islamaumaroc

عقدة غورديوس في المشكل العربي اليهودي [تر.أ.ع.س.البقالي]

  دعوة الحق

العددان 108 و109

عقدة غورديوس(1) في المشكل العربي اليهودي

تقديــــم :
رغم قوة الحزب الصهيوني العالمي وجبروته واستيلائه على كثير من وسائل الدعاية والإعلام، وسيطرته على الآلة السياسية والاقتصادية في كثير من عواصم أوربا الغربية، فإن هناك جماعة من اليهود توفرت لديهم الشجاعة الكافية لمناوأته وتحدي سطوته. ونذكر منهم على سبيل المثال "مينوحن" والد الموسيقي الشهير "يهودي مينوحن" والكاتب الفيلسوف والطبيب النفسي "ليننتال" من الذين هاجموا الفلسفة الصهيونية وراوا أنها ذاهبة بهم إلى كارثة أخرى من الكوارث التي اصابتهم عبر الزمن.
و "مارك براهام"Mark Braham" أحد هؤلاء. وهم ينتسبون غلى جماعة تسمى "المستشارية الأمريكية للديانة اليهودية" مركزها في نيويورك(2) ، وتوجد لها فروع في جميع المدن الكبرى التي بها جالية يهودية كبيرة.
وتصدر الجمعية مجلة دورية لمناقشة معتقاداتها وتقديم الحلول لمشاكل اليهود الدينية والسياسية التي خلقتها التطورات المفاجئة في العصور الحديثة بعنوان: "قضايا".
وهذا موضوع تحليلي كتبه "مارك براهام" للمجلة يعبر عن وجهة النظر اليهودية لا الصهيونية.
وينبغي أن أنذر القارئ أن هذه ليست وجهة نظر عربية. فقد يفاجأ أن يرى أن الكاتب في اقتراحات حلوله لا يفكر أن اليهود جميعا سيغادرون فلسطين ويدفعون المفاتيح لسكانها الشرعيين بل ينبني حلوله وبعضها – طوباوي محض" على الوضع القائم. وذلك بمحاولة إرضاء الجانبين الأمر الذي في الغالب ما يؤدي إلى إسخاطهما معا.
والسبب الذي دعاني إلى ترجمة المقال هو الآراء الجديدة التي يعتنقها المثقفون والمتدينون اليهود عن الصهيونية التي جرفت الأغلبية في غمرة العواطف الملتهبة، وبنت جدلها على منطق القلب لا العقل.

وهذا نص المقال:
المعضل العربي الاسرائيلي في عامه العشرين الآن، يكون تهديدا كبيرا ومستمرا لسلام العالم. والسؤال  الذي يجب ان يكون في ذهن جميع المفكرين من ذوي النوايا الحسنة مهما اختلفت أوطانهم وأديانهم هو هل من الممكن إنسانيا وجود حل للمشكل يرضي اليهودي والعربي معا؟ أعتقد أن هناك حلا يعرض نفسه كضرورة منطقية حالما تطرح المشاكل وتحدد بوضوح.
لماذا إذن  لم يأت أحد بالحل في مدى السنوات التسع عشرة الماضية؟ السبب أن المشكل لم يعرض فقط بطريقة مناسبة، والمواضيع لم تحدد بالشكل الملطوب. ليست هناك مشكلة سياسية في العالم وصلت إلى الغموض الذي وصلت إليه هذه بما اكتنفها من عواطف متوترة – دينية، سياسية وعنصرية. وقد تحجر الموقف العربي بمرارة الهزيمة العسكرية ومهانتها واستعملت شكاوي اللاجئين العرب سلاحا سياسيا، ونظر الشيوعيون إلى الصهيونية على أنها مؤامرة رأسمالية. وتأثر حكم الغرب المسيحي بعقدة الانم حيال اليهود، وانتشى اليهود، وهم قريبون من الكارثة التي اصابتهم على يد النازيين، بمعجزة غقامة دولة بعد ألفي سنة، فعانوا من فقدان حاسة النقد الذاتي التي هي عادة كبيرة النمو عندهم.
وجه مشكلة اليهود الحقيقي هو الذي لا يواجهونه ابدا، الأغلبية اليهودية في العالم التي تعتقد نفسها صهيونية ليست بصهيونية بالمرة، حسب التعريف الصحيح الوحيد للكلمة، (الهجرة لإسرائيل) بما أنهم لا يرغبون في الهجرة لإسرائيل. على العرب أن يفهموا هذا. وكل زعيم يهودي مخلص يعترف بذلك. أغلب الصهيونيين يعتبرون الاتقرار بإسرائيل من البعد بحيث لا يستحق أن يعطي لحظة تفكير جدي. ومن المهم أن نلاحظ على الهامش – رغم أن الاحصائيات صعب الحصول عليها – ابتداء زعماء الصهيونية في جميع أنحاء العالم يتزوجون خارج الديانة اليهودية ويتطبعون بطبيعة بلادهم الأصلية. على غرار أن لم يكن أكثر من غير الصهيونيين من اليهود. الهجرة اليهودية من الغرب وصلت حد الركود. ومن الناحية الأخرى، هناك سيل مستمر من يهود إسرائيل يهاجرون لبلاد الغرب. ولولا العقبات الموضوعة في طريق هذه الهجرة لزادت أكثر.
أولئك اليهود الذين يسمون أنفسهم "صهيونيين" ويساندون إسرائيل ماديا ينظرون إليها على أنها "عقد تأمين". كل يهودي يعرف تاريخ اليهود كفاية ليدرك أن منذ 3500 سنة لم تكن هناك فترة في بلد أو يطردوا أو تحدد سكناهم في أقذر الأمكنة أو يعدموا عن آخرهم. لذلك كانت الصهيونية كحركة سياسية عالمية قادرة على البقاء فقط لبقايا اللاسامية، وحين يهاجم العرب الصهيونية فهم بذلك يساعدون على تقوية ما يريدون تحطيمه. لأن الدعاية ضد الصهيونية أصبحت دعاية ضد اليهود حسب ما يعتقده ملايين اليهود، ويظهر أن الحجج الفكرية لا تستطيع التفرقة بين اليهود وإسرائيل.
لو أن "اللاسامية" “Anti Simition اختفت، والضغط العربي على غسرائيل زال، لماتت الصهيونية كحركة سياسية عالمية بالتدريج. ولخسرت إسرائل السند المادي والمعنوي الذي تجده في الإحدى عشر مليون يهودي في العالم، الذين يساعدون تلك الدولة بطريقة أو بأخرى. وإحدى نتائج انهيار الحركة الصهيونية كقوة سياسية سيكون توسيع الفجوة الثقافية بين يهود الغرب ويهود إسرائيل – الفجوة الثقافية بين الغرب ويهود إسرائيل – الفجوة التي هي آخذة في الاتساع على أي حال، إذ يتخلص اليهودي الغربي من يهوديته، بينما يكشف يهودي إسرائيل ثقافة جديدة هي حصيلة اندماج الثقافات المختلفة التي بلورت الوطن الإسرائيلي. وتصبح إسرائيل بسرعة دولة ليفانتية شرقية، يهودية فقط بنفس المعنى الذي تسمى به أمريكا مسيحية وهي ليست كذلك. وتلك طريقة مهمة لتحطيم الصهيونية السياسية، و "الدولة اليهودية".
لذلك تكون أهم طريقة لتحطيم الصهيونية السياسية و "الدولة اليهودية" التي هي طبيعة اسرائيل، هي أن يترك اليهود واسرائيل لحالهم.
وليفهم العربي ذلك ويصرف النظر عن أن اليهود الذين يعتبرون أنفسهم صهاينة دون أن يطبقوا المبادئ التي تكون الصهيوني، فاليهودي العالمي لم يقم بواجبه الديني الذي تفرضه عليه الصهيونية.
والحاخامات التي أعشت عيونهم الكوارث التي لم يسبق لها مثيل، في عهد النازيين، لم يستطيعوا مواجهة المشاكل التي قامت بوجود "دولة يهودية". وقد تبعوا خط الحزب الصهيوني بسهولة في جميع القضايا، وفشلوا في مواجهة الأسئلة المهمة. وكنتيجة بعد تسعة عشر عاما من الصهيونية كواقع عملي، كل المشاكل الدينية الإسلامية، بقيت بدون حلول. وجواب الحاخامات على هذا الاتهام هو أنه تحت ظروف السنوات الحاسمة لوجود الدولة (إسرائيل) كل من الخطأ أن يغامر بتقسيم اليهود بطرح مشاكل جدية مثيرة للشقاق. وكانت نتيجة مؤامرة صمتهم كارثة على الديانة اليهودية، فلم تكن أقل من انهيار تام للتفاهم على الصعيد الثقافي.
والحاخامت يعرفون أنه إذا كانت إسرائيل حقيقة هي "صهيون" الصلوات اليهودية وحلمها ونبوءتها، إذن على كل يهودي أن يحرك الأرض والسماوات ليذهب إليها. وإذا لم يفعل ذلك فهو لا يومن – حسب المنطق الصارم (البضاعة التي نادرا ما يستعملون – أن الدولة الحالية هي تحقيق للنبوءة اليهودية التي هي إرهاص لعهد المسيح المنتظر حيث ستعيش الأمم جميعا في سلام ورضا. ومن تم، فهناك عدد من الأسئلة غير المجابة، مثلا ما هي الدولة اليهودية؟ إذا كانت هي التي أغلب سكانها يهود، فكيف تضمن تلك الأغلبية، على مدى الزمن؟ هل تقفل حدودك لغير اليهود من المهاجرين؟ تحرم اعتناق الأديان الأخرى؟ تفرض ضرائب ثقيلة على أطفال غير اليهود، تدفع علاوات للعائلات اليهودية؟.
تستطيع عمل أحد، أو كل هذه الأشياء – التي كلها غير ديمقراطية إذا لم تكن غير إنسانية ومقيثة. وحتى ولو أخذت كل هذه الخطوات، فلن تزال غير قادر على السيطرة على السكان وضمان بقاء الدولة يهودية للأبد.
وهناك في الواقع خطر حقيقي من أن نسبة المواليد العربية الحالية، والتي هي أكثر أربع مرات من نسبة مواليد اليهود، سوف تخلق وضعا يجعل من إسرائيل بلدا غير يهودي في ظرف المستقبل القريب، ولا بد من مواجهة حقيقة أنه ليست هناك طريقة إلا التشريع اللاإنساني واللا ديمقراطي يمكن به تخليد الدولة غير اليهودية، سواء كانت في غسراءيل أو في مكان آخر.
وإسرائيل بدأت تفهم هذه الحقيقة بالتدريج، وقد تعرضت الجهود لإيقاف زيادة السكان غير اليهود، لمعارضة عنيفة حتى من طرف اليهود الغسرائيليين، وقوانين تحديد الزواج مثال على ذلك. وعلى اي حال، وكيفما كانت معقولية محاولات التشريع للإبقاء على الأغلبية اليهودية، فلابد من أن يخلق الواحد شيئا ضد صميم التعاليم اليهودية: مواطن الدرجة الثانية، لأن مواطن أي بلد لا تقابل الدولة ابناءه بالترحيب لا بد أن يكون مواطنا من الدرجة الثانية. الآن وبينما، كما قال الحاخام الدكتور "لويس يعقوب" أن اليهودي لا يؤمن أن النطق وحده يعطي جميع الأجوبة، إذن لابد أن يكون هناك (منطق الإيمان)(3) .
ولا يستطيع أي يهودي أن يعتقد أن الصهيونية مهما كان معناها، يمكن أن تغني بناء سياسيا غير ديمقراطي على أحسن تقدير، وعنصريا على أسوئه، ولكن في نفس الوقت ليس هناك يهودي يستطيع تأمل الثلاثين سنة الماضية من تاريخ اليهود، وكارتة النازية، ومعجزة – أ, على الأقل شيء غير عادي سياسيا – تكوين دولة غسرائيلية دون أن يعتقد أن هناك نموذجا ما لتاريخ اليهود، والحوادث الحالية، ووضع هذه الحوادث في عداد الصدفة المحضة، معناه عقليا مسح 4000 سنة من تاريخ اليهود، على أنها خطأ، واعتبار الصهيونية أضخم الأغلاط جميعا. والمشكلة الحقيقية بالنسبة لليهود، هو تقرير ما تعنيه الصهيونية في السياسة العملية. هناك سيتبين أن النوع السياسي الوحيد الممكن للدولة التي يمكن أن تجعلها الصهيونية مطابقة للتعاليم اليهودية سيكون كذلك نوع الدولة التي سيقبلها العرب.
أقدامنا ستكون راسخة على الأرضية التي يتقابل فوقها العقل والنبوءة بأكثر من طريقة واحدة.
أي محاولة دقيقة لتعريف المشكل من وجهة النظر العربية سيعصف ببعض الحجج العزيزة، دع عنك الدوران في حلقات جدلية عميقة ومضيعة للوقت.
تقسيم المسؤولية عن مأساة اللاجئين العرب ليس مهما كحلها، وتبادل التهم لا يزيد إلا في المخاوف والأحقاد، المهاجرون لم يسمح لهم أن يعودوا غلى ديارهم، ولا أن يعرضوا عنها، لابد أن هذه بقعة سوداء على ضمير العالم، وخاصة على ضمير اليهودي والعربي على السواء.
المال ينبغي أن يوجد لإعادة إسكان وتعويض هؤلاء المنبوذين المساكين، وفي الواقع لا يمكن أن يكون الحصول عليه صعبا من الولايات المتحدة وهيئة الأمم وغيرهما إذا اتفق الجانبان أن يبدأ العمل، هذا ما لا محيد عنه، إذا كانت إسرائيل واليهود في أي مكان يرغبون في الحصول على السلام، ومن الحجج أن يقول بسهولة أن اللاجئين العرب يمكن أن تمتصهم الدول العربية الأخرى، وبينما يمكن لفرنسي مثلا أن يشارك اليهود هذا الرأي عن العرب، اشك في أنه سيرى عدالته إذا اقترحنا أنه في حالة إخراجه هو من أرضه أن هناك نصف دسته من البلاد الأوربية الكاتوليكية حيث يمكنه أن يستقر.
كلا، وليس هناك اي عدالة في الاعتقاد، أن اللاجئ العربي الذي ترك كل ما يملك في فلسطين، أن ذلك ليس غلا مقابلا لما تركه يهودي آخر، أخرج بالقوة من بلد عربي، كلتا الحجتين واسع وغير أخلاقي.
ولكن كيف يمكن لإسرائيل في الجو السياسي الحالي أن تأخذ ما يقرب من مليون لاجئ عربي؟ ألن يكون ذلك كما لو سألنا انجلترا سنة 1938 أن تأخذ 25 مليون مواطن انجليزي سابق من الذين كانت لهم ميول فاشستية. وما دامت إسرائيل محاطة ببلاد عربية معادية، فإعادة اللاجئين تبدو غير ممكنة.
الخوف يحتل جذور المسألة، إسرائيل تخشى تكوين طابور خامس إذا سمح للعرب بالعودة، والعرب يخشون توسيع غسرائيل على حسابهم. والحل ينبغي أن يكون بإزالة مخاوف العرب، وإعطاء الحق لللاجئين، وضمان دخول غسرائيل لجميع اليهود في حالة ما إذا أرادوا الذهاب إلى هناك. وأي حل لا يرضي هذه الشروط الثلاث سيكون غير مقبول.

الحلــــــول
إذا كان تحديدي للمشاكل ربما قد أطاح ببعض المشاعر العزيزة، فحلولي المقترحة ستكون تحديا زائدا لها، ولكن "الأوضاع المتطرفة تقتضي إجراءات متطرفة". واقتراحاتي ليست متطرفة بقدر ما هي طويلة أجل التنفيذ وبوتوبية (طوباوية). ولكن السياق الذي جاءت فيه يشتمل على تكوين دولة تزعم اصحابها أنها إحياء للأخرى وجدت قبل ألفي سنة بزيادة خليط الأفكار الكتابية والنبوية والتاريخية التي حشرت داخل سياسة إسرائيل اليومية – يظهر أنه يجعلها – حلولي- تقريبا طبيعية- بالنسبة لي على الأقل. ويجب اعتبارها على الأقل أهدافا تقصد، أو منشورات يمكن الرجوع إليها عندما تفشل جميع المحاولات.
بخصوص مشكلة اللاجئين، الحل يبدأ "بقانون عودة دولة غسرائيل" الفريد، الذي يمنح الجنسية آليا لأي يهودي ذهب لاسرائيل وطلبها. هذا القانون، رغم أنه وضع داخل نطاق يهودي يجب أن يوسع فيقرأ هكذا:
"أي لاجئ، لأسباب سياسية أو دينية حرم من الحرية في بلده الأصلي يمكنه الحصول على جنسية إسرائيل". هذا سيتيح للاجئين العرب الفلسطينيين حق العودة لبلادهم لأنهم لاجئون سياسيون.
ووجود دولة إسرائيل في حدودها الحالية ينبغي أن يضمنه ليس معسكر قوة، بل هيئة الأمم وفي مقابل هذا تضع القوات المسلحة الإسرائيلية نفسها تحت تصرف هيئة الأمم، وتستعمل كقوة محافظة على السلام في الشرق الأوسط. وليس هناك أصلح من هذا لاسرائيل، ولا أكثر لكبريائها الوطني، وفي نفس الوقت هذا الترتيب سيزيل مخاوف العرب من دولة إسرائيل معتدية.
والحركة الصهيونية ينبغي أن تتحول إلى منظمة دولية تشمل جميع الفرق الدينية، وتجمع المال لإقرار اللاجئين – أي لاجئ – في إسرائيل إذا كانوا يرغبون في ذلك، وربما تفكر إعطاء منح لطلبة البلاد المتخلفة للدراسة في إسرائيل إذا أمكن التغلب على بعض العراقيل.
وأخيرا ينبغي أن تصبح مدينة القدس المشرقة بالنسبة لليهود والعرب والمسيحيين على السواء، مركز العالم، وعاصمته الدينية، لأن الأديان الثلاث كلها تتوجه جميعا لعبادة إله واحد، اليهودي والعربي والمسيحي في عملهم معا سيصبحون تحديا فعلا للأدينة العسكرية في العالم، ومن المناسب أن تصبح مدينة القدس، مركزا للمنظمات الدولية العظيمة التي تعمل من أجل السلام، ومكافحة الفقر والمرض، وستجمع الأموال لإنشاء هذا المركز، بعض وظائف هيئة الأمم ينبغي أن تمارس في مدينة القدس التي ستصبح مدينة دولية تحت وصاية هيئة الأمم الإدارية عن طريق دولة إسرائيل.
وبهذا ستحقق نبوءات كتابية عدة كما علق عليها الحاخام الانجليزي الراحل سيمون سينجير(4).
"في ذلك اليوم سيكون طريق بين مصر وسوريا، وسيصلي المصريون مع السوريين في ذلك اليوم  ستكون إسرائيل ثالثة مصر وسوريا، بل بركة في وسط البلاد، وسيباركها قائلا بوركت مصر وسوريا صنع يدي وإسرائيل تركتي".
(في كتاب اشعيا 14، 23-25) ويتطلب ذلك شجاعة غير قليلة أن يتنبأ الإنسان في هذه الظروف العصيبة. إذ إبراز عيوب الناس لهم، كذكر حسنات خصومهم. ولكن هؤلاء الناس ما كانوا يبحثون عن الشهوة بل عن الحق. وبقدر اتساع وعمق ينبوع الحق الذي وجدوه وفتحوه للعالم تعاظم حبهم له. امتيازهم كان أنهم لا ينظرون فقط غلى وراء زمنهم، ولكن أن يروا الوضوح ما يمكن أن يخلق في عقول الناس. كل عائلات الإنسان كان عليها أن تكون وريثة للعصر العظيم الذي توقعوه. "لأنه من جبل صهيون سينطلق قانون وكلمة اله من القدس." (أشيعا 2.3 )(5) .
فرض الله على غسرائيل عهدين، كما قال أحد علماء التلموذ:
الأول : أنهم لن يتخذو العنف وسيلة لإرجاع بلادهم.
والثاني : ألا يثوروا على الأمم التي يعيشون بينها. ومعنى ذلك أننا ينبغي أن نتخذ قوة التاثير الأخلاقي لا المادي وسيلة لتحقيق أهدافنا ومتلنا.
"لا بقوة ولا جبروت، ولكن بروحي، قال الرب".(6)

خاتــــمة :
هنا انتهى مقال مارك براهام، عربته للقارئ بجذافيره وحرصت على أن يكون طبق الأصل مراعاة لأمانة الترجمة.
وهو كما قلت لا يعبر عن وجهة النظر العربية ولا الصهيونية. وهو محاولة مخلصة من طرف مفكر يهودي يحب قومه ويريد لهم السلام والأمن، ولا يرى أن القيادة الصهيونية ستنتهي بهم إلى ذلك السلام الموعود.
وأ÷م ما يثير هذا المقال بالنسبة للقارئ العربي هو ما سأورده في الخلاصة التالية:
1- المعضل العربي الإسرائيلي ممكن حله إذا عرضناه بطريقة مناسبة وحددنا مواضيعه بإخراجه من الفوضى العاطفية التي اكتنفته.
2- اليهود لا يؤمنون جميعا بأن إسرائيل هي تحقيق النبوءة الكبرى التي صلوا من أجلها العصور الطوال. والدليل ركود الهجرة إليها، بل هجرتهم منها إلى الغرب.
3- إسرائيل بالنسبة لليهود هي "عقد تأمين" فقط، بحيث إذا شعروا بالاضطهاد في بلد ما هاجروا إليها. ويتلاشى اللاسامية من المجتماعت الغربية وجد اليهود حاجتهم إلى مهرب خاص بهم (إسرائيل) تضعف يوما عن يوم.
4- الفجوة الثقافية تتسع بين يهود الغرب ويهود إسرائيل، مما سيضعف أو يلغي التعاون اليهودي الدولي على غبقاء إسرائيل.
5- الحركة الصهيونية قادرة على البقاء فقط لوجود اللاسامية. فهي تتغذى على الكراهية الموجهة ضد اليهود في البلاد الأخرى. والعرب بدعايتهم ضد الصهيونية – التي لا يفرق اليهود بينها وبين ديانتهم – إنما يساعدون على تقوية ما يريدون تحطيمه. فعلى العرب أن يتركوا الصهيونية ويتجاهلوا إسرائيل إذا أرادوا التخلص منها.
6- لا مفر من صراع ديني داخلي قد يؤدي إلى تشتيت اليهود أكثر إذا استقرت الأحوال السياسية بإسرائيل، وقام رجال الدين بمواجهة الميكيافيلية والدكتاتورية الصهيونية التي عومل يهود العالم من أجل اغتصاب فلسطين.
7- كيف ينوي الصهيونيون المحافظة على إسرائيل كدولة يهودية دون اللجوء إلى وسائل عنصرية لا إنسانية ولا ديمقراطية. العرب يتكاثرون أربع مرات أكثر من اليهود. ولا بقاء اليهود أغلبية، لابد من خلق مواطن الدرجة الثانية، الشيء الذي هو ضد صميم التعاليم اليهودية.
8- حل مشكلة اللاجئين يبدأ بتعديل قوانين إسرائيل الأساسية، اي بقبول جميع اللاجئين السياسيين يهودا وغيرهم.
9- وجود غسرائيل ينبغي أن تضمنه هيأة الأمم. لا الجيش الإسرائيلي، وينبغي أن تصبح مركزا دينيا لجميع الناس، وتنتقل إليها جميع المنظمات الدولية المهتمة بشؤون الأقليات.
هذه أهم النقاط الواردة في مقال "براهام مارك" ولا أشك في أن بعضها يمكن أن يثير جدلا عنيفا بالنسبة للطرفين المتخاصمين. وقد كان "براهام" وهو يكتب مقترحاته واعيا بهذا.
الأمة العربية في وضعها الحاضر أحوج ما تكون غلى الأفكار الجديدة. فهي أمام عدو جبار يحيل مراكز قوتها إلى مراكز ضعف. وقد آن الأوان للتعلم منه واستخدتم فنونه وحبائله. فتلك هي الطريقة الوحيدة للتغلب عليه.


(1) – The Gordian Knot عقدة غورديوس في اساطير الاغريق هي عقدة صنعها "غورديوس" إله "فرجينيا" الأسطوري وأعلن أنها ستحل فقط لمن سيحكم آسيا. ويحكى أن الاسكندر المقدوني قطعها بسيفه. ويعنى بها هنا المشكل الذي لا حل له.
American Cpnsel For Judaism : 201 E. 57 St. N.Y . 10.022- . (2)
(3) – عندنا سبب للإيمان (لندن 1962).
(4) – مخلفات فضيلة سيمون سينجير الأدبية اختاره وصححه غسرائيل أبراهام.
(5) – "فكرة انبعات المسيح في اليهودية". محاضرة ألقيت بالجمعية الأدبية بالكلية اليهودية، لندلن 22 ماي سنة 1887.
(6) – من محاضرة بعنوان : "اليهود في علاقاتهم مع الأجناس الأخرى" ألقيت بمعهد South Place لندن، 9 مارس سنة 1890.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here