islamaumaroc

الأدب النسوي في المغرب (الأندلس) -13-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

عصــر الموحــدين :
كنا في سلف من الحديث قد بينا المنهج المعتمد في كتابة هذا البحث وهو أنه سنمضي مع التطورات السياسية التي شهدتها الأندلس، والدول التي تعاقبت عليها، ورغم ذلك فإنني وجدت نفسي مضطرا  إلى أن أضرب صفحا عن ذكر عصر المرابطين ما دامت المادة الأدبية النسوية لم تتوفر لدي.
ولا يفهم من هذا العصر – عصر المرابطين – كان عصر جمود وركود كما يحلو لبعض المؤرخين عربا ومستشرقين أن يصفوه –بالعكس فإنه كان امتدادا لدويلات الطوائف في كثير من المظاهر، وهناك في هذا الصدد أكثر من دليل يقطع دابر الشكوك لمن يزيف الحقائق، وكتب تاريخ الأدب شاهدة ناطقة على ذلك.
بعد أن خرقت دولة المرابطين في المغرب وانهار الصرح المؤتل الذي شيده البطل يوسف ابن تاشفين ظهرت على مسرح السياسة دولة جديدة اقام أركانها المهدي بن تومرت وتسلم منه فيما بعد مقاليد الحكم عبد المؤمن بن علي الذي جاز إلى الأندلس فاتحا.
وفي ظلال هذه الدولة المغربية تفيأ الأدب والشعر وازدهرت الحكمة والفلسفة وتعددت مواهب العلماء والأدباء ذلك لأننا لا نعدم أن نجد جماعات مختصة في علم من العلوم أو فن من الفنون، وبعبارة أخرى فإننا لا نتعب في البحث عن العدد الضخم من الرجال الممثلين للثقافة والفكر في كل مجال من المجالات كأسرة ابن زهر في الطب وابن البيطار في النبات وفي الرياضيات أحمد بن عبد الرحمن البطروجي وفي النحو عمر بن محمد المعروف بالشلوبين وفي التاريخ ابن الأبار وفي الفلسفة ابن طفيل وابن رشيد وفي الأدب والشعر اسماء العامرية والشلبية وحفصة الركونية اللواتي هن مسك ختام هذا البحث، وأبو جعفر بن سعيد وميمون بن خبارة ويحيى بن مجبر.
وعلى الجملة فقد بلغت الحياة الفكرية شأوا بعيدا في كل مظهر من مظتهر النشاط المعرفي، وليس يرجع ذلك في حقيقة الأمر إلا لما كان يفقده رجال الدولة من عطايا على رجال الفكر، وما يضفون عليهم من تشجيع حبا في العلم، وشغفا بالثقافة، وليس أدل على ذلك من ولع يوسف بن عبد المؤمن بجمع الكتب حتى اجتمع لديه منها ما يقارب العدد الضخم الذي حوته مكتبة الحكم المستنصر بالله الأموي الشهيرة، وفي المعجب(1)  للمراكشي قصة لطيفة شيقة في هذا الموضوع تكشف عن تعلق هذا الخليفة العظيم بالعلم فليراجعاه من أراد الاطلاع عليها.
ونضيف غلى ذلك أن يعقوب بن يوسف المعروف بالمنصور اجتمع لديه من الشعراء عدد كبير، وذلك عند رجوعه من غزوة الأرك يهنئونه بالفوز المبين حتى أنه لم يتمكن لكل شاعر من إنشاد قصيدته كلها.
ورغم كل ذلك فإن الاتجاهات الأدبية ظلت كما كانت من قبل إذ لم يتميز هذا العصر عن بقية العصور الأخرى بميزة أدبية جديدة، فالفنون الشعرية من مدح وغزل ورثاء لم يعتورها تغيير يعد شيئا طريفا كل الطرافة بغض النظر عما قد تلقحت به هذه الفنون الشعرية المعروفة في الأدب العربي عموما من الجمال في التعبير، والثراء في التجربة، والخصوبة في الخيال، والتصوير للبيئة الأندلسية وحياتها المترفة الناعمة، وعالمها المثير العجيب، ودنياها الزاهرة المشرقة.

أسمــاء العامــرية :
أديبة فصيحة ظريفة لما أشعار جميلة، وهي من مدينة اشبيلية بعثت إلى الخليفة عبد المؤمن بن علي رسالة تعرفه فيها بنسبها العامري وتسأله أن يسقط الأنزال عن دارها وما اعتقل من مالها ثم كتبت في خاتمتها قصيدة قالت في أولها:
عرفنا النصر والفتح المبين
          لسيدنا أمير المؤمنينا
إذا كان الحديث عن المعالي
          رايت حديثكم فينا شجونا
وبعد ذلك تقول :
رويتم علمه فعلمتموه
          وصنتم عهده فغدا مصونا

الشلبيـــة :
شاعرة رقيقة لم يقف المؤرخون على اسمها، عرفت بالشلبية نسبة إلى بلدها شلب(2) وهي من شواعرها الصادحات في القرن السادس الهجري، كتبت يوما شعرا ترسم فيه ما تعانيه من ظلم وإلى مدينتها، وما يتغلغل في مسارب قلبها من أحزان نلمسها في ثنايا ألفاظه التي تتصاعد منها انسيابات وجدانية تدل على غنى التجربة الصادقة الناضجة، وقيل بأنها ألقت بهذا الشعر على مصلى الخليفة يعقوب المنصور ولما انتهى من الصلاة قرأه فأمر لها بصلة وأنصفها.
إذطن فلننصت إلى لحنها الباكي الشاكي حتى نقاسمها شجنها :
قد آن أن تبكي العيون الآبية
       ولقد أرى أن الحجارة باكية
يا قاصد المصر الذي يرجى به
       أن قدر الرحمن رفع كراهية
ناد الأمير إذا وقفت ببابه
       يا راعيا أن الرعية فانية
أرسلتها هملا ولا مرعى لها
       وتركتها نهب السباع العادية
شلب كلا شلب وكانت جنة
       فأعادها الطاعون نارا حامية
حاقوا وما خافوا عقوبة ربهم
      والله لا تخفى عليه خافية

حفصة بنت الحاج الركونــية:
منهل عذب، ندي النفحات تر النسمات، غني بكل رائق لطيف، عذبة الحديث والمساجلة، تنظم الشعر من غير حشمة، لأنها تترجم صورة العصر الذي عاشت فيه، وهي من بشرات(3)) Alpujarras عاشت في القرن السادس الهجري، وتعتبر استاذة الشواعر في أوانها، لكونها تملك قدرة شعرية هائلة.
ومن أعمالها الشعرية هذه الابيات تحدثنا فيها عن هواها في وله المشتاق:
أزورك أم تزور فإن قلبي
       إلى ما تشتهي ابدا يميل
فتغري مورد عذب زلال
       وفرع ذؤابتي ظل ظليل
وقد أملت أن تظما وتضحى
       إذا وافى إليك بي المقيل
فعجل بالجواب فما جميل
       اباؤك عن بثينة يا جميل
لقد قرأت ولا شك هذه الأبيات، يا من يهوى الحديث عن القلوب العطشى إلى مورد الحب – وأعجبت بهذه الهمسات العذاب، وتيقنت بعد تذوقك لها أنها بوح جميل يتسلل عذبا لطيفا إلى القلوب، تحمله الجرأة الفائرة، وسكرة الحب، وحرقة الجوى، وبشكل ألحانا تتناغم تناغما يبرز دلال المرأة في صورة رضية رخية.
والأبيات كما لا يخفى تذكرنا بجمالها وروعتها بابيات سلمى بنت القراطيسي وهي من أهل بغداد، ذلك لأن صلة رحم تجمع بين هاتين الشاعرتين إلا وهي ألا وهي نزوة الدلال وهزة الافتخار بالجمال تقول فيها :
عيون مها الصريم فداء عيني
      وأجياد الظباء فداء جيدي
أزين بالعقود وأن نحري
      لأزين للعقود من العقود
ولا أشكو من الأوصاب ثقلا
      وتشكو قامتي ثقل النهود
وشاعرتنا كما مر بنا منذ حين ترسم ريشتها تجربتها المعاشة من غير أن يحول الوقار دون التعبير عنها فانصت إليها لتقف على الحقيقة بنفسك :
ثنائي على تلك الثنايا لأنني
      اقول على علم وأنطق عن خبر
وأنصفها لا أكذب الله أنني
      رشفت بها ريقا أرق من الخمر
ثم يستبد الهوى بشاعرتنا، وتعصف بجوانحها الغيرة فتقول مختلجة الأعماق :
أغار عليك من عيني رقيبي
      ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني
      إلى يوم القيامة ما كفاني
وبين يدي أمير المؤمنين عبد المومن بن علي ارتجلت هذه الأبيات الثلاثة تستر قده وتشير في عجز البيت الأخير إلى العلامة السلطانية عند الموحدين حينذاك التي كان يكتبها السلطان بيده بخط ضخم على رأس المنشور، وهي "الحمد لله وحده":
يا سيد الناس يا من 
      يؤمل الناس رفــــده
أمنن علي بطــــرس
      يكون للدهر عــــدة
تخط يمناك فيه

 "الحمد لله وحده "
وحفصة هذه الشاعرة الحسناء كانت لها مكانة أدبية مرموقة في الأندلس ولا سيما في غرناطة مما جعلها ولادة عصرها من غير منازع، ولذلك ولع بأدبها كل من هام بالكلمة الجميلة، فهذه امرأة من شريفات غرناطة تسألها أن تبعث إليها تذكارا تخطه بيدها فكتبت إليها :
يا ربة الحسن با يا ربة الكرم
      غضي جفونك عما خطه قلمي
تصفحيه بلحظ الود منعمة
      لا تحفلي بردئي الخط والكلم
      

(1) – انظر ص 238 – 239 تحقيق وتعليق الأستاذين محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي.
(2) – شلب بكسر أوله وسكون ثانيه وآخره باء موحدة هكذا سمعت من أهل الأندلس يتلفظون بها، وقد وجدت بخط بعض أدبائها شلب بفتح الشين وهي مدينة بغربي الأندلس وبين بجاية ثلاثة ايام وهي غرب قرطبة. وانظر معجم البلدان المجلد 3 ص 357 باب الشين واللام وما يليهما – دار صادر 1957.
(3) – هو إقليم جبلي وعر في الجنوب الغسباني بين سيرانيدا Sera Nevada والبحر الأبيض، وفي وديانه ومنحدراته تزرع الكروم، وتوجد فيه المراعي الكثيرة. وقديما كان إقليما مشهورا بالتهريب وسكانه اليوم من أرومة عربية يشتغلون بالزرتعة، وهذا الإقليم كان مسرحا للثورات الكثيرة ايام الحكم العربي، وقد استقل مرتين عن أمراء قرطبة فأصبح له حاكم خاص. أنظر دائرة المعارف الإسبانية Monitor ج 1 ص 246.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here