islamaumaroc

اللقاء بين الأدب والفلسفة في الفكر المعاصر

  دعوة الحق

العددان 108 و109

موضوع اللقاء بين الأدب والفلسفة في الفكر المعاصر موضوع هام جدا، فإذا كانت خيوط الالتقاء بين الأدب والفلسفة متنوعة وعديدة، ما الذي يميز هذا اللقاء؟ وما هي ضرورته؟
إن العصر الحاضر فاجأنا بكثير من المبادرات التي زعزعت كيان الإنسان، وبالتالي غيرت وضعه في الكون ونظرته وإيمانه وهواياته وكل صغيرة أو كبيرة تتعلق به. إن أهم مبادرة من مبادرات العصر هي التقنية اعتمادا على اجتهادات العلم المعاصر ومكتشفاته، وأن العقل البشري يكاد يرهق من جراء ما تفاجأنا به التقنيات، بل حدث ما لم يكن بالحسبان ذلك أن إيمان الإنسان بكل ما هو معنوي وروحي قد تزعزع وظهر في عالم الفكر معسكرات متصارعة أهمها معسكر المعنويات ومعسكر التقنيات، معسكر الدين والفلسفة والأدب والشعر ..الخ، ومعسكر الصناعة والاقتصاد والاختراع. فهل بإمكان هذا التقابل أن يقضي على معسكر من المعسكرين المذكورين؟ ثم ما هي الوحدة التي تجمع بين ميادين المعسكر المعنوي وخاصة بين ميدانيه الرئيسسن الأدب والفلسفة؟ وهل بإمكان هذه الوحدة أن تقوي صف الناحية الروحية من الإنسان؟ بل هل بإمكان هذه الوحدة أن تقضي على كل ما يؤثر في كيان الإنسان، من اليأس وقنوط وشعور بالتفاهة وعدم الجدوى؟.
هذه هي الأسئلة التي تتردد في أعماقنا، ولا نستطيع لها جوابا، وأن المستقبل غامض جدا، لأن كثيرا من معنويات الإنسان قد أعلنت الإفلاس، هناك إفلاس في اللغة، في الروح، في الفلسفة، في الأخلاق.
وإذا أردنا أن نكون واضحين نوحد كل هذه التخوفات في سؤال واحد، هل باستطاعة التقنية المعاصرة أن تعوض الكلمة بالمخترع والرمز العلمي معلنة بذلك موت الفكر؟
بادئ ذي بدء، ابادر فأجيب، لئن كانت التقنية طمعتنا بحياة تتوفر لنا فيها إمكانيات الفعل بعيد المدى فإنها لا تستطيع ولن تستطيع، أن تقضي على "الكلمة" شعرية أو أدبية أو فلسفية، لأن قوام الإنسان وقوام الوجود نفسه لا يكون إلا بالكلمة وهذه فكرة سنعود إليها بالبحث والدرس. فاللقاء اليوم بين الأدب والفلسفة، يمكن أن نصفه منذ الآن بأنه لقاء من أجل تأكيد أهمية الإنسان بالنسبة للكون، وهذا اللقاء لم يتخذ هذا المبدأ منذ القديم بل أخذ أشكالا عديدة لابد من أن نستعرضها ليتضح الموضوع في ذهننا.
إن كلا من الأدب والفلسفة وغيرهما من الانتخابات المعرفية النظرية تشترك في قاسم رئيسي هو الذي أطلقنا عليه "الكلمة" أو "المصدر" بالمعنى اللغوي أو النحوي. والكلمة أو المصدر مصونان في وجودهما لأنه "في البدء كانت الكلمة".
"في البدء كانت الكلمة" بمعنى أن الأمر بالوجود كان عن طريق الكلمة، ذات المعنى الواضح، والصيغة المحددة، الكلمة المفهومة، الكلمة (الرامزة) ولا يمكن أن يصدر أمر الخلق في كلمة عادية، إن كلام الآمر بالخلق، لا يكون إلا معجزا لا يكون إلا جميلا، بليغا، "أنه في البدء كانت الكلمة الحاسمة" التي أعطت الوجود، وصيغته. والوجود كظاهرة جميل يعكس الكلمة الجميلة .. لا علينا الآن في مضامينه ومشاكله التي جعلت الحياة ضاقة في العصور الحديثة. فإذن مكانة الكلمة راسخة ولا يمكن أن تزعزعها التقنية أو العلم. والكلمة بالطبع عندما تدخل في الاستعمال الإنساني على مستوى الفكر تأخذ غالبا صيغة الأدب أو الفلسفة بفروعها كافة.
فحتى لا نكون على اختلاف في المفاهيم الأساسية سأحاول، جهد المستطاع، أن أعطي تعريفات للأدب والفلسفة.
إن تعريفات الأدب شهدت تطورات كبيرة انطلقت أولا من مفهوم حسي عفوي. الأدب من الجذر (أ. د. ب) في مقابل هذب السلوك بالكلام الجميل الطيب، أو من مأدبة أي ما يقدم من أطباق شهية في مجلس أنس ومودة، فهو مادة للاستهلاك لنلبي رغباتنا في تزويد حواسنا بما هو جميل للمشاهدة أو السمع أو القراءة أو الذوق ..الخ. ثم أخذ الأدب معنى إنتاجات لغوية يعتبر فيها جمال الصيغة التعبيرية ويكون هذا الإنتاج نثرا أو شعرا والنثر إما تأملا أو قصة أو مسرحا ...الخ.
لكن معظم المفكرين في عصرنا الحالي واجهوا هذه التعريفات العفوية بالاستفهامات العميقة هل يعني الأدب مجرد إنتاج ألفاظ جميلة منسقة؟ هل الأدب مجرد تعبير لا يستطيع شيئا أكثر من نقل أحاسيس شخصية؟ ولماذا نكتب الأدب؟ ولمن نكتب وقد اهتم بهذا الموضوع خاصة جان بول سارتر واتجاهه، وجماعة الوضوح Clarté الذين نظموا سنة 1965 ندوة تحت شعار ماذا يستطيع الأدب؟ Que peut la littérature  بمشاركة سيمون دي بوفوار، ييف بيرجي، جون بيير فاي وجون ريكاردو وجان بول سارتر وجورج سميرن كما أن المدرسة المعاصرة المعروفة تحت اسم "البنيوية" اهتمت بهذه القضية.

فما هي خلاصة هذه المرجعيات والاستفهامات في شأن مفهوم الأدب؟
إن الأدب نشاط يقوم به الإنسان من أناس بغية كشف العالم، فالعالم "كلمة مجزأة" يعني أني أتخذ مواقف تجاه كل وضع وكلما واجهت وضعا إلا ودخل في نطاق معرفتي، حتى ما أجهله من أوضاع هو معرفة بالنسبة لي كفرد ما يعيش في بلد ما من العالم، تقول سيمون "أن جهلي لما يحدث في بلد ما كالهند مثلا داخل في كينونتي كباريسية" إن معرفتنا للعالم هي اختصار له، فما حصل عليه الأديب يحاول أن يقوم بتضمينه داخل نتاج يقدمه إلى آخرين ليكاشفهم ما يجهلونه من عوالم، وعن طريق هذه المكاشسفة يتحد الأديب والقراء فيكون باستطاعة الأدب أن يجعلنا نتصل ونتقارب بما هو يفرقنا، أنني داخل إنتاج أدبي أتنازل عن كينونتي في اللحظة الحاضرة لأدخل في عالم الأديب، من مضامين وأشكال. فعوالم سارتر وكافكا ودوستويفسكي عوالم توجد القراء في مستوى شعوري واحد وبالإضافة إلى ذلك أنها تعطي معاني لكثير من الوقائع والحالات حتى البائسة منها.
إن الأدب تواصل وتكاشف عن طريق فاعلية فكرية ولغوية تعطي بها نتاجا يقنعنا بقبوله والتأثر به.
ونجد جان بول سارتر يتعرض في مواقفه لمحاولة تحديد دور ومفهوم الأدب فيؤكد أن الأدب واقع اجتماعي لأن فيه يتمازج شخص الأديب مع اشخاص القراء الفاعلين أو الامكانيين من ذوي الإرادات الطيبة، ونظرا لهذه السلطة التي يتوفر عليها الأدب فيجب أن لا يكون الأديب أنانيا سلبيا، بل عليه أن يتفتح على عالم الآخرين ويتخذ منه مواقف يلتزمها ويدافع عما هو خير وطيب، وبذلك يترك المجال للقارئ ليقارن ويحكم ويخلق، لأن هناك خلقا في القراءة كذلك، تعتمد على الحرية، أن الأديب يشتغل بمواد خام هي الأفكار والشخصيات ومصدر هذه الأفكار والشخصيات اجتماعي محض.
ومختصر القول، أن مفهوم الأدب لم يعد مقتصرا على التعبير الجميل الذي يخلق به الأديب عالما خاصا منعزلا أو أسطوريا لتفسير بعض غوامض الكون تفسيرا احتماليا بل أصبح الأدب تفتحا على كل ما هو أكيد في حياة الناس. أنه يقودهم لمباشرة حريتهم ويدفعهم إلى أن يخلقوا في أعماقهم جدلا لا عنيفا بين الخير والشر.
أما الفلسفة، فلو حاولنا استقصاء مفاهيمها لأمضينا اتفاقية تمكث بمقتضاها سنة أو يزيد ولا تصل إلى مفهوم مضبوط، أنها الفضول الذي يتعلق بكل صغيرة وكبيرة في العالم غايتها لا معرفة الأشياء المادية كما تبدو لنا بل ما وراء المادة، الفلسفة لا تريد أن تعرف الزمن بل ما تحت الزمن وما وراءه وما هو ليس بزمان (فكرة اللازمان) وقد جاء في تعبير لجاك ماريتان أن الفيلسوف "الميتافيزيقي" هو (ذاك المفكر الذي يؤمن بأن عقل الإنسان يعلو على الإنسان) الفلسفة ليست تعبيرا، بل نقدا عقليا لمواضيع قد تكون عقلية وقد لا تكون عقلية ومن هنا جاءت صعوبتها، فنجد من ميادينها الميتافيزيقية بما تشمل عليه من مشاكل الوجود والإنسان والحرية والحقيقة والمنطق كوسيلة للتفكير الصحيح والأخلاق والنفس والمجتمع، أن مختلف الفلسفات هي مواقف ووجهات تأمل من هذا القضايا التي دوخت الإنسان منذ أن جاء إلى هذا العالم ومنذ أن أعطاه "بوميتيوس" سر النار أي سر المعرفة كما تقول الأسطورة، فقضايا الفلسفة تكاد تكون محددة واضحة المعالم تتناولها بمناهج نقدية خاصة قصد الوصول إلى استنتاجات عقلية نسبية.
فكيف يمكن أن يتحقق اللقاء بين هذه الفلسفة وذلك الأدب؟ كيف يمكن أن يتحقق اللقاء بين عالم التعبير وعالم النقد؟ بين الواقع الاجتماعي والمطلق العقلي؟
ولنسهل تناول الموضوع، نحلل أسئلتنا الرئيسية ونقول: ما اللقاء الممكن بين الأدب الشعري والفلسفة من جهة والأدب النثري والفلسفة من جهة ثانية؟
هناك حادثة طريفة تعتبر مدخلا لتحليلاتنا لابد من ذكرها، أقبل الرسام دوكا Dugas على مالارميه بعد أن حرر قصيدة شعرية، كانت افتخار كاتبها الرسام، وفي معرض تقديم القصيدة إلى مالارميه قال له : "لقد أتعبتني هذه القصيدة كثيرا لأني كنت شارد الذهن، فلم أستطع استجماع أفكاري "فأجابه مالارميه بكل استغراب" أن القصيدة لا تصنع من أفكار بل من ألفاظ "فالفهم البسيط للحوار الذي جرى بين دوكا ومالارميه هو أن الشعر مجرد ألفاظ رامزة تعطي صورا خيالية جميلة متناسقة، لكن ما عناه مالارميه عكس هذا تماما، أن الشعر ألفاظ وكلمات تؤدي بنا في النهاية إلى أغوار الموجودات فتتحول هناك إلى مواجهة صريحة للكينونة، فعن طريق اللفظ نصل إلى الأعماق أي إلى الأفكار الشعرية المطلقة، وهذه الميزة مشتركة بين الشعر والموسيقى ولا عجب إن كان الشعر يهدف إلى بلوغ مرتبة الموسيقى تعبيرا أو جمالا، وقد ذكر هنري دولاكروا في كتابه "علم نفس الفن" La psychologie de l art (ليست هناك فكرة شعرية في حد ذاتها وإنما هي تصير كذلك موصوفة بأنها مغلقة بصور الخيال الرمزي) أن الشعر غناء الوجود، وفي الغناء نحقق غبطتنا الروحية عن طريق الكشف عن الإنسان والكون والعالم بل نحاول تفسير المعميات تفسيرات تدخل علينا بعض الطمأنينة، فمن منا لم يتراقص لسماع قصيدة لأنها تجعلنا بأيدينا مناطق روحية من الكون فالشعر أكثر التصاقل بالفلسفة أنه لم يفارق قط الفلسفة بل كان يتعقبها ليجلي غوامضها، "ويصل إلى قرارة الأشياء" معبرا عن حاجة بني العصر في الانطلاق، وكما قال أحدهم بحق "الفيلسوف شاعر أخطأ موهبته" فعوضا عن أن يذهب بعيدا في تصور قضاياه اكتفى بمرحلة السؤال، والفيلسوف يسأل أما الشاعر فيغني، وفي الغناء من العمق ما ليس في السؤال، ويكاد بعض النقاد يقولون أن أصل الفلسفة صادر عن الشعر لأه في البدء كان الشعر الذي هو تعبير عن أكثر ما في الإنسان أصالة أنه حسب تعريف شلنج "اتحاد الشعور واللاشعور أو اتحاد الموضوعي بالذاتي" بين الشعر والفلسفة لا اللقاء فقط بل أنهما يترافدان فأحدهما يصب في الآخر ويتفاعلان تفاعلا، الشعر والفلسفة يتميزان بفضيلة الصمت ينتقل الإنسان من أحدهما إلى الآخر كل ما يشعر برغبة في تجديد شكل نظرته إلى العالم، فعندما (تصير الفلسفة عبارة عن عالم جذب، نحن نتوحل عنها إلى الشعر، وعندما لا يفي الشعر بحاجتنا للمعرفة، نتلاقى مع الفلسفة) الشعراء أنفسهم يقبلون ذلك ألم يقبل بودلير في "زهرات الألم" عالم الحقائق الموضوعية وانطلاقا اتضحت أمامه الكثير من الاشياء، ولكن لكي نتعمق في الأشياء بدل فهمها فقط، لابد من الشعر، في "مذكرات رايسا" لجاك ماريتان نجد هذه الكلمة البديعة "أن الذي يريد أن يعرف أعماق الروح أو روحانية الوجود، يبدأ بالدخول إلى ذاته نفسها، وفي داخل الحياة والروح والذات نتلاقى مع الشعر".
وإذا تصفحنا كتاب تاريخ الشعر نجد أن كل الشعراء تلمسوا طريقهم إلا بداعي من الاساس الفلسفي لأن القصيدة بصفة عامة تتحول عند الشعراء الأصليين إلى صدمة ميتافيزيقية Choc métaphysique تنبهنا إلى ما في الكون من غموض، نعثر لدى مالارميه على نغمة تتضمن يأسا من العالم فيفقد ثقته بكل شيء ويدفع "الفعل الشعري إلى التعالي على الزمان والمكان وإلى تخطي الشاعر والتفوق عليه" وهو لذلك نجح في أن يحمل التعبير الشعري يفوق في تجريده التجريد الرياضي، ويفوق في عنفه عنف أخطر سلاح يمكن تصوره.
وركله وريث فلسفة شوينهور ونيشه لم يكن في يأسه شديدا كما هو الأمر لدى مالاريه فهو يقول مع نيتشه "إن تكن الحياة ألما فليس ألمها شهادة ضد الحياة" فقبل ركله الحياة وأحبها لدرجة التصوف لكن هذا التصوف كان ملحدا إلحادا مشتبكا Ambigu والأكثر من ذلك حاول في شعره أن يعطي لعالمنا شرحا (أورغيا) لقد خلق إلاها اسطوريا أطلق عليه "أرفيوس ابن أبولو، قام يبعث الموتى وسحر الآلهة الآخرين بنغمه وصوته العذب، وحتى مات أرفيوس توزعت أعئاؤه في الكون، فشاع الغناء في جميع أشيائه.وأصبح الوجود غناء، والغناء وجودا يشتمل على الوعي وما فوقه وما دونه "فارفيوس" رمز لكمال الإنسان في كلية عناصر ذاته، ورمز للعنصر الإلاهي في الإنسان".
وراميو الطلسم واجه هذا العالم الحقير فدعا إلى التشويش الحي وتجريد الذات من ذاتها ومواجهة الحياة بالإزدراء والكبرياء، ودعا إلى فسخ العلاقات العاطفية كيفما كان نوعها.
ويمكن أن نستمر في عرض هذه النماذج إلى غير نهاية فنتحدث عن فروع راميو : لافورج وسان بول رو وأندري جيد وأبوليتير وحركة الدادائية، كما يمكن أن نتحدث عن السريالية وحركة الصعاليك في الولايات المتحدة وكلوديل ...الخ، كما يمكن أن نفصل القول في زعماء الشعر الميتافيزيقي كوورد رورث وشيلي وهولد رلن ونوفاليس وبليك Blake (صاحب فكرة الأدبية) ونيرفال (وحدة الوجود) ولكن نكتفي بهذا القدر لأنه أوضح ما أردنا شرحه وهو أن في عمق كل شعر فلسفة متكاملة وفي عمق كل فلسفة شعر ناضج، وقد تصور فلسفة متكاملة وفي عمق كل فلسفة شعر ناضج، وقد تصور جان فال الميتافيزيقية تخاطب الشعر فتقول له : "أيها الشعر، إنك لعمري أخي الوفي، فليرتفع صوتك عاليا، ولتعلم أنني أنصت إليك، فإنني حينما ألقي إليك السمع إنما أكون أنا المتكلمة".
لقاء الأديب النثري بالفلسفة، هذا هو الجانب الثاني من الموضوع، فبعد أن أوضحنا مواقفنا من مفاهيم الفلسفة والأدب وعلاقة الشعر بالفلسفة، يأتي الآن دور الأدب النثري وعلاقته بالفلسفة، وليس من الضروري أن اثير الانتباه إلى أن النثر هو الكلام المرسل من غير وزن ولا اعتبارات نظمية فهذا من قبيل الواضح ولا يستدعي منا استغراب بطل مسرحية المثري النبيل لموليير.
تزدهر حركة الأدب النثري (المقالة والقصة بنوعيها القصير والطويل والمسرحية والمحاولــــة (Essais) باتساع نطاق التأليف والمذاهب والنقد، وتتجمع على إنجاحه عوامل الطبع والنشر والتوزيع، والأدب النثري كما سبق أن اشرنا إلى ذلك هو نتاج إنساني لإبراز فاعلية الإنسان وعلاقته وتبرير نظام حياته ومدركاته وبذلك يمكن أن نتحدث عنه كنتجية لعنصريين اساسيين الأسلوب والمحتوى، الشكل والمضمون. أما الأسلوب فهو الطريقة اللغوية والنسق الذي يكشف به الأديب عن سر الحياة والاندماج فيها وقد أكد شبنجلر "أن لكل مرحلة من عمر الحضارة اسلوبا يبتدعه الفنان، والأسلوب نظرة في الوجود وطريقة في التعبير عنها"ويؤكد بروست من جهة ثانية أن : "الأسلوب بالنسبة له وبالنسبة للرسام هو طريقة في رؤية العالم منه تقنية" أنه يتيح لنا أن ننظر أو كما يقول ييف بران يعطينا الرؤية Donner à voir مغلقة في صيغة كفيلة بنقل العالم كما هو، بصخبه بروعته ببؤسه.
أما الأدب النثري كمضمون فالأديب في عمله يستوجب العالم كما يقول "كافكا" ويصر العالم للأديب بواقعه، بعمود فقره الذي يشكل أساس حوادثه، والأديب يترجم ذلك لنا بأفكار سلسة بليغة بحيث يصعب علينا أن نفرق بين كينونتنا وبين العالم الذي يكشفه ويخلقه الأدب، وهذا المضمون يجعل هذا الميدان الفكري يستطيع أشياء كثيرة من بينها على حد تعبير جون بيير فاي التمهيد لتغيير الموقف الإنساني، إذا كان شخص ما على غير هدى أو إذا كان مجتمع ما يعيش في ظروف لا تتناسب والكرامة الإنسانية، ويقترح الأدب بالإضافة إلى هذا وذاك الشكل الذي يجب أن نعيش به، وكم من أديب أمدنا بشكل مضبوط وناهيكم بدافيد هوبرت لورانس الذي نصحنا بأن "نعيش على الطبيعة، حتى يستطيع الإنسان إطلاق العنان لعواطفه وانفعالاته، وتعدي القواعد التي يفرضها على سلوك الإنسان وحياته، وكم من أدب أثر تأثيرات سلبية على بعض المجتمعات إذا كان أدبا سلبيا قارا من وجه الالتزامات الصريحة والمواقف الواضحة أما إذا كان صريحا وأصيلا فإنه يستطيع اشياء كثيرة، لقد قال : "فرويد" بكل تواضع (أن دوتسويفسكي أول من علمه شيئا ما عن النفس) فالأدب والفلسفة "منحدران لارتفاع واحد" هو هذه القوة على التأثير. فاللقاء بين الأدب النثري والفلسفة لقاء في القمة والقمة هو الإنسان وحدود معرفة الإنسان.
لقد كانت لقاءات الأدب بالفلسفة تأخذ أشكالا عديدة فالحكمة الصينية تغني الخيال بقدر ما تغني العقل، والأدب اليوناني اهتم بمشكلة القدر وآداب العصور الوسطى هي عبارة عن نتاج يجمع بين تيارات الاعتقاد والفلسفة وتيارات الإباداع الأدبي ناهيكم بالآداب العربية وآداب الكتاب المسيحيين.
أما لقاء الأدب المعاصر بالفلسفة فهو أوسع لقاء ممكن لأنه يتخذ اصولا عميقة مستمدة من اتجاهات أدبية أو فلسفية واتجاهات أدبية فلسفية في نفس الوقت، في الفكر المعاصر لم يعد الأدب يتضمن تأملات فلسفية أو الفلسفة تأخذ صيغا أدبية، بل اندمج الأدب بالفلسفة ووحدا صفوفهما في حلف متين لإعلان كرامة الإنسان.
فأول مظهر من هذا اللقاء، هو ما كشفت عنه فلسفة هنري برغسون.
أن اللغة عند الفيلسوف تميت الأصالة والعمق الانسانيين، وينصح برغسون أن تعوض بالصور التي هي من اختصاص الأدب، لأنها أقرب إلى التعبير عن الأنا العميق الذي تتحقق فبه الحرية، ويباشر الحدس فعاليته. ومعظم أعمال برغسون أخذت شكل التعبير الأدبي من صور وأخلية رائعة.
فإذن، لدى برغسون لا يمكن للفلسفة أن تكون أصيلة وتترجم عن الأنا العميق إلا إذا استعملت وسيلة الأدب. فلنتناول قضايا الحرية والمصير والموت والله، اللغة الميتة، لغة التأمل العقلي الصرف لا تفيد ولا تحبب إلى الناس عالم الفلسفة الغنى. ونعتبر في الاتجاهات المعاصرة على فيلسوف نهج نفس السبيل الا وهو بروست صاحب "البحث عن الزمن الضائع" الذي عرض اتجاهه الفلسفي في كتابات تجمع بين عمق الفلسفة وجمال التعبير الأدبي.
المظهر الثاني للقاء الأدب بالفلسفة هو الآداب المعتمدة على تجارب فلسفية والفلسفات القائمة على تجارب أدبية. مع الاحتفاظ على جوهر أساسي هو المذهبية أعني بذلك الأدب الوجودي وأدب اللامعقول  ومحاولات الاتجاه الجديد "البنيوية" واتجاه اللافلسفة في الأدب الأمريكي المعاصر، وهذا المظهر يتلخص في أن معظم المفكرين في العصر الحاضر قد عقدوا قرانا مبتكرا بين الأدب والفلسفة يجعل النماذج الأدبية تتضمن في مجموعها ملامح الفكرة الفلسفية فلكي أعبر عن الحرية أكتب مسرحية تؤدي أحداثها وصراع شخصياتها إلى توضيح وجهة نظر الفيلسوف في الحرية كمسرحية "الذباب" لجان بول سارتر، ولكي أبين أزمة اللغة والتعبير اللغوي أكتب أدبا لا معقول، فصورة المحو التي تبدو من أن اللغة تقضي على المفاهيم في حين أنها هي خالقة الوجود، يعبر عنها في بناء أدبي مسرحي في جل أعمال بكيت وبريشت وغيرهما، لقد أوضح الاتجاه اللامعقول في الفكر المعاصر أن الإنسان المعاصر متأخر في ميدان تسمية الأشياء وبذلك فوجوده مفتقر إلى عدة اشياء خارجة عن نطاق معرفته لأنها غير مسماة وفي هذا الموضوع بالذات كتب (بكيت) مسرحية Linnommable .
ونجد أن أصحاب اتجاه البنيوية Structuralisme يبحثون عن اصول الكلام كرموز لمركبات الأشياء وموجوداتها منذ العقلية البدائية الأسطورية، وفي هذا المجال تبحث النصوص الأدبية وتبحث صوتية الرمز ابتداء من الرموز الحيوانية، ومن قبيل الأخبار القول بأن من المهتمين بهذا الموضوع ليفي ستراوس صاحب كتاب (النملة وورق التبغ)، ولا ينبغي أن نغفل وجود اتجاه اللافلسفة في الأدب الأمريكي المعاصر أي جعل الأدب يعكس الواقع كما هو دون تعقيبات وإضافات، ومن أبرز الاتجاهات اللافلسفية "مدرسة الصعاليك" أدب ال Béat الذي يأخذ أصوله الموسيقية والتعبيرية من مدارس الجاز المعاصرة.
المظهر الثالث من مظاهر لقاء الأدب والفلسفة في الفكر المعاصر هو الاهتمام بنفس المواضيع الرئيسية التي تشغل بال الإنسان والطريقة الجدلية التي تدرس بها هذه المواضيع. فالمعروف أن للتاريخ الحديث نكبات بقدر ما فيه من حسنات، وأول نكباته أن التاريخ بدأ يخرج من يد الإنسان إن لم نقل مع تشارلز فرانكل أنه خرج فعلا. وهذه بالضبط هي أزمة الإنسان الحديث وهذه ظاهرة خلفت الشعور باليأس والقلق بين عالمين عالم تكونه وعالم نهفو إليه بين عالمين (واقعي وخيالي) ولهذا فالأسئلة التي تطرح  على الإنسان حاليا هي كينونته وقدرته في العالم ومشاكل الزمان واللغة والحرية، أننا نعيش زمانا ضعفت فيه إرادتنا تجاه ما نعيش وما نعرف وما نعمل وخيبنا أمل "برومتيوس" الذي أعطانا سر النار أو سر المعرفة وحققنا مثلا معاصرا جعل العلاقات الإنسانية يسودها البغض والحقد، وليس بإمكان أية وسيلة أن تندد بهذا التحول الخطير إلا التعاون الوثيق بين الأدب النثري والفلسفة.
حتى الشعر نفسه –كما قال جاك مارتيان – لا يستطيع مواجهة ظلمات العصر، فعليه إذن "أن يصمت لأنه لا يتوفر على الكلمات التي تعبر عن الواقع الخاص بزماننا" إذا اراد أن يكون في مستوى الزمان عليه "أن يطلق الورود والألعاب والنغم والبلاغة والعظمة ويندمج مع شرور العصر".
أن ملكات ووسائل وأدوات الفكر كفيلة بتفهم عالم التجربة الإنسانية، فحتى عزلة جيلنا المعاصر يجب أن نأخذها مأخذ التجربة وأن نبرزها في أعين الإنسان المعاصر حتى لا تتحول العزلة إلى سلم قاتل وتقضي على الأمل الطيب في الإنسان، أننا نشاهد على حد تعبير –روبير كانتريس – فترة تحول وتغير فالقيم القديمة تنهار عند الجيل الحاضر، فمهمة الأدب والفلسفة متحدين هي التعبير عن صراع الإنسان المعاصر من أجل أن يبقى العالم إنسانيا ولو بلغ بنا التقدم ما بلغ. وبقدر ما تتركز هذه المهمة الملقاة على عاتق الأدب والفلسفة بقدر ما تصعب مهمة النقد.
ماذا يستطيع الأدب والفلسفة في الفكر المعاصر؟ أنهما يستطيعان الكثير لإنقاذ وضع العالم الذي تتقاسمه الأهواء العلمية والتقنية شريطة أن تصدق "الكلمة".


لكـــن اللجاــتم لـــي ..

قال ابو عبيدة :
أجريت الخيل، فطلع منها فرس سابق، فجعل رجل من النظارة، يكبر ويثب من الفرح، فقال له رجل إلى جانبه: يا فتى، هذا الفرس فرسك؟
قال : لا، ولكن اللجام لي ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here