islamaumaroc

البحث العلمي -1-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

عنى الإسلام منذ أقدم العصور بمعرفة الطبيعة واستكناه أسرارها. وكان لروح النقد والاستقصاء حظ موفور في جلاء كثير من المفاهيم التي انبهمت على الإنسان في معاناته لواقع الحياة وأحداثها. ولقد تصدى الفلاسفة قبل لواقع الحياة وأحداثها. ولقد تصدى الفلاسفة فبل لواقع الحياة وأحداثها. ولقد تصدى الفلاسفة قبل غيرهم لتفسير ظواهر الطبيعة ومعطياتها فلم يقصروا مباحثهم على معضلة الروح، بل تعدوها إلى كل الظواهر الكونية وما توحي به من غموض والتباس.
ولقد أتى على الإنسان حين من الدهر كانت فيه محاولات أرسطو وشروحه كافية لأن تملأ ضميره وتشبع فضوله. بيد أن عصر النهضة بما أنجبه جهابذة العلماء والمفكرين وما ابتدعه من طرائف جديدة في البحث والدراسة تقوم على الاستقراء والتمحيص، والتجرد والدراسة تقوم على الاستقراء والتمحيص، والتجرد العلمي قد أحدث في عالم المعرفة حدقا تاريخيا حاسما يعتبر منطلقا لقواعد البحث العلمي الذي يعتبر حجر الأساس في كل دراسة رصينة أو اكتشاف وجيه يستهدف الحقيقة وينأى عن بواعث الأغراض والأهواء.
وغدا واضحا أن نظريات القدامى من أمثال أرسطو تتسم بكثير من السذاجة والسطحية لأنهم كانوا يعرضون لكثير من الظواهر والمعطيات المعقدة دون التأكد من خصائصها أو التعرف على جوهرها.
على أن المحدثين أنفسهم لم ينقطعوا عن البحث والتفكير في المشكلات الجوهرية التي ما فتئت تشغل بال الإنسان وتقض مضجعه. غلا أنهم انصرفوا – رغم كل ذلك –إلى استجلاء مشاكل أخرى كالميكانيك وغيرها مما يفرضه تطور الحياة وتعقدها ...واعتمد المحدثون كثيرا من روح النقد والحكم الموضوعي النزيه ...لقد أحسوا بما كانت توسم به معارفهم وشروحهم لبعض المعضلات من نقص بالغ، فاعتمدوا الشك المنهجي مسلكا يقودهم، على ضوء العقل والمنطق إلى المعرفة اليقينية التي تطمئن إليها النفس، ولا يبقى نعها من مسوغات الريب باعث وجيه أو معقول.
وجاءت مباحث المحدثين بسيرة واقعية، وحسب الناس وقتها أن العلماء بما استحدثوه من مناهج جديدة وما استهدفوه من غايات ميسورة قد تجاهلوا أغراض العلم الحقيقية وانصرفوا عنها إلى مسائل وضيعة لا تعنى بالإنسان ولا تخدم الإنسانية.
فهل كان علماء النهضة يتوخون من وراء ذلك، أن يقيموا البحث العلمي على قواعد متينة تيسر له فيما بعد أسباب الوصول إلى حل المعضلات الجوهرية بصورة مرضية؟ 
هل كانوا يعتقدون أن البحث في المعرفة اليقينية التي لا يرقى إليها الشك أمر لا يتلاءم في تلك الأعصر، وما كانت تتسم به معضلات الإنسان من تداخل وتعقيد؟
هل كانوا يقتصرون في مباحثهم على المشاكل "اليسيرة" لأنها كانت قابلة للتحليل والدراسة فيما كان غيرها من المشاكل الجدية الهامة يتأبى آنذاك على وسائل البحث التي يتوفرون عليها، وهي لا تشكل إلا التزرانيس؟
هل كانوا يؤمنون بضرورة البدء بالمسائل العملية، مدينة كانت أم عسكرية، والعلم على حلها بمنتهى الدقة والأمانة؟.
لا جدال في أنها جميعها مسوغات جليلة كانت تفرض نفسها على العلماء بحسب الظروف والملابسات.
صحيح أن العلم لم يكن يستهدف، في مرحلة النشوء، معالجة المشاكل الجوهرية سواء ما يتصل منها بالكون أو بالشؤون التقنية أو الانسانية ...
كما أن العلماء لم يفكروا قط في استكشاف التلقيح أو صنع الوسائل الكفيلة باتقاء آثار الصواعق، مثلا، لأها كانت في نظرهم ذات فائدة اقتصادية أو اجتماعية ...
ولكن ممارسة التجارب العملية وتشريح الجثث إشباعا للفضول وإرضاء لنزعة المغامرة التي كانت تملك على العلماء مشاعرهم، كل ذلك في نهاية المطاف أدى إلى وضع منهج للبحث يقوم على الملاحظة الرصينة الهادفة والمراقبة الدقيقة المتكررة، والمناقشة الحرة التي تعلو عن الأهواء وتترسم طريق الحقيقة العلمية المجردة ...ولقد تكشف هذا المنهج عن آثار جليلة في غاية الأهمية.
فلم تكن الغاية المباشرة من جهود العلماء وتجاربهم وسائل الوقاية من الصواعق أو الأمراض، بيد أن المنهج الجديد قد يسر لهم اكتشاف الجراثيم ومكنهم من وضع التلقيح وغيره من أسباب الدفاع عن النفس.
كل هذه الكشوف، وكثير من مثيلاتها قد حققت الحلم الذي كان يراود الإنسانية منذ فجر التاريخ ويحفزها لمعرفة الطبيعة والسيطرة عليها.
والذي لا مراء فيه أن العلم ما زال يوسع آفاقه ويحقق المعجزات. وهو يسلك إليها طريقا مليئا بالعقبات والأشواك، فهو يواجه شكوك المشايعين للطرائق التجريبية ممن يتوخون تحقيق النتائج العملية العاجلة، وهو يواجه العداء الذي يناصبه إياه خصوم الاختيار الحر والتجربة العملية.
وتعتبر مكاسب العلم على الصعيد التقني غنما تعتز به الإنسانية. فلقد تدرجت من المبيدات إلى المركبات العابرة للقارات، وما زالت تنبئ بالمزيد من المكاسب في المستقبل القريب ... كما تصدى العلم، بنجاح إلى المشاكل المتصلة بالفكر والمجتمع والحياة بصورة عامة، وأصبح يعالج من المسائل ما كان –فيما مضى- وقفا على الفلسفة كتطور  الأنواع وبنية المادة والكون ...
وكلما اتسعت آفاق العلم وميادينه، آمن العلماء بضرورة الاختصاص .. فالاختصاص شيء لم يؤمن به القدامى لأنهم كانوا يخالون أن لقب العالم لا يستحقه إلا الذين ألموا بكل معارف العصر وأحاطوا بها إحاطة تعمق واستقصاء.
والمنهج الذي سار عليه العلماء حتى مطالع القرن السابع عشر لم يكن يعتمد الفلسفة – العلمية، وإنما كان للفلسفة مبادئها ومعطياتها، كما كان للعلم ميدانه الذي يختص به ولا يعني بسواه. ولم تتوثق الوشائج بينهما إلا بعد ذلك بكثير ...
وأهل القرن التاسع عشر وقد غدت معظم المناهج الأساسية تطبيقات علمية  بحثة. وفي هذا العصر بالذات تم اختراع المحرك الكهربائي نتيجة المباحث "النظرية" التي أجراها العلماء على خصائص المغناطيسية الكهربائية في المادة. واخترع الإنسان الألوان المركبة والسماد الصناعي وأنواع التلقيح... وصدق باستور حين أكد في نهاية هذا القرن بأن العلم والمنهج العلمي أصبحا يشكلان كلا لا يتجزأ.
والجدير بالإشارة أن بعض المباحث التقنية ساعدت كثيرا على تعميق معرفة الإنسان بالطبيعة وفهمه لأطوارها. فلقد أدت أبحاث باستور في المشاكل العملية كوقاية دودة القز مثلا إلى جلاء الطريقة التي تتم بها العدوى ودور الجراثيم في ذلك. وكثيرا ما كان العلماء يجمعون بين الاكتشاف ووضع النظريات للظواهر التي اكتشفوها.
وإذا كانت هذه مراحل في البحث قد عفى عنها الزمن، فإن معرفة العلم ومناهجه بصورة أعمق تقتضي اليوم تمرسا متصلا ومكابدة دائمة. وقد انقطع لهذه المهمة الشاقة فريق من العلماء كرسوا كل جهودهم ومنحوها كل أوقاتهم. فمن البديهي أن "عالم الكهرباء" ليس بوسعه اليوم أن يشغل منصب الأستاذ والعالم والتاجر ورجل الصناعة كاللورد كلفين مثلا.
وفي الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى الاختصاص، نلاحظ أن الروابط بين العلم بمفهومه الأولى وبين الطب والصناعة والفلاحة وغيرها .. لا تزداد إلا وتوقا ومتانة. وأبلغ الأدلة على ذلك تكاثر المختبرات الفنية والصناعية والفلاحية والطبية ...
هذا التقدم الهائل الذي حققه العلم بسرعة مذهلة في مختلف المجالات كان له أعمق الأثر على الجانب الفكري في الإنسان. فإذا نحن وضعنا مشكلة الكشوف والمخترعات العلمية في موازين النفس، تبينا بجلاء ما كان لهذه الخطوات الطلائعية في تاريخ الإنسانية من صدى بعيد في بنية الفكر. فإن للفكر بنية متحولة لأن للمعرفة تاريخا عريقا. والتاريخ الإنساني على العموم، بكل معطياته ودوافعه بداية ونهاية تلتقيان على وفاق. والروح العلمية في جوهرها تحويل للعلم وتوسيع لآفاق المعرفة وأبعادها. فبنية الفكر لا تعدو أن تكون وعيا بأخطاء الماضي لأن الحقيقة في مفهوم العلم تعديل لهفوات الماضي.
ملاك القول أن الحياة الفكرية في العلم تقوم أساسا على التجدد المستمر في دنيا المعرفة، على حدود المجهول. فماهية التفكير ذاتها أن يفهم المفكرون أنهم لم يفهموا بعد، وأن يعملوا على تصحيح سالف أخطائهم وإغناء طرائقهم واستكمال أفكارهم.
كثيرا من العلماء لا يغفلون، في شواغلهم اليومية المضنية، القيمة الروحية التي تقترن بأهمية المشاكل الحاضرة حيث يخوض العقل معركته المصيرية. فالفارق بين الجيل الماضي والحاضر يجسم الثورة الفلسفية التي تتمخض عنها التحولات المستمرة في دنيا العلم.
لقد تعددت الكشوف وتوالت الاختراعات منذ الحرب الكونية الأخيرة، وأكد العلماء بأن ما حققه العلم من تقدم منذ سنة 1945 يوازي مكاسب الإنسانية من فجر التاريخ إلى اندلاع الحرب العالمية المذكورة.
ومن هنا يتضح أن الفكر الإنساني في مسيس الحاجة إلى التكيف المتواصل الذي تنعدم بدونه بواعث الاجتهاد وأسباب التعمق والاستقصاء. وبعبارة أخرى، يجب أن يعتمد الفكر في مرحلته الحاضرة ما سماه الأستاذ جاستون باشلار بالعقلانية المتفتحة  (Rationalisme ouvert) تلك ضرورة حتمية تفرضها بعض الأحداث الخطيرة التي كان لها أعمق الأثر على سير الركب العلمي. ونضرب لذلك مثل كشوف الأستاذ مندل بخصوص قوانين الوراثة، التي أعلن عنها سنة 1865 في مذكرة بعث بها إلى إحدى جمعيات التاريخ الطبيعي. بيد أنها لم تجد آنذاك في الأوساط العلمية ما كان يتوقع لها من صدى بعيد .. وبالرغم عن المساعي المتواصلة التي بذلها الأستاذ مندل لدى مشاهير العلماء في ذلك الحين، فقد توفي بعدها بعشرين سنة والعالم يجهل كل شيء عن شخصه وكشوفه ! 
وأغلب الظن أن العقبات التي تحول دون قبول النظريات الحديثة وشيوعها كامنة في الاضطراب النفسي الذي ينتج عادة عن انعدام القابلية للتكيف عند بعض العلماء ممن يؤمنون بالوثوقية العلمية.
(Dogmatisme scientifique)
ونحن حين نؤكد على ضرورة التكيف المستمر أو العقلانية المتفتحة على حد قول جاستون باشلار نرى أن من واجب البحث العلمي أن يتقبل النظريات والكشوف الجديدة وأن يضعها على محك التجربة في غير تسامح مفرط قد يخل بجوهر الحقيقة العلمية ولا مغالاة في الوثوق بمكاسب الماضي وقواعده وبكلمة يجب أن يعمل البحث العلمي على التوفيق بين الاتجاه الثوري الذي يستهدف تقويض دعائم الماضي وبين الاتجاه المحافظ الذي يغلق أبواب الاجتهاد في وجه العلم ويعوق ركب الحضارة عن متابعة طريقه.

العلم بين المبدأ والتطبيق :  
لقد تعقدت اليوم مفاهيم العلم وتشعبت مقاصده بصورة أصبح معها العلماء قاصرين عن إعطائه تعريفا تطمئن إليه النفس ولا يبقى معه من دواعي الإحاطة والاستقصاء باعث مقبول.
قال عنه بالستير : أنه مجموعة غامضة من المبادئ والمعطيات ...
وقال غيره : أنه مجموعة من المعلومات ومنهج يستهدف العمل والتفسير ...
وقال آخرون : أنه النشاط المثمر الذي وهب له العلماء والباحثون حياتهم ...
بيد أننا، حين نعرض لمفاهيم العلم ومدلولاته، رغم ما يلفها من غموض والتباس، نتوخى من وراء ذلك أن نتلافى الشروح الديالكتيكية وأن نقصر البحث على مناهجه ومراميه والخصائص التي يوسم بها في عصر تأبى على العلماء أن يبلغوا الهدف أو يوفوا على الغاية.
... أما الهدف فيتلخص في النهوض بالمستوى المادي والروحي عند الإنسان بمكافحة الجوع والفقر والألم، ومحاربة الجهل أيا كانت أشكاله ومظاهره.
ومن مقاصد العلم أيضا معرفة الكون واستكناه ظواهره وابتداع طرائق جديدة تيسر للعلماء أسباب الكشف عن مجاهل الكون بصورة مرضية.
وأما المنهج فتختلف أغراضه اختلافا بينا لأن العلماء ينقسمون إلى فريقين: فريق يستهدف الكشف عن الحقائق العلمية البحثة دون الاهتمام بالنتائج العلمية العاجلة، وهذا الفريق يبتغي الحقيقة مجردة من بواعث الفائدة أو القيمة العملية، ويطلق عادة على النوع من البحث اسم العلم النظري أو الأكاديمي.
أما دعاة العلم "العلمي" فإنهم يتوخون دراسة الطبيعة ومراقبة ظواهر الحياة، وهم ينهجون مسلكا خاصا يرمي إلى تعمق المعطيات الصناعية والفلاحية والطبية والاجتماعية والنفسية...
وبكلمة، فإن العلم الأكاديمي يهتم بتفسير الواقع، فهو فلسفة للكون والحياة، تترسم طريق الحقيقة العلمية، لأنه الهدف الذي تلتحم، سعيا وراء تحقيقه، جهود العلماء الذين وهبوا حياتهم ومصائرهم ابتغاء للواقع خاليا من شوائب المطامح والأهواء، فيما تغلب على العلم التطبيقي نزعة الفائدة والاستثمار ودواعي العقلانية التقنية.
يقول أحد العلماء: "العلم الأكاديمي مطية الفهم، والعلم التطبيقي وسيلة من وسائل الخلق الذي لا يعني بالفهم والإحاطة".
بيد أن الأمر على خلاف ما رسمه العلماء مهما اختلفت نزعاتهم وتباينت مشاربهم، فالوشائج وثيقة بين العلم الأكاديمي والعلم التطبيقي، بصرف النظر عن المؤثرات التي تفصل بينهما وتخلق في دنيا البحث العلمي هوة عميقة يزداد خطرها ويقوي أثرها كلما تقدمت الدراسات وتكشفت المباحث عن مفاهيم جديدة تنتفي معها الفوارق التي تباعد بين العلم بمدلوله النظري والعملي:
من البديهي أن وحدة العلم لا يماري فيها أحد: فالجانب الفطري يستمد وجوده من معرفة الطبيعة واستقصاء أطوارها.. والجانب العملي لا يمكنه بتاتا أن يستغني عن الأسس الأصلية في البحث العلمي التي تعتبر حتى اليوم، منطلقا للكشوف العلمية التي وضعت على محك التجربة وفرضت وجودها في مختلف الميادين العلمية.
إن من الأمثلة التي يوردها العلماء للاستدلال على تداخل المعطيات التي تعزي لكل من العلم "الأكاديمي" والعلم "العملي" أن الصناعات الكهربائية تعتمد اليوم كثيرا عن الكشوف التي كانت تستهدف الفهم والاقتناع قبل أنم تهتم بالجانب العملي أو "البراغماتي" كما يقولون.
كما أن التقدم التقني قد أسدى خدمات جلى للعلم "النظري" ل،ه ما فتئ يمده بأسباب البحث كالمجاهر الالكترونية والآلات الحسابية الالكترونية وغيرها من الاختراعات التي تمخضت عنها أبحاث العلماء ودراساتهم في القرن العشرين.
فالعلم وحدة متماسكة لا يمكن الفصل فيها بين الجانب الفلسفي وجانب المنفعة غلا من باب التمييز والتصنيف. ونحن نلحظ بمزيد الاهتمام أن التفاعل القائم بينهما يدفع بعجلة التطور إلى الأمام ويقضي على الفوارق المصطنعة التي مازالت تباعد بينهما حتى الآن.
وليس أدل على ذلك من أن العلماء، كل في دائرة اختصاصه، يتوزعون رسالة العلم بمعطياتها النظرية والعملية. كما أن الأخصائيين رغم مشابعتهم للكشوف والمخترعات العملية لا يغفلون القيمة التي تكتسيها حصيلة الدراسات النظرية والدور "العملي" الذي يمكن أن تلعبه في ميدان المنجزات التقنية وغيرها ...

مكاسب البحث العلمي وأصداؤها :    
لقد أجمع العلماء وجمهور الباحثين بأن القرن التاسع عشر بعد نقطة تحول في تاريخ الإنسانية، إذ أنه أعاد الثقة إلى النفوس وفتح أبواب الأمل في وجه الإنسان.
ومما لا مراء فيه أن مكاسب القرن الماضي تعتبر، حتى اليوم، منطلقا للثورة العلمية التي شهدها القرن العشرون والتي حققت، بصورة عملية، أحلام الرواد الأولين من أمثال جوال فيرن وغيره من الكتاب ...
لقد ألمعنا فيما سبق على الآثار الجلية التي خلفها التطور العلمي على الصعيد النفسي وأكدنا بصورة خاصة على قابلية التكييف العلمي وأثرها البارز على التطور الموصول في دنيا العلم، كما خصصنا بالذكر، النتائج التي تترتب عن مواقف العلماء من المخترعات والكشوف، مما أدى إلى إحداث خلق جديد Nouvelle éthique يتناسب والقيم الجديدة التي اصطنعها البحث العلمي منذ وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها وعكف العلماء على دراسة الواقع "العلمي" و"الأكاديمي" فحققوا من المعجزات ما كان الخيال قاصرا عن تصويره وابتدعوا مناهج علمية تعتمد التحري والتجرد والموضوعية وتعتبرها شرطا أساسيا لبلوغ الحقيقة.
على أن البحث العلمي، إذا كان يستلزم اليوم استعدادا خاصا ويتلقط "الحقيقة" حيث وجدها، بغض النظر عن الفوارق الجنسية واللغوية والاديولوجية، فإن هناك فريقا من الناس يتقبل ثماره بمزيد من الغبطة والثقة في النفس، ويعتبرها مغتما بحق للإنستنية أن تعتز به، بينما يعارضه فريق آخر بدعوى أن العلم ينتزع من الإنسان باليد اليسرى ما سبق أن منحه إياه باليد اليمنى (راجع مؤلفات هيسكلي Huxley في الموضوع) والذي يستحق الاهتمام أن المتشائمين لا يرون في المخترعات والكشوف الحديثة إلا الجانب  الهدام، بدعوى أن مكاسب العلم في العصر الحاضر لا تقيم وزنا للوازع الخلقي وما يستتبع ذلك من انهيار للقيم التي تحتل مكانا بارزا في حياة الانسان منذ أقدم العصور.
بيد أن العلماء لا ينكرون خطورة التقدم العلمي والامكانيات التي يتيحها لذوي النيات السيئة وأصحاب الأهواء والنزوات ممن يستهدفون إبادة النوع البشري والقضاء بصورة نهائية على مظاهر الحياة في الكوكب الأرضي.
وفي هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الانسانية يجب أن نشير إلى معظم العلماء يضطلعون بعبء جسيم تتساوى فيه حظوظ اليأس والأمل وأنهم اعتبارا لذلك، يؤدون رسالتهم ايا كانت المسوغات والأغراض، كالعامل الذي يصنع الأسلحة أو الجندي الذي لا يتورع عن القتل دفاعا عن الوطن.
وإذا كنا نلاحظ أن جانب التشاؤم كثيرا ما يطغى في عصرنا على جانب الأمل والتفاؤل فذلك راجع إلى أن ساسة الدول الكبرى يستغلون الانتصارات التي حققها العلم في الآونة الأخيرة إشباعا لبدوات التحكم والسيطرة، غير عابئين بما قد يجره ذلك على الإنسان من ويلات الغبادة والدمار.
على أن منجزات العلم رغم كل ذلك، مليئة ببذور التفاؤل والأمل في مستقبل أسعد، يتأتى معه للإنسان، القضاء على ما يعتمل في نفسه من نوازع الهدم والتحطيم التي ورثها عن العصور الغابرة.

المراجع :
Le grand espoir du XX’ siècle, par jean Fourastié.
Le recherche scientifique, par Vladimir Kourganof.
Le nouvel esprit scientifique, par Gaston Bachelard.
Le progrès scientifique et technique et la condition humaine (ouvrage collectif).
La recherche scientifique, par Vladimir Kourganoff.
Causalités et accidents de la découverte scientifique, par R Taton.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here