islamaumaroc

رسالة قصيرة تتضمن أمورا هامة

  دعوة الحق

العددان 108 و109

انعقد في إسلام اباد (باكستان) مؤتمر إسلامي دولي بمناسبة مضي أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم في 10 و11 و 12 من شباط 1968 م وقد دعا إلى هذا المؤتمر معهد البحوث الإسلامية وحضره نحو 20 ممثلا من البلدان الإسلامية والعربية. وكان المشرفون على هذا المؤتمر وجهوا إلى الأستاذ أبو الأعلى المودودي الدعوة لإلقاء البحث فيه. إلا أنه لم يتمكن من ذلك لانحراف صحته واكتفى بكتابة رسالة قصيرة تالية. وبما أن الرسالة تتضمن أمورا هامة على قصرها أحببنا نقلها إلى اللغة العربية ليعم نفعها.

بسم الله الرحمان الرحيم
حضرة المكرم الدكتور فضل الرحمن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : وبعد.
كنت وعدتكم، تلبية لدعوتكم، بأني سأشارك –بإذن الله- الاحتفال الذي تقيمونه في مناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، وأني سأعد مقالا في الموضوع الذي اخترتموه لي لإلقائه في هذا الاحتفال. إلا أنه يؤسفني أني ما كنت أقاسيه من مرض وجع المفاصل منذ عدة شهور ماضية قد اشتدت وطأته في شهر رمضان المبارك المنصرم. ولا يزال في ازدياد واشتداد، حيث أقعدني عن السفر. كما أني لا أكاد استطيع لأجله القيام بعمل جاد ذهني. وعلى هذا، فإني لم أتمكن من إعداد البحث، وأجد نفسي مضطرا للمعذرة إليكم لعدم مقدرتي على المشاركة في هذا الاحتفال المبارك.
وسأكون لكم جد شاكر لو تكرمتم بتبليغ سلامي وترحيبي للإخوان المشاركين، وإحاطتهم بأني أشاركهم قلبا وقالبا في الغاية السامية التي هم اجتمعوا لأجلها داعيا المولى الكريم أن يوفقني وإياهم للفهم السليم لكتابه، ولتبليغه السليم في هذه المرحلة الحرجة من مراحل التاريخ. ولتطبيق أحكامه في مسائل الحياة الحساسة بطريقة سليمة. إن الله عز وجل لما أنزل كتابه على آخر أنبيائه صلى الله عليه وسلم أنزله معلنا بأنه أكمل دينه، ولن يبعث بعد ذلك نبيا جديدا ولن ينزل كتابا جديدا من عنده. وهذا الإعلان نفسه يتضمن حقيقة ناصعة هي أن القرآن هداية ثابتة خالدة لكافة النوع البشري في جميع الأزمنة والأمكنة. إذ لو ثبتت هدايته غير كافية أو أصبحت مفتقرة إلى الإكمال والتنمية في عصر من العصور أو في قطر من الأقطار أو في وضع من أوضاع المجتمع الإنساني لكان يعني ذلك عدم صحة ما أعلنه الله. ومعاذ الله سبحانه وتعالى عن أن يكون في كلامه شائبة من الخطأ. ولأجل ذلك  يجب علينا كمسلمين، أن نقرر في كل شأن من شؤون حياتنا كنقطة الانطلاق: أن هذا الكتاب هو المصدر الحقيقي للهداية نستمد منه كل ما نحتاج إليه من التوجيه.
والسؤال عن "نقطة الانطلاق" هذه هو الموضوع الوحيد الذي له أهمية بالغة اليوم بالنسبة لجميع أهل العلم والرأي من المسلمين في أنحاء العالم. وإن كانت مهمتنا الرئيسية تتركز على أن ندعو الدنيا إلى هداية الله. إلا أنه من سوء حظنا أن السيطرة الشاملة للحضارة المادية في العصر الحاضر أثارت غينا، معشر المسلمين، أنفسهم تساؤلا : هل حقا نعتبر القرآن مصدرا حقيقيا للهداية في جميع شؤوننا للحياة؟ وإذا اعتبرنا كذلك، فهل نعتبره جادين مخلصين؟ وأننا ما دمنا لا نحل هذا السؤال في حد أنفسنا لا نستطيع أن نحقق مهمتنا العالمية التي كلفنا بها كأمة أخرجت للناس. وسنكون سعداء في منتهى السعادة لو فتحنا القرن الخامس عشر من نزول القرآن بجواب صريح حاسم على هذا السؤال.
إن هناك من عناصر في الطبقات التي بيدها أزمة التوجيه والقيادة لا تعتبر القرآن مصدرا للهداية في الحقيقة. أو تشك فيه على الأقل. فهؤلاء يفتقرون إلى دلائل تقنعهم على أن الإنسان كائن لا مندوحة له من هداية الله تعالى، وأن القرآن كتاب منزل منه سبحانه، وهو كتاب شامل مأمون يحتوي على توجيه خالد أبدي. 
وهناك أناس آخرون سولت لهم أنفسهم الفكرة القائلة بفصل الدين عن الدنيا. وكل فرد منهم يجعل هداية الله مقصورة في إطار تصوره المحدود للدين. ولن تزول شبهات هؤلاء القوم ما دامت لا توجه ضربة قاضية على فكرة فصل الدين عن الدنيا، وما دام لا يثبت بدلائل ناصعة قوية كون الإنسان في حاجة إلى هداية الله، في جميع شؤون حياته، وكون القرآن كتابا يهدي إلى سواء السبيل في جميع شؤون الحياة من أصغرها إلى أكبرها.
وهناك نوع ثالث من الناس يقرون هداية القرآن وكماله وخلوده. إلا أنه لما ينشأ السؤال حول استمداد الهداية منه، ورأينا بعضهم يلتفت إلى مصادر غير القرآن يستورد منها الأفكار والمبادئ، ثم يكرس جهوده في جعل القرآن يؤيدها ويصادق عليها. ورأينا بعضهم يحاول أن يستخرج من القرآن التعاليم التي تصل إليها عقليته هو من خلال ألفاظ القرآن، لا بقطع صلة القرآن بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، بل بصرف النظر عما حققه علماء هذه الأمة وفقهاؤها ومفسروها من أعمال جسيمة في شرح معاني القرآن واستنباط الأصول والفروع من تعاليمه. وهذه الاتجاهات في باب الارتشاف من النبع الإلهي لا نجد أي رجل عنده حظ من المعقل أن يراها صورة صحيحة سليمة من الاستنارة بنور الهدى الإلهي. كما لا يمكن أن ينشأ على أساسها نظام موحد من الفكر والعمل للأمة الإسلامية. لأنه من المستبعد أن يقبل ضمير الأمة هذا النوع من التفسير في جانب، وفي الجانب الآخر لا يمكن أن يجمع هذا النمط من المفسرين على تفسيراتهم. ولن يتولد من ازدهار هذه الاتجاهات إلا المزيد من الخلافات في الأمة المسلمة وإثارة شبهات وعقد جديدة في أذهان المسلمين نحو دينهم وكتابهم. وبدل أن يلعبوا دورهم العظيم في دعوة الناس إلى هداية الله يصبحون هم أنفسهم ضحية الحيرة والتخبط في حقيقة هداية الله نفسها. وليس من العلاج لما يعاني هؤلاء القوم في باب القرآن، أن يوجه إليهم الطعن أو التقريع أو التأنيب، بل أنهم – في الحقيقة – يحتاجون إلى من يرشدهم إلى الطريق القويم للاستفادة من هداية القرآن بوسائله إقناعية وبراهين معقولة، ويكشف لهم خطأ الطريق الذي يسلكونه في هذا الشأن.
والذين قد ضنت بهم رحمة الله من أن يقعوا في هذه الزلات ينشأ السؤال في شأنهم أيضا، وهو : إلى أي مدى هم جادون في اعتبار القرآن مصدرا حقيقيا للهداية؟ ولا يقتصر معنى (الجدية) في هذا الصدد أن نكون مخلصين في إيماننا بالقرآن ككتاب الهداية فقط، أو أن نكتفي بإعلان هذا الإيمان والبوح به، بل الذي يقتضيه كوننا جادين كل الجدية في هذا الباب أن نرجع إلى هذا المصدر كل ما يتعلق بحياتنا الفردية والجماعية في واقع الأمر، وأن نفرغ فعلا أخلاقنا وسلوكنا في الحياة، وقوانيننا، وحضارتنا، ونظمنا للتعليم والتربية ونظمنا للاقتصاد والسياسة في قوالب الهداية التي يأخذ بنا القرآن إليها. والذي أشعر به وأشاهده : أما ينعدم هذا المستوى من الجدية في طبقات تتولى أمر هذه الأمة مع كونهم على اعتقاد صحيح بالقرآن. أو لا تصل هذه الجدية المستوى المطلوب إن لم تنعدم فيهم كليا. وعلينا نستنفذ جهدنا، قبل كل شيء في خلق الجدية هذه فيهم. لأنها ما دامت لا تتولد هي لا تعدو جميع بحوثنا العلمية، في تطبيق تعاليم القرآن في مسائل الحياة، حبرا على الورق حيث لا تجدي بشيء في دنيا الواقع. وأن الدنيا لن تقتنع أبدا بحقية الإسلام من خلال البحوث التجريدية الفارغة بل لا بد من إقناعها بذلك من أن يتمثل الإسلام في حياتنا القومية الواقعية. وبدون ذلك مهما بذلنا جهودنا في تبليغ الإسلام لا تجد الدنيا أمام أعينها إلا علامة الاستفهام التي تنم عن تساؤل : هل أن هذه الأمة التي لا يتجاوز دينها حدود المساجد. والتي تتبع مبادئ الأجانب وأفكارهم. وتنتهج نهجهم في الحضارة والتشريع والتصورات للحياة – هل أن هذه الأمة تؤمن بحقية الإسلام في واقع الأمر؟
هذه بضعة أمور أريد أن استلفت أنظار هذا الاجتماع الجليل الذي يتألف من رجالات العلم والفكر والدعوة، آملا أن يعطوها ما تستحق من العناية. وبالله التوفيق وعليه توكلت وإليه أنيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أولا وآخرا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here