islamaumaroc

من الرواية إلى التدوين

  دعوة الحق

العددان 111 و112

لم تعد معرفة عرب الجاهلية للكتابة موطن شك، إن كثرة منهم في الحواضر، وقلة في البادية، كانت تقرأ وتكتب. ولم يعد مناط اختلاف أن بعضا من آثارهم الأدبية قد دون، لكنها آحاد لا تبرر التعميم؛ لأن الشعر أكثر ما يكون في البادية، والبادية أكثر ما تكون راحلة، وما يكتب عليه في تلك الحقبة من التاريخ – حجارة أو عظما أو خشبا أو أديما أو عسيبا أو قماشا، وكان أندرها وأغلاها ثمنا – لا يتهيأ نقله في سهولة، فقصروا تدوينهم على ما اقتضته الضرورات الاجتماعية والاقتصادية، من الصكوك والعهود والأحلاف والمواثيق، والرسائل المقتضبة، والكتب الدينية، والقليل من الشعر، أما كثرته الغالبة فكان مجال حفظها الذاكرة والرواية.
وقد اضطلع الشعراء أنفسهم بدور هام في الرواية، فكانت لهم المدرسة التي يتعلمون فيها صوغ الشعر ونظمه، والتمرس بأساليب الكلام وفنون القول، ومن أراد أن يصبح شاعرا لزم واحدا من فحولهم، يحفظ عنه، ويروي له، ويترسم خطاه، ولدينا معلومات لا بأس بها عن اتصال هذه الروايات. كان زهير بن أبي سلمى راوية أوس بن حجر، وكان كعب ابن زهير والحطيئة راويتي زهير، وكان هدية بن خشرم العذري راوية الحطيئة، وجميل بثينة راوية هدبة، وكثير عزة راوية جميل، وتكاد الخصائص الفنية لشعر كل منهم تتقارب مع خصائص سابقه ولاحقه. ومن تأمل هذا الإسناد ندرك أن الراوية قد يكون ابن الشاعر، أو أحد أقربائه، وقد يكون غريبا عن القبيلة كلها، فالحطيئة عبسى من مضر، وهدبة عذرى من حمير. ويصبح دور الراوي أكثر أهمية بعد وفاة الشاعر، لأنه يتعدى مهمة نشر قصائده إلى جمعها، وإظهار الظروف والمناسبات التي أوحت بها، وتفسير الإشارات التاريخية التي تتضمنها، ويصبح بحكم الواقع أمينا على تراث هو ثمرة حياة صانعه، ومناط اهتمام القبيلة التي ينسب فيها.
وكان شعراء كل قبيلة وأفرادها يروون شعر أسلافهم، وظهور شاعر كبير في القبيلة مدعاة للفخر، والاحتفاظ بآثاره شيء تفرضه العصبية، وضياعها أمر يمس شرف القبيلة، وأصدقاء الشاعر يستظهرون بعضا من قصائده. وثمة فارق بين حفظ القبيلة وحفظ الراوية، القبيلة تحفظ من قصيد شاعرها ما يعلي شأنها، ويسجل أمجادها، فإذا تعرض لحرب هزمت فيها تناست ذلك الشعر، أو ما يمسها منه على الأقل، وروايتها له لا تجري على نسق واحد، وإنما ترتبط بأعمار أفراد القبيلة وأمزجتهم. يحفظ منه الشباب ما كان غزلا يمس العواطف، ويردد الرجال ما كان حماسة تلهب المشاعر، ويتمثل الشيوخ بما كان حكمة ترضي العقل، أما الرواية المحترف فيحفظ ذلك كله، الغزل. والحماسة والحكمة، الرثاء والهجاء والفخر، ما بلغ فيه الشاعر القمة أو قصر عن الإجادة.
ويصمت الحديث عن تدوين الشعر وتخف حدة روايته بعد البعثة المحمدية، فقد كان من العسير، والإسلام في نشأته يقيم نظاما، ويؤسس دولة، ويضع نماذج جديدة للسلوك العربي، أن تجد فكرة تدوين، أو حتى رواية، شعر مليء بالمفاخر القبلية، وبما كان الإسلام ضده، ترحيبا أو قبولا من أحد، إلى جانب ما شغل به الناس من غزو وتشريع، وما ملأ وجدانهم من أفكار ومثل. أورد ابن سلام في طبقاته قول عمر بن الخطاب : "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم اصح منه(1)" ثم عقب عليه بقوله "فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو الفرس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل؛ فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير(2). وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بني مروان، أو صار منه".
ويأتي ابن خلدون فيعطي الأمر مزيدا من الإيضاح والتفصيل والتحديد : "انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمور الدين والنبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرءان ونظمه، فأخرسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا، ثم استقر ذلك، وأنس الرشد من الملة، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره، وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه".
إلا أنه لم يكد النظام الإسلامي يستقر وتتوطد دعائمه، بقدر لا يخشى معه رواية قصيدة أو تبجح قبيلة، حتى عاد الناس يروون الشعر ويكثرون من روايته، ويتحدثون عن تدوينه كخاطر يرد في الأذهان ويمكن أن يتحقق، ولدينا إشارة عن تدوين تم تعود إلى النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، فقد كتب أعشى همدان، عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، قصيدة عام 65 هـ - 671 م عن أحداث تلك السنة، وكان الأعشى جنديا في الجيش الذي وجهه الحجاج بن يوسف الثقفي لفتح بلاد ما وراء النهر، بقيادة قتيبة ابن مسلم الباهلي، ومن توافق الصدف أن أقدم "مصور جغرافي" في العربية يعود إلى هذا الجيش، فعند ما استبطأ الحجاج حصار قائده لبخاري، أرسل إليه بطلب منه "مصورا جغرافيا" للمنطقة، وعندما تلقى هذا "المصور" درس الوضع الحربي في ضوئه، وأرسل إلى القائد بتعليماته. وفيما بين عامي 80 و84 هـ وجد في كرمان(3) ديوان شعر لأبي جلدة اليشكري. وفي نفس هذه الفترة اتخذ عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله الجمحي بيتا جعل فيه شطر نحات ونردات وقرقات(4) ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادا فمن جاء علق ثيابه على وتد منها، ثم جر دفترا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم. وكان في "كتاب" معاصره الضحك ابن مزاحم ثلاثة آلاف صبي يتعلمون القراءة والكتابة، وكان يطوف بهم على حماره.
فإذا وصلنا إلى نهاية القرن الأول الهجري، بداية الثامن الميلادي، أصبح بين أيدينا من الدلائل ما يجعل تدوين الشعر أمرا مقررا. فالخطاط خالد بن أبي الهياج كان يكتب للخليفة الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ - 715 م) "المصاحف والشعر والأخبار". وسلامة ألقس كانت تملك بعد وفاة عمر بن أبي ربيعة (ت 101 هـ - 719 م) مجموعة من أشعاره التي يغنى بها. والخليفة الوليد بن يزيد (ت 127 هـ - 744 م) أمر بجمع "ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها". لكن هذا التدوين كان، فيما يبدو، عملا عفويا وفرديا، يخضع لأذواق الأشخاص ومتطلبات السياسة. ويخيل إلى أن طريقة الكتابة في البدء، كانت وراء قلة التدوين، وانتشار الرواية، لأنها – رغم الإصلاحات التي أدخلت على النقط والإعجام زمن الوليد بن عبد الملك – لم تكن كافية لرسم النصوص الصعبة المحشوة بالكلمات النادرة، وأسماء الأمكنة الغريبة، فبقى الاعتماد على الذاكرة أمرا ضروريا لقراءة القصيدة المكتوبة قراءة دقيقة وصحيحة، إلى أن ثبتت فيما بعد قواعد الرسم والإعجام، على نحو ما سندرسه بعد قليل.
ولا نكاد نتجاوز القرن الأول الهجري، ونمضي في الثاني شيئا، حتى نلتقي بطبقة جديدة من الرواة العلماء، من العرب أو الموالي، يعيشون في الحضر، وعلى دراية واسعة بحياة البدو، يجيدون لغة الإعراب، ويعرفون أساطيرهم وأخبارهم وأنسابهم, ويتمتعون بذواكر قوية، وعلى اتصال دائم بسكان البادية، يرحلون إليهم في منازلهم، أو يلقونهم في الحواضر، يمتهنون جمع الشعر وحفظه وروايته، ودرسه وتفسيره وإذاعته، ويجمعون إلى مشافهة الإعراب ما قرأوه مدونا، أو تلقوه عن شيوخهم علما. والجيل الأول منهم، كابن السائب الكلبي(5) وعوانة بن الحكم(6)، وحماد الراوية، لم يدون من روايته شيئا، فقد تكفل هشام بن السائب برواية مأثور أبيه، وكان عوانة كفيفا يملي ولا يكتب، ويقول ابن النديم في كتابه "الفهرست" : "لم يرد لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس وصنفت الكتب بعده". بينما آثار الجيل الذي تلقى عنهم الرواية، أو عاصرهم في تلقيها وكان أحدث منهم عهدا، أن يدون ما سمع، أو يترك لتلاميذه مهمة التدوين. ولم يكن علماء الطبقة الأولى يسندون رواياتهم، وكان من بعدهم يرتفع بها إليهم، وينتهي عندهم.
كان هؤلاء الرواة يتفاوتون فيما بينهم صدقا وأمانة ودقة، تبعا لتكوينهم الطبقي والعنصري والثقافي، وصمودهم أمام ضوابط البيئة حولهم، سياسية واجتماعية وعلمية، أو استجابتهم لها. حتى إذا استكملت الحياة الثقافية مقوماتها في البصرة والكوفة، تميزت كل منها بطابع أثر عنها وعرفت به، وربما كان أهم الفروق الأساسية بين المدرستين أن مدرسة البصرة استهدفت وضع قواعد عامة للغة تلتزمها وتسير عليها في دقة وحزم، فأهدرت الشواذ، وخطأت بعض العرب، وإذا أصدمت قواعدهم بما هو ثابت من صحيح الرواية قالوا : "يحفظ ولا يقاس عليه". بينما احترمت مدرسة الكوفة كل ما جاء عن العرب، تجيز للناس استعماله، ولو كان لا يلتزم القواعد العامة وهم بهذا أقرب إلى فهم طبيعة اللغة ومنطقها – أن كان للغات منطق ? - وكانت الخصائص العامة لكل مدرسة لا تظهر في اللغة وحدها، وإنما نتجاوزها إلى ما وراء ذلك من الآثار والأخبار. وأدى التنافس بين المدرستين إلى تعصب كل فريق لمدرسته، واتهام وتضعيف المدرسة الأخرى، وتبادل العلماء تهم الجهل والوضع والتحريف، أمر يجعل مهمة الباحث أكثر مشقة وهو يوازن بين الآراء والروايات، بنخلها ويصفيها من الدوافع الشخصية والحزازات.
كان رأس هذه الطبقة أبو عمرو بن العلاء، عربي من تميم، مؤسس مدرسة البصرة في النحو وشيخها، واحد القراء السبعة، ومن أعلم الناس بالقرءان ولغاته وتفسيره وغريبه، وكان إماما في الشعر والنحو واللغة وأيام العرب، ثقة مأمونا حتى عند الكوفيين، ولد بمكة سنة 69 هـ - 689 م، ونشأ في البصرة، وتوفي في الكوفة قافلا من رحلة إلى دمشق عام 155 هـ - 770 م، وكان أبوه مشهورا معروفا وقائما على "طراز" الحجاج(6)، وجده عمار من أصحاب علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وقد مدح الفرزدق الشاعر أبا عمرو ابن العلاء وأثني عليه في أبياته :
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها
     حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
حتى أتيت فتى محضا ضريبته
     مر المريرة حرا وابن أحرار
ينميه من مازن في فرع نبعتها
     أصل كريم وفرع غير خوار(7)
دون أبو عمرو قدرا كبيرا من الشعر العربي، وبخاصة الجاهلي منه، إلى جانب الأخبار المتعلقة به، وطبقا لرواية أبي عبيدة، فإن ما كتبه ملأ بيتا له إلى قريب من السقف، ثم تقرأ – أي تنسك – فأحرقها" ولم يعد يهتم إحراقها إلا بالقرءان ودراساته. ولا يعني ذلك، فيما أرى، أنه أعرض عن الشعر تماما، فدراسة القرءان، في تلك الفترة من الزمن، كانت تقوم في جانب منها على تفسير غريب القرءان ومجازه بالشعر، لكن القصة تدل، دون شك، على أن بعض المتنسكين كان يستشعر الحرج في دراسة وتدوين آثار أدبية، تمجد من الأخلاق، أو تبيح من المحظورات، ما لا يرضى عنه الإسلام. إلا أن ضياع كتبه لم يحرمنا كلية من علمه الواسع، فقد كان له طلاب كثيرون تثقفوا من علمه، ونهلوا من فيضه، وحفظوا كثيرا مما روى وما جمع، ونقلوه إلينا شفاها، أو مدونا بيد طلابهم فيما بعد.
ثم خلفه في مدرسة البصرة أنجب تلاميذه، خلف بن حيان, ويكنى أبا محرز البصري، ويعرف بخلف الأحمر، (ولد 115 هـ - 733 م وتوفي 180 م – 796 م)، من أبناء الصغد من فرغانة، سباهم قتيبة ابن مسلم الباهلي أثناء افتتاح بلاد ما وراء النهر، وجيء بهم إلى البصرة، وكان خلف مولي أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري، فأعتقه وأعتق أبويه. وأمضى طفولته، وكانت شقية، في أوساط البصرة العلمية، أخذ اللغة عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ النحو عن عيسى بن عمر النحوي (ت 149 هـ - 766 م)، وجمع علما كثيرا، فكان عالما بالغريب والنحو والأنساب والإخبار، شاعرا كثير الشعر جيده، ولم يكن بين نظرائه من هم أكثر شعرا منه، وله خطرات نقدية صائبة. "سئل : من أشعر الناس ؟ فقال : ما ينتهي هذا إلى واحد يجتمع عليه، كما لا يجتمع على أشجع الناس وأخطب الناس وأجمل الناس. فقيل له : أيهم أعجب إليك يا أبا محرز ؟ قال : الأعشى". فهو لا يرتضي ما كان شائعا في عصره من نقد يقوم على الخاطرة والذوق والهوى، دون احتياط أو استقراء أو تفصيل في التعليل، وعنه تصدر أحكام التفصيل المطلق للبيت أو القصيدة أو الشعر، ولكنه لا يتردد في أن يصرح بمن يلتقي مع هواه من الشعراء. حق يراه لغيره، كما ارتضاه لنفسه، وبتقريره يستحيل أن يلتقي الناس على رأي إذا ما سئلوا : من هو أعظم الشعراء؟.
كان خلف أول من أحدث السماع في البصرة، وقرأ عليه أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، لأنه أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغا لم يقاربه حماد، وأجمع الناس في الكوفة والبصرة على الإقرار بمعرفته الدقيقة والواسعة بالشعر الجاهلي، وقدرته المصيبة على تمييز الصحيح من المنحول، يقول ابن سلام : "اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقهم لسانا، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا، أو أنشدنا شعرا، إلا نسمعه من صاحبه". ويذكر ابن النديم في "الفهرست" أن له "كتاب العرب وما قيل فيها من الشعر"، وقد ضاع الكتاب نفسه، ولكن الجاحظ احتفظ بفقرات منه في كتابه "الحيوان". وكان خلف شاعرا ويروي ياقوت في كتابه "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" : "أن له ديوان شعر حمله عنه أبو نواس"، ويكثر قول الشعر في وصف الحيات، وأراجيزه في ذلك كثيرة، وما وصلنا من شعره يعكس مقدرة فائقة على النظم، ولا يدل على موهبة شعرية حقيقية، والأبيات التي رواها له ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" لو من الفكاهة المستملحة في ذم جماعة من الحجاج البخلاء :
سقى حجاجنا نوء الثريا
     على ما كان من بخل ومطل
هم جمعوا النعال وأحرزوها
     وشدوا دونها بابا بقفل
فإن أهديت فاكهة وجديا
     وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين قدرهما ذراع
     وعشر من ردي المقل خشل(8)
أناس تائهون لهم رواء
     تغيم سماؤهم من غير وبل(9)
إذا انتسبوا ففرع من قريش
     ولكن الفعال فعال عكل(10)
وقد مر خلف بالأزمة النفسية التي مر بها أستاذه، أبو عمرو بن العلاء، من قبل، فنسك وتقرأ في أواخر حياته، وكان يختم القرءان في كل يوم وليلة، "وبذل له بعض الملوك مالا عظيما خطيرا على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه فأبى ذلك، وقال : قد مضى لي في هذا مالا احتاج إلى أن أزيد فيه".
اتهم خلف، كما اتهم غيره، بالوضع والنحل، فقيل أنه كان يعمل على ألسنة الناس فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، وأنه وضع على شعراء عبد القيس شعرا موضوعا كثيرا، وعلى غيرهم، عبثا بهم، وأنه نحل أبا داود الأيادي أربعين قصيدة، وكان يأخذ من حماد الرواية الصحيح من أشعار العرب ويعطيه المنحول، "فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق"، وأنه نظم لامية العرب المشهورة، التي أولها :
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
  فإني إلى قوم سواكم لأميل
ثم نسبها إلى الشنفري كما صنع القصيدة
التي مطلعها :
إن بالشعب إلى جنب سلع
  لقتيلا دمه ما يطل
ونحلها ابن أخت تأبط شرا. "فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له : أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة. فبقى ذلك في دواوينهم إلى اليوم".
هذه الفقرة الأخيرة تكشف في جلاء قيمة الروايات التي ترمي خلفا بالوضع، وتنزع القناع عن الأسباب التي وراءها، فليس خلف هدفا في ذاته إنما الهدف المدرسة الكوفية وعلماؤها، فما داموا قد تلقوا عنه، وسمعوا منه، فلا بد أن يكون وضاعا، ويصبح ما بين يدي الكوفيين من روايات موضع شك ومطعونا في صحته. والرواية تفضح نفسها بنفسها، فمن العجيب أن يمضي عالم إلى قوم أخذوا عنه، فيدلهم، حقا أو افتراضا، على ما زل منه عفوا أو قصدا، فيرفضوا تصحيحه، ويعرضوا عن اعترافه، ويبقوا على زيفهم، "ويصير ذلك في دواوينهم إلى اليـــــــــوم"! (11).
أكثر تلاميذ أبي عمرو بن العلاء ثقة وشهرة هو الأصمعي، عبد الملك بن قريب، من أصل عربي ينتسب في باهلة، الضاربة في الجنوب الشرقي من البصرة، ولد عام 122 هـ - 739 م، وتوفي عن تسعين عاما في 215 هـ - 831 م، نقل عن فصحاء الأعراب الذين كانوا يفدون إلى البصرة، وأكثر الخروج إلى البادية، وشافه الإعراب ونقل عنهم، وربما استغرقت رحلته إليها سنوات، وأمضى جانبا من حياته في الحجاز وبغداد، فأكسبه ذلك علما واسعا بالجاهلية، لغاتها وأخبارها وأشعارها، فاكتسب مكانة ممتازة في الأوساط الأدبية كأستاذ وعالم، وكان موضع إجلال الخليفة هارون الرشيد، وكافأه مرة بعشرة آلاف درهم لأنه أجاد في وصف فرس له، مستدلا على كل صفة ببيت من شعر جرير بن عطية الخطفي الشاعر المشهور(12). وتميز عن سابقيه بتقواه العظيمة، شديد الاحتراز في تفسير القرءان والحديث، فإذا سئل عن شيء منهما يقول : العرب تقول معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة، وخلال فتنة خلق القرءان، اعتزل الناس وقبع في بيته، وحرص المأمون على أن يصير إليه، فاحتج بضعفه وكبر سنه، فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل ويسيرها إليه ليجيب عنها. ورثى بعد ذلك راكبا حمارا دميما، فقيل له : "أبعد براذين الخلفاء تركب حمارا دميما، فقيل له : "أبعد براذين الخلفاء تركب هذا ؟ فقال : هذا وأملك ديني أحب إلي من ذاك مع فقده".
كتب الأصمعي كثيرا، في مجالات مختلفة، وتبلغ مؤلفاته اثنين وأربعين مصنفا، بينها كتاب خلق الإنسان، وكتاب الأجناس، وكتاب الخيل، وكتاب النوادر، وكتاب معاني الشعر، وكتاب الأراجيز، وأغلبها غير مطبوع، ورويت عنه دواوين كثيرة، منها ديوان امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة، وعلقمة الفحل، وله مجموعة مختارة من الشعر القديم تحمل اسمه "الاصمعيات"، وقد طبعت أخيرا، وصدرت عن دار المعارف بالقاهرة.
في الجانب الآخر كان حماد رأس مدرسة الكوفة، واسمه حماد بن سابور، وشهرته حماد الراية، وإليه وحده تتجه كلمة "الراوية" إذا أرسلت. من أصل فارسي، وقع أبوه سابور أسيرا في الحرب، وينتمي إلى أسرة محاربة من الديلم. وقد ولد حماد في الكوفة في عام 95 هـ - 713 م، وتوفي فيها مغمورا عام 156 هـ - 774 م، وعبر التاريخين أمضى حياة عاصفة مضطربة، فكان في بدء حياته لصا يتشطر، فنقب بيتا على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فلما قرأه استحلاه وحفظه، ثم ترك التشطر، وأقبل على الأدب والشعر والأخبار ولغات العرب. وكان مع حماد عجرد الشاعر، وحماد بن الزبرقان النحوي يكونون في الكوفة ثالوثا مزعجا، يعيش حياة لاهية، منطلقة غير مسئولة، يتنادمون ويتعاشرون وكأنهم نفس واحدة، ويرمون جميعا بالزندقة، وتثير حياتهم نقمة الطبقة المحافظة، وكثيرا ما كان يلقى بهم في السجن فلا يبرحونه إلا بعد شفاعة من كبير يمدحونه، وكانوا مع يحيى بن زياد الحارثي، ومطيع بن أياس يتهاجون ويتغزلون، ويقولون شعرا لا يخلو من رقة وبساطة.
كان حماد يتمتع بذاكرة قوية حافظة، تعجبه الأسطورة، ويهوى النادرة، يستطيع أن يسترجع مئات القصائد المطولة من الشعر الجاهلي، وأن يميز بينها وينسبها إلى قائلها، و"المعلقات" التي بين أيدينا من روايته، وكان إلى جانب ذلك شاعرا ممتازا، وروى له الأصمعي شيئا من شعره، وأحيانا عامدا أو ناسيا يخلط شعره بشعر غيره، ومن المؤكد أن طبيعة العبث فيه كانت تتجاوز حياته الخاصة إلى نشاطه العلمي، فأصبحت نزاهته موضع شك كبير وجدال عنيف.
كان المفضل الضبي (ت 170 هـ - 786 م)، وهو كوفي مثله، يقول عنه في مرارة : لقد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا، فقيل له : وكيف ذلك ؟ يخطئ في روايته أم يلحن ؟
قال : ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ... ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك ؟".
ويقول ابن سلام "في طبقات فحول الشعراء" : "كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها : حماد الراوية، وكان غير موثوق به، كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار". ويضيف ابن سلام. "وسمعت يونس (ابن حبيب) يقول : العجيب لمن يأخذ عن حماد، كان يكذب ويلحن ويكسر".
ولكن الحملة على حماد، رغم كل شيء، يجب أن تأخذ في حذر شديد، ونحن "نميل إلى أن نعد أكثر ما اتهم به حماد موضوعا، دعت إلى وضعه عوامل عدة منها : هذه العصبية التي كانت متأججة بين البصرة والكوفة؛ ومنها تلك المنافسات والخصومات الشخصية كالتي كانت بين المفضل وحماد؛ ومنها العصبية السياسية، فقد كان حماد أموي الهوى والنزعة، وكانت دولة بني أمية قد ولت وأقبلت دولة جديدة تناصبها العداء، وتريد أن تمحو محاسنها وآثارها، وتحط من قيمة من اشتهر فيها أو نال لديها حظوة؛ ومنها : أن حمادا كان – باعتراف الرواة – كثير الرواية واسع الحفظ، فكان يروي ما لا يعرفه غيره، ويحفظ ما لا يحفظون، فاتهموه بالتزيد والوضع. وقد ساعد على كيل هذا الاتهام له وتضعيفه وتجريحه أنه كان مانحا مستهترا بالشراب مفضوح الحال"(13).
الرجل الثاني في مدرسة الكوفة، ويلي حمادا الراوية في العلم، ويسبقه في الثقة، هو المفضل الضبي أبو عبد الرحمن المفضل بن محمد بن يعلى، من أصل عربي، ولد في فارس حيث كان أبوه من موظفي الديوان، وشارك في ثورة العلوي إبراهيم بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية ضد الخليفة المنصور، وأجاره في بيته زمنا، وقد سجن ثم أخلى سبيله فيما بعد، وأصبح أستاذا للمهدي ابن الخليفة. كان عالما بأخبار الجاهلية وأنسابها، رواية للشعر وأيام العرب، قال عنه ابن سلام : "أعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة المفضل بن محمد الضبي الكوفي"، وتتلمذ عليه جلة من كبار رواة عصره وعلمائه، فكان من تلاميذه : أبو عمر إسحاق بن مرار الشيباني، وابن العربي، والفراء، وخلف الأحمر، وأبو زيد الأنصاري البصري وغيرهم. وترك لنا كتابين : الأول "المفضليات" مجموعة رائعة من الشعر الجاهلي، والثاني "كتاب الأمثال"، والراجح أنهما من روايته، وأن الذي تولى عملية الجمع والتدوين هم تلاميذه من بعده. وقد توفي المفضل في الكوفة في بدء خلافة هارون الرشيد، حوالي عام 170 هـ - 786 م.
كان هؤلاء هم الطبقة الأولى من العلماء الرواة، وقفوا جهدهم على رواية التراث العربي، حين لم تكن الكتابة أداة حفظه الأولى، يجمعون ما تبعثر من خبره، وينخلون ما اختلط من أمره، وإليهم تسند روايته، وهم يذيعونه بين تلاميذهم في حلق الدرس، ويجادلون حوله في مجالس السمر، فصنعوا الطبقة الثانية، تسمع منهم، وتعي عنهم، وتحفظ مأثورهم وتقيده أحيانا، فإذا اقتربنا من نهاية القرن الثاني الهجري، وتجاوزناه إلى الثالث، القرن التاسع الميلادي، ظهرت لدينا طبقة ثالثة، على رأسها ابن الكلبي (أبو المنذر هشام ابن محمد ت 206 هـ - 822 م)، والهيثم بن عدى (أبو عبد الرحمن ت 207 هـ - 822 م)، وأبو عمر الشيباني (إسحاق بن مرار ت 213 هـ - 828 م)، وابن الأعربي (أبو عبد اله محمد بن زياد ت 225 هـ - 839 م)، وابن حبيب (أبو جعفر محمد ت 245 هـ - 859 م)، وابن السكيت (أبو يوسف يعقوب ت 245 هـ - 859 م)، والطوسي (أبو الحسن علي ابن عبد الله ت 250 هـ - 864 م)، والسكري (أبو سعيد الحسن ابن الحسين ت 275 هـ - 888 م)، وابن الأنباري (أبو بكر محمد بن القاسم ت 271 هـ - 885 م)، وثعلب (أبو العباس أحمد بن يحيى ت 291 هـ - 904 م) وهي طبقة جعلت همها الأول ترتيب وإكمال وتدوين ما انتهى إليهم من علماء الطبقتين الأولى والثانية، ومعهم بدأ التخصص في الدرس يعرف طريقه، وبهم بدأ التدوين يصبح محور الثقافة وأداتها.

(1)  خلط الدكتور محمد مندور في كتابه "النقد المنهجي عند العرب" (ص 9, القاهرة 1948)، بين هذه الفقرة وتعقيب ابن سلام عليها، وجعلهما قولا واحدا لواحد، ونسبها خطأ إلى أبي عمرو بن العلاء.
(2)  اقتصر الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه القيم "مصادر الشعر الجاهلي" على هذا القدر من رواية ابن سلام، لسبب لا أعرفه، ومضى يعقب عليه في قسوة : "كلام ابن سلام هذا ثلاثة أسطر : آخرها حق، وموسطها باطل، وأولها يحتاج إلى فضل بيان يوضحه، أما الحق الذي لا مرية فيه فقوله : "فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير".
وأما الباطل الذي لم نعد نشك في بطلانه وفساده فهو هذا التعميم الواسع في قوله "فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب". وفي حماسة أخذ يورد أمثلة من كتاب ابن سلام تنقض قوله هذا.
ولو مضى الأستاذ الدكتور بالرواية إلى نهايتها كما انتهينا بها، لما كان في حاجة إلى اتهام أو دفاع لأن الرجل كما نرى، في بقية الرواية، يعرف من الشعر العربي ما كان مدونا، ومنذ العصر الجاهلي، لكنه يتحدث عما هو غالب وشائع وعادة.
وفي بادئ الأمر تصورت أن الدكتور ناصر الدين رجع إلى نسخة من طبعات ابن سلام غير التي أرجع إليها، وأن الفقرة الأخيرة ساقطة منها، ثم تسنت أنه يستخدم نفس النسخة، وهي بشرح العالم الجليل الأستاذ محمود شاكر، طبعة دار المعارف بالقاهرة، والنص فيها كامل، فلم يبق إلا أنه اجتزأ النص لسبب غير واضح، أو سها عن بقية، وهو ما أميل إليه.
الدكتور ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، ص 194 و195، دار المعارف، القاهرة 1956.
ابن سلام الجمجي، طبقت فحول الشعراء، ص 22 و23، شرح الأستاذ محمود محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة 1952.
(3)  كرمان : مقاطعة في إيران.
(4)  النرد : ما يعرف اليوم بالطاولة. قرقات ك جمع قرقة؛ وهي لعبة للصبيان.
(5)  محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر، من أصل عربي، قضى حياته بين البصرة والكوفة في دراسة التفسير والأنساب والتاريخ، توفي سنة 146 هـ - 763 م.
(6)  أبو الحكم، من بني كلب، كان عالما بالشعر والأنساب والأخبار، توفي عام 147 هـ - 764 م. ذكر ابن النديم في الفهرست أنه ألف "سيرة معاوية وبني أمية"، وقد ضاعا، وأغلب العلماء على أنهما كتابان منفصلان، وأراهما كتابا واحدا.
(6)  قيما على نسيج ثياب الحجاج.
(7)  اختلف القدامى في معنى "أفتح أبوابا وأغلقها" بعض شراح شواهد سيبويه، والبيت الأول منها، قالوا : أراد "أني كشفت عن أحوال الناس وفتشتهم فلم أر فيهم مثل أبي عمرو".
وقال ابن السيد البطليوسي، في شرح أدب الكاتب : "الفتح والإغلاق هنا مثلان لما استغلق عليه – على الفرزدق – من الأمور وما انفتح".
وروى أبو بكر محمد التاريخي في كتابه "طبقات النحاة" بسند إلى الأصمعي أنه قال : حدثني أبو عمرو بن العلاء قال : دخلت على الفرزدق فغلقت أبوابا ثم أبوابا، ثم فتحت أبوابا ثم أبوابا، فأنشأ الفرزدق : "ما زلت أفتح ... البيت". وأورد رواية أخرى، بسند آخر، إلى الأصمعي نفسه : دخل الفرزدق على أبي عمرو بن العلاء، وصعد إلى غرف فقال "ما زلت ...".
وقال أبو عبيدة البكري في شرح أمالي القالي : "أن أبا عمرو بن العلاء كان هاربا من الحجاج مستترا، فجاء الفرزدق يزوره في تلك الحالة، فكان كلما يفتح له باب يغلق بعد دخوله، إلى أن وصل إليه فأنشد الأبيات".
والحق مع شراح الشواهد وابن السيد، فما أظن الفرزدق ذهب ليعد أبواب بيت أبي عمرو وغرفه، وهي على التأكيد لم تبلغ حدا من الكثرة يثير عجب الفرزدق وخياله. وروايته أبي عبيدة البكري ينقضها معنى البيتين الثاني والثالث، وأن الحجاج حين كان في قمة تجبره كان أبو عمرو طفلا صغيرا، أو صبيا ناشئا على أكثر تقدير.
(8)  المقل : حمل الدوم، والدوم : شجرة معروفة النخيل.
الخشل : الرديء من كل شيء، وقيل، هو رطب المقل وصغاره الذي لا يؤكل.
(9)  الرواء : المنظر الحسن. الوبل : المطر الشديد.
(10)  عكل : "قبيلة فيهم غباوة وقلة فهم، ولذلك يقال لكل من فيه غفلة ويستحق عكلى".
(11)  ناقش الدكتور ناصر الدين الأسد الروايات التي تتهم خلفا بالوضع مناقشة علمية مفصلة في كتابه "مصادر الشعر الجاهلي وحقيقتها التاريخية" ص 451 وما بعدها، وانتهى إلى شجب هذه الأخبار رغم أن رواتها بصريون، ليسوا مظنة تعصب، ولكنهم – فيما يرى – اتخذوا خلفا "معبرا يجتازونه ليصلوا منه إلى اتهام علماء الكوفة ورواتها".
(12)  تفصيلات الوصف في : ابن عبد ربه، العقد الفريد، الجزء الأول، ص 166 وما بعدها، الطبعة الثانية، بتحقيق أحمد أمين وآخرين، القاهرة 1367 هـ - 1948 م.
(13)  الدكتور ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 450.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here