islamaumaroc

لمحات عن ظاهرة الألم عند الشيعة

  دعوة الحق

العددان 108 و109

لمحة عن نشأة الشيعة وأصل تسميتها:
فرقة الشيعة هي من جملة هذه الفرق الإسلامية التي نشأت بعد وفاة الرسول (ص) نتيجة الاختلاف. في من يجب أن يلي أمر المسلمين، وتتلخص فكرتها في "الإيمان بأن الإمام يتولى الحكم، ويحكم بإرادة الله لا بإرادة الناس"(1) ، والإمام هو علي بن أبي طالب الذي كان قد أوصى له الرسول في نظرهم بالخلافة، ووصيته لم يكن الدافع غليها ما بينهما من وشائج القربى فحسب، بل أن الله قد لأوحى إلى نبيه بذلك في الآية الكريمة : "وأنذر عشيرتك الأقربين"(2)، فإسناد الخلافة إلى علي كان يجب أن يقبله المسلمون، ليتمموا دينهم، من غير أن يحاول أحد إثارة النقاش أو التشاور في الأمر، حتى لا يتنكب عن محجة الدين، وهذا في رأي الإمامية بصورة خاصة.
وقد اتفق الشيعة في القول بن الرسول هو أول من أطلق هذه الكلمة على من أحب عليها وتابعه، جاء في كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر، وفي كتاب النهاية لابن الأثير أن النبي قال : "يا علي إنك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين"، وجاء في الدر المنتور للسيوطي أن النبي قال: "أن هذا –وأشار إلى علي- وشيعته لهم فائزون يوم القيامة"(3) .
فهل يحق لنا الاعتقاد في أصل تسميتهم على ما ذكروه؟ وإذا صح أن الرسول قد قال هذين الحديثين، فهل يكفي وجود كلمة شيعة فيهما ليكون أصلا لتسميتهم، مع أن هذه الكلمة تحمل معنى لغويا معروفا وبالإمكان أن تقال –إن لم تكن قد قيلت بالفعل- في حق أشياع أي صحابي جليل آخر. ثم أليس أن هذه التسمية جاءت كنتيجة طبيعية من كثرة شيوعها بين الناس من دون أن يكون هناك شخص معين يرجع إليه أصل إطلاقها.؟ إذا تجنبنا إعطاء الجواب من أنفسنا وذهبنا عند أهل السنة لنستعيره، سنجدهم لا يوافقون الشيعة على ذلك ويرفضون الأخذ بروايتهم وبأحكامهم، لأن العاطفة هي التي كانت تكيفها وتوجهها بحسب ما توحي به نوازعهم المتأثرة بحب آل البيت ولذا جاءت في رأيهم غير منطقية، وقد وقف الشيعة نفس الموقف من أهل السنة فأعرضوا عن الأخذ منهم واكتفوا بامتصاص ما هو صادر منهم، وبذلك انكمشت كل طائفة وانطوت على نفسها وتقوقعت وعاشت في محيط محدود بعد أن تجدرت عروق النقمة والعداوة بالنسبة لكل فئة إزاء الأخرى، وبسبب هذه الظاهرة فمن الأجدى أن لا نتبنى جواب السنين، ونحاول أن نصنع من مجموع هذه الآثار التاريخية جوابا أقرب إلى الواقع في اعتقادنا، وهو أن هذه التسمية لا نستطيع ربطها بالحديثين الآنفين لأسباب شتى فهي جاءت كنتيجة طبيعية للدلالة على رفاق نذروا أنفسهم لصحبة علي رضي الله عنه، إذ نعلم أن كثيرا من الصحابة كانت تجمعهم ره روابط قوبة، وقد تشيعوا له في عهد عثمان، ومنهم أبو ذر الغفاري، وعمار ابن ياسر، وحجر بن عدى وغيرهم ممن تبرموا بالحكم ومهدوا بطريقة غير مباشرة لثورة الجماهير ضد عثمان.
بقي لنا أن نتساءل عن سبب هذه الجفوة التي حصلت بين الشيعة وأهل السنة.
الواقع أن منشأها سياسي صرف، فلم يقو على البروز بوجهه الكالح غلا بعد أن أخذت جماعة من الصحابة تتطلع إلى السلطان وتريد الاستحواذ عليه، وكأنما عاد بذلك عجاج النزعة القبلية ليملأ العراء وليفسد الجو العربي الجديد، وأخذت الجماعات المختلفة تتجاذب رداء الخلافة لتستأثر به دون سواها، فالأنصار والمهاجرون والأمويون، وغير هؤلاء ممن جاءوا في أعقابهم كبني تميم، كل جماعة من هذه الجماعات كانت تريد أن تكون هي سيدة الموقف، مع اختلاف نظرة الواحدة عن الأخرى وتباين شعورها إزاء هذا الدين الجديد، فبعضها كان مغموزا في إسلامه، وكان مدفوعا بروح القبيلة التي كانت ما زالت بقايا منها في النفوس، فعادت لتفرح بين جوانح كثير من الناس، ولتسيطر على وجدانهم، فاستهواهم ما كان لهم من ذكريات في مرابع الجاهلية وكلفوا بها ونفرا اطمئنانهم من الإسلام، وكادوا يشرفون بوجوههم على أعتاب الجاهلية الجاهلة لولا أنهم وجدوا المجابهة القوية الراذعة، ونقصد من هؤلاء التميميين وادعاء "سجاح" فيهم للنبوة وارتدادهم عن الإسلام في عهد أبي بكر، ووقوفهم في وجه الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، ولا نريد الخوض في هذه النقطة، ونكتفي بهذه الإشارة لنؤكد على ضوئها أن الأطماع السياسية والعصبيات تدخلت في الموضوع لتصبغه بلونها المتغاير.
هؤلاء الشيعة الذين لم يستطيعوا الانفلات من الوقوع في هذه الحماة، لم يستطيعوا أيضا الانسلاخ عن أطماعهم السياسية، فقد اتخذت مطالبتهم بالخلافة لونا مشفوعا بالمعيبات، وقد أضفى عليه الفرس هالة من التقديس، بحكم ما لهم من موروث، ومن تعود على تقديس ملوكهم، فاندفعوا بتأثير ذلك وبتأثير حبهم لآل البيت  إلى الارتماء في أحضان الشيعة والدعوة لها، وهناك عامل آخر شجعهم على هذا الارتماء، هو ازدراء الأمويين لهم إلى درجة أصبحت معها مخزاة المفاضلة الاعتباطية أمرا عاديا بالنسبة للعنصر العربي إزاء الموالي، وأصبح الشاعر العربي لا يجد أي تحرج في أن يقول:
يا مالك بن طريف أن بيعكم
           رفد القرى مفسد للدين والحسب
قالوا نبيعكه بيعا، فقلت لهم:
         بيعوا الموالي واستحيوا من العرب
لقد تفتحت عقلية الشيعة على الفرس وتفاعلت أفكارهم مع أفكار هؤلاء، فحصل تزاوج أدى إلى بروز هذا اللون الجديد في العالم الشيعي، ومع الاستمرار قوي اللقاح للعقيدة الشيعية وأخذت بعد انصرام فترة وجيزة تعطي غلالا غريبة تنقصها النكهة الأصلية ويعوزها الطعم العربي، وبذلك اتخذت طابعا مميزا يجمع بين كثير من المتناقضات المتمثلة في جنوح الشيعة إلى الجمع في عقيدتهم بين الخرافة، والعاطفة، والسياسة، والدين، بل أننا نجدهم يجمعون بين مناهضة الدين وبين الاستمساك به في آن واحد كما سنرى.

فلسفة الشيعة وبواعثها:          
لقد ارتكزت عقيدة الشيعة كما قلنا على قاعدة تتألف من الخرافة والعاطفة، والسياسة، والدين، والتعارض مع الدين، ورغم أن هذه المتناقضات توحي بداهة بأنها بعيدة عن المنطق، فإن الشيعة استطاعوا أن يوفقوا بينها وبينه، فجعلوها منطلقا لدعواتهم، وكانت تتألف من عناصر تجريدية وأفكار أسطورية تتجاوز الواقع بمراحل كبيرة وتمعن في البعد عنه. فدعوات الشيعة أخذت تدور حول أربع نقط. هي : العصمة، والمهدية، والرجعة، والتقية.
والملحوظ أن الشيعة ذهبت مذاهب شتى في تفسيرها، فساعد على توسيع أفقها، وأزجى عليه زياحا من الخيال والخرافة التي لا يستسيغها أحد، ولكن الإنسان الشيعي استساغها وأجهد نفسه قصد إيجاد نوع من التفاعل بينها وبين غيرها، فنتجت عن ذلك مضاعفات خطيرة ظهر بعضها في نزوع فئة إلى وضع أحاديث وادعاء نسبتها إلى الرسول (ص) لتعزيز الموقف والنيل من الخصوم، الشيء الذي لم يعد معه بالإمكان الاطمئنان إلى كثير منها، وخاصة تلك التي أصبحت مفعمة باستكناه الغيب، وقد كثر النحل بشكل مهول، وكثر التأويل بالقياس إلى الآيات القرءانية، وحاولت بعض الفرق الإسلامية مجاراة هؤلاء فيما قالوا به، وتأثر الصوفية بهذه العقلية وبرزت عندهم في لون آخر، واستحدثت أشياء كانت وطأتها شديدة على الإسلام، وأصبح تقبل الشيعة للأفكار الغريبة مستمرا في مختلف الفترات التي أعقبت عهدهم الأول، ومن ذلك ما نتج من تفاعل بينهم وبين الأفلاطونية الحديثة التي ساعدتهم على القول بكثير من الأشياء، حيث استفاد "الاثنى عشريون" من "أخوان الصفا" الذين وضعوا لهم تعاليم تتدرج في تسع درجات، وهي في عمقها تنال من الإسلام وتشير الشكوك حوله، وقد اهتبل أشياعهم وتنكبوا عن الجادة عندما أقحم أقطابهم العقلانية في إعطاء تفسيرات غريبة لبعض مقومات الدين مثل رمي الجمار، والسير بين الصفا والمروة، وقد أعطوا تأويلا خاصا للوحي يصطبغ بالأخلاق عندما ذكروا أنه صفاء في النفس ونقاء في السريرة، وأن القرءان لا يزيد عن أنه رموز يعرفها العارفون الذين لا يعطون للمادية أي اعتبار، ويؤتون الاستنباط والغوص للاستكشاف عن اللؤلؤ في الصدفات ... ومساق هذه الفلسفة عندهم أخذ يمعن فيما بعد في البعد عن روح الإسلام واستهدف "الانسلال من الدين كانسلال الشعرة من العجين ...وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم"(4) .
وكما لاحظنا سابقا فإن الشيعة يعتبرون أن نشأتهم تلتصق بصميم الإسلام. وأن خلافة علي كانت بوحي إلهي، بمعنى أنهم نشأوا في مهجة الدين، على حين أننا نراهم الآن، وبعد فترة من الزمن، ينتزعون إلى القول بمغيبات تتعارض مع روحه وتستهدف اجتثاث أصوله.
وهنا يتبادر إلى الذهن الاعتقاد بأن عناصر هدامة اندست بين الشيعة لتكيد للدين الجديد ولتنزع الألغام بين أرجل المخلصين في هذا الحزب والكلفين إلى حد الهيام بالرسول وآل بيته المطهرين، وإذا سرحنا الطرف بعيدا سنجد أنه كان هناك أشخاص كادوا للإسلام حقا، وعلى رأسهم عبد الله ابن سبأ الذي كان يهوديا واسلم ثم ارتد إلى دينه مع المرتدين، ثم عاد فأسلم، ويوخد من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارا يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر بها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها. وأشهر تعاليمه الوصاية والرجعة(5) ، والمعروف أن اليهود يقولون بالرجعة، لهذا فهي فكرة دخيلة على الشيعة.
فما هو الباعث الحقيقي الذي دفع الشيعة إلى تبني هذه الأفكار، وإقحامها ضمن معتقداتهم الأخرى؟ وما هي الأسباب التي دفعتهم إلى الاحتكاك بالأفلاطونية الحديثة، والجنوح نحو الخرافة ..؟
الجواب هو أن الضراوة والقسوة والفتك الذي كان رجال السلطان يقابلونهم به، هو الذي جعلهم لا يميزون بين شيء وآخر، فاندفعوا يأخذون بدون أدنى حيطة كل شيء اعتقدوا أنه في مصلحتهم وخلطوا بين الدين والسياسة، وحصلت هذه المعضلة التي أصبحت لازمة لهم، وقد استغل سذاجة الشيعة بعض النفعيين ممن كانت لهم مصالح ودوافع خاصة وغرروا بهم وجعلوهم يعيشون في شبه غفلة عن دينهم، واستمر أخذ الشيعة من الآخرين حتى بعد انصرام عهد الأمويين، بدافع تعودهم على ذلك في السابق كما أوضحنا سالفا.
وسنحلل فلسفة الشيعة من خلال مصطلحاتهم الأربعة بقليل من الإيجاز، وسنحاول الوصول إلى مدى ارتباطها بحياتهم العملية، ولن نتوسل بالحيل، كما لن نتجاوز الواقع ولن نجيء بالأحكام التجريدية المختلفة، بل سنحاول أن نبعث مظاهر الواقع  عن طريق الفكر وأن نبرز بعضا من الصلات التي نعتقد أنها تجمع بين أقوالهم وأفعالهم.

العصــــــمة :
ويقصد بها الشيعة (أن الأئمة كالأنبياء معصومون في كل حياتهم، لا يرتكبون صغيرة ولا كبيرة ولا تصدر عنهم أية معصية، ولا يجوز عليهم خطأ ولا نسيان(6) أن مجمل عقيدتهم كان ينحصر في ضرورة إسناد الخلافة إلى أئمتهم، وتشعب أفكارهم وتضاربها لم يغير من هذه الحقيقة، بل أن محور هذه الأفكار المتشعبة المتضاربة يدور لأجل غاية ثابتة، هي ضرورة إسناد الخلافة إلى واحد من أئمتهم، ولذلك حاولوا أن يضفوا على الإمام هالة من التقديس المطلق، فهو كما قال الرضا: (كالشمس الطالعة المجللة بنورها العالم، وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير، والسراج الظاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى، وأجواز البلدان القفار، ولحج البحار، الإمام الماء العذب على الظمأ، والدال على الهدى والمنجي من الردى ... الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوم بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيض المنافقين وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير)(7)، فالملائكة تدخل بيوت الأئمة وتخبرهم بكل شيء(8).
لقد جسد الشيعة مثلهم الأعلى في الإمام، وساعد وجودهم في المعارضة على التأثير على عقول الدمهاء كما أن تبرم الناس بالحكم الأموي، وخاصة الموالي، جعلهم ينحازون إليهم، فكتب لهذه الفكرة أن تلقى القبول والرضى من لدن الكثير، وبدافع الحماس والرغبة في تقويض سلطان بني معيط، أخذوا يتلقون الأفكار المستوردة بنهم، دون إعارة أي اهتمام لما قد يترتب عن ذلك من أخطار كما أوضحنا سابقا، فالمهم هو أن تساعدهم على جلب الأنصار وكسبهم، أما أمر الدين، فهذا هو الشيء الذي لم يكن يعنيهم إلا من الجوانب الأخرى التي لها التصاق بمصالحهم وأطماعهم السياسية.
لقد اطمأن أنصارهم إلى العصمة، وقدروا ما للقول بها من تمجيد لمرغوبهم يمدهم بالوفد، ويحبوهم بالاحترام، ويضعهم في منزلة فوق منزلة الناس جميعا، كما أن فيهم من قدر الأمر على منوال آخر له ارتباطه بمصالحه وشؤونه الخاصة، المهم أن الاطمئنان إلى العصمة كان جماعيا بعد أن تدخلت القوة وبدأ التنكيل، فكان للألم جوره الفعال في إعطاء هذه الشمولية لرواج هذه الفكرة.

المهــديـــة : 
والمهدية هي أيضا زيادة في التقديس ومبالغة فيه، مع جانب رمزي آخر ترمز إليه، ومجملها أن الإمام الثاني له غيبة (وإذا بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها)، وهذا الإمام هو المهدي المنتظر الذي سيخرج ليملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما.
ونشتم من القول بالمهدية رائحة الرمزية تضوع بقوة وتخرج بها عن حيز الوقوف عند التقديس لتجعلها دلالة على أن الحكم سيعود لأئمتهم، فالواضع الأول للفكرة كلن يقصد هذه النقطة ولم يرد الإفصاح عنها خوفا من البطش، غير أن طبيعة العصر وقرب عهد الناس بالجاهلية، وقابلية العقيدة الشيعية للتكييف مع الخرافة، قد انحرف بهذا المعنى الرمزي إلى المعنى المجرد المعروف من خلال اللفظ، فأخذ الناس المهدية بمدلول لفظها، وساعد الجهل على اقتناعهم بمحتواها الظاهر، وبذلك لم يؤد المعنى الذي قصده واضعها الأول الذي كان يريد المحافظة على الأشياع حتى لا يصرفهم التنكيل ويثنيهم الاضطهاد عن الحزب الشيعي،  بإعطائهم التأكيدات بأن الخلافة ستعود للطالبيين .. ولكن، أنى للناس أن يفهموا هذا المعنى الرمزي وهم على ما هم عليه من الانغلاق والجهل؟. أن صفوة المفكرين والمتقين والشعراء اتخذت للمهدية نفس الفهم الخاطئ الذي اتخذه الطغام، فالشاعر السيد الحميري كان يعتقد ذلك ويكثر من ترديده، كما أن كثير عزة قبله كان يؤمن أن المهدي المنتظر هو محمد ابن حنيفة المقيم بجبل رضوى ولديه هناك عسل وماء كما في قوله :
وسبط لا يذوق الموت حتى
         يقود الخيل يقدمها لواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا
     برضوى عنده عسل وماء
ولقد اختلف الشيعة في شخص الإمام المهدي، فالأمامية يقولون أنه علي بن أبي طالب، كما أن منهم من ذكر أنه جعفر الصادق ركيزتهم في الفقه والعلوم الدينية، كما أن هناك من اعتقد غير هؤلاء، والسبب هو أن الفكرة وجدت استعدادات لتلقيها وترويجها، فزاد البعض من عنده في إغنائها بالصور والظلال، كأنها لوحة أو قصيدة شعر، واجتهد البعض الآخر في إعطائها ألوانا أخرى دخلت بها جو الأسطورة الخالص، وحصل تسابق سياسي هائل في المهدية بالخصوص، حيث قال الأمويون بقرب ظهور (السفياني) نسبة إلى أبي سفيان، وسواد الأمة كان لا يستبعد ذلك حتى بالنسبة لأي أحد، فكل فكرة أومضت في أفقهم، تركت رسوبها فيهم، ولما كان ذلك يجد حيزه في العقول، استغل العباسيون المهدية وتبنوها وأوضحوا أن المهدي سيظهر منهم، وبالجملة فإن تسابقا سياسيا هائلا حصل في الموضوع وخرج به عن الطور، وأصبحت معه المهدية شعارا للتمويه.

أمــا الرجــــعة :
فهي تتمة لصورة المهدية، ومجملها أن الرسول، وعلي، والحسن والحسين، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، ومعاوية، ويزيد، سيعودون إلى الحياة، وسيحاكم السبعة الأخيرون وسيصلبون جزاء على ما قاموا به من اغتصاب لحقوق الأئمة. 

أمـــا التقيــــة :  
فهي تسمح للشيعي بأن يظهر للناس خلاف ما يبطن.
وبالرغم من أن هذه المصطلحات تمثل وحدات متباعدة، فإن حماسة الشيعة أوجدت كثيرا من الصلات بينها، بحيث أمست تجسد كل القيم التي ينشدها الشيعة. وعندي أن الألم له دور أساسي في تبنيهم لهذه المصطلحات وفي إضافة هذه الإضافات لها، لقد كان الألم يعتور أحاسيسهم ويعتمل فيهم، نتيجة الضراوة التي كان يقابلهم بها بنو معيط، فالألم من أهم الأسباب التي دفعتهم إلى إضفاء هذه الهالة من التقديس على أئمتهم، وإلى البروز بهذه العاطفة الملتاعة المشوبة التي تجمع بين لونين، لون الغضب الحانق وحب الثأر وتطلع نهم إليه، والإرهاصة الدالة على هذه الحقيقة، ما يمنون به أنفسهم من قول بالرجعة التي ستتم فيها عملية الانتقام والمحاسبة، ولون الحزن الممض الذي كان الشعر والخطب ومختلف فنون القول الأخرى المعروفة حينئذ، مرآة صافية تعكسه وتصوره، وقد جاءت التقية وكانت (وسيلة يسترون بها ضعفهم وأساليبهم في الدعوة السياسية، مخافة التنكيل بهم وانقطاع آمالهم وآمال الناس فيهم)(9) ، فصانعوا بها الخصوم، وكانت لهم وقاء في أغلب الأحيان، والألم كذلك هو الدافع إلى تقبلها والاطمئنان لها وخلق أسباب وجودها وربط كل ذلك بسلوك علي رضي الله عنه مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه.
لقد مزج الشيعة بين عاطفتهم وسياستهم في إيجاد هذه المصطلحات، وكأنهم بترويجهم لها كانوا أقرب إلى المثاليين بالمفهوم المعاصر- وهذا بالنظر إلى الشيعة ككل وخلال عهدهم الأول – فهم كانوا يعتبرون أن واقعهم مريض، ويتحتم تغييره بواقع آخر أحسن منه، ولن يتم ذلك إلا بتقويض سلطان الأمويين بطريقة أو بأخرى، وخصومهم كانوا على كامل الدراية بما تفيض به قلوبهم، فساموهم الخسف وقتلوا وصلبوا، وكانت الانطلاقة الرسمية للتنكيل بهم قد ابتدأت مع فاجعة "كربلاء"، هذه الفاجعة التي كانت هي النقطة التي أفاضت الكأس، وغمرت الجوانح بلهيب البث وأوار التفجع، وأصبحت هي الطاقة التي يستمد منها الشيعة قوة حزنهم وحرارة عاطفتهم.
ولئن كنا مؤمنين أشد الإيمان بأن هذه الدعاوي باطلة وليست بحاجة إلى تكذيب، فإنه لا يعقل منطقيا أن (شخصا مات سيبعث قبل يوم البعث ليحارب ويحكم ويقتص ويعدل بين الناس)(10)، ولكنه التأثر بهذه التيارات العقائدية والفلسفية المختلفة بالإضافة إلى مختلف صنوف العذاب وضروب الضيم، جعلهم يطمئنون إلى كل ذلك ويجهدون أنفسهم قصد إيجاد الصلات الضرورية بين هذه المصطلحات وبين حياتهم الواقعية.
يتضح من هذا التحليل المتواضع جدا أنه إلى جانب عمل أولئك الذين اندسوا بين الشيعة لتقويض تعاليم الإسلام، فإن الشيعة جميعا تغلبت عليها أطماعها السياسية وتفتحت بتلقائية على ما روجوا بينها من أفكار، بل أنها حملتها وانطلقت تضرب بها في التيه، وتضيف إليها كل فمرة غريبة، فاتسعت الرقعة، وكثرت الألوان، وزادت بذلك فلسفتها غرابة وتعقيدا، واتضح أيضا أنها كانت تحمل نقطة ثابتة في أذهان بنيها، هي أنهم أصحاب هذا الملك الذي اغتصبه منهم الأمويون، وهم ملزمون ضرورة بالدفاع عن هذا الحق الأصيل. ولا شك أيضا أن شيئا واحدا يتجلى لنا بارز الوضوح فيما أوضحناه، وهو الألم الذي كان دوره كبيرا في إعطاء الشيعة هذه القابلية الكبيرة لتلقي مثل هذه التيارات الغيبة.  

انعكاس ذلك في أدبهم :  
والأدب الشيعي لم يكن بمعزل عن هذه التيارات بل أنه توسع في التصوير، وأمد الشيعة بالحجة والبرهان، وكان حطبا جزلا للثورة ووقودا للتمرد على الحكم، ورغم أن شعراء الشيعة لم يختصوا بمذهبهم اختصاص الخوارج، فإنهم كانوا صادقين في دعوتهم إلى آل البيت، وبعد شعرهم (أدبا جديدا في موضوعاته وأساليبه ومعانيه، وإن لم يبلغ طابع الشعر الخارجي نصاعة وحرية)(11)، ولقد ظهر شعرهم وعليه طابع الحب لآل البيت، وآثار التفجع (والحزن على هؤلاء المغصوبين المشردين الذين لا يملكون قوة مادية كالتي يملكها خصومهم، ولا يجترئون على الحق كما اجترأ خصومهم، فعاشوا يرون الدنيا عليهم، وينقمون من السياسة مجافاتها للمقاييس الدينية والخلقية، وأطلقوا هم وشعراؤهم السنة ساخطة حزينة أثمرت شعرا غلب عليه الحزن حتى في أبواب الاحتجاج)(12) ، ويتضح شيء من هذا في هاشميات الكميت، فقد كان فيها بحق، صوتا مجلجلا أحيانا، رقيقا أحيانا أخرى، ولكنه في كل ذلك كان متنفسا للشيعة من آلامهم وكان يعبر عن نخوتهم وعدم خوفهم حتى من الظبا والقطيع، فلنستمع إليه وهو يقول :
فقل لبني أمية حيث حلوا
      وإن خفت المهند والقطيعا
إلا أف لدهر منت فيه
     هدانا طائعا لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه
     وأشبع من بجوركم أجيعا
ويلعن فذ أمته جهارا
    إذا ساس البرية والخليعا
بمرضى السياسة هاشمي
    يكون حبا لأمته ربيعا
لقد كان الشعر يضفي من خياله على فلسفة الشيعة ما يكسبها جمالا تستجيب له الأحاسيس الشيعية وتتواجد معه، فهو انفعال ينطق بلسان الشعور ويترجم ما يعتور الدواخل من مشاعر، فلم يكن تعبيرا عن الأفكار والتصورات فحسب، وإنما كان وجدانا أيضا، كان حصيلة لثقل هذه السنابل الخصبة، وهو إلى جانب ذلك ارتبط ارتباطا وثيقا بالعقيدة الشيعية في كل وجودها، وخاصة منها الوجه المتجسم في الدين، واشترك في الدعوة إليها والتبشير بتعاليمها، وتأكيد مصطلحاتها، بل أن الشعراء وجدوا في هذه المصطلحات لمسات من الإحساس الفني، وصور جمالية عديدة، فجاءت انفعالاتهم الصادقة لتعطي لقصائدهم الدفء اللازم، فتشابك إذ ذاك الشعر مع تعاليم الشيعة، وأصبحت سمة ظاهرة فيه لا يتجرد عنها وباتت تؤلف خاصية هامة من خصائصه العامة، بمعنى أنه ارتبط بحياة الشيعة وأمدهم بشمم، وأسعفهم بهمة، وانطلقت من أجل عقيدتهم عتاق مدارك الشعراء، وتبارت في تمجيدهم جياد أقلامهم  لتترجم ما ينتابهم من هوان وبث، سواء من طرف الأمويين أم من طرف الزبيريين الذين قال في رأسهم كثير عزة عندما حبس محمد بن الحنيفة في سجن عارم:
تحبر من لاقيت أنك عائد
        بل العائد المظلوم في سجن عارم
على أن هناك من الشعراء من كان شيعيا يقلبه فقط وأمويا بعقله، ومن هؤلاء أيمن بن خريم الاسدي، ونجد جدة في معانيه وصورا جديدة أعجب بها بعض خلفاء الأمويين أنفسهم، وهو في هذا النزوع العقلي إلى الأمويين كان مخلصا –ككثير من شعراء الشيعة- لمبدأ التقية الذي يبيح له ذلك، فلم يأت نكرا يبتعد به عن أفق تعاليم ومصطلحاتهم.
ومن شعره ما قاله في الهاشميين :
نهاركم مكابدة وصوم 
      وليلكم صلاة واقتــراء
وليتم بالقرآن وبالتزكي
      فأسرع فيكم ذاك البلاء
بكى بكم غداة عليكم
       ومكة والمدينة والجواء
وحق لكل أرض فارقوها
     عليكم، لا أبا لكم، البكاء
أأجعلكم وأقواما سواء
      وبينكم وبينهم الهواء
وهم أرض لأرجلكم وأنتم
     لأرؤسهم وأعينهم سماء
إنها مخزاة المفاضلة الاعتباطية هي التي جعلته يعتبر ما دون الشيعة من الناس، أرضا لأقدامهم وهملا بالنسبة لهم، ورواج مثل هذا القول بين الطغام ما كان ليرضي الخصوم، بل كان يزيدهم استعدادا لمضاعفة التنكيل، في حين أنه كان يقع أجمل وقع في نفوس الشيعة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم يجالدون من أجل حق أصيل سلب منهم، وهو خلافتهم، وأنهم أجدر بها من كل أحد آخر.
ولئن كانت وضعية الشيعة قد تغيرت في عهد العباسيين، لانقسامها إلى شعبتين : طالبية معارضة، وعباسية بيدها مقاليد الحكم، فإن تشيع الشعراء للطالبيين أو العلويين لم ينقطع، بل ازداد قوة وصلابة، وخاصة بعد أن كثر في العلويين القتل وعمل فيهم السيف، وقد عمق التنكيل شعور العلويين بالألم بعد أن أصبحوا موزعين "تطاردهم مناياهم ... ويعيث فيهم بنو العبــــــاس" (13) ، ولقد شاب قلوبهم شعور بالحسرة من هذه اللعبة التي لعبها عليهم بنو عمهم عندما استأثروا بالخلافة دونهم، وأخذوا يشدون في وجوههم كل باب، فحجتهم القائلة بانتسابهم إلى بيت الرسول (ص) لم تعد تجديهم بل أصبحت عليهم عندما دخل منطق "الفرائض" في الموضوع وأصبحت معه الخلافة "تركة" أو ميراثا يناله أقرب الأقارب، وقد صور لنا الشعر ذلك أصدق تصوير، وشارك بشكل بارز في هذه المعركة بالنسبة للجانبين، ومن ذلك ما قاله مروان بن أبي حفصة عند مدحه للخليفة العباسي الهادي:
يا ابن الذي ورث النبي محمدا
        دون الأقارب من ذوي الأرحام
 الوحي بين بني البنات وبينكم
       قطع الخصام فلات حين خصام
أنى يكون –وليس ذاك بكائن-
       لبني البنات وراثة الأعمام
وقد كانت وطأة البيت الأخير شديدة على العلويين، فقام شعراؤهم بتوضيح موقفهم من هذه القضية، وقد قال أحدهم:
لم لا يكون –وأن ذاك لكائن-
          لبني البنات وراثة الأعمام
للبنت نصف كامل من ماله
         والعم متروك بغير سهام
ولم يقف الأمر عند الاحتجاج بالشعر وباقي فنون القول، بل تعدى ذلك عندما استعمل العباسيون السيف لحفظ ما لهم ولتركيز سلطانهم، حتى أمسى العلويون يتحسرون لانصرام عهد الأمويين، وقد صور هذا أحد الشعراء بحضرة أحد أئمة هؤلاء فقال :
يا ليت جور بني مروان عاد لنا
        يا ليت عدل بني العباس في النار
وقد زاد التنكيل في إسهام وتفجعهم "فكسب الأدب من ذلك كله شعرا جديدا قويا حزينا"(14)، ولعل الشاعر الذي يصور لنا استماتتهم وإلحاحهم على موقفهم في المطالبة بالخلافة، هو دعبل بن علي الخزاعي الذي (كان شعره نابضا بالألم والأمل والحب والكره، وكان يسكن إليه كما يسكن الفارس إلى سيفه يلصقه إلى قلبه في الليل، ويدفع به نحو الخصوم في النهار)(15) ..كان صوتا ينطق بلسان العلويين وينافح عنهم ويرد  عن أعراضهم جماح الظلامة ولجج طوفانها الكالح، لقد هجا الرشيد والأمين وحتى المأمون، وسمى هؤلاء بغير أسمائهم:
وسموا رشيدا ليس فيهم لرشده
        وها ذاك مأمون وذاك أمين
فما قبلت بالرشد منهم رعاية
       ولا لولي بالأمانة ديــن
رشيــدهم غاو وطفلاه بعده
        لهذا رزايا، دون ذاك مجــون
ولئن اعتبر هذا الهجاء المقذع مجرد فورة غاضبة ترجع إلى ما توحي به انفعالات ذاتية في لحظة ما، فإن ذلك لا ينفي كونها تعبر أصدق تعبير عن الشعور الحقيقي لمجموع الطالبيين الذين يتواجدون مع الشاعر في الإحساس بهذا الذي دبجته براعته وفاضت به شاعريته، أنه التواجد، والألم والشعور المشترك بهذا الألم، هو الذي حدا بالشاعر إلى تسجيله في تأتيته الشهيرة التي مدح بها الرضا، وقد كانت بحق صورة رائعة تنم عن امتزاج حب العلويين بعروقه، وتفاعله الصادق المرير مع الأحداث المروعة التي انتابتهم في مختلف الفترات.
وهناك من الشعراء من نجد لهم شذرات من هذا القبيل مثل ابن الرومي الذي أجمل مأساة الطالبيين في بيته الشهير :
لكل أوان للنبي محمد
       قتيل زكي بالدماء مضرج
ورغم هذه المشاركة الإيجابية من الشعراء في مأساة الشيعة، فإننا نعدو الحقيقة إذا أكدنا أن الفواجع التي أمت بهم كانت من الفظاعة والضراوة بحيث تعد فريدة في تاريخ الأمة الإسلامية كلها كما لا نعدو الحقيقة إذا أكدنا أن الشعر الشيعي رغم كل المميزات التي تميز بها، فإنه كان دون مستوى هذه الفواجع، بحيث لم يبرز لنا الخلفية النفسية للشيعة ويجعلها بارزة الوضوح أمامنا، وإن كان قد قربنا منها، وجعلنا نصيخ ببعض اليسر إلى هجس ضلوعهم وآهاتهم الخافتة.

(1) – الشيعة والتشيع –محمد جواد مغنية –ط: 1- ص: 12 –دار الكتاب اللبناني.
(2) – نفس المرجع ص 14.
(3) – تاريخ الشيعة –محمد حسين المظفر- ط1 – ص: 50 –النجف.
(4) – "فضائح الباطنية" –أبو حامد الغزالي –تحقيق د. عبد الرحمن بدوي، ط: 1- ص: 18.
(5) – فجر الإسلام –ص : 269-ط : 6.
(6) – ضحى الإسلام، ج3 –ص : 226 –ط: 6.
(7) – نفس المرجع –ص : 227.
(8) – نفس المرجع –ص: 227.
(9) – تاريخ الشعر السياسي –ص : 188-ط: 2.
(10) – أدب السياسة في العصر الأموي- الحوفي –ص: 77- ط: 2 دار : نهضة مصر للطبع والنشر
(11) – تاريخ الشعر السياسي –ص: 193.
(12) – نفس المرجع –ص: 192.
(13) – دعبل بن علي الخزاعي –عبد الكريم الأشتر.
(14) – تاريخ الشعر السياسي.
(15) – دعبل الخزاعي –الأشتر-


        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here