islamaumaroc

أثر الحرية في تربية الطفل

  دعوة الحق

العددان 108 و109

إن التربية التقليدية الأوربية التي تأثرت، كما تعلمون، إلى حد بعيد بالتربية اليونانية والرومانية وبالتربية المسيحية خاصة في القرون الوسطى كانت تمتاز بالشدة والقسوة على المتعلمين؛ ذلك أن المربين في ذلك العصر كانوا أبعد من أن يدركوا حقيقة التربية ومشاكل الطفولة أو يفكروا في السماح للأطفال أثناء الدروس حتى بقسط ضئيل من الحرية والعمل الذاتي. ومن ثم كانوا يعاملونهم معاملة شديدة أساسها القمع والكبت.
والواقع أن تلك المعاملة الشاذة كانت وليدة الأحوال والظروف الاجتماعية والدينية التي كانت تحيط بالمدرسة العتيقة؛ فالناس كانوا منقسمين إلى طبقتين: طبقة الأسياد وبيدهم زمام الأمور كلها، وطبقة العبيد والرقيق وكأنهم ما خلقوا إلى لطاعة الأسياد وتلقي أوامرهم في انقياد واستسلام! ثم إن التقاليد الدينية، وذلك خاصة في القرون الوسطى، كانت تفرض على الناس بحيث لم يكن يسمح لأحد في أن يراجعها أو ينازع فيها، وتطبيق تلك القوانين السماوية بصورة صارمة جعلت الجمهور ينقاد بسهولة لطاعة أولياء الأمور؛ أضف إلى ما سبق أن نظام الأسرة نفسه كان يمتاز بسيطرة الأب على أفراد العائلة كلهم، ولم يكن هناك من تحدثه نفسه بمعارضة رب العائلة فيما أصدر من الأوامر أو أشار به من الرأي. لذلك كله كانت المدرسة القديمة لا تعنى بوجود الطفل فضلا عن أن تفكر في إعطائه نصيبا من الحرية والاستقلال في الرأي.
فلما ذهبت الأرستقراطية السائدة في العصور القديمة وحل محلها نظام جديد - هو الذي  أفضى شيئا فشيئا إلى إقرار النظام الذي أصبح اليوم سائدا في الدول الديمقراطية المعاصرة، ملكية كانت أو جمهورية، كان من المعقول أن تسري تلك النزعة الديمقراطية في جميع الهيئات الاجتماعية بما فيها المدراس الحديثة؛ ومن ثم قامت طائفة من المربيين كمونتاني ورورسو وموتوسوري وغيرهم ينادون بمبدأ جديد في التربية يتلاءم مع روح العصر، وهو مبدأ يرمي إلى إعطاء الأطفال قسطا كبيرا من الحرية، بل إلى إطلاق الحرية للطفل كاملة داخل المدرسة لا تتقيد بقيد.
والواقع أن أولئك المربين لم ينادوا بالمبدأ الجديد لمجرد طرافته أو تألبا على النظام العتيق وكفى؛ وإنما كان قيامهم بتلك الدعوة نتيجة لما أجروه من أبحاث في ميدان التربية ودراسة لمشاكل الطفولة دراسة سيكولوجية صحيحة أدت بهم إلى معرفة طبائع الأطفال والوقوف على ما يختلج في نفوسهم من نزعات وميول، فكان شعارهم أن الطفل لم يخلق للمدرسة تتصرف فيه كما تريد، وإنما المدرسة هي التي خلقت للأطفال؛ فعليها إذن أن تدرس ميولهم ونزعاتهم، وعليها فوق ذلك أن تعالج كافة الأطفال الموضوعين تحت كفالتها معالجة تلائم كرامتهم وشخصية كل واحد منهم حتى تهتدي بالتدريج إلى تعديل سلوكهم والقضاء على أسباب الشر الكامنة في نفوسهم.
هذا وإن أصحاب المدرسة الحديثة ليعللون نظريتهم السابقة بأسباب معقولة مقبولة؛ فيقولون إن الناس لم يخلقوا في جملتهم أسيادا حتى يسمح لهم بإملاء إرادتهم على الغير، ولا عبيدا يجب أن يتقلبوا تلك الأوامر صاغرين ويكرهوا إكراها على العمل؛ وإذا ما صح أن في كل شخص منا نزعتين، نزعة إلى التغلب والسيطرة ونزعة إلى الخضوع والانقياد - وهي حقيقة انتهى إليها العلماء بالبحث والاستنتاج - فأية حجة يستند إليها أولئك المسيطرون لحمل طائفة من الناس على الخضوع والامثتال، وطبيعتهم تدفعهم في الوقت نفسه إلى الاستسلام والسيطرة معا؟ أليس في ذلك استخفاف بكرامة الإنسان؟ وإذا كان لكل شخص كرامة يجب احترامها فمن الواجب أن يترك الطفل في المدرسة حرا يفعل ما يشاء متى ما شاء؛ فلا نقوم في وجهه غاصبين لحريته، مهيمنين على شخصيته؛ أضف إلى ذلك أن من نتائج الأبحاث السابقة أن الكبت يقتل روح الابتكار؛ وبما أن النظام الديمقراطي يرحب بكل عامل مبتكر ويجعل أفراد المجتمع جميعهم في منزلة واحدة حتى ينتفع من قدرات الجميع على الخلق والابتكار، فقد أصبح ضروريا أن نطلق الحرية للأطفال، لأن إعطاءهم قسطا كبيرا منها يحملهم على الثقة بالنفس، والثقة بالنفس تحفزهم إلى الخلق والعمل المنتج، وفي ذلك تقدم سريع للمجتمع. أما من الناحية الخلقية - وهي أهم بكثير من كل ناحية أخرى - فتستطيع القول بأن الحرية التي يسمح للطفل بممارستها في المدرسة تمكنه بلا مراء من إظهار شخصيته وتقوية إرادته وذلك بالتغلب على نزعات الشر فيه، نظرا لما يكون قد اكتسبه من تجارب في المدرسة نتيجة لممارسته لحرية العمل والفكر والتصرف في شؤونه الخاصة تصرفا يبقى على مصالح الأفراد الذين يعيش معهم؛ ومما لا شك فيه أن تلك التجارب هي التي تجعله قادرا بعد ذلك على تعديل سلوكه والتخلق بالأخلاق السامية، بحيث يكره من تلقاء  نفسه ما يجب أن يكره ويحب ما وجب أن يحب. ولعمري أن هذه المرحلة هي أسمى ما يمكن الوصول إليه وهي الغاية من التربية الحقة. أما إذا شب الطفل وهو يتلقى الأوامر من المعلم بحيث لا يتحرك إلا بإيعاز منه فسرعان ما تمحى شخصيته ويصبح عرضة لرياح الأهواء والنزعات السيئة.
وبديهي أن النظريات السابقة على طرافتها وجدتها لا تكتسي قيمة في نظرنا إلى إلا إذا كانت سهلة التطبيق قابلة للتعميم؛ فأما تطبيقها فقد شرع فيه فعلا في مدارس نموذجية كالتي أنشأتها المربية الإيطالية منتسوري والتي عملت فيها على تطبيق مبدأ الحرية بمعناه الواسع الشامل لا من الناحيتين العقلية والخلقية فحسب، بل من الناحية الجسمية كذلك. وهكذا ألغت المربية المذكورة المقاعد المثبتة في الأرض وجعلت مكانها مقاعد متحركة حتى لا يشعر الطفل بأية سلطة تضغط عليه كما جعلت الطفل حرا في أن يدخل حجرة الدراسة أو يخرج منها دون أن يتعرض له أحد؛ ولم يكن المتعلم في تلك المردسة النموذجية مقيدا بمادة من المواد. وأما المعلم فكان عليه أن يتشبث بموقف المرشد والمساعد حتى تتربى في الطفل القدرة على العمل ويتمكن من استخدام حواسه بصورة مفيدة. أما من الوجهة الخلقية فالطفل في تلك المدرسة يعطى كامل الحرية يستخدمها كيف يشاء على شرط ألا يسيء إلى زملائه.
ومن الظاهر أن مدارسنا لا تتسع لهذه النظريات وذلك لأسباب مادية ومعنوية معا؛ وإذا كنا نبتهج لمبدأ الحرية في المدرسة فإننا مع ذلك لا نقول بإطلاقها كاملة للأطفال لأن ذلك قد يؤدي بهم إلى الفوضى وعدم الاستقرار، بل ندعي أن الطفل لو عاش اليوم في مدرسة يشبه نظامها النظام القائم في مدرسة منتسوري لما استطاع أن يتابع سيره في الحياة باطمئنان، لأن نظام الحياة ونظام المنزل مخالفان للروح التي تسود تلك المدارس المثالية. أجل، متى خرج الطفل من المدرسة إلى المجتمع فإنه يرى نفسه محاطا بسياج من القوانين وضعت لصالحه طبعا ولصالح مواطنيه، ولكنه يرى مع ذلك في الخضوع لها والعمل بها تقليلا من حريته ونفوذه. وهناك سلطة الأبوين التي لا تزال نافذة المفعول في وسطنا الإسلامي، ولا سبيل إلى نقض سلطة الوالدين، بل لا خير في ذلك بتاتا. لكل هذه الأسباب نعتقد أن ليس من المصلحة في شيء أن تترك الأمور تجري على أعنتها، لا يتحكم في المتعلم أحد ولا يخضع هذا الطفل لنظام قار؛ فنحن نريد أن نعطي الطفل حرية معقولة أكثر من التي يتمتع بها الآن، وأقل مما يرمي إليه نظام المدارس النموذجية التي سبق ذكرها؛ نريد من الوالدين أن يخففا من سلطتهما على الطفل فيعاملاه باعتباره كائنا حيا له شخصية وكرامة، كما نريد من المعلم أن يجعل الطفل أساسا في تعليمه؛ ويجب أن يرمي المعلم وراء ظهره فكرة العقاب البدني العقيمة ويحمل الطفل على استخدام مواهبه ليتمكن من التفكير السليم، ولذلك يجب ألا يقدم له درسا إلا على شكل يروق خياله ويحفزه إلى النشاط والعمل المنتج، ذلك لأن نشاط الطفل هو الذي يتيح الفرصة للمعلم للكشف عن نزعاته وميوله، فيتعهدها إذ ذاك بالتهذيب والإصلاح، لأن المسألة مسألة تربية قبل كل شيء وبعد كل شيء، لا مسألة تعليم فقط؛ ومن آثار الحرية الظاهر في التعليم أنها تحبب العمل إلى الطفل وتشجعه على المضي في السبيل حتى بعد انقطاعه عن المدرسة، إذ تمكنه من تعليم نفسه بنفسه. ومبدأ الحرية هو الكفيل بإشعار الطفل بالمسؤولية، فيعدل سلوكه تبعا لمصلحته ومصلحة مواطنيه؛ وعليه فهو الذي يعينه على تقوية إرادته بحيث يصبح مسيطرا على نزعاته، يتحكم فيها كما يريد، ولا يخضع إلا لتلك الإرادة القوية، وفي الخضوع لها تدريب له على المكاره، لأن الحرية الحق هي ألا نفعل ما نشاء، ولو صح أن الحرية هي أن نفعل كل ما نريد لكنا - كما قال أحد المفكرين - عبيدا لشهواتنا ونزعاتنا المضطربة. ولكن الحرية بمعناها السامي الصحيح أن نعمد إلى كل ما يعيننا على استئصال بوادر الشر والفساد العالقة بالنفس ونعمل على تزكية كل خصلة جميلة فينا حتى نحقق بذلك لأنفسنا حياة سعيدة تغمرها الفضيلة، وهناك نكون قد أدركنا معاني التربية الحق بمعناها الواسع الشامل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here