islamaumaroc

شعراء تحت منظار التحليل النفسي:

  دعوة الحق

العددان 108 و109

يحلو للبعض أن يعطي للتحليل النفسي سواء للمدرسة الفرويدية أو غيرها كل الأهمية، في التعرف على باطن الشخص، والكشف عن مجاهله، ولكن البعض الآخر يحلو له أن يدعي أن موجة الانتصار للتحليل النفسي لم تكن إلا من قبيل "الموضة" في وقت من الأوقات، وأنها لا تزال كذلك عند من يعتمدونها عمليا على قلتهم. وبذلك يردون ما حصل عليه التحليل النفسي من حظوة، إلى روعة الجديد فحسب، روعة سرعان ما يذهب لها الزمان، ولكن إذا كان هذا الاختلاف البين يوضع على الصعيد العلمي العملي إذا كان هذا الاختلاف البين يوضع على الصعيد العملي التطبيقي، فهل هو كذلك على الصعيد الأدبي والفني؟ لا أحد ينكر أن مدرسة التحليل النفسي فتحت آفاقا جميلة في دنيا الأدب والفن، ولكن باعتبار أن الأدب والفن، أو على الأصح النظرة إليهما من خلال منظار التحليل النفسي، يجعلنا نرى في ميدان الأدب والفن، مجرد مجال للتطبيق كالمجال العلمي العملي، سواء بسواء. فالذين يحاولون أن ينظروا إلى الانتاج الفني والأدبي، نظرة تحليلية، إنما هم في الحقيقة يطبقون مبادئ وطرق مدرسة التحليل النفسي، ترى ما قيمة هذا التطبيق؟ وماذا يثير من خلاف؟.
بما أن المسألة مسألة تطبيق فالخلاف هنا لا يقل عنه هناك. بل أن الخلاف في دنيا الأدب والفن قد تتسع هوته، ويتفاقم أمره، خاصة عندما نعلم أن التطبيق هنا يتعدى الأحياء لينصب على الأموات، وهو بالطبع لا ينصب عليهم مباشرة في جلسات "أكلينكية"كالأمر بالنسبة للأحياء، وإنما يحاول أن يستف النفسيات من خلال ىثار أصحابها الذين بعد بهم العهد. فالأمر هنا من الصعوبة بمكان عظيم، ولهذا لا نعجب إذا نشب الخلاف بين الدارسين للأدباء والفنانين بمنهجية التحليل النفسي وبين غيرهم. ولا أنسى هنا أن اشير إلى المناقشات التي دارت حول محاولة تطبيق هذه الطريقة على بعض الشعراء العرب كأبي نواس، حيث يمكن أن ينظر غلى "حالة الشذوذ" عنده بمنظار "النكرص" أو العقد والمركبات وغيرها من مفاهيم التحليل النفسي ...
ولعل مما يقوي الشبهات ضد قيمة التحليل النفسي في مثل هذه الأحوال، أنه على الرغم من تطبيقاته ونتائجها، حتى في المجال العلمي العملي، يعتبر في مستوى "الفرضL’hypothèse ليس إلا. فهو ليس قانونا ولا نظرية علمية، ورجال الأدب والفن والناقدون منهم خاصة يعلمون هذه الحقيقة ولكن ذلك لم يثنهم عن ركوب التحليل النفسي، فخرجوا بدراسات شيقة طريفة، إن لم تقدم لنا الحقيقة، ذلك المطلبالعسير، فهي تقدم إبداعا من نوع جديد، وتطلعنا على عالم من الأدغال عجيب، لا تخلو وحشته من إغراء ومتعة.
ومن الدراسات التي ظهرت حديثا، ما كتبه « Pierre Boisdeffre » بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة الشاعرالفرنسي شارل بودلير(1)وقد صدر الكاتب هذه الدراسة بعبارة بودليرية وردت في إحدى رسائل الشاعر إلى أمه يقول فيها: "أعتقد أن حياتي قدرت للشقاء منذ البدء، وكذلك تظـــــل"(2).
إذا كان التحليل النفسي، يجد المجال الخصب في الشخصيات المعقدة، والتي تظهر بمظهر الشذوذ في الحياة الخاصة والعامة، فبودلير يقدم ذلك على أوضح صورة، وأجلى مثال. ومن هنا يطلعنا الكاتب على جوانب من شخصية هذا الشاعر، تكون مباشرة، مدخلا لفهم إنتاجه. فقد عرف بودلير ابن أهل عصره بالفقر، ولكن فيما يبدو فإن الفقر وحده لم يكن العامل الوحيد في بؤس الشاعر، وخاصة إذا ما تأملنا الجملة التي صدر بها الكاتب هذه الدراسة، فهي توضح أن بودلير كان يعاني شعورا باطنيا بالشقاء، وكانت رهبة الهلاك تملأه، فبؤسه إذن كان باطنيا، ولعله نفسية أكثر مما كان لعامل محيط وحيد كالفقر. ولم يكن مظهر الغرابة يفارق بودلير لا في سلوكه فحسب مع الناس، ولا في إنتاجه الأدبي، "لقد عرف بودلير ككاتب مغرب، يثير الشقاق والكراهية حوله، مما جعل اصدقاءه يقلقون عليه"، ولعل أكبر مظهر لهذه الغرابة في إنتاج بودلير، تسمية لديوانه "أزهار الشر".
وتبدو معالم "العقدة" عند بودلير واضحة في بيئته الصغيرة، اسرته. فقد رزق لأبوين غير متكافئين عاطفيا، وتفصلهما من حيث السن قرابة أربعة عقود. وبيت كهذا إذا اعتبر على ضوء التقاليد المجمعية السائدة إذ ذاك في فرنسا، تبين أنه يكون أرضا خصبة، لتأزيم العقد العاطفية، فيحن توفر فيه استعداد لذلك. وتحتد الأزمة على بودلير، حين يتوفى والده وهو في السادسة عشرة من عمره. ولعل هذه الفترة التي اعقبت وفاة الوالد مباشرة أتاحت لبودلير، أن يعرف بمقدار زائد، من حنو آلام الشابة وعطفها. وأثر فيه ذلك ابلغ التأثير وهو الفني المرهف الإحساس. ولكن ذلك لم يطل، فما هي إلا شهور حتى تبرم الأم الشابة بحياة الترمل، وتضيق بالوحدة والفراغ العاطفي، فلا تنتصف السنة الثانية بعد وفاة زوجها، حتى تفيء إلى كنف زوج جديد. إن هذه الفترة القصيرة، بين وفاة وزاوج، فترة تبلغ ثمانية عشر شهرا، كانت بمثابة اللمسة الأخيرة، التي تكتمل بها اللوحة الفنية، إنها ليست كل شيء، ولا سبب كل شيء، ولكنها كمال وتمام لكل شيء. إن هذا التقلب العاطفي، بين طرفي التزايد والتناقص من مقاديره على بودلير، من مزاحمة الوالد أولا، ثم خلو مجال عاطفة الأمومة للولد ثانيا بوفاة الوالد، ثم دخول المزاحم الجديد، بما له من مكانة في نفس الوالدة؛ كل ذلك وافق أخطر مرحلة في نمو الكائن البشري وهي مرحلة المراهقة. ورسائل بودلير تسجل تأثير هذه المرحلة على نفسه، أوضح التسجيل فهو يقول عن هذه الفترة التي خلت له فيها والدته، وأفاضت عليه، وقتها وعطفها، قبل أن تتزوج: "...نزهات طويلة، وحنو متواصل. لقد كنت حيا فيك، (مخاطبا أمه) ولم تكوني غلا لي وحدي .."
وكان من تأثير هذه الفترة على حياة بودلير، أن زواج أمه ما كاد يتم، حتى تفاقمت حاله، وانغمر في مصاحبة البروهيميين والمنحرفين، وانغمس في حياة الكحول والتدخين، وكل ما عرفه عصره، ووصلت إليه يده من ضروب المخدرات، ويعود ذلك بتأثير على صحة الشاعر وما له. ومما يسجل هنا، أن الأم وزوجها لم يكونا عاقلين عن تدهور الابن. أو على الأقل أن الزواج حاول أن يفعل كثيرا من الاشياء، كان من الممكن أن يعطي تمارا لصالح الابن، لو كان هذا الابن شخصا آخر غير بودلير، فقد حاول الزوج أن ينتزع موافقة بودلير على دخول مدرسة داخلية، واستطاع الزوج أن يوصي به خيرا عند معارفه. ويدخل بودلير هناك جيث يقضي فترة، لكنه سرعان ما يطرد لسلوكه الشاذ ... فهل يمكن تجديد المسؤولية هنا مسؤولية الانحراف، أو هل يمكن أن تكون ظاهرة "النكوص" الشاذة عند بودلير، راجعة إلى در فعل، ضد موقف زوج أمه منه؟ ذلك ليس بعيدا، بعد ما عرفنا مقدار تعلق بودليس بأمه، حرصه على أن ينال، أكبر قسط من عطفها وحنانها.
إن علاقة زوج الأم ببودلير لها أهمية بالغة في غرابة أطوار الشاعر، لا لأنها كانت بالضرورة علاقة صراع في الواقع، أو استعباد شخص لشخص؛ بل للمظهر الذي كانت تتراءى به وهم بودلير، وتحت تأثير نفسه المعقدة. ومن خلال يوميات ورسائل بودلير يبدو أن هذه العلاقة، كانت تبدو له في شكل صراع، فهو يقول في إحدى ما كتب: " ...أنه لمن المستحيل علي أن أتصرف حسب ما يريد مني زوجها أن أفعل ..." فمن المؤكد إذن، سواء كان زوج الأم قاسيا متعجرفا، أو لم يكن، من المؤكد، أن بودليس، لم ينظر غلى العلاقة بينهما غلا على اساس الصراع بين إرادتين. هل كان بودلير محقا في هذه الروعية؟ ألم يكن ما عبر عنه من إرادة الصراع، إنما هو "تبرير جدلي"، نوع من الكذب على الذات، وخداع النفس؟ لقد كان لبودلير من ظروفه المحيطة، وتكوينه النفسي ما يسمح بافتراض كل هذا ويدعو إلى قبوله.
هذا جانب من الحياة العاطفية المنحرفة عند بودلير. أما الجانب الثاني فهو حبه. فلم يكن لشاعر مرهف مثله أن يفلت من قبضة الحب، ولكن باعتبار الحالة النفسية المعقدة لهذا الرجل، يمكن أن يتنبأ المرء لحياته العاطفية بالفشل. وهذا بالفعل ما وقع فقد أحب إحداهن وتسمى (جان ديفال)، وهام بها، لكنها كانت تعبث به، ولم يكن له من مهرب إلا إلى المخدرات.
ويبدو الانحراف عند بودلير في خروجه على كل ضبط أو نظام، فهو عدو النظام كيفما كان هذا النظام، وفي أي موضوع. عدو النظام في أمور حياته المادية، كما هو عدوه عندما يتعلق الأمر بالأخلاق، وأوامر العادات والتقاليد، بل ربما كانت معارضة بودلير للنظام الأخلاقي اشد "فبقدر ما يذكر بالنظام الأخلاقي بقدر ما يتور". ومظاهر انحرافه عن النظام الاجتماعي تبدو في تصرفه بالمال كما تبدو في موقفه من العمل. فقد كان بودلير يضاعف من ديونه، ولم يكن ذلك لأنه كان يعاني الحاجة دائما، بل كان يستدين غالبا على سبيل التحدي، والاستفزاز لغيره. أما حبه للعمل، فينافى كل مفاهيم المجتمع عنه. فالعمل في عرف المجتمع. وكما تحدده العادات والقوانين، هو نوع من الحياة الرتيبة تفرض على صاحبها قضاء ساعات معينة من اليوم، في إنجاز نشاط ما، ولم يكن بودلير يعرف هذا أو يطبقه، حتى فيما يتصل بدراسته وبكتبه. لم يكن ممن يتحملون تعريف العمل كما يحدده المجتمع والقانون. لم يكن يطبق المكوث بين الكتب المدرسية ست ساعات أو أكثر في اليوم، يتنقل بين فصولها، في صبر وجلد، وإنما كان يدين التأمل الذاتي، والانطواء على نفسه الكئيبة يعتصر أحزانها، ويعرف من مرارات الحياة موسيقى خالدة، هذه الانطوائية هي القمة التي تركزت عندها انحرافات بودلير، وهي التي أدت به إلى أن يتعمق ذاته ويعبر عن تجربته تعبيرا تتساوق فيه الألفاظ والمعاني، وتتظافر لتجلية واقعه الباطني المر، بصورة فريدة، ليس لها سابق ولا لاحق.
وككل منحرف وعبقري، إذا راجعنا مواقف بودلير، من الحياة والنظام وزوج أمه، وكل ظروفه المحيطة، يمكننا أن نميز بين شخصيتين تصطرعان. أحداهما شخصية الاتزان والسواء، شخصية بودلير المحب لزوج أمه، والمنظم، المقبل على العمل. والثانية شخصية الثائر المنحرف، شخصية التحدي والصراع الذي لا يعرف حدا ولا نهاية. شخصيتان تصطرعان تحاول كل منها أن تطفو إلى سطح الأحداث، وأن تسيطر وتوجه السلوك العام لهذا الكائن القلق. وقليلا ما كانت تطفو شخصية الاتزان أو تسيطر على السلوك العام لبودلير، وإذا حدث ذلك ففي لحظات قلائل، وتعبر رسائل بودلير ويومياته عن هذا التناقض فهو في حالات من الاتزان والتعقل يصف زوج أمه ب "أعز صديق". وفي فترات أخرى يسجل : "أن كل خزعبلات المدينة تدخل على الرعب ..." وفي هذه الحالات يهاجم النظام العام، ورجال العصر بما فيهم من مترمنين ومتحررين وبما يروج بينهم من قيم الحياة، والتقدم والفضيلة. فكل ما ينطق بذلك في رأي بودلير، إنما ينطق بغير المفهوم، وبما لا معنى له. وتبدو حالات بودلير هذه ، بدراسة ديوانه الخالد "أزهار الشر" فهذا الديوان عند من ينظر إليه من زاوية التحليل النفسي يقدم " قاموسا بئيسا يحوي كل ما يدل على أعراض السوداء والمس Mélancolie et manie  وهذا قمة ما يصل إيه عدم التوافق، وفقدان التوازن المجتمعي. أن كل القيم تبدو عند بودلير اعتباطية وتعسفية، وتقييدا للفردية الثائرة.
ظلت هاتان الشخصيتان تتعارضان، في صميم الشاعر، ولكن هل أدى ذلك إلى إحداث انشقاق في إنتاجه، أو هل أحدث تفاوتا في شعره؟ الواقع أن بودليس بحق كما قيل فيه : "إذا كان قد فقد حياته فقد أنقذ إنتاجه" ذلك أن الوحدة الفنية من أهم مميزات إنتاج بودلير، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان يصدر في شعره عن إحدى الشخصيتين فحسب.
هذا مدخل إلى دراسة بودلير عن طريق التحليل النفسي، بيد أن لبودلير جانبا آخر هاما، ربما كان أهم من هذه الصورة التي يمكن لما سبق أن يجعلنا نكونها عن بودليس. هذا الجانب الهام هو نظرية بودلير في الشعر وفي الفن عموما. والمقال لم يغفل هذا الجانب بل أعطاه حقه، وربما كانت معالم هذا الجانب من شخصية بودلير تجعلنا نفهم بدرجة أكبر، اتجاهه الشعري وخاصة في "أزهار الشر".

نظريــة الفـــن :
ومفهوم الفن عند بودلير يمكن أن يفهم بالمقارنة مع مفهوم العلم والأخلاق. فإذا كان هدف العلم هو أن يكشف عن الحقيقة أو عن الواقع عندما يعتبر هذا الواقع غاية ما يمكن أن يكشف عنه العلم في تقدمه نحو الحقيقة. وإذا كان هدف الأخلاق بمعناها النظري أو العملي هو تحقيق الخير أو فحصه، وإذا كان الخير الأخلاقي يتحل إلى قيم الحق والعدالة ...فما هي القيم التي ينحل إليها الفن؟  وما هو الهدف الذي يمكن أن يحدد الفن بالنسبة غليه ؟ الفن عند بودلير –والشعر فن – يخالف العلم والأخلاق. والاعتبار الوحيد في الفن عنده هو الاتساق. فإذا اتسق الفن واكتمل كان في غنى عما ينشده العلم، وما تسعى إليه الأخلاق "أن اتساق العمل (الفني) يعوض عن كل مواضعات الأخلاق" فنحن هنا أمام نظرية "الفن للفن" ولكن هل معنى هذا أن الفن لا فائدة منه؟ لقد تعرض كثير من الأدباء والنقاد إلى هذه المشكلة. وكانت آراؤهم في ذلك جد مختلفة. ولا زالت المشكلة توضع على بساط البحث، بكثير من الحدة بعد "عصر الالتزام". ومن المواقف الشهيرة بصدد هذه المشكلة موقف "أوسكار وايلد الانجليزي الذي أعلن "أن الفن غير مفيد". ويجب أن نلاحظ هنا أن نظرية بودلير، تلاقي في جوانب عدة نظرية وايلد. ولكننا إذا سألنا بودلير : هل للفن فائدة؟ أجاب : نعم. فإذا أردفنا : ما وجه هذه الفائدة؟ أجاب بودلير : فائدة الفن أن يكون فنا. ولماذا لا يكون الفن مفيدا؟ "لأنه الفن" فليس للفن قيمة خارجة عنه يسمى لتحقيقها كالعدالة أو الحقيقة ... وإنما هو غاية ذاته، وغاية في ذاته. وهنا نقارب جدا مقياس النقد الفني يسير حسبه بودلير، ويقيم الفن من زاويته. فما دام الفن غير مقيد بغاية أو هدف، وغير مرتبط بمنهج أو طريقة. فالأولى به أن يكون من إنتاج العاطفة، لا العقل، وأن يكون وليد الخيال، لا نتيجة تحقيق واستدلال. فالفنان البودليري هو الذي ينطلق من قبضة الواقع، وينفلت من ثقل الأوضاع المحيطة به. الفنان البودليري يسعى للانعتاق من الضجر والقلق، وهو من أجل ذلك ينغمر في السكر إلى أبعد الحدود، حتى يغيب عن التعقل ويغيب عنه التعقل. "فكل شيء هنا – في هذا السكر المستمر- ...فلكي تنفلت من الإحساس المرعب ينقل الزمان على كاهلك، والذي يظل يشدك إلى الأرض، عليك أن تشرب ..."
وبالطبع ليس المهم، هو أي نوع تشرب أو اية مادة، بل المهم هو أن تتحقق الغيبوبة، والانطلاق، والتحرر، أي أن تتأجج العاطفة المبدعة، وينشط الخيال. وهذا يحتمل أن تكون انطلاقة الفنان، وتأجج عاطفته، ناتجة عن سكر معنوي بفكرة أو مثال أو اي شيء آخر، ولهذا قلنا ليس المهم أي نوع تشرب. قد لا يوجد في حياة بودلير الواقعية، ما يدعم هذا السكر المعنوي، ولكن في اقواله، وفي مفهومه للفن، وفي أسس النقد التي يصطنعها ما يوضح ذلك ويدعمه.
إن مقياس النقد عند بودلير كان في تأجج العاطفة وانطلاق الخيال، ولهذا كان قاسيا على معاصريه من الأدباء، شديد الوطأة عليهم، فلم يكن يعرف المجاملة، أو الصداقة في نقده إلا صداقة الفن الخالص. وهو لم يخلص لأحد في حياته، ولم يحترم أحدا مثلما احترم الفن وأخلص له. وفي إخلاصه هذا للفن كان سباقا، إلى ما انتبه إليه الأدباء بعده بعشرات السنين، كان سباقا، إلى أن لا يتعتبر النموذج الفني إلا ككل مكتمل. فرفض التفرقة بين الشكل والمضمون قبل بروست وأبولتير. وكان يعمم هذا على اللوحة المرسومة كما على القصيدة الشغرية، "فالتعبير عند الرسامين كتعبير الشعراء، لا ينفصل عن موسيقى عميقة تمتزج بمضمومه".
والطبيعة بالنسبة للشعراء أو الرساممين ليست في اعتبار بودلير إلا مادة خاما، على كل منهم أن يخلق منها صورا جديدة بخياله، وأن يبدع منها بقوة عاطفته : " فالطبيعة ليست غلا قاموسا لغويا، والرسامون الذين يسلسلون قيادهم للخيال، يبحثون عما يوافق تصوراتهم، أما الذين يفتقرون إلى الخيال، فإنهم ينسخون القاموس بحذافيره وبذلك يقعون في الابتذال والأسفاف .."
تلك هي بعض جوانب بودلير في حياته الواقعية والفنية. وقد لا يوافق الكثير على مبادئها، وقد تبدو غير مناسبة لاسس الفن في منتصف القرن العشرين وبعده، ولكن ذلك لا يفقد صاحبها قيمته الأدبية، لأنها قيمة تستمد قوتهل من الاخلاص للفن، ومن العطاء الكريم النابع من أعماق الذات. وكفى بودلير تعبيرا عن إخلاصه أن يكون من آخر ما قاله : "أن بإمكانك أن تحيا يوما بدون خيز، أما بدون شعر فهذا غير ممكن ابدا". أن بودلير بالطبع يعني بذلك الحياة الإنسانية، بابعادها الفنية، الحياة كما فهمها هو، وكما ساقها حياة شعر، وشعر حياة.

(1) – La revue des deux Mondes – 1 « décembre 1967
(2) –«Je crois que ma vie a été damnée dés le commencement et qu’elle l’est pour toujours »

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here