة أو الأمة.
لأن للخور والتهلك واليأس، عند صعقة البلية، وبغتة النازلة، عدوى سارية طاغية، تنتقل من الضعفاء إلى الأقوياء، بل من السخفاء إلى الحكماء... ولولا ذلك لما تهلكنا، كلنا، أمام المعركة المفاجئة حيارى، مولولين، يائسين، قانطين...
نكبة (أحد)، التي جرح بها النبي القائد الأعلى، في قلب معقله، هي معركة خاسرة، ولم تكن نكبة الأبد.
وهزيمة (حنين) التي بقي، فيها، القائد الأعلى، وحده، على سرجه، لم تكن نكبة الأبد.
وفتح الافرنج لبلاد الشام، واستيلاؤهم عليها مدة قرنين، لم يكونا نكبة الأبد.
وفتح بغداد، وتخريبها، بعد قتل الخليفة المستسلم الذليل، ووزيره الخائن، لم يكونا نكبة الأبد على شعب استطاع أن يصنع معركة (حطين)، ثم استطاع أن يبيد، إبادة، جيوش المغول المتحالفة مع الافرنج في (عين جالوت).
وهزيمة (دمياط) و(المنصورة)، التي كانت تحمل كل عناصر النكبة : بخيانة القائد، وموت (الملك الصالح) ووضع الخلافة الإسلامية، لأول مرة في التاريخ، في حضن الجارية (الصالحية)، وتقهقر الجيش، وتضتضع الشعب، لم تكن نكبة الأبد... وانحلت الأزمة بأسر (الملك العظيم)، ووضعه في دار القاضي لقمان، غير (الحكيم)...
وأسر (الملك القديس) هذا، في المنصورة لم يكن، نكبة الأبد، كما أن أسر فرانسوا الأول في معركة (باقيه)، التي خسر فيها، على قوله، (كل شيء إلا الشرف)، لم تكن نكبة الأبد على شعب استطاع، بعد ذلك، بأمد غير طويل، أن يخلق (الملك الشمس)، الذي تحكم بمقدرات أوربا والعالم.
واحتلال الألمان لباريس وفرنسا، في الحرب على شعب استطاع، بعد ذلك بأمد قصير، أن يخلق بسمارك، ويصنع معركة (سدان)، ويأسر نابوليون الثالث...
واحتلال الألمان لباريس وفرنسا، في الحرب العظمى الثانية، لم يكن نكبة الأبد، على شعب استطاع أن يخلق (ديغول)، الذي بدأ طريدا شريدا، وانتهى، اليوم، لأن يتحكم بمقدرات أوربا، بل بمقدرات العالم.
واحتلال الاستعمار الأوربي، في القرن الماضي، للهند، وأندونيسيا، ومصر، وسوريا ولبنان، وفلسطين، والعراق، والسودان، والجزائر، وتونس، والمغرب الأقصى، وليبيا، أي للعالم العربي والإسلامي كله، تقريبا، لم يكن نكبة الأبد؛ بدليل أن هذه الأقطار كلها، تتمتع اليوم بالاستقلال، وتقعد مع تلك الدول المستعمرة، على مائدة واحدة، في الأمم المتحدة.
واحتلال الحلفاء في سنة 1918 لإستنبول عاصمة الخلافة العثمانية، ثم إذلال الشعب التركي، إلى الحد الذي سمح به الحلفاء، المنتصرون على الرجل المريض، لليونان، باحتلال أزمير واختراق الأناضول، لم يكن نكبة الأبد على شعب استطاع أن يخلق (مصطفى كمال)، وينتهي، بعد 27 سنة فقط، إلى أن يرى نفس الحلفاء، الذين أذلوه، يركعون أمامه، مستجدين منه أن يدخل معهم في (حلف الأطلسي).
في معركة (المصير الأبدي) للأمم عناصر ثلاثة، أساسية، ضرورية، يقوم عليها بقاء الأمة :
الأرض الكافية الوافية للبقاء.
العدد الكافي للبقاء.
الوحدة الفكرية الكافية لجمع القلوب.
وكل نقص، في غير هذه الثلاثة، من علم، وتصنيع، وتسلح، يمكن تلافيه مع الزمن.
فإن قيل لكم أن أمة على وجه الأرض، بل في تاريخ الأرض، قد اجتمعت لها هذه العناصر الأساسية الثلاثة، أكثر مما اجتمع للأمة العربية والإسلامية فلا تصدقوا...
ومهما قيل لكم عن ضعف العرب والمسلمين، وعجزهم، وخورهم، وتنازعهم، وفشلهم، وذهاب ريحهم إلى الأبد، فلا تصدقوا...
إن أمة تبلغ ثلث سكان الأرض، وتملك، في سرة الدنيا، أكبر وأوسع وأغنى وأشرف رقعة، متواصلة، غير متفاصلة، تمتد من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وتمتلك ثلاثة من أعظم أنهار العالم الستة، وتمتلك أطول سواحل البحر المتوسط، وتتسلط على معابره الثلاثة، وتمتلك البحر الأحمر بكامله، وتنام على بحر من البترول، لا تنتهي أغواره، ولا تنضب آباره، ويشد قلوب أبنائها كتاب واحد، نحو إيمان واحد، باله واحد، وأخوة واحدة... (إنما المؤمنون إخوة) – (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) – (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر) ليست هي بالأمة التي تغلب وتقهر إلى الأبد...
أما إسرائيل فلن يكتب لها البقاء... لأنه لم يكتب لها البقاء...
يقول بعض الذين خلقوها أنها وجدت لتبقى... وأنا أقول : أنها وجدت لتزول...
لا أقولها مغرورا ولا موتورا، ولا مدجلا ولا مهولا، ولكني أقولها عالما بنواميس الاجتماع، التي يبنى عليها وجود الأمم، وبقاؤها، وزوالها، بأمر الله، وحتمية التاريخ...
دولة إسرائيل هذه لن تبقى في فلسطين، ولو اجتمع يهود العالم، بملايينهم العشرة، المتفرقين في أطراف الأرض، وجاؤوا كلهم إلى فلسطين، وحمل، كل واحد منهم، مدفعا في سيارة، وصاروخا في طيارة...
وقبل أن أقول لكم لماذا لن تبقى دولة إسرائيل في فلسطين، أمهد لكم بكلمة عن دولة إسرائيل في التاريخ، ودورها، ونصيبها من البقاء، في صراع ناموس تنازع البقاء.
ما هي دولة شاوول وداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، اللذين نقرأ عن أمجادهما، في تاريخ الدين وتاريخ الدنيا، صفحات ذهبية مشرقة، تكاد قرأتهما الخاطفة، توهمنا أنها دولة عظيمة؟
إنها دويلة، بل اصغر من دويلة، لا تتعدى حدود رقعة صغيرة، من قطر فلسطين الصغير، القاحل، الضيق، محصورة بين الامبراطوريات الفرعونية، والكلدانية، والأشورية، والفارسية، وأخيرا الرومانية، المتطاحنات في حروب، لا نهاية لها، للسيطرة على العالم القديم، الذي تقع دولة يهوذا في وسطه وقلبه وسرته... فهي، كدولة ذات كيان سياسي (وبقطع النظر عن الرسالة السماوية التي كانت ملقاة على عاتقها) لا تكفي، بأرضها، وسكانها، وهيكلها الذهبي، أن تكون لقمة، في أشداق تلك الامبراطوريات، التي تقوم على جوانبها من الشروق والغروب.
هذا من بديهيات الناموس الإلهي الاجتماعي الذي يسمى ناموس (تنازع البقاء وبقاء الأنسب) وهو الأقوى.
ولكن دولة شاوول وداود وسليمان قد وجدت، بتدبير الله، كما يقول المؤمنون، أو بتفاعل النواميس الاجتماعية، كما يقول الملحدون، لغاية عظيمة استنفذت أغراضها...
إنها وجدت لحمل رسالة، في سبيل غاية سامية، يريدها الله، ويريدها الناموس الأخلاقي، الذي سيبقى مسيطرا على البشر، مهما فسدت الأخلاق. وهذه الغاية هي : حماية الشعب الوحيد الباقي، (بعد إبراهيم ونسله)، على عبادة الحق، من مظالم الوثنية الفرعونية، والكلدانية، والأشورية، والفنيقية. وقامت هذه الدولة الصغيرة، وازدهرت، في عهد داود وسليمان، على أساس مبادئ الحق والخير.
ثم فسد الشعب، فخرج عن مبادئ الحق والخير، بظلمه، وترفه، وقتلة الأنبياء، فخسرت الدولة سبب بقاءها الوحيد، وخسرت الديانة مقومات صلاحها، فأرسل الله السيد المسيح، صلوات الله عليه، بالإنجيل، والدين الحق، ليحل محل الديانة التي أفسدها أهلها.
وسلط الله، على الدولة الفاسدة، من زلزها، وعلى الشعب الظالم الفاسق، من مزقه، وفرقه، وشرده تشريدا لم يعرف التاريخ نظيره، في أي شعب من شعوب العالم : فكان الأجلاء الأول، إلى بابل، على يد بختنصر، وكان بعد ذلك هدم الهيكل والتشتيت الأبدي، على يد تيطوس الروماني، الذي لا نزال نقرأ اسمه، وذكرى نصره على اليهود، منقوشين على قوس النصر المنصوب له في روما.
وهكذا انتهت الديانة اليهودية، المنسوخة بالمسيحية، التي تبنت خيارها، وأبطلت شرارها، لأنه لم يبق مبرر لوجودها إلهيا.. وانتهت الدولة الإسرائيلية، لأنه لم يبق لوجودها مبرر وهو : حماية الدين الحق، والأخلاقية الكريمة.
وانتهى الشعب اليهودي، كوحدة اجتماعية، لأنه لم يبق لوجوده أي مبرر إلهي، ولم يبق لبقائه، كوحدة، أي مبرر اجتماعي، بحكم قلته وضعفه، وبحكم (ناموس تنازع البقاء وبقاء الأنسب)، فتمزق الشعب في الأرض، أبابيد، وضربت عليه الذلة والمسكنة، وعانى، من ضروب الاضطهاد، والقتل، والحرق، والتعذيب، على أيدي الكلدانيين، والرومان، والأوروبيين، ما لا يمكن، عقلا أن يكون بلا مبرر رباني، أو اجتماعي...
بعد هذا التمهيد، التاريخي والفلسفي، عن دولة إسرائيل القديمة، أرجع لأكرر لكم القول : أن إسرائيل الدولة الحالية في فلسطين، ما خلقت لتبقى.
أولا – لأن كيان الدولة الإسرائيلية قد فقد مبررات وجوده، الدينية، والاجتماعية، فأعطاها لغيره.
ثانيا – لأن دولة إسرائيل، الجديدة الاصطناعية غير الطبيعية، التي فقدت مبررات وجودها التاريخية والأساسية، هي بذاتها، وبقطع النظر عن النظرة الدينية، غير صالحة للبقاء، بحكم ناموس القوة في تنازع البقاء، لأنها تفتقر إلى العنصرين الأساسيين من عناصر البقاء : وهما (الأرض الكافية)، (والعدد العديد الكافي) كما سبق البيان في صدر الكلام.
ثالثا – لأن هذه الدولة الاصطناعية غير الطبيعية، قد وقع الفلاسفة، الذين وضعوا نواتها، في سوء اختيار البقعة الصالحة لتكوين دولة يمكن أن يكتب لها البقاء، بل وقعوا في الفخ الذي نصبه لهم الاستعمار حين وافقهم على اختيار بقعة فلسطين، بالذات، لتأسيس الدولة الاسرائيلية الجديدة : فالاستعمار أراد أن يجعل إسرائيل شوكة في حلق الأمة العربية، من غير أن يبالي بالمصيبة على من تقع من الطرفين (فبأيهما جاءت فبالعدو...).
ولو قدر، للفلاسفة اليهود، الذين وضعوا نواة الفكر لإعادة دولة إسرائيل، أن يختاروا بقعة أخرى، في أحدى بلاد الوثنية الإفريقية، مثلا لكان من الممكن أن تتكون لهم دولة إسرائيلية قابلة للحياة والبقاء، حتى ولو كانت البقعة المختارة صغيرة وقاحلة مثل فلسطين، لأنهم، في جوار الوثنية، سيوفقون، من غير ريب، إلى نشر ديانتهم، التي تظل، مهما أفسدها أهلها، ديانة ذات أصل سماوي، صالح لتغلب على شرك الوثنية. وبهذا يتمكنون من توسيع رقعة الدولة إلى المدى الكافي، ومن تكثير عدد اليهود إلى المقدار الكافي، فيكتمل لهم، بذلك، الشرطان الأساسيان، اللذان بينا أنه يقوم عليهما بقاء الأمم إلى الأبد.
ولكن فلاسفة اليهود خدعوا أنفسهم، حين ركزوا أنظارهم على جاذبية الدعاية الدينية، التي يتأثر بها كل يهودي ساذج يقال له : أنك سوف تحيي دولة داوود وسليمان في نفس هيكل داوود وسيلمان. فما لغباء الفلاسفة ما أغربه...
هنالك قول مشهور لا أدري أهو من كلام الأنبياء، أم من كلام الحكماء يقول :
(إذا أراد الله إنفاذ أمر سلب من ذوي العقول عقولهم).
وهذا ما يصدق على فلاسفة اليهود. أنهم فكروا في جاذبية الدعاية الدينية، وغفلوا عن رد الفعل العنيف للدعاية الدينية، نفسها، عند المسلمين، الذين يدخل في صميم عقيدتهم، تقديس المسجد الأقصى وما حوله، والذين بذلوا في الحروب الصليبية، دماء غزيرة، حتى استردوها، والذين مضى على وجودهم التاريخي فيها أربعة عشر قرنا، حتى رأت الدول المسيحية العظمى، التي هي أقدر على انتزاعها من أيدي المسلمين، أن تحترم ذلك الاستقرار التاريخي المزمن، فتركتها لهم، بل تركت سدانة معابدها في أيديهم، حتى في عهد الانتداب الانكليزي.
من كل هذا يظهر بوضوح، ليس بعده وضوح، أن خلق دولة إسرائيل، في أرض فلسطين الضيقة القاحلة، التي لا تكفي، بمساحتها وثروتها الطبيعية، لتكوين دولة، ومن شعب لا يكفي، بعدده، ولو اجتمع كله، للصمود، وفي وسط بحر من الامتداد العربي الإسلامي الهائل، الذي وصفناه، وفي أتون من نار الغيرة الدينية الإسلامية والمسيحية، ومع التجاهل لأثر الحق الناتج من الاستقرار التاريخي، كان خلقا اصطناعيا، يحمل، في صدره عناصر زواله، لأنه لا يعتمد للوجود والبقاء على أي مبرر، من المبررات الدينية، والاجتماعية، والتاريخية والأرضية، أو العددية أو الاقتصادية.
وإن قيل لكم أن هذا الكيان الاصطناعي تحميه الدول الغربية إلى الأبد، فلا تصدقوا لأنه لا مبرر طبيعي وأساسي لحماية هذا الكيان إلى الأبد.
فالحماية إما أن تكون للعاطفة، وإما أن تكون للمصلحة.
أما العاطفة فلا عاطفة... وتاريخ الأوربيين مع اليهود هو سلسلة من القتل، والذبح، والخنق، والحرق، ومن هذه المآسي، التي وقعت في أوربا على اليهود، أبتلي الشمال الإفريقي المسلم بهذا العدد الكبير من اليهود، الذين فروا إليه، ليأمنوا على أرواحهم وأموالهم، وما زالوا آمنين، حتى بعد المذابح التي وقعت على المسلمين في (دير ياسين)... وبعد العدوان الإسرائيلي الأخير... وهذا من مفاخر دين الإسلام، الذي يمنع الاعتداء على أي إنسان ما دام غير محارب.
وتبقى المساعدة للمصلحة. وهذا هو الواقع. فالدول الاستعمارية، التي خلقت دولة إسرائيل، لتكون شوكة في صدر الأمة العربية، إنما خلقتها لمصلحة سياستها الاستعمارية والبترولية، ولم تخلقها للعاطفة. وستظل تحميها ما دامت لها مصلحة في حمايتها... فإذا قيل لكم أنها سوف تحميها إلى الأبد فلا تصدقوا، مما في سياسة المصلحة شيء ثابت إلى الأبد...
هذه حقيقة يؤبدها المنطق، ويؤيدها التاريخ.
فمن بعد الحروب الصليبية إلى اليوم، لم تحصل أبدا، من دول أوربا حروب على المسلمين لمجرد فكرة نشر الدين المسيحي، بل كانت الحروب كلها، للاستعمار والمصلحة. وإذا كانت هذه الدول المستعمرة تسمح للتبشير أن يلعب دوره، فإنما تسمح له ليساهم في معركة الاستعمار، سماحا سياسيا، يقصد به إرضاء الجهات المسيحية التي يهمها أمر التبشير، ويقصد به من جهة ثانية إضعاف الحبل، الذي يشد وحدة المسلمين، ويقوي فيهم روح المقاومة للاستعمار.
فالمصلحة السياسية والاقتصادية تكاد تكون، وحدها، المنطق الأساسي الرئيسي لاستعمار البلاد العربية والإسلامية... والمصلحة السياسية والاقتصادية، هي، وحدها، المنطلق للتخلي عن البلاد العربية والإسلامية، وإعطائها استقلالها.
وإذا كان هذا واضحا، فأوضح منه أن مساعدة الغرب لإسرائيل تنطلق من المصلحة السياسية، وليس من حب اليهود، أو لتأييد الديانة اليهودية...
وإذا كان هذا مقررا، وظاهر البداهة، فإنني أطرح الأسئلة الأتية :
هل التخلي، عن تونس والمغرب والجزائر، أعظم وأوجع، في ميزان المصلحة الاستعمارية الإفرنسية من التخلي عن مساعدة إسرائيل؟
وهل التخلي عن الهند الدرة في التاج البريطاني أعظم وأوجع، في ميزان المصلحة الاستعمارية الانكليزية من التخلي عن مساعدة إسرائيل؟
الجواب واضح وبديهي.
ومع ذلك فإنه بحكم سياسة المصلحة لفرنسا وإنكلترا، وبقوة تيار السياسة الدولية العامة، أجبرت فرنسا وإنكلترا على ترك هذه المستعمرات العزيزة الغالية.
هذه السياسة الدولية العليا، التي تتفاعل على الأرض، فترغم الجبابرة على أن يتخلوا عن جبروتهم وطغيانهم، بحكم تدافعهم، هي الناموس الاجتماعي، الذي عبر عنه القرءان بقوله (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).
وبقوة هذا الناموس يقوم التوازن الدولي بين الغرب والشرق اليوم...
وبقوة هذا الناموس أرغمت، فرنسا وإنكلترا وهولاندة وإيطاليا، على ترك أعز وأعظم مستعمراتها.
وبقوة هذا الناموس دفن الإنكليز والفرنسيون أربعين ألف عسكري، من شبابهم، أمام حصون سيفا ستابول، ليردوا روسيا المسيحية عن تركيا المسلمة...
وها هو الناموس الإلهي نفسه يعود، ليتجلى من جديد في سياسة الدولتين الأوربيتين، اللتين هاجمتا بورسعيد، بالاشتراك مع إسرائيل، من عهد قريب.
فمن الذي كان يصدق أن ميزان السياسة في فرنسا سيتحول عن إسرائيل، ويميل نحو العرب؟
ومن يصدق أن ميزان السياسة العميقة في إنكلترا التي خلفت إسرائيل، يتحول ويميل نحو العرب، ميلا بدأت خيوطه الخفية تلوح للعيون القوية، في ظلمة الأسبوع الأول من النكبة؟.
قد أكون متوهما، وقد تكون هذه الرقصات في بارومتر السياسة من نوع الخداع، الذي تعودناه... ولكني أحب التفاؤل من غير اتكال ولا تواكل... وأفضل أن أرد على التبسم بالتبسم فإن كان خصمي صادقا زدته صدقا. وأن أكون كاذبا قطعت عليه طريق العذر في مخاصمتي، أمام الرأي العام في بلاده نفسها، بل عند الرأي العام العالمي، الذي لا يخلو، مهما تألبت الدعاية الصهيونية ضدنا، من بعض قلوب طاهرة، ونفوس كريمة، وعقول نيرة، رأيناها تساعدنا وتساندنا في محنتنا مع الاستعمار ومع إسرائيل، وتستطيع، على قلتها، أن تؤثر، بعض التأثير، في تحويل بعض جوانب التفكير للرأي العام الغربي المسيحي.
وإلا فمن منا كان يتوقع أن نسمع، في عيد الميلاد المجيد، من سيد أحبار النصرانية هذه النغمة الكريمة الحلوة في الحث على التعاون بين المسيحية والإسلام؟
وتبقى أمريكا. وسوف يأتي دورها وتنقشع الغشاوة الصهيونية من عيون الشعب الأمريكي، الذي لا يخلو من قلوب كريمة، وعقول نيرة ترتفع أحيانا فوق الدعايات وفوق الرواسب.
في العالم ثلاثة مدارات تصلح للبقاء الأبدي، لأن لها كل مقومات البقاء التي ذكرناها.
المدار المسيحي، والمدار الإسلامي، والمدار الصيني الوثني. وليس ببعيد ذلك اليوم الذي سيقول به الشعب الأمريكي :
يا ويلنا من الخطر الأصفر...
وليس ببعيد ذلك اليوم الذي ستقف به أمريكا المسيحية تستجدي مساندة المدار الإسلامي، المؤمن، في حربها مع الوثنية الصفراء.
هذه المعاني كلها بحذافيرها قد ارتضت لها نفسي، منذ أسبوع النكبة، ونفثت بعضها في أسماع الناس الذين كاد إيمانهم أن يتزعزع، في خطبة أول جمعة بعد الاثنين المشؤوم.
وذهبت إلى المغرب الأقصى، وتلاقيت مع وفود من علماء العرب والإسلام، وكانت أحاديث، ومحاورات، ومجادلات فعدت أكرر هذه المعاني لأحيي بها أمل اليائسين.
ونضجت هذه المعاني في ضميري من كثرة ما تخضخضت في راسي وعلى لساني.
وكانت سفرة إلى طنجة... وقفنا على مشارف الأندلس، وعاد إلى القلب الكسير حنينه...
وتهافتت على العقل العبر، كما تهافتت على العيون الدموع والعبرات، فكانت تلك القصيدة(1)، التي تحمل أكثر تلك المعاني...
إن الشعر أبقى على الدهر، وأهون على الذكر. وإني، على أن تذكروني، وتترحموا علي لحرص، جد حريص...



(1) نشرت القصيدة في العدد الماضي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here