islamaumaroc

من عناصر الحضارة الفكرية في الإسلام

  دعوة الحق

العددان 108 و109

إن كلمة "حضارة" من الألفاظ التي ساعدتها الأيام ومنحتها دولة وخولتها سلطانا واسعا ووهبتها رواجا يجسده عليها كثير من الألفاظ، كما يحد من الناس ذوي المناصب الراقية والجاه العريض. وبمقدار ما لمع كوكبها وسطع وهجها أحدق بها الغموض والتناقض، فكأنها فتاة حسناء يعجبك منها نضرة النعيم، والجمال الساحر، والمنطق العذب، وفي نفس الوقت تحس بمرارة لا تعرف سببها: فقد يكون لأنك لم تحظ بالاستماع بها، وقد يكون لأنها تسير على مذهب سلوكي ليس عندك من المذاهب المحمودة، وقد يكون مائعا مبتذلا. ولكن مجموع تلك الخصال التي لا تحبها مجموعة إلى صفات تحمدها هو الذي أضفى عليها هذه البهجة التي جعلتها كمتاع الحياة الدنيا ممقوتا بغيضا، لكنه نعم مطية المومن إلى الجنة.
إن الحضارة أريد منها أن تؤدي وظيفة إحلال كل شيء حيث يحبذها العقل والعاطفة: فإن اختلفا ىثرت ترضية العاطفة على ترضية العقل. فإن اتفق العقل ةالعاطفة فلا شيء يعدل هذه الحضارة وهي في خدمة الإسلام والدين: فإن مما تجملت به الحضارة أنها حققت الكثير من الأغراض الإسلامية في صورة رائعة قاتنة: فإذا سمعت الأمر النبوي بإماطة الأذى عن الطرق: فإن الحضارة وصلت بهذه الشعبة من الإيمان إلى أعلى مستوياتها، فطبقتها في تعبيد الطرقات، وطبقتها في وضع قوانين السير، وطبقتها في تنظيمات البلديات، وطبقتها ببناء القناطر والجسور، إلى غير ذلك مما يتصل بالمواصلات البرية والبحرية والجوية. وبنت لذلك المراصد لتعرف حالات الجو وشأن الملاحة به. ووضعت في البحر الميناء، واتخذت حراسات الشواطئ لتأمين الطرق البحرية. ويدخل في ذلك حفر قناة السويس، فإن التراب كان أذى في الطريق من شأنه أن يضاعف مسافات السير. وتحت الأنفاق في الجبال من باب إماطة الأذى  عن الطرق، لأنه يذلل حزونها ويقرب بعيدها.
وكذلك حققت الحضارة غرض الشارع في أكرام اليتيم بما أحدتته من المؤسسات التي تؤوي إليها القاصرين، بما فيها حنان وتربية وحسن تغذية، وتعليم قد يصل باليتيم غلى ما يبلغه من لهم آباء أثرياء مكرمون.
وكذلك الشأن في إقامة العدل، وحث على الأقساط، فإن هذه المرافعات العلنية وهذه الرحابة الصدرية بما فيها من تكوين أطر القضاة والمحامين، كل ذلك مما يحول بين الظالم وتحقيق كل أطماعه. زيادة على أن من لم يكن لهم مال ليقيموا لنفسهم محاميا يدافع عنهم فإن الدولة تقيمه دفاعا عن جقهم.
وجققت الحضارة قصد الإسلام في نشر المعرفة بما قننته من وجوب التعليم ومحاربة الأمية وتكوين الأطر والعمل على رفع المستويات التعليمية، وإدخال التعليم والعمل على رفع المستويات التعليمية، وإدخال التعليم في صلب نظام الدولة. وقد حققت الحضارة الكثير من المقاصد الإسلامية، في القطاع الذي يتفق فيه العقل والعاطفة والإيمان. وأصل الحضارة وعمودها الفقري هو التعليم وتكوين الأطر، وتشجيع البحث العلمي، والإقبال على المخترعات الحديثة، ومن أهم أسباب للتبليغ : كالصحافة، والإذاعة، والتلفزيون فيما أصبحت كلمة الإسلام مسموعة: في وسع كل مسلم أن يستمع إلى القرءان الكريم، والعظات البالغة، والإرشادات القيمة. وهذه الوسائل هي التي ربطت أجزاء العالم الإسلامي، فأصبح المغرب لا يبيت إلا وقد عرف العالم الإسلامي كل ما يهمه الاطلاع عليه.
وسهلت الحضارة فريضة الحج، حتى صار الحاج من أقصى بلاد الدنيا يمكنه أن يصل إلى البقاع المعظمة في بضع ساعات، ويمكنه أن يأتي بحجه كاملا دون أن يكلفه ذلك أن يتغيب عن بلده أكثر من أسبوع أو بعض أسبوع إذا أراد، حتى ولو كان في الصين أو جزر الملايو، ومن كانت عليه مسؤوليات فإنه يتصل أية ياعة أراد بما يريد أن يعلم ما يهمه.
فهذا هو الجانب المضيء المفيد من الحضارة، والقصد الشرعي منها هو هذا. أما الانحرافات فافتراضات وزيغان، كزيغان حامل السلاح المعد لدفع الأذى، يستعمله في الفساد والقمع والطغيان، ويتسلط به على الضعاف فيسلبهم حريتهم وبلادهم. وليس من الحق أن نمقت الحضارة لأنها سهلت وسائل الطغيان، ومهدت هدم الحياء والمروءة، فإن المفسدين كانوا أشد ضراوة في الهمجية منهم في الحضارة التي تقوم على أساس من الانسانية والرأفة والشفقة.
وفي فضل هذه الحضارة نعيش، فهي التي وصلت بالأمم القوية التي كانت تستعبد الشعوب: كانجلترا وفرنسا وهولاندا، وصلت بهم إلى أن يقرروا حق استقلال الشعوب ومنحها حرياتها. وإذا كانت هذه المبادئ لا تطبق بصورة كاملة، ولا يزال بشعوبها الشيء الكثير من الحيف والظلم وتسلط القوى على الضعيف مثل ما فعلته أمريكا حينما ناصرت "الصهاينة" على العرب والمسلمين، فإن سلوكا من هذا النوع لا يدل على أن الحضارة جانية آثمة، وإنما يدل على: أن حضارتنا لا تزال ناقصة مبثورة، لم تصل إلى المستوى القرءاني، وأن الذين يطبقونها لم يستوفوا الشروط القرءانية، وإنما تقدموا لها لأن الحاجة وقلة الامكانيات من الأطر الصالحة فرضت تقديمهم نظرا لأن بهم بعض شروط الكفايات التقنية. فإن الله يقول "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ةبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون". فالمطلوب لإقامة صرح كامل للعبودية لله التي هي سعادة الدنيا والآخرة : تخطيط كامل؛ واستعداد كامل للضطلاع بمأمورية تطبيق هذا التخطيط بحذافيرها. هاتان الصورتان الأساسيتان لفهم هذه الآية. ثم تأتي قاعدتها ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، وهي ثالثة الأتافي: ألا وهي الحضارة التي تعد صورة كاملة لتقديم هذه الفمرة في أحسن وضع وبراعة إخراج. فإن القصة الرائعة يعرف قيمتها خيرة الناقدين، ويجيد إعدادها خيرة المخرجين.
وإذا قال قائل: أن الحضارة تساعد على الفساد، وتتفنن في خرق الخلاعة، وتعمل في بعض قطاعاتها على نسف الأخلاق والإتيان عليها من أساسها. إذا قيل هذا – وهو صحيح – فإن البلاء لم يأت من الحضارة، وإنما أتى من أناس خبثت نفوسهم فكلما وقع عليها لوثة خبتها، كالمكاريب والأوبئة. والمثل الحكيم الذي يضربه الله للناس يهتدي به ذوو النفوس الطيبة ويضل به الأشرار والفجار، وأقرأ قول الله سبحانه: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها. فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا. يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين".
والحضارة ظاهرة من ظواهر الكون يضل بها كثيرون ويهتدي بها كثيرون، وقد توفر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم: القرءان، والمتقون، والحضارة الإسلامية في نضرتها الأولى. وما اختلف الناس إلا بعد أن تفاوتت مستوياتهم الثقافية الحضارية تفاوتا ذكره الله سبحانه في كتابه فقال : "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى"ووصل الأمر باختلاف المستويات إلى أبعد الحدود، فكانت الحروب بين طائفتين عظيمتين من المومنين. وقد تكون المهاجرون والأنصار تكونا هادئا طويلا، فعاشوا إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم السنين والشهور، فكان تكوينهم تاما ناضجا، حتى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فتضخم المجتمع الإسلامي حتى اصبحت الأطر من السابقين الأولين لا تكاد تذكر. وشعر سيدنا عمر رضي الله عنه بالخطر، فطبق خطة الحضاريين الأولين من الفينيقيين والرومان، وخطة المضاربين المتأخرين أيام الاستعمار الأوربي. ولعل من المناسب أن نراجع مخلفات الاستعمار الفرنسي ببلادنا في هذا المغرب العربي الكبير: فإنهم لما دخلوا المغرب، وهو قطر تاريخي واسع عظيم، راجعوا حساباتهم من حيث الأطر، فوجدوا رصيدهم منها ليس بالشيء الكثير، وأنهم أن شتتوه في الأقاليم ووزعوه في القبائل والمدن والسهول والجبال، لم يغن ولم يحدث أي أثر يذكر. فتركوا المغرب، وتخيروا أخصب بقاعه، فاتخذوا من الدار البيضاء والرباط والقنيطرة فيها نظاما نموذجيا حضاريا على أحسن صورة توجد خارج الوطن الأم لفرنسا، وجمعوا في هذه المنطقة جميع إمكانياتهم الإدارية والمالية. وأبقوا بقية القطر، وكأنها بلاد تابعة لوطن أم ضغير هو منطقة البيضاء، الرباط، القنيطرة، وأطلقوا يد التصرف للولاة الذين تعاونوا معهم. ومثل هذا كان يفعله الفينيقيون والقرطاجيون والرومان. وما أنشأ القرطاجيون "قرطاجنة" إلا بعد أن تكون لديهم إطار هائل من الإداريين الفينيقيين والمغاربة، بل أن الأغلبية كانت مغربية. ولهذا يعتبر أهل الشمال الإفريقي دولة القرطاجيين بقرطاج، الأمر من بعد ذلك ايام الرومان، الذين ألحقوا الشمال الإفريقي بالبلاد التابعة لرومة. لكن "قرطاج" كانت للقرطاجيين هم الوطن الأم.
هذا التدبير البديع في الاستفادة من الأطر. والحرص على عدم تفتتها هو الذي عمل به أمير المومنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث منع كبار الصحابة من الخروج من المدينة. وكان رضي الله عنه يقدر قدر هذه الأطر الكاملة. فلذلك لما استحر القتل في القراء باليمامة في محاربة سليمة ارتاع وقصد ابا بكر حتى اقنعه بوجوب تسديل المحفوظ من القرءان. وكانت مهمة هذا الإطار البديع المكون من السابقين الأولين رضي الله عنهم، مهمة شاقة عسيرة. فعليهم أن يعلموا هذه الخلائق التي لا تحصى من المسلمين الجدد، عليهم أن يعلموهم كل ما أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل. أقول من عمل فقط دون أن أقول علم وعمل، لأن شعور الخليفة الثاني رضي الله عنه بخطورة الموقف، ومسيس الحاجة إلى هذه الأطر الكاملة حضاريا وإيمانا وحكمة، جعلته يسلك سلوك التقشف حضاريا وإيمانا وحكمة، جعلته يسلك سلوك التقشف والتوفير: فخطر عليهم الحديث، إلا تحت شروط صارمة، لأن اشتغالهم بالعلم يأخد منهم الكثير من الوقت الذي يحق أن يصرف في العمل: عمل الجهاد، ومعاملة الأمم المغلوبة، وتدبير شأنها بصفة خلاقة إبداعية اجتهادية. فكانت النتيجة أن سبب منهم التوفير العمري، تمكن من بناء قواعد راسية، لبناء عالم غسلامي واسع طويل عريض، بناء ضمن لأبنائه الخلود، فإنهم اقاموه على أساس الثالوث الرائع : القرءان المخطط، والمتقين الحكماء المطبقين لهذا التخطيط في سياسة الشعوب والأمم، الحضارة الثقافية المحيطة.
فلما احتاج الخلفاء بعد عمر غلى الاستفادة من الإطار الجاهلي، الممثل في مسلمة الفتح، انخفض المستوى درجة. والحديث عنه يحتاج لوقت مستقل. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

فماذا أقول أنا ؟
وقعت آجرة ولبنة في الماء. فقالت الآجرة : وابتلالاه !! فقالت اللبنة : فماذا أقول أنا؟؟.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here