islamaumaroc

نكبة فلسطين في الشعر المغربي الحديث -2-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

تقدمت الإشارة إلى أن الشعر العربي المعاصر واكب مأساة أرضنا السليبة، المغصوبة في فلسطين خطوة، خطوة، ومرحلة، مرحلة؛ الأمر الذي أتاح لبعض الباحثين العرب أن يستخلصوا من هذا الشعر حكاية المأساة من جذورها؛ وإنما أكرر الإشارة إلى ذلك لأقول بأنه إذا كان الشعر العربي في المشرق قد صور حصيلة المأساة من ألفها –كما يقال – فإن صنوه في المغرب قد حمل نفس الرسالة، وأدى عين الأمانة.
لقد كنا جميعا، هنا في المغرب، وهناك في فلسطين، نعاني من ويلات الاستعمار ونتجرع من مرارته؛ هناك كان الاستعمار الانكليزي يمكن للذئاب الصهاينة ليكونوا دمى تحركها أصابعه كيفما شاء، وهنا كان الاستعمار الفرنسي يسعى جاهدا من أجل تثبت شملنا وتمزيق وحدتنا "بابتكاره" السياسة البربرية؛ كان جرحنا، إذن، واحدا، يؤلفنا فنلتقي على أشجانه – كما يقول شوقي- ،،، و "اللقاء على أشجان الجرح" نستطيع أن نشهد فيما رسمه الشعر المغربي من لوحات لكنبة فلسطين انطلاقا من وعد بلفور المشئوم إلى نكسة 5 يونيه المقيتة .. فها هوذا الأستاذ الشاعر عبد الله كنون يتحدث في قصيدة له بعنوان "رثاء بلفور"(1) عن هذا الوعد الذي يحمل بين طياته موتا زؤاما للأمة العربية، وكيف يجب أن يكون حقنا أقوى من بطل الأعداء، فنهب لتمزيقه بجيوشنا ونقبره ونذيق الموت من يسنده ويعمل على تحقيقه، وندفع عن القدس الشريف يفي البغاة، وعسف العاسفين:
لك الخيرات يا ناعي الطعام
        فأبرد حر أنفسنا الظوامي
قضى بلفورهم فليقض وعد
       أتانا فيه بالموت الزؤام
هو الايعدا يحمد فيه خلف
       وأن سمو بالوعد التمام
ولكن سوف ينقض منه عقد
       وينسى ذكره بين الأنام
ويدمع حقنا بطل الأعادي
       وكان البطل داعية انهزام
نمزقه بأطراف العوالــي 
       إذا هجنا وبالجيش اللهام
ونقبره ونقبر من يراه
       سبيلا للتعدي والترامي
ونحمي قدسنا من كل باغ
يقول أنا لكم في القدس حام وتعتبر ثورة فلسطين سنة 1936 علامة كبيرة على السخاء بالدم والتضحية بالنفس في سبيل كرامة الوطن؛ فلقد أضرب المواطنون، بمختلف طبقاتهم، عن العمل من 15 أبريل سنة 1936 إلى 12 أكتوبر من السنة نفسها، ولم يلبث هذا الإضراب أن تحول إلى ثورة مسلحة دامية(2)  ، ارتعشت لها فرائض الصهاينة وأحسوا بالخطر يتهددهم، يصدر لنا ذلك عبارة وايزمان : " أن اليهود يقفون في أخطر ساعة في تاريخ حركتهم". وهذه قصيدة "عربي حر"(3)) للأستاذ الشاعر عبد الله كنون، نظمها إعجابا بروح تأثر جريح من ثوار 1936، سأله المندوب الانجليزي حين وقف بجانب سريره في مستشفى بالقدس : ما يؤذيك؟ فأجابه : أن أراك، فتحملها المندوب على مضض، ثم عاد يسأله : هل تريد شيئا؟ فقال:  نعم، أن تخرجوا من فلسطين وتدعوها لأبنائها، وليس حديث الأستاذ كنون عن العربي الحر الثائر إلا حديثا عن العرب الأحرار الثائرين في فلسطين الذين لا يوهن الجرح عزمهم ولا ينال من إيمانهم بحقهم :
عربي سيـــم خسفــا وهــوانا     
               أترجــى منــه سلــما وأمانــا؟
هــو نضــو البــؤس إلا أنــه
               ناقم يسعـــرها حربــا عوانــا
أتظن الجرح أوهــى عزمــه؟
              ساء ظــنا بالفدائــي وشانــا
جذوة للحقد لم تزدد على 
              نفخها إلا اضطراما واضطــغانا
عد عن إسعافه في بؤســه 
             أنه أولــى له أن يتفانــا
عد عن تنميق ألــفاظ لــه
             لست تلقى منه ضــعفا أو ليانــا
لا تساومه على إخلاصــه
             إنه لله بالإخلاص دانــا
أتمنيــه وقـــد أثخنـــته
             فعل صياد بكى الصيد دهانــا
ما مناه وهو من آلامه
             في أسار غــل عقلا ولسانــا
ما مناه غير أن تتركه
             يتملى الموت أما الموت حانا
أن طعم الموت أحلى عنده
             منك إذ توليه عطفا وحنانا
وكذاك الحر يصمي قلبه
             أن يرى الظالم يزداد افتتانا
ويختم الشاعر قصيدته موجها خطابه لأبناء فلسطين منوها بشجاعتهم واقتحامهم جاحم الموت، ليس لهم إلا الصبر والعزم يردون بهما نيران العدا، وهم بذاك، بثورة سنة 1936، ضربوا للناس، كل الناس، أمثلة رائعة في البطولة والتضحية والفداء، وهم بذلك باتوا قدوة حسنة للذين ينشدون للشرق صروح التقدم والازدهار:
إيه أبنــاء فلسطيـــن لقــد 
           خضتم لج المنيات عيانا
واقتحمتم جاحم الموت فلم
           تأتلوا فيه ضرابا وطعانا
صبرا ليس يبالي واحد
           بألوف من علوج تتدانى
عزلا إلا من العــزم الــذي
           رد نيران العدا تحكي الجنانا
فضربتم للورى أمثلة
           عز أدراك لها أو أن تدانى
وغدوتم قدوة حسنى لمن
           يبتغي في الشرق أن يبني كيانا
ورفعتم هامة العرب التي
          أطرقت من ضربة الدهر زمانا
فثباتا في مجال الموت أو
          تأخذوا الحق وتستوفوا الضمانا

يا سادة :
المؤامرة على فلسطين كانت وحشية ضاربة، توالت فصولها في قتامة دموية؛ ومع ذلك انصرف بعض حكام العرب، يومئذ، عن العمل الجدي من أجل إنقاذ فلسطين من برائن الاستعمار ومخالب الصهيونية، إلى الاختلاف والتناحر فيما بينهم وإرضائهم أهوائهم الشخصية، على حين كان الاستعمار الغربي وكانت الصهيونية القذرة، يجريان مسعورين، خبثين، دنئين، من أجل إيجاد وطن لليهودي التائه ومأوى له ولما تأكد من أن الأمور قد بلغت غايتها أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر سنة 1947 قرارا بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية؛ وبذلك شردت منظمة الأمم أمة في العراء وأخرجتها من وطنها ظلما وعدوانا ! 
ولقد صور شعرنا أحاسيس أمتنا إزاء القرار الظالم الذي أصدرته هيئة الأمم، وجهر بحملة شعراء على الاستعمار والصهيونية، ومن ذلك شعر لمحمد العربي الآسفي، يقول في أوله :
أمة العرب حان وقت العراك
       في سبيل الوفا وصون حماك
نحن جند يهوى الفداء ويهوى
      موتة العز في ظلال رباك
سوف تدري وسوف يدري أناس
      عاضدوا الظلم في سبيل شقاك
أننا الغضب في يديك وفاء 
      لعهود مقطوعة لعلاك
إننا النار والدماء لقوم
      خذلوا الحق رغبة في رداك
نحن قوم نرى الممات بعز
      خير فخر نحوزه وملاك
دول الغرب اسمعي صوت شعب
      عربي قد طال منه التشاكي
ثم يمضي الشاعر مبينا أن حكم مجلس الأمن بالتقسيم كان جورا وضلالا، و"ناصحا" للهيأة الدولية بجعل العدل أساسا لبنائها، فالحكم بالتقسيم ظلم وجور أسخط الحق، فثار شرارا ضد بقائها، ثم يعيب على المنظمة الدولية عدم تقييدها بميثاقها، ويختم قصيدته موضحا لها أن العرب لا يخشون قوتها وبطش مدافعها، وإنما هم يرهبون الحق، والحق وحده:
مجلس الأمن أن حكمك جور
       وضلال ومبعث للعراك
هيأة العالم الموحد سيري
       واجعلي العدل من أساس بناك
أن حكما أمضاه أهلك زورا
       ونفاقا لمصدر لفنــاك
أسخط الحق فهو منه شرار
       مستطير يثور ضد بقاك
خلق اليأس في الضمائر ما قد
       سجلت في رضا اليهود يداك
فمن العار أن تقولي كلاما
       يبعث البشر ثم يرمي وراك
 ومن العار أن تقومي بفعل
       ينقض القول في زمان صباك
هل تظنين أن سيفك أمر
      يبعث الرعب في قلوب سواك
لا تظني أن التحامل أمر
     سوف نمضيه عن رضا للقاك
لا تظني أن المدافع تغر
     بنا على الصمت خشية من لقاك
نحن لا نرهب المدافع لكن
     نرهب الحق وحده لا قواك(4)
وانتفضت نفس شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم للمساعي التي تبذل من أجل تهويد فلسطين، فهتف:
عهدي ببيت القدس وهو مقدس
     والدين دين والبراق براق
وأهم ما للمسلمين شعائر
     من دونها الأرواح والأعناق
عجبي من ابن يهود يعرف قدره
     ويؤم بيض الهند وهي رقاق
إن كان داء الجهل أعماه فكم
     داء له ضرب الطلى ترياق
وإذا أريقت في الجهاد دماؤكم
     فكذا دماء المسلمين تراق
ما كان بالأمر الخفيف سماعه
     فسماعه والله ليس يطاق
كذب اليهود بوعدها بلفورها
    بلفور طسم المسلمين زعاق(5)
قسمت فلسطين، وسرعان ما أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب، وحددت يوم 15 مايو 1948 لسحب قوتها، فمكنت للصهاينة من وضع أيديهم على مواقع البلاد الرئيسية، ومرافقها الحيوية، وأعلن اليهود قيام دولة الشر والبغي، وتقدمت الجيوش العربية إلى أرض فلسطين، تملك صبرا وعزيمة في قوة الفولاذ، ولكنها لا تملك معها غير سلاح هزيل، مغلول، وقيادة موزعة الكلمة، مشتتة الرأي، من ورائها رؤساء زاغوا عن وضح الطريق ومالوا؛ فسدد غليها العدو الضربات العنيفة، وجرعها مرارة الانهزام، وتحرك يعيث في الأرض فسادا، وينشر في أرجائها خرابا ودمارا، وهل ينسى التاريخ فظائع يافا، وجرائم دير ياسين، ومجازر ناصر الدين التي محيت من الوجود محوا، وبذلك بلغت المؤامرة غايتها وأسدل الستار على أفظع مأساة عاشتها الإنسانية منذ فجرها الشارب في أغوار التاريخ ... وتوالت السنون، والشعر باق في المعركة، يرسم بؤس اللاجئين في الخيام، ويحكي لهفتهم إلى الأوبة، ويتحدث، بلغة شفافة، دامعة، عن الأرض السليبة، حيث مراتع الصبا، ومرابع اللهو، ومسارح الأنس، ويعكس صورا من الأرض الطيبة فيها ألوان حيفا، وأعباق ياسين، وغيرها؛ ويوقظ الأنفس، ويستحث الهمم، ويستنفر العزائم؛ وكلما حلت ذكرى المأساة إلا وجلجلت الأصوات من المحيط إلى الخليج تذكي للهب المقدس في الدم العربي، وتدعو إلى الإصرار على العودة وطرد الغرباء الأباش؛ وإذا كان كثير من هذا الشعر يغلب عليه الجانب العاطفي فيطغى على الالتماع الفكري، فإننا لنستطيع أن نقدم نموذجا من الشعر المغربي فيه الفكر لتصغى العاطفة :
عادت الذكرى، وعادت صور المأساة سوداء أمامي عادت الذكرى، فلا الأدمع تشفي غلة القلب المضام لا، ولا الصبر يبيد الحزن أو يهدي شجوني وظلامي عادت الذكرى، وها نحن نقول الشعر، نزهو بالكلام !
ما ستجدينا المنى أو سوف تعطينا الدموع لو قضينا العمر نبكي، ونمني النفس يوما بالرجوع لديار سلبت منا، وعشنا كل عام نبعث الذكرى دموع بدلا من أن نعيد الدار ركنا للخنوع !  
عادت الذكرى لتحيها وتمضي كالآخر وها نحن نعيش العمر دوما للتباكي، للذكر نذرف الدمع على القدس ويافا، لا ندر قرية إلا وقلنا في ضحاياها درر.
عادت الذكرى، وما زلنا نغني لغد لغد ننسجه حلما، ونبنيه منى من عسجد وأراضينا غدت سوقا سخي المورد تاجر يعرضها بيد، ودخيل يشترينا بيد وإذا ما عادت الذكرى نغني للغد! وخطاب ثائر النبرة مشبوب الوريد فنحييه وننسى أنه يشترينا بالخطاب الثائر المحموم؛ صنع المعتدي عادت الذكرى، وما زلنا كأعوام
         لم يزل كالأمس في موطننا ذئب وأغنام
إخوتي، لا، تقولوا سنعود
وربانا، وقرانا كلها ترزح في ثقل القيود لا تقولوها وفي أرجائنا نلمس أسلاك الحدود.
إخوتي، لا، لا تغنوا لأغاني العائدين
لا تغنوها وفينا من يبيع اللاجئين
رددوها يوم تغدو أرضنا ملك الملايين
يوم يغدو شعبنا في وحدة كبرى أبية رددوها،، رددوها يوم نكون ..
شعبنا يحكمه أبناؤه، يوم تكون
أمة واحدة تبعث فيها ثورة الذل الكمين رددوا إذ ذاك "أنا عائدون"(6)
أرأيتم كيف يملي الفكر حين يملي بمبعدة عن تأثيرات العاطفة ودغدغاتها، وكيف يكون وقعه شديدا في أعمق أعماق النفوس وقدرته عجيبة على إثارتها وإقناعها وحشد جهودها.
أما شاعرنا مصطفى المعداوي –يرحمه الله- فقد غنى الوطنية والكفاح والمعركة في شعره، وترك لنا قصائد تصور كل ذلك، غنية بالصدق، طافحة بالمعاناة، جياشة بالتهاب الأحاسيس وثورة المشاعر؛ غير أننا لا نعثر بين صفحات ديوانه على قصيدة من تلك القصائد خاصة لفلسطين، وليس معنى هذا أنه لم يكن يحس بجرح هذا الوطن المنكوب في حناياه؛ أنه، وهو في غمرة التغني ببطولات ثورة المغرب والجزائر، لا ينسى فلسطين الحبيبة وكل شبر مغتصب منها، فاستمعوا إليه وهو يخاطب الجامعة العربية في اجتماعها الذي عقدته بالدار البيضاء:
يا أيها النسر الجموح
أنا لن أغادر معقلي حتى تهب بشارتك
وتمد لي ريش الجناح الناعم
أنا لن أغادر معقلي حتى تعود
ويعود لي شرف الحياة
بموطني أرض الجزائر
وبأرض "يافا" الطيبة
وبكل شبر مغتصب(7)
                                                                     -يتبع-


(1) – عبد الله كنون، "لوحات شعرية" – دار كريمادس للطباعة –تطوان.
(2) – أنور الجندي، "القومية العربية والوحدة الكبرى" نشر الدار القومية للطباعة والنشر –القاهرة.
(3) ) – انظر "لوحات شعرية" ص 17.
(4) – عبد الله كنون، "أحاديث في الأدب المغربي الحديث".
(5) – أحمد الشرقاوي – أقال، "شاعر الحمراء في الغربال" ص 114.
(6) – محمد علي الهواري، "صامدون" –شعر –مطبعة دار النشر المغربية – الدار البيضاء.
(7) – انظر ديوان المعداوي، قصيدة "أغنية للنسر العربي" ص 37.
     
     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here