islamaumaroc

القرآن الكريم وترهات بعض المستشرقين -3-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

أصــالة القــرآن
القرآن كتاب الله أنزله –مقسطا- على نبيه محمد بن عبد الله بوساطة جبريل عليهما السلام. وهذه الحقيقة هي التي لا يؤمن بها بعض الذين تصدوا للكتابة عن هذا الموضوع من المستشرقين. فقد رأينا كيف أن بعضهم يتهم النبي (ص) مرة بأنه مؤلف القرآن الكريم؛ ومرة أخرى بأن مؤلفه هو الراهب النسطوري بحيرا  sergio  (1) الذي التقى به في سفرة إلى الشام؛ وتارة يدعون أن أربعة عشر مثقفا من مثقفي العرب الفوه له، وتارة أخرى يزعمون أن المصحف الشريف لم يكن إلا من تأليف الخليفة الراشد عثمان ابن أبي عفان.
أما دائرة المعارف الكونية فتزعم قائلة : "يظهر أن مصادر وحي القرءن كانت بالاضافة إلى الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) والأساطير العربية: (أ) كتب اليهود ومذاهبهم حسب المدارس التلمودية: ففي عهد محمد كان عدد كبير من اليهود يعيشون في نواح عديدة من بلاد العرب، وخاصة في المدينة. (ب) الصابئة: وديانتهم خليط من المانوية، ومن عقائد بابلية غريبة عن الايمان الديني ومخالفة للعقل. (ج) الزرادشتية وعقائد فارس القديمة فقد كان النفوذ السياسي لهذه الأمة ساريا في شمال شرق بلاد العرب. (د) الحنفية: فقد كان اثنى عشر من أتباع محمد تابعين لطائفة الأحناف هذه(2) .
قد يكون من البلاهة بمكان أن يصدق المرء مثل هذه الادعاءات الكاذبة المغرضة؛ ولعل من تضييع الوقت أن نكلف أنفسنا الرد عليها؛ ومع ذلك – وجريا على المثل المغربي السائر – "نتبع الكذاب حتى باب الدار"، ونندفع لدحض هذه الترهات والأباطيل الفارغة.
إن التسليم بفحوى الادعاء الأول تسليم بأن النبي الأمين (ص) كاذب في قوله، مزور في رسالته؛ وليس هذا فحسب، بل أن الملايين العديدة التي آمنت وتؤمن به وبرسالته كاذبة خداعة محتالة؛ وأن الآيات العديدة التي تجعل القرآن الكريم كتاب الله الذي حكمن آياته ... غير صادقة. مع أن هذا باطل لا يقبله العقل ولا الواقع ولا أي باحث منصف، ولم يكن ليقبله حتى أهل الكتاب لو تحلوا بشيء من الانصاف، ذلك أن كتبهم المقدسة كانت تبشر بمقدم نبي عربي، وأن أسلافهم الأوائل كلهم مانوا ينتظرون ظهور نبي بعد عيسى عليه السلام.
جاء على لسان موسى عليه السلام في وصيته ما يبشر بعيسى ثم بمحمد من بعده حين قال: "جاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران". والمراد بساعير جبال فلسطين حيث ظهر المسيح ، والمراد بفار أن مكة التي ظهر فيها محمد (ص). وجاء على لسان يوحنا حكاية عن عيسى المسيح قوله : "أن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأما أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد ...وأما المعزى الروحي القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم(3). فكلمة المعزي هنا هي ترجمة عربية لكلمة Paraclete التي من معانيها: المنقد والمنجي والكثير الحمد. ومعلوم أن من أسماء النبي (ص) أحمد أي كثير الحمد.
وفي مكان آخر من إنجيل يوحنا قوله : "لكني أقول لكم الحق، أنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق، لا يأتيكم المعزي، ولكن إذا ذهبت أرسلته إليكم... وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتيــــــة(4) .
وجاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي ما يلي: "ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أمينا وصادقا، وبالعدل يحكم ويحارب(5) . وقد دعي محمد (ص) بالفعل أمينا وصادقا. وجاء في مكان آخر: "ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء(5) ". وقد يكون من نافلة القول، تكرار أن القرآن خرج من فم محمد وهو في مضاء السيف، كما أن محمدا هو الذي حرم الخمر وهو في مضاء السيف، كما أن محمدا هو الذي حرم الخمر دون عيسى الذي ورد قوله فيها أنها كانت دمه.
أما الكاتب المنصف توماس كارليل فيقول: "لقد اصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغى إلى ما يظن من أن دين الاسلام كذب، وأن محمدا خداع مزور. ةآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا (14 قرنا الآن) لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم اله الذي خلقنا. أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء كذبة وخدعة؟ أما أنا فلا استطيع أن أرى هذا الرأي أبدا. ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة(6) . "وعلى ذلك فلسنا نعد محمدا هذا – قط- رجلا كاذبا متصنعا يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغية؛ أو يطمح إلى درجة ملك أو سلطان، أو غير ذلك من الحقائر والصغائر. وما الرسالة التي أداها إلا حق صراح، وما كلمته إلا صوت صادق صادر من العالم المجهول. كلا ! ما محمد بالكاذب ولا الملفق، وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة، فإذا هي شهاب قد اضاء العالم أجمع. ذلك أمر الله، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وهذه حقيقة تدمغ كل باطل، وتدحض حجة القوم الكافرين".
أما الدعاء الثاني فباطل ايضا. إذ من غير المعقول أن يتصدى راهب نسطوري (بحيرا) لتأليف كتاب ديني منافس للنصرانية عائب لأهم عقيدة فيها وهي التثليث. ثم أن محمدا عند اتصاله ببحيرا الراهب لم يكن إلا صبيا لما بلغ الحلم بعد (12 سنة فقط) ذهب مع عمه في رحلة تجارية دنيوية بحتة. فماذا كان في إمكان مثل هذا الصبي أن يفعل؟ حقا أنه كان في منتهى الذكاء والالنعية لدرجة أن بحيرا تنبأ بمستقبل باهر؛ ولكن سنه كانت مازالت بعيدة عن  النضج والكمال المطلوب، كما أن مستقبله الدياني ورسالته الخالدة لم تكن معالمها قد اتضحت في نفيه؛ لأنها كانت لا تزال مكنونة في ضمير الغيب.
أما القائل بأن أربعة عشر فقيها عربيا تولوا تأليف القرآن لمحمد، فللاسف نجد مثل هذا الباحث يلقي الكلام على هوانه، ويرمي جزافا هكذا دون أن يؤيد ذلك بأنه حجة، أو يكلف نفسه مزيدا من التوضيح، فيذكر لنا مثلا من هم أولئك العرب وما هم؟ هلا كان في استطاعته أن يذكر اسماءهم أو أسماء بعضهم على الأقل؟ لعله يقصد كتاب وحيه صلى الله عليه وسلم؟ إذا كان هذا مراده فإننا نهمس في أذنه بحقيقتين هامتين:
إحداهما : أن كتاب الوحي لم يكونوا في واقع الأمر سوى مجرد كتاب يسيطرون ما يملي عليهم النبي من الوحي لا أقل ولا أكثر.
والأخرى: أن عدد كتاب الوحي لم يكن ينحصر في أربعة عشر، بل كانوا أكثر من ذلك بكثير، نذكر هنا: أبا بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان ابن عفان، علي بن أبي طالب، الزبيربن العوام، ابنه عبد الله، أبي بن كعب بن قيس، زيد بن ثابت، معاوية ابن أبي سفيان، محمد ابن مسلمة، الأرقم بن أبي الأرقم، ابنه عبد الله، سعيد بن العاص، ابنيه أبان وخالدا، ثابت بن قيس، حنظلة ابن الربيع، خالد بن الوليد، العلاء بن عتبة، المغيرة بن شعبة، شرحبيل بن حسنة، ثم عبد الرجمن بن الحارث بن هشام(7) .
وأخيرا يفترون على الله الكذب فينسبون تأليف القرآن لعثمان. والعجيب أنهم في افترائهم هذا يدحض أحدهم حجة الآخر، ويناقض بعضهم بعضا من حيث يشعرون أو لا يشعرون. ورد في دائرة المعارف الكونية (مادة Coran ( "أن الذي حرر القرآن هو الخليفة الثاني (تقصد الأول) أبو بكر عن التصريحات الشفوية والمذكرات المبعثرة لسكرتير محمد (كذا !) وأن الذي نشره هو الخليفة عثمان".
أن الثابت تاريخيا والمتواتر على مر الأجيال أن الخليفتين أبا بكر وعثمان لم يقوما إلا بجمع القرآن –كما سندكر بعد- وحتى الجمع لم ينسب إليهما إلا تجاوزا حيث أنهما هما اللذان أمرا به. فإذا تجاوزنا الحقيقة وقلنا –كما فعل خصوم القرآن – أن الجامع هو المؤلف، جاز لنا أن نقول: أن الطابع أو الناشر هو المؤلف أيضا، هذا بطبيعة الحال لا أساس له من الصحة، ولا يمكن أن يكون. وما دمنا في غمرة هده الادعاءات الباطلة، وما دمنا بصدد الحديث عن اصالة القرآن ومصدره، فإننا لا نجد مندوحة عن الإشارة إلى أن بعض الخصوم ادعى أن كثيرا من أجزاء القرآن العزيز مأخوذ من التوراة أو الانجيل. يقول أحدهم بعد أن ترجم آية الكرسي : "كثير من فقرات هذه الآية توجد مشابهة لوثائق يهودية سابقة لعصر محمد. ربما يعني هذا أنها ترجمة عربية لتسبيحة ما يهودية أو مسيحية. وهذه الآية واحدة من أقدس ما لدى المسلمين".
أجل، "ربما" ! ليتصور القارئ الكريم أن ادعاء خطيرا كهذا فيه افتراء على الله ورسوله يستفتح ب "ربما" !؟ وعلى فرض أن التشابه صحيح بين بعض ما ورد في القرآن وبعض ما ورد في التوراة أو الانجيل، فإن توجيه ذلك يكون بأحد أمرين، أو بكليهما:
أ‌- التوراة والانجيل أو العهد الجديد والعهد القديم كلاهما –قبل التحريف- كتاب الله، فليس من العجيب إذن أن تتشابه بعض محتويات الكتب الثلاثة –خارج نطاق التحريف- ما دام مصدرها موحد فكلها من عند الله.
ب‌- أن التورتة أو الانجيل، هي أو هو الذي أخذ عن العرب، فإذا تحدث القرآن بعد ذلك عن شيء من هذا القبيل فمن باب (هذه بضاعتنا ردت إلينا) ذلك أن القرآن عربي ويعالج شئون العرب ويخاطبهم هم في الدرجة الأولى.
يؤيدنا في هذه النظرة بعض المسيحيين أنفسهم، فها هو ذا جرجي(8) زيدان يقول في حديثه عن الشعر عند العبريين: "وهناك أسفار كلها شعر كسفر أيوب، ويقال: أن اصله عربي". كما يؤيد هذه الفكرة الكاتب الانكليزي الأصيل توماس كارليل إذ يقول: "وقد اتفق النقاد أن (سفر أيوب)  أحد أجزاء التوراة كتابنا المقدس قد كتب في بلاد العرب. ورأيي في هذا الكتاب فضلا عن كل ما كتب عنه أنه من أشرف ما سطر براع، ودونت يد كاتب، ولا يكاد المرء يصدق أنه من آثار العبرانيين لما فيه من عمومية الأفكار، مع شرفها وسموها ... وما أحسب أن جميع التوراة شيئا يدانيه فضل وقيمة(9) ".
أما الادعاء بأن من مصادر القرآن أساطير العرب، وكتب اليهود والصابئة (عباد النجوم) والمانوبة القائلة بالهين اثنين إله الخير وإله الشر، والزرادشتية، فإنه لا يعدو أن يكون مجرد ادعاء يعوزه الدليل، ولا دليل قطعا اللهم إلا إذا اعتبرنا مهاجمة القرآن لمعتقدات اليهود الفاسدة وللديانات الوضعية المنحرفة مصدر وحي؛ فإن كان ذلك كذلك فأهلا به مصدرا وسهلا !

حفـــظ القــرآن :  
يعتبر القرآن الكريم معجزة الرسول الخالدة، أنزله عليه ليتحدى به العرب في فنون القول التي هم فرسان حلبتها أن يأتوا بمثله فلم يفعلوا : "قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتو بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا". وقد أثبت التاريخ لا عجز العرب التام عن محاكاته فحسب، بل حتى عجزهم عن محاكاة عشر سور مثله أو سورة واحدة من قصار سوره، ومن حاول أن يفعل ذلك باء بالفشل الذريع، والخسران المبين. وقد عجزت الأيام كذلك عن تعفية أثره أو طمس معالمه.
وهكذا ظل القرآن محفوظا: كانت تتلقفه اسماع الصحابة الأجلة من فم النبي (ص) فيحفظونه ويسجلونه في مواد الكتابة التي كان يتوفر عليها عصرهم. وقد اعتنى الرسول والمسلمون بكتابهم العزيز كل الاعتناء، وصانوه بمعونة الله الذي تكفل بحفظه من أن تعبث به يد العدا بالتحريف والمسخ، أو يد القدر بالتلف والتضييع. وقد تم حفظ القرآن بعدة وسائل:
1- الكتابة والتدوين : وقد تمت كتابة القرآن وتدوينه في حياة الرسول الأعظم بوساطة كتاب الوحي العديدين الذين مر ذكرهم منذ قليل، ثم ذلك التدوين بالتدريج كلما مزلت آية أو مجموعة آيات سجلت على مادة من مواد التسجيل المعروفة لدى العرب، ولم يلتحق عليه السلام بالرفيق الأعلى حتى كان القرآن الكريم تام التدرين، مكتمل الهيئة. وكان في إمكانه (ص) أن يأمر بجمع المكتوبات وتأليفها على شكل مصحف واحد، غير أنه لم يفعل –كما يقول أحد العلماء(10) – لأمرين:
الأول : أن اهتمام الصحابة إنما كان بحفظه واستظهاره، لا بكتابته ونقشه.
الثاني : ترقب رسول الله لورود زيادة منه أو ىية ناسخة. فلما وافاه أجله (ص) تم بذلك نزول الوحي، وبقي محفوظا في الصدور ومسجلا في الرقاع واللخاف والاكتاف ونحوها.
2- الجمع الرسمي الأول : وثم بعد ذلك جمع القرآن بطريقة رسمية، وباقتراح من عمر بن الخطاب على أثر حروب الردة التي شنها أبو بكر خليفة رسول الله على المرتدين بأرض اليمامة، فمات فيها عدد من حفاظ القرآن، قبل أبو بكر الاقتراح وألف لذلك لجنة من كتاب الوحي زيد بن ثابت الأنصاري وسالم مولى أبي حذيفة، على أن يتولى الأول التدوين، ويساعده الثاني في الجمع، وقد تولت اللجنة القيام بمهمتهما على خير وجه، وأودعت صحف القرآن المدونة في بيت أبي بكر حتى إذا توفاه الله احتفظ بها خلفه عمر، فإذا مات، بقيت صيانة ابنته زوجة رسول الله السيدة حفصة (ض).
3- الجمع الرسمي الثاني: وتم في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ض)، وكما كانت حرب وشخصية سببا في الجمع الأول، كانت أيضا سببا في الجمع الثاني: ذلك أن القائد حذيفة بن اليمان شهد في حرب أرمينية وأذربيجان اختلاف الحفاظ وتخاصمهم، واتباع كل فريق طريقة ما من طرائق بعض الصحابة في قراءاتهم للقرآن، فهرع إلى الخليفة يستنجده ويقترح جمع القرآن في مصحف واحد، وبرسم واحد تفاديا لكل خلاف.
وقبل الخليفة الاقتراح الوجيه، وندب لذلك لجنة مؤلفة من أربعة من الصحابة الأجلة كلهم كاتب وحي إلا أن أحدهم أنصاري هو زيد بن ثابت، والآخرين قرشيون: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وطلب عثمان من أم المؤمنين السيدة حفصة أن تبعث إليه بصحف القرآن ففعلت. وقد قامت اللجنة بواجبها كما ينبغي، وتم تدوين عدة مصاحف وزعت على الأمصار الرئيسية آنذاك. ثم أعيدت الصحف إلى السيدة حفصة وأعدم سواها.
ومصحف عثمان أو المصحف الإمام هو الذي شاع وذاع بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ وهو الذي ما يزال مسلمون عديدون يحفظونه عن ظهر قلب، مصادقا لقوله تعالى وهو اصدق القائلين : "لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرءانه " وقوله جل وعلا : "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
4- الحفظ والاستظهار : كان النبي (ص) وصحابته يحفظون ما ينزل من آي القرآن وسوره، كما حفظه المسلمون بعدهم بكل وسيلة ممكنة، وقد تم ذلك بعدة طرق:
أ- كان الرسول الأعظم يختبر الصحابة بين الحين والآخر، فكن يجد المحفوظ لديهم مطابقا لما عنده.
ب- كان يعارض بالقرآن جبريل في رمضان من كل عام مرة؛ وفي العام الذي توفى فيه عارضه به مرتين فتنبأ النبي (ص) بقرب أجله، وقد مر الحديث النبوي الذي ورد بهذا الصدد في الحلقة الأولى من هذا البحث.
ج- تكرار القرآن : فقد اتخذه المسلمون وسيلة من وسائل حفظ كتاب الله وصيانته، لأنهم ألزموا أنفسهم بتكرار أجزاء القرآن وقراؤتها على مر الأيام وكر الأعوام. ولا بد أن تجزئة كتاب الله إلى أجزاء جاءت مبكرة، فقد روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: "استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين مكة والمدينة فقال: أنه قد فاتني الليلة جزئي من القرآن، فإني لا أؤثر عنه شيئا". وورد عن الحجاج ابن يوسف الثقفي (ت 95 هـ) أنه طلب من الحفاظ والقراء أن يحسبوا له حروف القرآن ففعلوا؛ وبمقتضى ذلك قسم القرآن إلى نصفين، وثلاث، وارباع، واسباع، فجعل في استطاعة القارئ أن يقرأ في اليوم كل القرآن، أو نصفه أو ثلثه أو ربعه أو سبعه على أقل تقدير من الحجاج وصحبه؛ أما الحجاج نفسه فقد عرف أنه كان يختم القرآن كل ليلة وذلك على الرغم من أنه كان رجل دولة تأخذ الرسميات الكثير من وقته.
ويوجد من قسم القرآن –تيسيرا للتلاوة- اقساما أخرى أوصلها بعضهم إلى عشرة وإلى عشرين وإلى ثلاثين قسما. وهذا التقسيم الأخير هو الذي عليه العمل بالمغرب الآن، لارتباطه بأيام الشهر الثلاثين، حيث يقرأ بالمساجد في كل يوم جزء من القرآن أي حزبان أحدهما بعد صلاة الصبح، والآخر بعد صلاة المغرب؛ فقراءة الحزب(11)على هذا المنوال من أهم الوسائل لحفظ القرءان من الضياع.
وقد اهتم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بالقراءات – السبع والعشر الشاذة- تعلما وتعليما وتأليفا. وقد برز في هذا الميدان علماء من الأندلس والمغرب؛ فها هو ذا اين خلدون فيلسوف الاجتماع والمؤرخ المعروف يذكر أنه درس بتونس على ابن يرال العالم الأندلسي الأصل، وختم عليه القرآن بالقراءات السبع المشهورة أفرادا وجمعا إثنين وعشرين ختمة. وختمه مرة واحدة بقراءة يعقوب الحضرمي – من القراء العضرة – كما قرأ القرآن بالجمع الكبير بين القراءات السبع على إمام المقرئين بالمغرب أبي العباس أحمد الزواوي الذي رافق ابا الحسن المريني إلى تونس، لكنه لم يختمه(12).
كل هذا والمستشرقون – هداهم الله – لا يملأ أسماعهم ولا أبصارهم هذا التحري من المسلمين منذ أربعة عشر قرنا؛ ولا يألون جهدا في رمي القرآن بمختلف النقائص، فبعضهم يرى أن القرآن الأصلي تلف وأكلته الفئران !!  وبعضهم يقول : أن كثيرا من السور قد ضاع؛ ومنهم من تحرض أن النبي (ص) كان ينسى الآية فإذا اصبح أملاها بشكل آخر ... وهكذا دواليك يقولون كل شيء إلا الحق؛ وما ذلك إلا بغضا وحسدا من عند أنفسهم، وخدمة لأغراض شريرة.وكأني بهم وقد غاضهم أن الإسلام أحدث الأديان وأصحها وأقربها من عصرنا، فراحوا يبحثون عن نقائص مزعومة، وأكاذيب لا وجود لها غلا في أفخاخهم. على أن بعضا منهم رغم تعصبه المعروف قد شهد بهذه الحقيقة الخالدة. "كتب أرنست رنان في مقال له عن : محمد وأصول الإسلام ملاحظا أن الإسلام على عكس الديانات الأخرى التي ولدت في السر أو الغموض، قد ولد في ضوء التاريخ الساطع فأصوله توجد في مستوى سطحي Superficila، وحيتة مؤسسه معروفة لدينا جيدا، كما نعرف حياة مصلحي القرن السادس عشر(13) .
أن ترتيب آيات القرآن المجيد وترتيب سوره كما هي في المصحف الإمام (مصحف عثمان) غير ترتيبها في النزول. فيعض الآيات والسور نزلت متأخرة عن آيات وسور أخرى، ومع ذلك نجد المتأخرة سابقة للمتقدمة في المصحف الرسمي الذي سار عليه العالم  الإسلامي من اقصاه إلى أدناه؛ وبعبارة أخرى نجد كثيرا من السور المكية تحتوي على آيات مدنية والعكس صحيح.
والتفسير المعقول لترتيب التلاوة والكتابة حسب المصحف الإمام، بل الدليل القاطع والحجة الدامغة التي تؤيد هذا الترتيب، ولا يتطرق إليها الشك، هو أن ترتيب الآيات – بالاجماع – إلهي توقيفي لا اجتهادي؛ أي أنه كان بأمر من رسول الله (ص) الذي كان يحدد لكل آية مكانها من السورة وبين الآيات، بناء على وحي وإلهام من ربه. روى الإمام أحمد بغسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله (ص) إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن اضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة : "أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون(14). فهذا الحديث صريح في أن جبريل علمه موضع هذه الآية من سورتها؛ وكذا كان يفعل معه في سائر الآيات.
وأما ترتيب السور، فكان –على الراجح- توفيقيا(15) أيضا وبأمر من رسول الله (ص) يقول أبو بكر الأنباري: "...فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ويقف جبريل النبي (ص) على موضع الآية والسورة. فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله من النبي (ص)، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن".
ويستدل السيوطي – في كتابه الاتقان – على أن ترتيب السور توقيفي كالآيات بأن "الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواميس، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس النمل مع أنها أقصر منهما، فلو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت طس النمل عن القصص".
وهكذا نجد أن التريتب الحالي للمصحف الشريف هو الذي أجمعت عليه الأمة في مختلف الأقطار والأعصار والأمصار، لم يشذ عنه أحد منذ البداية إلى يومنا هذا، بل أن مترجمين كثيرين قد تمشوا عليه في ترجماتهم للقرآن –باسم التجديد والبحث العلمي – لم يعجبهم هذا الترتيب، ولم يرقهم حتى ترتيب النزول، بل اعتبروا مسألة الترتيب مشكلة عويصة، أو كما سماها أحدهم – مصاعب الترتيب الزمني Dificultades Cronologicas، واندفعوا منذ القرن التاسع عشر يفتشون – كما قيل – عن طرق جديدة لتذليل تلك الصعوبات، فحاولالمستشرق    Noldeke وحاول المستشرق Weil  وحاول غيرهما.
وها هم أولاء يخبطون خبط عشواء، ويتمشون بالفعل على الترتيب للسور من صنع عقولهم المرسضة، تراتيب ما أنزل الله بها من سلطان؛ وطبقوا ذلك على ترجماتهم لكتاب الله العزيز، فها هوذاN. I. Dawood قد تمشى في ترجمته للقرآن على ترتيب آخر غير ترتيب "ويل" وغير ترتيب "نولدكه". وهنا أتساءل : ماذا كان يضير هؤلاء لو بحثوا القرآن كما هو، وتمشوا في ترجماتهم على ترتيب المصحف الإمام الذي قبلته الأمة الإسلامية، وأجمعت عليه منذ أربعة عشر قرنا من الزمان؟
طريقة العمل :
وهنا، وبمناسبات احتفالات العالم الإسلامي بمرور أربعة عشر قرنا  على بدء نزول القرآن الكريم، أجد في نفسي حافزا من الجرأة يحفزني ويستدرجني من التساؤل إلى اقتراح طريقة للعمل.
لا شك أن المسلمين منذ ظهور الإسلام قد خدموا القرآن كتابة وحفظا وجمعا وتفسيرا وقراءات ورسما ونقطا وضبطا وشكلا، وما إلى ذلك من الخدمات الجليلة التي لا يسع المرء إنكارها ... ولا ريب أنهم اعتنوا كذلك بكتابهم المقدس فأكثروا من تلاوته على مر العصور، وكثروا – قبل الطباعة – من نسخه بأيديهم تكثيرا لا يدخل تحت حصر؛ وزخرفوا حروفه ونسخه التي زاد تكاثرها بعد تيسر وسائل الطبع والنشر في العصور الحديثة.
وحقا أن بعض الكتاب قي قاموا بمجهود في سبيل صد الخصوم الذين ما فتئوا يناصبون القرآن العداء؛ وأن بعض الحكومات العربية – الاسلامية قد أسهمت بنصيب لا ينكر في هذا المجال. فقد اصدرت الجمهورية العربية المتحدة المصحف المرتل وسجلته على "اسطوانات" بحيث لا يبقى معه مجال للتحريف بالزيادة أو النقصان، بالتبديل أو التغيير؛ وقامت بالمغرب أخيرا وزارة عموم الأوقاف والشئون الاسلامية بغصدار أحدث طبعة أنيقة للمصحف، محررة بخط مغربي جميل.
كل هذا جميل ولكنه لا يكفي لرد دعاية المناوئين الذين يتربصون ببني الإسلام وقرآنه المجيد الدوائر. لهذا أدعو المسلمين –حكومات وشعوبا، أفرادا وجماعات وهيئات – أن يبذلوا مزيدا من الجهد في الميدانيين المادي والفكري، فيعملوا متعاونين على تنفيذ خطة حاسمة للعمل مثل هذه :
أولا : - إصدار طبعات من المصحف الشريف باللغات العالمية الهامة من انكليزية وفرنسية واسبانية وألمانية وإيطالية وروسية وأوردية وفارسية وصينية إلى جانب العربية، تحتوي كل طبعة منها على ما يلي:
1- مقدمة إضافية تتناول تاريخا للقرآن يعرف به وبعلومه المختلفة، مع الإشارة إلى تحديه للعرب وإعجازه لهم مع أنهم فرسان حلبة البيان.
2- يكون نص القرآن الكريم على الصفحات اليمنى التي ترقم هكذا : 1-2-3-4 .... وتكون ترجمته إلى إحدى تلك اللغات على الصفحات اليسرى، على أن ترقم هكذا : 1- 2- 3- 4 ...الخ.
3- تكون التعليقات في أسفل الصفحة وتتناول:
أ – الأعراب (بالنسبة للنشخة العربية) بطريقة واضحة دقيقة مختصرة تعين على فهم المراد مما عسىأن يكون غامضا من الآيات.
ب- تفسير المفردات الصعبة، وذكر المعنى الإجمالي للآية أو الآيات، مع التنبيه على بلاغة التعبير القرآني وحسن بيانه.
جـ - ذكر اسباب نزول الآيات (إن كان هناك سبب نزول) حتى تعلم الظروف التي نزلت فيها وتستوعب التشريعات المتعلقة بها.
د- ذكر الناسخ والمنسوخ وحكمة النسخ، مع دحض مزاعم الخصوم.
هـ - استخلاص بعض التشريعات والأحكام من الآيات كلما أمكن ذلك.
4- فهارس في آخر المصحف تشمل:
أ – فهرسا للإعلام الواردة في القرآن مع ترجمة دقيقة مختصرة.
ب – فهرسا للأمم والملل والطوائف الوارد ذكرها في القرآن مع بيان أهم مبادئها وتحديد المواطن التي سادتها.
جـ - فهرسا للقبائل والأماكن مع تحقيق وتحديد دقيق لموقع كل منها.
د – فهرسا للسور بترتيب المصحف الإمام وبالترجمة الدقيقة لاسم كل سورة.
5- خرائط تاريخية موضحة دقيقة.
ثانيا : - العمل على تفادي الغساءة إلى كتاب الله المقدس باسم البحث العلمي، وذلك بالاتصال بالدول الأجنبية بالطرق الديبلوماسية أو غيرها، كي يحال دون طبع المصحف الشريف سواء بلغته الأصلية أو بلغات العالم المختلفة بطريقة تسيء إلى القرآن الكريم، بتشويش ترتيب السور المتعارف أو بغير ذلك من أمور.
ثالثا – أن يستشير الأفراد أو دور النشر الأجنبية الهيآت الإسلامية المختصة، وتعرض عليها ترجماتها للقرآن قبل الإقدام على طبعها ونشرها.
رابعا – أن تقاطع الدول الإسلامية كل ترجمة وردت بها مخالفة للتعاليم الإسلامية أو إساءة للنبي أو القرأن بأي شكل من أشكال الإساءة.
خامسا -   أن تصادر الدول الغسلامية كل كتاب أو مجلة تقدح في نبي المسلمين وكتابهم العزيز.
سادسا -  الوقوف في وجه مبشرين اصبحوا في المدة الأخيرة يطرقون الأبواب بكثرة ويقلقون راحة السكان، وذلك بمنعهم من مزاولة التبشير بتعاليم صارت متعارضة مع القرآن الكريم كل التعارض.
سابعا – تقرير مادة تاريخ الأديان في بعض المدارس العليا والكليات، يقوم بتدريسها مسلمون موثوق بإيمانهم، ويكون الهدف من تدريسها التعريف بالأديان السماوية والوضعية على السواء، وإجراء مقارنات بينها لتمييو الغث من السمين، والخبيث من الطيب، ولتطعيم ابناء المسلمين بالمصل الواقي ضد أي اعتداء مغرض يشن على مقدساتهم، ولتزويدهم بالحجج المنطقية لمقاومة كل تدليس.
ثامنا – أن يتصدى الكتاب العرب لفضح اقوال الغربيين وتهاتهم بمختلف الوسائل: بالمحاضرات العامة والخاصة، بالإذاعة والتلفزيون، وفي الجرائد والمجلات والكتب. كل ذلك ليشعر المتهجمون على القرآن أن النقاد المسلمين لهم بالمرصاد، فيرعووا عن غيهم، ويسالموا الإسلام السمح، ويعايشوا معتنقيه في وئام وسلام.
عمل ضخم، ولكنه يتناسب وجلال المهمة المنوطة بالمسلمين في القرن العشرين؛ فكتاب الله يستحق كل تضحية: تضحية بالجهد والمال والنفس والنفيس.فإذا وفق المسلمون للقيام بهذا العمل الإيجابي، وبإصدار المصحف الكريم بهذه الكيفية الجديدة المقترحة، أدوا خدمة جليلة تذكر لهم فتشكر؛ وأسهموا بما هو واجب عليهم في حق نبي الله وكتابه المقدس، ودافعوا عن أهم مقوماتهم الروحية، وما ذلك على هممهم بعزيز.
"أن أريد الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". صدق الله العظيم.

(1) -  فليب حتي، لم يذكر هذا الاسم مرادفا لبحيرا الوارد في الكتب العربية؛ وأورده مرتين: وصفه في الأولى بأنه بطريق فلسطين الذي حاربه يزيد بن أبي سفيان، وقضى على جيشه البيزنطي في رابع فبراير 634. ووصفه في الثانية بأنه بطريق القسطنطينية وبأنه سوري على مذهب اليعاقبة (صفحات 116 و 120 « Historia de los Arabes » pp.
(2) – Enciclopedia Universal, tomo XV, art. Coran, p, 454
(3) – الكتاب المقدس: إنجيل يوحنا الأصحاح 14 الآيات 15-16-26 طبعة جامعة  كمبردج بأنكلترا سنة 1962.
(4) – نفس المصدر الأصحاح 16 الآيتان 7-13.
(5) – الكتاب المقدس: رؤيا يوحنا اللاهوتي، الأصحاح 19 الآيتان 11-15.
(6)- الأبطال (ترجمة محمد السباعي) ص 42- 43- 45.
(7) – الأبياري: تاريخ القرآن ص 47 و 88 (نقلا عن تاريخ دمشق)
(8) – التمدن الاسلامي ج 3ص 26 طبعة أخيرة.
(9) – الأبطال؛ ترجمة محمد السباعي) ص 47.
(10) – عبد الفتاح القاضي: تاريخ المصحف الشريف ص 42.
(11) – تسهيلا للدراسة والحفظ والصلاة قسم الحزب الواحد إلى ثمانية أثمان على الشكل التالي: ثمن أول –ربع أول – ثمن ثان- نصف – ثمن ثالث- ربع ثاني- ثمن رابع -حزب
(12) – ابن خلدون: التعريف ص 17 -18-21 (طبعة دار الكتاب اللبناني) والدكتور وافي : عبد الرحمن بن خلدون ص 271- 272.
(13) – Bernard Lewis : « Los Arabes en La Historia », p, 45, Madrid, 1956
(14) – سورة النحل : الآية 90.
(15) – تاريخ المصحف الشريف ص 122. وتاريخ القرآن ص 68.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here