islamaumaroc

وثائق أندلسية حول العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة والمغرب -4-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

تقديــــم :
يطيب لي أن أقدم اليوم للمعنيين بشؤون الأحداث المغربية في ذلك العصر – الوثائق الثلاث التالية، من مخطوطة "كناسة الدكان، بعد انتقال السكان" لمؤلفه المؤرخ الوزير ابن الخطيب، التي نتابع نشر وثائقها لأول مرة على صفحات مجلتنا الغراء "دعوة الحق".
فأما الوثيقة الأولى فهي عبارة عن رسالة بعث بها السلطان أبو الحجاج يوسف الأول ابن الأحمر ملك غرناطة، إلى معاصره بالمغرب السلطان أبي عنان فارس المريني، وتتضمن الرسالة اغتباط الأندلسيين وتهنئتهم بالفتوح التي حققها ملك المغرب في شمال إفريقيا، وبخاصة عندما أخضع الولايات التي ثارت ضده في تلك المناطق، واستعادتها إلى حظيرة المملكة، كما كانت على عهد أبيه السلطان أبي الحسن. ولقد وردت هذه الوثيقة غير مؤرخة، بيد أنه يحتمل تاريخها عام 752 هـ (1352 م) تمشيا مع الأحداث التي تشير إليها الرسالة.
وأما الوثيقة الثانية فهي رسالة من سلطان الأندلس المذكور إلى معاصره بالمغرب نفسه، وذلك في غرض التنويه باستيلاء أبي عنان فارس على مدينة بجاية، ثم خضوعها له بالتالي، متضمنة التهنئة بهذا الانتصار العظيم، والإعلام بما كان له من دوي في أرجاء المملكة الأندلسية، بل وفي أنحاء المعمور شرقه وغربه، على حد تعبير منشئ الرسالة (ابن الخطيب).
وقد وردت هذه الوثيقة مؤرخة في 12 ربيع الأول 754 هـ (17 مارس 1353 م). وأما الوثيقة الثانية فهي رسالة من سلطان الأندلس نفسه، إلى معاصره بالمغرب أبي عنان فارس، في غرض التهنئة بانتصاره على الأمير أبي ثابت الزياني صاحب بجاية، وانتزاعه هذه المدينة منه، وقد وردت الرسالة غير مؤرخة، ولكن تاريخها يوافق عام تحرير سابقتها، لاتفاق الغرض في الأحداث الجارية المتوالية يومئذ. هذا ولا بد أن نشير هنا إلى أن هذه الوثائق الثلاث تعتبر خاتمة القسم الثاني(1) من المخطوطة (الكناسة) وهو القسم الذي يشكل تركيزا على الأحداث المغربية، ويبرز الطابع المغربي من فحوى رسائله، وعليه فسنبدأ بنشر القسم الثالث في العدد القادم إن شاء الله، وهو ما يغلب على فحواه طابع الأحداث الأندلسية.
وفيما يلي نقدم الوثائق الثلاث التي أشرنا إليها:

الوثيــقة الأولــى :
ثم ورد كتاب آخر(2)) يشرح الكائنة(3)) قطع الرسول به البحر(4)) من جهة البلاد الشرقية، فكتب في جوابه ما نصه :
"المقام الذي أكواس أنباء فتوحه على غبوق الزمان وصحوبه تدور دراكا، وكفلاء (22: ا) سعوده توسع آماله القصبة لحاقا بغايتها وإدراكا، وأيدي القدر في حالي الورد والصدر تعلق أعداءه إشراكا، وحدود صوارمه تأبى فصولها المميزة أن تدع في أمره اشتراكا، وعناية الله تصحب ركابه، وتحف جنابه كلما رام سكونا أو أعمل حراكا. مقام محل أخينا الذي أخبار نصره لا تمل على الإعادة. وآثار فخره مسطرة في أوراق السعادة، وآية صنع الله له خارقة حجاب العادة. ونيته الصالحة الخالصة لله ضامنة له بلوغ الإرادة. أبقاه الله يمهد قواعد الملك الاصيل فلا يعارضها فرق، ويستخلص ديونه فلا يتعذر عليه منها حق، ويشيم(5) بوارق النصر العزيز فلا يخلف منها برق. ويقتحم الأهوال وصدره رحب ووجهه طلق، فكلما عرضت غاية بر كان له سبق. معظم مقامه ملكه بكل إجلال وإكبار. المثنى على مكارمه التي جيادها للغايات ذات ابتدار، وديمها في انهمار فلان ( أبو الحجاج يوسف ابن اسماعيل ابن الأحمر).
سلام كريم، طيب بر عميم، كما حبا نسيم الصباح بطيب هبته، ورفعت راية النهار على هضبته، يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي طوقتنا مواهبه العميقة تطويقا، وأوضحت لنا هدايته من الشكر طريقا، الذي جعل عزمكم للنجح رفيقا. ولم يعدم آراءكم السديدة توفيقا، (22: ب) وشفى بسيوفكم عليل ذلك القطر فأصبح بعد الإشفاء مفيقا، ورد إلى عصمه ملككم .....تلك الأقطار وقد سامتها الفتنة مفارقة وتطبيقا، فاجتلت بكم وجه السعادة طليقا، وآوت إلى الظل الذي جعله الله باجتماع كلمة الخلق(6) خليقا. والصلاة (والسلام) على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي أطلع نور الرسالة والهداية فأرشد ضالا وأنقذ غريقا، وسلم كلمة الكفر طمسا وسبب الفرقة تمزيقا، الذي تعتلق من جاهه عند انبتات الأسباب سببا وثيقا، ونقصد منه يوم الفزع الأكبر ملجأ بالفوز حقيقا، ونؤم منه في الدنيا والآخرة شفيعا شفيقا. والرضا عن آله وأصحابه الذين اختارهم له حزبا وفريقا، فصدقوا ما جاء به عن الله تصديقا، ونصروا دعوته حتى بلغت مراد الله منها تغريبا في الأرض وتشريقا. والدعاء الأسمى بالنصر الذي يستعذب منه منسم النصل(7)) ريقا، والصنع الذي يبدي روض العناية الإلاهية أنيقا، فأنا كتبناه إليكم – كتب الله لكم نصرا يطبق مفاضل الآمال تطبيقا، وسعدا يفوق سهامه(8) إلى أغراضها تفويقا، وعزا يوسع فصول التمهيد والتخليد تثبيتا في الأرض وتحقيقا – من حمراء غرناطة – حرسها الله – وليس بفضل الله سبحانه إلا الارتياح إلى البشاير المثناة، والأنس بلقاء المآمل المتمناة، والكلف بوجوه الفتوح (23 : 1) المجتلاة، والترحيب بالأنباء التي تغلي في أعنة الرياح المرسلات. ونحن – على ما تعلمون من الود الذي استقرت أركانه وشهر مكانه، ونمحص إلى جهة الوجوب إمكانه – نعتد بملككم الذي ترفع شأنه، ونؤمل من ظهوركم على أعداء الله يوما يرتقب زمانه، ونثني عليكم ثناء الروض باكره من القطر هتانه.
وإلى هذا – وصل الله سعدكم، وبلغكم فضله قصدكم،- فإننا ورد علينا كتابكم الذي ظفر التعريف بالظفر وأكده، وعضد إخاءه وأيده، مركب
ظهر الثبج (9) خائضا لجته، ويصدع أحشاءه مستهديا محجته، فاستجلينا غرة الحر، وقلنا : عادة البحر أن يقذف بالدر. أي كتاب وسعه الخطاب الفصل ووشاه، وزائر لا يبعد الله ممشاه. جددنا العهد بسماع فصوله، والشكر لصلته وموصله، وروينا حديث النصر متفقا على اختلاف الطرق، وقابلنا منه نسخة الغرب بنسخة الشرق، وقلنا : هذا اصل أبي بحر(10) وإلى مثله ترد النسخ العتيقة، وبه تحصل الثقة الوثيقة. وأثنينا على مجادتكم التي لم تقتصر في تعريفنا على خير واحد، ولا وتقت فيه بأول وافد، حذرا مما يعترض برد الرسائل من غوائل الطرق وطرق الغوائل، فثابرت على تحصيل هذا الغرض حتى حصل، وصحب كل واحد منهما خبير سعدكم قسام ووصل. (23 : ب) فتقرر ما سناه الله لملككم من إعزاز لملكه، وتورط عدوكم في هفوة الردى ومهواة الهلكة، والفتح الذي قام بحساب الفتوح مقام الفذلكة، وأن من ناواكم لما تناولت عزماتكم طرده وعكسه، ونازعته خصما سيوفكم نفسه، وجرت عليه جيوشكم الجرارة أذيال الهزائم، وأذكت عليه سعودكم عيون الزمن النائم، فمروا وعقبان الخيل في أعقابهم، وعيون النجوم تأخذ المراقب في ارتقابهم، وراموا التنكر فعرفوا، واستظهروا عليهم سعدكم بالعدل والعلمية فصرفوا، وقد وكلهم الندم بعض الإبهام، وعوضهم القهر من امتطاء الذمم الأدهام، وأصبحت البلاد قد سكن هائجها، ومقدمات العزم قد صدقت نتائجها، والكلمة قد اجتمعت، وأحكام الخلاف قد ارتفعت، وأدوية السياسة نجعت ونفعت.
وقد كنا لأول ورود هذا الخبر أعطيناه حقه من السرور بمقدمه، وعينا رسولنا الذي أوفدناه على بابكم الكريم لتقرير ذممه، وإلقاء ما يسع في استيفائه عادة مجده وكرمه. ونحن الآن نعيد هناءكم، ونذيع على هذه المحافظة ثناءكم. وإن ذهبنا إلى تقرير ما عندنا من السرور بسروركم، والابتهاج بانتظام أموركم، رمنا تحصيل حاصل، واجتهاد وادع واصل، فجميع ما ينالكم من عز النصر وعلو الأمر نصيبنا الأوفر فيه، وحظنا منه الحظ الذي لا يرجحه (24: 1) غيره ولا يوازيه، وعائدته على قطرنا(11) بما يكبث طوائف أعاديه، ويسكب بالأمداد غيوت عواديه. فثقوا منا بالتشيع الضافية اثوابه، والخلوص المفتحة أبوابه. الله تعالى يعلي ملككم الوثيقة أسبابه. ويؤيده حتى نمضي في جهاد أعداء الله عصابه، والسلام (الكريم عليكم ورحمة الله وبركاته(12)".

الوثيــقة الـــثانية
واستولى –رحمه الله -(13) على مدينة بجاية(14) ثم ثار بعض كبار وطنها بقائده وقتلوه. وامتنعت عنه، واستدرك أهلها بعد ذلك الأمر، فتغلبوا عليه، ورجعت دعوته إليه ووصل كتابه يعرف بذلك في أوائل ربيع الأول من عام أربعة وخمسين وسبعمائة(15)  فصدرت مني مراجعة عن سلطان فجر الأندلس أبي الحجاج بن نصر – رحمه الله – بما نصه(16) : -
"المقام الذي اشرقت بأفقه الأعلى نجوم الفتوح وجرت جياد سعوده في ميدان النصر العزيز طلق الجموح، وجاءت دولته الفارسية على إيضاح السعد بأحسن الشروح، وتأود الدائل ارتياحا بعزه تاود الغصن المروح. مقام محل أخيتا الذي حديد سيفه بينه وبين مغناطيس الفتوح خاصية عجيبة، وغريم سعده له في أعماق الليالي والأيام وجيبة، ومنادى طاعنه إذا دعا كانت له المسالك قريبة والممالك مجيبة، السلطان الجليل، الرفيع، السهير، الأسعد الأوحد، الأمجد، الأطهر، الأظهر، الأحفل، الأكمل، الأعز، الأمنع، المجاهد، الأمضى، المؤيد، المعان، المنصور، الأعلى، جواد الأجواد، أسد الأساد، السعيد الدولة، العظيم (24: ب) الصولة، المعظم، الموقر، المبجل، المؤمل، أمير المؤمنين أبي عنان، بن محل والدنا السلطان الجليل، الرفيع، الكبير، الشهير، الطاهر، الظاهلا، الأوحد، الأوحد، الأسمى، الفاضل، العادل، المجاهد، الأمضى، المعظم، الأعلى، صاحب الجهاد المبرر، والسعي المشكور، المقدس الأرضي، أمير المسلمين أبي الحسن، بن السلطان الجليل، الرفيع، الكبير، الشهير، الطاهر، الظاهر، الماجد، الحافل، الجواد، الباذل، المعظم، الموقر، المجاهد الأرضى، صاحب الرالرفد المبذول، والثناء الموصول، أمير المسلمين أبي سعيد، ابن السلطان الجليل، الكبير، الأوحد، الأطهر الأسعد، الأظهر، (الأسد(17) ، الأمجد، العادل، الفاضل، الصالح، المجاهد، المرابط، الأرضى، صاحب الحرب والمحراب، أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، المقدس الأرضى أبي يوسف، ابن عبد الحق، أبقاه الله والمحامد بذكره كلفة، والقلوب على طاعته مؤتلفة، والسيوف والأقلام بخدمته منصفة، معظم مقامه الذي تعظيمه فرض لازم، والقول بإجلاله وإكباره قول جازم، وموقر ملكه الذي له التوقير محالف ملازم، الأمير عبد الله يوسف، بن أمير المسلمين اسماعيل، بن فرج، بن نصر(18) .
سلام كريم، طيب بر عميم، كما زحفت للصباح شهب المواكب، (25ق : 1) وفجر الفجر نهر النهار فطفا فوقه حباب الكواكب، يخص مقامكم الأعلى، وأخوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي لا ىلاؤه العميمة لا يحصر عددها، وصنائعه الكريمة لا ينقطع – عمن توكل عليه – مددها، وفتوحاته لأوليائه وصفوة خلفائه لا يبلغ بالأفهام أمدها، الفتاح العليم ناصر العزائم ومؤيدها، وموفق الآراء ومسددها، الذي إذا قرب مسافة أمل فمن ذا يبعدها، وإذا أعطى فمن ذا يسوف عطاياه أو يرددها. والصلاة  على سيدنا ومولانا محمد رسوله ذي المعجزات التي هي الشمس ضل من ينكرها أو يجحدها، إمام الرسل الكرام وسيدها، وأحمدها ومحمدها، وخاتم النبيين الذي كمل به عددها، وشفيع الخلائق يوم الفزع الأكبر ومعتمدها، الذي ندخر محبته ونجدها، ونلجأ إلى ظلال وسيلته فلا يخلقنا – إن شاء الله – موعدها، ونمحض الود في مرضاته ونصل اليد لإقامة سنته ومفترضاته فنتعرف الإعانة ونتعودها. والرضا عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه الذين هم كنوز الملة السمحة وعددها، وأنجمها التي لا يضل من يسترشدها، فبنصرهم طالت يدها واستقام أودها، حتى أورثهم الله ما زوى له الأرض بالعزائم القائمة على أساس اليقين عمدها، فدان لهم أدنى الممالك وأبعدها، وسطا بمثلث الأمم موحدها، وتمت كلمة الله صدقا وعدلا (25 : ب) يتوارثها عن الآباء ولدها، وينافس فيها يثبت آيات الفخر ويخلدها، والسعد الذي يصون ملابس العز ويجددها، ولا زالت حجج سيوفكم المالكية يصيب شاكلة العليل مركبها ومفردها، ومشارع جودكم العميم تروي من يردها – فأنا كتبناه إليكم – كتب الله عناية يتضح مقصدها، وسعادة تروي أحاديث الصنع الجميل وتسندها – من حمراء غرناطة، حرسها الله، ولا زايد بفضل الله سبحانه، ثم بما عندنا من التشيع في مقامكم – أعلى سلطانه – إلا الخير ضاحكة مفترة، والأنباء التي لا تعدم معها مسرة، والصنائع التي ألطافها بالإسلام برة، وجانبكم عندنا عليه – بعد الله – المعول، والإخلاص لكم هو لدينه المعقول الأول، وما يفتح الله لكم من منحه الكريمة هو عندنا المنح المهنا المخول.
وإلى هذا – أيد الله أمركم، وأعز نصركم – فإننا لا نزال على ثقة من عناية الله بكم في كل وجه ترمون إلى هدفه، وتطلعون كواكب رأيكم الميمون في سدفه، لما نعلمه من سعدكم الذي يروض الصعاب إذا رامها، وعزمكم الذي يتناول الأمور المبرمة فيحل إبرامها، ويسهل مرامها، وهمتكم التي تروم (26 : 1) الكواكب فتزاحم إجرامها، ونعتقد أن الذي سدد من عزكم السهام فأصابت، ودعا السحاب السجام فصابت، إنما هو ثمرة نبة خلصت لله لم يشب صفوها شائب، وخبيئة صالحة للمسلمين تساوي فيها حاضر منها وغائب.
وكذا قد اتصل بنا أن مقامكم خطب مدينة بجاية فألقت المقاد، وراجعت الاعتقاد، وأن من كان لنظره أمرها لما تلى عليه "أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" – أذعن للحق وإنقاد. ثم تخللت المراوضة أمور، وحدث في أثناء الوصل نفور، وللحق – من بعد الاحتجاب – سفور، ولله في كل شيء قدر  مقدور. فجعلنا نرتقب لتلك الحال ما لا يحمد، وعاقبة يسر بها ذلك المقام الأسعد، فكلما اختلفت الأحاديث نظرنا في رجالها وطرقها، ورمنا الجمع بين متعارضها ومفترقها، واستعملنا ميزان التعديل والترجيح، لتخليص السقيم من الصحيح. فلما ورد رسولنا من بابكم وقد عنى بكشف المشكل، وتقييد المهمل، ووفى يحمل المعنعن(19) والمسلسل، وعرفنا بالفتح الذي تشمخ به الأنوف، وتبسم لمسرته السيوف، وترتاح لعزه الجياد الجرد، ويتأود لذكره الرماح الملد. فتح بجاية – حرسها الله – وما بجاية إلا باب الشرق، وذات الأصالة بواجب الحق، ومن لها في ميدان افتخار البلدان قصب السبق، العتيقة البنا، السامية المبنا، الأنيقة البقعة، الخصيلة الرفعة -، ذات البسالة على طول المدة، (26: ب) ومعلقل الملوك عند الشدة. أزرت على القواعد بزيرها ومنادها (20) ، وباءت بباديسها وحمادها(21) ، وصابرت الأزمات
على اتصال آمادها، فهي العقلية التي أشرفت يوم الافتخار بأسمى تليل، وسفرت للأبصار عن كل مرأى جميل، وقعدت على منصة التشريف والتفضيل، وضمن عليل نسيمها شقاء العليل، وتختمت بالثريا وتعصبت بالإكليل، وزرت برفيعها وبديعها على الفرات والنيل. دار الجياد المجنونة، والأساطيل الموهوبة، ومرفأ السفن ومحط الركاب، وملتقى جوابي البيداء وخائضي العباب. تهوى إليها الأجنحة ضارعة، وتبتدرها قوافل السفن متسارعة، ما بين مخبرة عن مدينة الاسكندرية، ومطرقة بأنباء روما بني الاصفر، وصادرة عن السواحل المكية، ومحدة بغرائب التركية، وشاكية الهم والكرب، ناجية من ظلمة اقتباس الغرب(22). ألقت اليد إلى طاعتكم على شهرة أبائها وشماسها، ومنعة وضعها وشهامة ناسها، لما علمت أم مغالب الحق مغلوب، ومحارب القدرة الإلهية محروب، وحرون اللجاج مقود مجنوب، ومكاير البرهان إلى الجهل منسوب، فصانتها أصالة رأيها في الطاعة عن الخطل، وتحللت منابرها بذكرهم من بعد العطل. وطابت بآياتكم الفارسية نفسا، واستشعرت سرورا وأنسا، وكانت قد عدمت ناصر الدين معنى، فوجدت ناصر الدين معنى وحسا، (27:؛ 1) وخشعت أصوات أهلها للرحمان – من بعد الإجهار بالإباية والإعلان – فلا تسمع غلا همسا، وأصبح ملككم مطلا على ما وراءها من الجهات، ناسخا بمحكم الحق حجج الترهات. وإن كانت قد أبدت نفارا وتيها، وعاودت عادة تجنيها. فالتيه من عادة الغادة، والتمنع من شيمة الكريمة فإنما هو المطل وبعده يحسن الوصل والوعد، والإنجاز من بعد البرق والرعد، وفي أثره الغمام الرغد، وأهون المكسوب رخيصه، ولذة الصيد أن يطارده قنيصه، وإن ظهرت دلا، ولا امتناعا. فقد كانت خجلة من نشوزها المتقدم، قارعة سن المتندم معلنة بفرط الكلف، متبرية من الطف، معترفة بحقوق من سلف لكم من كريم السلف، مستدركة ما فاتها في أيامكم السعيدة المستقلة، باخعة بتوبتها والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فلما تحققنا هذا الخبر الذي هو علم في عواتق الأخبار، وشنب في ثغور الثغور، وخفر في خدود الأمصار، وسجدة في سورة الفتوحات الكبار، وأثر حقه أن يكتب بمداد الليل في قرطاس النهار، وقلنا تحصل الأمل، ولما ثبت الحديث وجب العمل، وهذا أمر لنا فيه الناقة والجمل. إذا فتح الله على من نؤمل نصره فعلينا فتح، وإذا منح من نرجو إعانته فإيانا منح. الآن زادت الخطة المرجوة سعة، واستأنف (27: ب) الملك الذي نعتد به تمهيدا ودعه، وآن أن يحصد في مرضاة الله ما زرعه، الآن أمكن الاستعداد وتيسر الحج(23). وبعد –إن شاء الله –يتيسر الجهاد. فأعطينا السرور به ما تشاء، واتبعنا الدلو  فيه رشاء، وعمرنا بترديد الحمد لله ضحى الزمان وعضاه، وبادرنا بتوجيه من يؤدي عنا حق الهنا بهذه الآلاء. ويسلك في توقيعه ما عندنا من السرور بها على سبيل السواء، فاخترنا لذلك فلانا. تقرير ما لدينا – من الود الذي صدق إنتاجه، وقطع المعاند واحتجاجه، وراق على أعطاف الخلوص ديباجه –ما نرجو أن يقوم بما أمكن من حقه، ويسلك في تبليغه لا حب طرقه. وفضلكم كفيل بالإصغاء لما يلقيه، والقبول على ما يؤديه، والله تعالى يبقى ملككم متأودة بالنصر عواليه، مسرورا سعادته من يواليه. وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم تعالى وبركاته ..وكتب في الثاني عشر لشهر ربيع الأول المبارك من عام أربعة وخمسين وسبعمائة(24) .

- الوثــيقة الثالثــة -
(19 : 1) ولما فر الأمير أبو ثابت الزعيم بالغل من بني زيان(25) أثر الهزيمة الجارية عليهم، ولحق بأرض صاحب بجاية(26) فقبض عليهم، ووجه بهم إلى السلطان الكبير الشهير أبي عنان، رحمه الله، فأوقع بهم –تجاوز الله عنهم – وخاطب سلطان الأندلس السلطان المجاهد ابا الحجاج ابن نصر –رحمه الله – بذلك، صدرت المراجعة بما نصه(27) : "المقام الذي انتظمت لدولته الفتوح الغر انتظام العقود، واقتضيت بغرماء عزماته ديون الأيام اقتضاء النقود، وطلعت من ثنايا آرائه السديدة وجوه السعود، وتكلفت نيته الصالحة له بنيل المقصود وإنجاز الموعود. مقام محل أخينا الذي (19: ب) أن نشدت(28) الفتوح ألقيت في الفاف بنوده وادعة، أو دعيت الآمال كانت بوجوده طائعة سامعة، أو استدعيت الأماني انثالت(29) في أيدي سعوده وإن كانت شاسعة فرياض العز به بانعة، وكواكب السعد بآفاقه طالعة، وأنفاس الثناء على ملكه الرفيع البناء بأعطر من المسك الفتيت ذائعة، وحجج صوارمه(30) قاطعة وبالحق صادعة، السلطان الكذا (أبو عنان فارس المريني). أبقاه الله مكملة مآرب أمره، معلمة أفعال عوامل نصره، مخولا من الله ما يعجز اللسان عن حصره، تتبت في صحائف الصفائح ىيات فخره، ولازالت عوامله مصرفة في زيد عداه وعمره، حتى تذعن الرقاب الغلب لقهره، وتعرب الدهور بمزية دهره.
سلام كريم كما سفرت الفتوح عن غورها، ورقمت أنباء النصر على صفحات السيوف وطررها، واستبشرت الأرض بوابل مطرها، وظفرت النفوس باقصى وطرها، يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي تمم لكم الصنايع تتميما، وجلى لملككم العلى وجه السعادة، أغر وسيما، وأثبت لكم في صفحات الفخر ذكرا شهيرا ومجدا عظيما وجعل حد سيوفكم الماضية يستوعب العدو سيرا(31) وتقسيما، فكلما طلبتم الأيام بديونها لم تمطل كفيلا بكم غريما، وكلما دعوتم الآمال انثالت على (20: 1) مواردكم هيما، (وكلما  أضمرتم أمرا بعيدا أصبح ببالكم مقيما(32) والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله أزكى البرية عنصرا وأشرفها خيما، نبي الرحمة الذي جلا بنور الحق ليلا بهيما(33) ، ودعا إلى توحيد الله نغوما حارت في ظلمات الظلال تثليثا(34) وتجسيما(35)، وأعمل الحرب العوان حتى سلكت الخلائق من الطاعة ورسوله مسلكا قويما، ووقفت، عند أوامر الله ونواهيه تحليلا وتحريما. والرضا عن آله الذين كانوا في الظلماء نجوما وفي اللاواء(36) غيوما، وفي الهياج أجلا محتوما، ففرعوا السحاب جودا والآساد إقداما والبدو ضياء والهضاب حلوما، صلى الله عليه وعليهم وسلم تسليما. والدعاء لمقامكم الأسمى بالعز الذي لا يزال لركابه العلى لزيما، والسعد الذي تغنى عن الاختيار أسبابه، وتفتح قبل الطالب ابوابه، فلا يحتاج تعديلا ولا تقويما، والصنع الذي يروق أولياء مقامكم الرفيع خصوما وسائر المسلمين عموما، ولا زال جنابكم المؤمل كهفا والثناء عليه رقيما، حتى يصبح الكفر بهبوب عزائمكم هشيما، ويستنشق اللإسلام من غباحة الكرة له على يديكم روحا عاطرا ونسيما. فأنا كتبناه إليكم – كتب الله لكم من مواهب عنايته أوفر ما كتب، وجعل سعودكم تضمن أعتاب الدهر كلما عتب، وأقلام رماحكم يثبت في خط خطها النصر الداخلة على العتب، (20: ب) وخطباء فتوحكم تترقى من منابر العز أعلا  الرتب – من حمراء غرناطة، حرسها الله، والاعتداد بمقامكم العلي يزيد صحبه وضوحا، والأمل في ملككم الفارسي يهز منه نسيم هذه الأنباء غصنا مروحا، وخافت(37) الرجاء في هذه الأرجاء تنفخ فيه عزائمكم على جهاد الأعداء روحا، وتتلو عليه من النصر كتابا مشروحا.
وإلى هذا – ايد الله أمركم الرفيع تأييدا. والهمة شكرا لا يعدم معه مزيدا، وجعل سيفه الماضي كلما تقلده لأبواب الفتوح إقليدا، حتى يستأنف به الإسلام عزا جديدا، ويبلغ جيدا، ويملأ بلاد التثليت توحيدا، ويذيق الكافرين باسا شديدا، ويريهم الفتح (المبين(38)) قريبا وإن كانوا يرونه بعيدا(39) –فإننا ورد علينا كتابكم المستوفي الفصول، والمحكم الفروع والأصول، المشتمل على محصول الفخر وفخر المحصول، المسند خير النصر إلى قضاة النصول، فيالها من وجوه بشر جلتها البلاغة في أحسن الشارات !! ومعاني فتوح أوردها البيان بأفصح العبارات !! وعيون نصر افادتاه الآداب أحلى الشارات !! حتى كانت الأقلام في خدمة مقامكم السعيد، جرت مجرى السيوف في استصحاب التأبيد، وإحراز المرام البعيد. وقفنا من مضمنه – حسبما قررتم – على خلوص الطاعة، والتئام الجماعة، واستقرار الحق في أهله بعد الخصام وتسويغ مشارع (21: 1) الشريعة لوارديها من بعد الازدحام، وانطلاق السنة العدل بعد الإفحام وإلحاق طرر البلاد القصية(40) بأصل العمالة المرينية(41) بعد الإضراب والإقحام. وأن عدوكم أجهر القدر على جريحه، ونشأت رياح البشائر بخمود ريحه، وأعقبه الحسام الصلت(42) فلم يفرق بين طرفه ولا صريحه، فأصبح الشرق –لنور دعوتكم – مشرقا، واساغ ريقه وكان به شرقا، واشتمل ملاة الأمن وكان خائفا فرقا، وغدا مزاج السياسة المرينية لارتفاع ضدها مزاجا متفقا، وأنشدها لسان السعد فأشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا. وأن هذه الوقيعة المستأصلة كانت لمرض الخلاف المزمن بحرانا، وحكما يتبع من حلول النصر بدرجة النصل قرانا، وفتوى رضى اشهب الحسام اختيارها، وكتبت أقلام الرماح في صحف الايام ىثارها. فقلنا : هذا أمر لنا جله أو كله، ومزن لنا طله ووبله. الآن ارتفعت عن الجهاد الشواغل الشواغب، وآن أن يحظى بأمله الراغب. الآن تهللت الوجوه، واستشرف الدين الحنيف لما لم يزل يرجوه، كأننا بالعزائم لأداء حق الله مصروفة، والصوارم على سبيل الجهاد موقوفة، والهمم بأن تكون كلمة الله هي العليا مشغوفة، ومن عامل الله في نصر هذه الأقطار المسلمة مع اختلاف الكلمة فما جمع بين الكرى والأجفان، ومهد (21: ب القواعد بعد الرجفان وأمسك حبلها العاصم عند فيض الطوفان. كيف يكون عمله بعد ارتفاع الموانع وزوالها، وسكون البلاد من أهوالها. قياس – بمشيئة الله – صادق، وبرهان بين الشك واليقين فارق.
فهذه الجزيرة الأندلسية من عامل الله في نصرها –بنية صالحة- ظهر ريحه، وطلع بالسعادة صيحه، وقد ظهر مجمل ذلك بما يطول شرحه، فإنكم لما صدق فيها عزمكم لم تسلوا سيفا قنبا عن ضريبة، ولا أعملتم عزما إلا بلغ غايته غريبه، ولا سددتم سهما إلا اصاب غرضا بعيدا، ولا أدرتم رايا إلا أثمر مراما سعيدا، وإننا أخذنا من السرور بتمام نعمة الله خليكم، واستقرار فذلكة الفتح(43) لديكم، باقصى ما يأخذه الولي الحميم، ولهجنا من اتصال سعدكم بما سناه الصنع الكريم، ووجهنا من ينوب عنا في هنائكم به بما يوجبه الود الصميم، وهو قريبنا الكذا أبو فــــلان(44). ألقينا إليه في هذا الغرض ما يلقيه، وينصه عليكم وأنتم تتفضلون بقبول ما يلقيه، والغصغاء لما يؤديه. والله تعالى يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام".

(1) – كان القسم الأول، كما نشرنا في الاجتماعيات، وهو عبارة عن عقد زواج نصري، جرت رسومه في قصر الحمراء بغرناطة بين السلطان يوسف الأول بن الأحمر، بصفته وليا على أخته، وبين أحد القواد من بني نصر. راجع : "دعوة الحق" العدد 9 و10 من السنة التاسعة (صفر 1386 – يونيه 1966).
(2)  – لم يذكر أمام الرسالة أنها وردت في الريحانة، وإن كنا قد وجدناها في معظم نسخها.
(3)  – يعني بها الأهوال التي قاساها أبو عنان في إخضاع المناطق الشرقية – في بجاية وإفريقية – لحكمه. كما كانت على عهد أبيه.
(4) – الأبيض المتوسط.
(5) – يشيم : يعلم، يقصد أن ابا عنان ذو ذراية بمظان النصر ومواطنه.
(6) – في نسخ الرياحة "الحق" بدل "الخلق". ولعل كليها مناسب.
(7) – طرف السلاح المقوس. والمنسم في الأصل مثل مسجد : قيل باطن الخف. وقيل هو للبعير كالسفيك للفرس. كذا في القاموس.
(8)) -  فوق السهم تفويقا : جعل له فوقا. وإذا وصعت السهم في الوتر به قلت أفقته افاقة. والمقصود في عبارة المتن : أنه ذو حظ وافر إذا ما أراد غصابة الغرض.
(9) – ظهر الثبج : سطح البحر.
(10) – أبو بحر، محدث رواية من بني اسد، شهر بالرواية الاصليلة، والخير الموثوق به حكى عنه ابن عيينة، كذا في اللسان.
(11) – الأندلس (مملكة غرناطة النصرية).
(12) – ما بين القوسين زيادة ساقطة من الكناسة، واردة بنسخ الريحانة.
(13) – يمني السلطان أبا عنان فارس المريني، كما سيرد في مقدمة الرسالة.
(14) – انظر الوثيقة الخامسة عشرة (الهامش).
(15) – الموافق (17 مارس 1353 م).
(16) – زيادة ساقطة من "الكناسة" ولكن وجدناها بنسخ الريحانة، وإن لم يثبت أمام الرسالة أنها متبوثة بالرياحة.
(17) – زيادة ايضا بنسخ الريحانة.
(18) – هو ستبع سلاطين  بني نصر (733-755هـ / 1333- 1354م).
(19) – الذي يروي من الأحاديث عن فلان عن فلان عن فلان، وهكذا في تسلسل.
(20) – يشير إلى زيري بن مناد من بني حماد أصحاب بجاية.
(21) – يشير غلى مملكة بني حماد، مؤسسها وأول ملوكها حماد بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي من أمراء بني زيري بتونس والجزائر وهواخو المنصور صاحب إفريقية، وكان لبني مناد هؤلاء جاه قديم في إفريقية قبل أن تأتي دولة الفاطميين في المهدية، واستعان بهم بنو عبيد حين استتب لهم الحكم في تلك البلاد، فلما هم المعز لدين الله العبيدي "الفاطمي" أن يتوجه إلى مصر – حين اتخذها قاعدة لملكه بعد انهيار الدولة الأخشدية بها – استخلف على افريقية بلكين بن زيري، فكان له الحكم في تلك البلاد إلى أن مات عام 373 هـ. وكانت تبعيته للفاطميين في القاهرة تبعية اسمية.
تقلد السلطة في البلاد من بعده المنصور بن بلكين فنهض بالأمر، وانتشر أمره، إلى أن توفى سنة 386 هـ وخلفه على عرش إفريقية ولده باديس، ولما كان له حق اختيار العمال والولاة في البلاد الخاضعة لحكمه فقد دفع إلى عمه "حماد بن بلكين" بمنطقة "أشير" فاسس بها حمادة قلعته المعروفة عام 386 هـ، وأسس بها ملكا به كثير من مظاهر الاستقلال، وإن كان قد أقر بالولاء لابن أخيه بالقيروان والمهدية وتونس.
"ومنذ الوقت الذي أنشأت فيه تلك القلعة صا بنو مناد فرقتين : بنو حماد بقلعتهم، وبنو باديس بالقيروان والمهدية". وقد توفي باديس هذا عام 406هـ.
هذا وقد تولى عرش إفريقية –بعد باديس – ولده المعز بن باديس، الذي يعتبره المؤرخون المؤسس الحقيقي لدولة بني باديس فقد هجر باستقلاله عن العبيدين (الفاطميين) في القاهرة، ونبذ طاعتهم، وأنهى الخطبة للخليفة العبيدي المستنصر بالله –المعاصر – في القاهرة، وأقام الخطبة للخليفة العباسي في بغداد "القائم بأمر الله" عام 435 هـ، ولم يعبأ بتهديد المستنصر، ورد رسوله قائلا: قل له لنا ملك إفريقية قبل أن يكون للعبيديين ذكر !!
وما أن استقل المعز بن باديس بملك إفريقية حتى بادر بنو حماد يحذون نفس مسلك هؤلاء على ما تحت أيديهم من البلاد، وبهذا بدأ مظهر التنافس بين أبناء العمومة، وذلك ابتغاء انتشار السلطان، وكانت بينهما – لذلك – منازعات وحروب نالت من الفريقين على حد سواء، كما أعطت سانحة للفرنجة أن يستولوا على جزيرة صقلية – وكانت يومئذ تابعة لمملكة إفريقية – فقد ولى هؤلاء وجههم ذلك شطر إفريقية نفسها، وتمكنوا من الاستيلاء على طرابلس وكثير من الأطراف الضرقية لمملكة بني باديس.
وتولى بعد ذلك عرش إفريقية طائفة من ولد المعز بن باديس:
تميم بن المعز:  من سنة 454 إلى سنة 501 هـ. ثم يحيى بن تميم: من 501 إلى 509 هـ. ثم على ابن يحيى إلى سنة 515 هـ، ثم أبو يحيى الحسن بن علي، وهو آخر ملوكهم، وفي عهده استولى الفرنجة على المهدية حاضرة الدولة سنة 543هـ، وهي السنة التي انتهى فيها ملكهم. وبذلك انقضى ملك خلفاء المعز بن باديس على يدي صاحب صقلية.
ونعود إلى ملك بني حماد، فنرى أنه قد توالى سلطانهم بعد وفاة حماد عام 417 هـ، فقد تولى بعده ولده "القائد" حتى توفي عام 446هـ، ثم ابنه "محسن" ثم ملك بعد محسن ابن عمه "بلكين"، ثم الناصر بن علناد بن محمد بن حماد، إلى أن ملك يحيى بن العزيز، الذي بقي متربعا على عرش بجاية، حتى استولى عليها – وعلى قلعة بني حماد وسائر تلك النواحي- أمير الموحدين عبد المؤمن بن علي عام 546، وتم له السلطان على تلك المناطق في سنة 547 هـ.
هؤلاء هم بنو حماد الصنهاجييون أصحاب بجاية وقلعة بني حماد وما إلى ذلك من البلاد، الذين أشار إليهم ابن الخطيب في عبارة المتن.
راجع: المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراكشي (ص 272 -276) تحقيق الأستاذ سعيد العريان ط القاهرة 1962م.
(22) – تشير هذه ال,صاف التاريخية إلى الأهمية التي كانت لميناء بجاية يومئذ.
(23) – يبدو من هذه الإشارة ان الحج –قبل فتح بجاية – كان عسيرا على أهل الأندلس، لامتناع الخارجين عن طاعة ابي عنان فيها.
(24) – الموافق (17 مارس 1353 م).
(25) – سبق التعريف بهذه الأسرة فيما نشرناه سابقا بهذه المجلة.
(26) – بكسر الباء وتخفيف الجيم ، مدينة على ساحل البحر المتوسط بين إفريقية والمغرب. اختطها الناصر ابن عنان بن حماد بن زيري بن مناد بن بلكين عام 457 هـ( منتصف القرن الحادي عشر الميلادي)، وتسمى الناصرية، نسبة إلى مؤسسها، كانت ميناء هاما للقوافل البحرية والتجارية، وهي اليوم إحدى المدن الجزائرية المعروفة بسواحلها.
(27) – "نقل من الريحانة" هكذا وجدناها أمام الرسالة بمخطوطة الكناسة، لوحة رقم 19، وفي الريحانة وجدناها هكذا.
(28) – نشدت : بالبناء للمجهول بمعنى طلبت.
(29) – انثالت : تتابعت، فعلها ثيل بفتحات ثلاث.
(30) – صوارمه: ج صارم. وهو: السيف.
(31) – من سبرت الجرح : أي تعرفت عمقه، والفعل من باب قتل.
(32) – زيادة ثابتة في نسخ الريحانة، ساقطة من الكناسة.
(33) – شديد الظلام.
(34) – يقصد بالتثليت النصارى الذين يعتقدون الألوهية في "الأب والابن والروح القدس" على ما هو معلوم.
(35) – يطلق المعتزلة لفظ "المجسمة" على من يشبهون الذات الإلاهية تشبيها ماديا، (مستدلين في زعمهم) بالآيات التي توهم ظاهرا ما يذهبون إليه، كقوله تعالى : "يد الله فوق أيديهم"، وقوله تعالى : "الرحمن على العرش استوى".
(36) – اللاواء : شدة القيظ.
(37) – في نسخ الريحانة "وحافات" وهو أصوب، ولعلها هنا "خافت" بالتاء حتى يستقيم المعنى المراد وهو "الرجاء الضعيف".
(38) – زيادة في نسخ الريحانة.
(39) – اقتباسا من قوله تعالى : "أنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا، يوم تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل حميم حميما" سورة المعارج، آية : 6-10.
(40) – يرمي البلاد القصية تلمسان وما جاورها من ملك بني زيان المهزومين.
(41) – العمالة المرينية : الدولة المرينية، وعاصمتها "فاس".
(42) – الحسام الصلت : القاطع البتار.
(43) – فذلكة الفتح : مستهلة وبدايته.
(44) – لم يفصح عن اسمه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here