islamaumaroc

الشخص في الإسلام: وضع المرأة.-1-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

صعوبة أخرى، أو الصعوبة الرئيسية، هي التي يثيرها وضع المرأة في الإسلام. لقد تقدم أن قلنا أن المرأة مساوية للرجل. بيد أن الأحوال الشرعية الخاصة بها تؤدي بكثير من الباحثين إلى الاعتقاد بأن ليس هناك تعادل، معتمدين على ما يأتي:
أ‌- بينما يبدو تعدد الزوجات مباحا، فإن تعدد الأزواج، بالنسبة للمرأة، على أي شكل ومهما كانت الظروف، يعتبر فحشا وإجراما يستوجبان أشد العقاب، في الدنيا والآخرة.
ب‌- يسمح للمؤمن أن يتزوج بـ "كتابية" (دون إرغامها على أن تسلم)، في حين أنه لا يجوز للمرأة أن تتزوج بغير المسلم (قرءان : 89 17).
جـ- ينفرد الزوج وحده بحق الطلاق.
د- ويضاف، غلى هذه القائمة، أن النصيب الذي ترثه المرأة يقل دائما عن نصيب الرجل: "يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين" (4: 11و 176).
هـ - ليس لشهادة المرأة نفس القيمة الشرعية التي لشهادة الرجل، أمام المحاكم.
إذا كان هذا هو الوضع، أيمكننا أن نتكلم عن "شخصانية إسلامية"؟
نعم، بكل تأكيد، فيكفي الرجوع إلى القرءان والسنة.

أ- تعدد الزوجات :
يحض القرءان، حضا شديدا، على الزواج الأحدي، ولنقتنع بذلك سنتأمل السورة المدنية(4) الآيات 3و4، والآيات من 137 إلى 130، وقيل أن نستشهد بتلك الآيات ونعلق عليها، فلنبد ملاحظات أولية.
لم يكن تعدد الزوجات قط واجبا ولا مستحبا. بل على العكس من ذلك، للزوجة الحق بأن تضيف، إلى عقد الزواج، شروطا تلزم الزوج باحترام الزواج الأحدي، ولا يضارها، وأن يؤدي لها تعويضات في حالة الطلاق.
وللزوجة أيضا أن تطالب القاضي بفسخ الزواج كلما وجدت اسباب مقبولة (مثلا : أن يعاملها الزوج بقسوة، أو أن تتعرض لسب لاذغ أو لخطر في معاشرته، وكأن يكون عاجزا جنسيا، أو أحمق، أو مصابا بمرض معدي).
وأخيرا بإمكان الزوجة أن يقاسمها فراشه عن إرادة، أو أن يجعلها تعاني من تعسفاته الشبقية، أو أن يرفض دفع المؤونة بما يلائم كرامتها.
لنتأمل الآن السورة (4) "سورة النساء)، فيها ىيات كثيرة، بعضها يتصل بتعدد الزوجات، والبعض الآخر يتحدث عن الزواج بكيفية عامة، وها افتتاح السورة:
"يا ايها الناس ! اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبت منها رجالا كثيرا ونساء. واتقوا الله الذي تساءلون والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا".
فهناك، إذن، بين الجنسين، في أصل التكوين، تساو مطلق، تام، يرتكز على روابط "المودة والرحمة"، كما تؤكده آية أخرى:
"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (30 : 21).
بعد التمهيد، تحدد "سورة النساء" العلاقات الزوجية: في إمكان الزوج أن يتخذ أكثر من زوجة، على شرط أن يعدل تجاه جميع أزواجه:
"فإن خفتم الا تعدلوا، فواحدة (...)، ذلك أدنى ألا تعدلوا" (4: 3)
وتشتمل "سورة النساء" على تعاليم أخرى تتعلق بالزواج وتعدد الزوجات (من 126 إلى 130): "ويستفتونك في النساء. قل : الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء الاتي لا توتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن، والمستضعفين من الولدان، وأن تقوموا لليتامى بالقسط. وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما"(1).
كثيرا ما يتحدث القرءان عن الزواج بيتامى النساء لأنهن، إن لم يحميهن الشرع، يتعرضن لبعض الأصياء الذين يتزوجونهن طمعا في ثروتهن. فالإسلام يرمي، بصفة عامة، إلى حماية المرأة ضد كل محاولة تعسف أو ظلم من جانب الزوج:
"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا. والصلح خير. وأحضرت الأنفس الشح. وأن تحسنوا وتتقوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا" (4: 127).
إن التقوى، إذن ، تتمثل في الإذعان للأوامر الإلاهية، ولا يخفى على الله شيء من نياتنا أو أفعالنا. فالفضيلة الأساسية هي العدالة، خصوصا إزاء الزوجة: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرضتم ! فلا تميلو كل الميل فتذروها كالمعلقة. وأن تصلحوا وتتقوا، فإن الله كان غفورا رحيما، وأن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وكان الله واسعا حكيما" (4: 128 130).
من هذه الآيات يتضح موقف الإسلام إزاء تعدد الزوجات : فهو إذ يدخله من النافذة، يخرجه من الباب، إن صح هذا التعبير. فالإسلام يصل بنا إلى تحريم ضمني لتعدد الزوجات لكثرة ما وضع من قيود، كالمطالبة بالإنصاف، والنزاهة بين جميع الزوجات، وهذا من قبليل المستحيل :
"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء، ولو حرصتم". (4: 129).
فعلى الذي يرجو رضاء الله ويخاف الوقوع في الظلم أن يختار الزواج الأحدي: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (50: 36 -37).
لذا توصل الكثير من المعتزلة إلى أن كل المحاولات لتحقيق العدل محكوم عليها بالإخفاق، فارتأوا القول بتحريم التعدد احتراما لأمر الله. ثم أن المستقرئ لتفسير المتار ليجد أن الأستاذ الإمام لم يكن بعيدا عن هذا الاتجاه. فهل من المتيسر لرجل (إلا أن يعزز بنور النبوة) أن يعدد الزوجات ويكون، في نفس الوقت، كريما مع أهله، تماشيا مع الحديث "ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم"؟(2) فإكرام الأهل لا يكتمل دون خلق سوي، و "العلد" منطلق كل الأخلاق، وأن "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم"(3)).
قد اشترط في إباحة تعدد الزوجات "ما يصعب تحققه، فكأنه نهى عن كثرة الأزواج. وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة"(4)).
فلنأخذ النصوص المتعلقة بتعدد الزوجات، دون تأويل، كما يفهمها المقلدون الحرفيون. فحتى في هذه الحالة، نجد أن الإسلام لم يكن "رجعيا" في مواقفه من المرأة. لقد خطا بتحرير المرأة خطوات ثورية إلى الأمام.
من ذلك أنه حصر الحد الأعلى لعدد الزوجات في أربع، وقد كان من قبل لا يتقيد بحد، خصوصا لدى البدو، ونحن على علم من أن البدو قوم لم يكونوا يعرفون كيف يلجمون جموحهم.
وحرم الإسلام زواج الرهط ، أي تعدد الرجال بالنسبة للمرأة الواحدة، كما قضى على زواج البدل (كان الرجال يتبادلون نساءهم، وطبعا النساء يتبادلون رجالهم).
وعلى زواج الاستبضاع (إلزام الرجل رزوجته أن تطأ فراش فارس مرموق أو نبيل عزيز اشتهر بشيم البدو المفضلة، وذلك رغبة في استنجاب ولد يرث تلك الخصال).
ونضيف، في ميدان تحرير المرأة، محاربة الإسلام لأعراف أخرى تعادي الكرامة الإنسانية، مثل الأعضال (أي مهاجرة الرجل لزوجته، لا يضاجعها ليرغمها على أن تتنازل له عن حقها في المهر).
وأخيرا، بفضل الإسلام، لم يعد الرجل يرث من جملة ما يرثه من أخيه أو أبيه، المرأة، فيتزوجها دون صداق، أو يتركها تتزوج غيره ويأخذ هو صداقها.

ب- المساواة بين الرجل والمرأة :
تحتفظ المرأة باسمها (الاسم العلم) لأنه صميمي في "أناها"، فلا تتنازل عنه لتحمل اسم زوجها. إن الزواج لا يضعف من شخصية المرأة، فهي ليست "مدام فلان ... واسم ولادتها كذا ..." بل لها، وستبقى كل حياتها، تحمل الإسم الذي حملته منذ الولادة. نعم، لكل امرأة الحرية لتعطي لنفسها أي اسم شاءت، لكن ليس هناك في الإسلام قانون يفرض عليها أن تنسلخ عن شخصيتها لفائدة اسم الزوج.
يحتوي القانون الشخصي للمرأة على كثير من الحقوق، مثل الحق في الزواج، والحق في تكوين أسرة، والحق في الإرث وفي الملكية الشخصية أو يكون الإرث والمكتسبات ممتلكات خاصة بها، بكيفية مطلقة، يحميها الدين ضد كل تدخل خارجي، ولو كان تدخل الزوج نفسه).
لكن، بالرغم عن ذلك، يلاحظ أن حظ المرأة في الميراث نصف حظ أخيها. ألا يعد هذا نقصانا في مبدأ  المساواة بين الرجل والمرأة؟
الجواب على هذا الاعتراض يتضح إن اعتبرنا أن الرجل هو الذي يؤدي المهر، عند الزواج، وأن المهر يصبح ملكا شخصيا للزوجة، بينما الزوج يتحمل وحده كل نفقات الأسرة، وإن تحمل هذه التكاليف يمكن عده تعويضا فيه نوع من العدل والمساواة(5) . فنظرا لما للمرأة من حقوق، ومن حرية التصرف في ممتلكاتها يلزمها أن تتحمل المسؤوليات المنوطة بذلك. لتقوم بدور داخل الأسرة وداخل الأمة، فالواقعية الواعية "لأنها" وكثافته المجتمعية يرتكزان على مجموع الحقوق : أن المرأة شخص.
بإضافة غلى تحرير المرأة من نير القبيلة، ومن العادات التابورية (Tabou)، ومن أعراف العصر الجاهلي(6) ، فقد أعطاها الإسلام حريات اساسية، وخصها بإطار قانوني يمكنها من الحصول على حريات أخرى (الحقوق المدنية، والحق في العمل ...) فبإمكان المرأة، داخل هذا الإطار، أن تكافح لتساير ركب تطور الإنسانية. أن القرءان يقرن، دائما، المرأة بالرجل، في كل الحالات، فلم تعد شيئا من اشياء الرجل، بل قرينته وكفا له. يجب أن تتحقق هذه المساواة، في جو مفعم بحب خالص. وتتبلور قداسة هذا الحب في أحاديث يمكننا اعتبارها إثارة، وإلهاما شعريا، وتكريما رائعا ! "المودة والرحمة" بين الزوجين(7):
"ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلا كتب الله تعالى له حسنة. فإن عانقها فعشر حسنات. فإن أتاها كان خيرا من الدنيا وما فيها ..."(8).
خيار، الرجال من أمتي خيارهم لنسائهم. وخير النساء من أمتي خيرهن لأزواجهن، يرفع لكل امرأة منهن كل يوم وليلة أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله، صابرين محتسبين ..."(9).
"... ما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلا كان لها من الأجر مثل القائم ليله، والصائم نهاره، والغازي في سبيل الله تعالى. وما من امرأة يأتيها طلق إلا كان لها، بكل طلقة، عتق نسمة، وبكل رضعة عتق رقبة. فإذا فطمت ولدها، ناداها مناديا من السماء: أيتها المرأة ! قد كفيت العمل فيما مضى، فأستأنفس العمل فيما بقي ..."(10) .
لبلغت المرأ بفضل الإسلام، درجة عليا من التطور. ولئن كانت مجرد درجة وغير نهائية، فإنها درجة حاسمة. لقد حلت الفرية الدينية ..والشخصية الشرعية محل الاندماجية القبلية، فانفصل الفرد عن روح القطيع الجماعي، وأضحى ذاتها وموضوعا، في اعتبار الفقه، إذ يتوجه الدين إلى كل فرد من أفراد الأمة، ويهتم القرآن والسنة والفقه بالمرأة نفس الاهتمام بالرجل؛ إنها روح ديمقراطية جديدة.
تتوجه المرأة إلى الله بنفس الشعائر التي يتعبد بها الرجل : "وإذا سألك عبادي عني، فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان. فاليستجيبوا لي، وليومنوا بي لعلهم يرشدون" (2: 186). فالله، سبحانه وتعالى طبقا لهذه الآية، قريب من عباده (وعباد، على إطلاق الشمول: الذكور والإناث، على السواء).
ج- ثورة من الجذور لكي لا تخرج عن الميدان الذي التزمنا به، نكتفي بهذه النظرة العامة على المشاكل التي تثيرها وضعية المرأة، والتي يمكن أن توجه ضد جميعها إلى الأحوال القانونية للمرأة، لا إلى وضع ومصير المرأة كشخص.
المرأة مساوية، كامل المساواة، للرجل. فالشهادة التي تعد الركن الأول للإسلام هي واحدة ومشتركة بينهما. وتلك هي الحال، ايضا، بالنسبة للأركان الأربعة الأخرى للدين. نعم، هناك بين الرجل والمرأة بعض الاختلافات، إلا أنها تتصل، مطلقا، بالجانب الأنطولوجي، بل تنحصر في الجانب القانوني الفقهي فقط : "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" (1:4).

(1) – يجب أن تؤخذ كلمة "يتيم"، التي وردت مرتين بهذه الآية، في معناها الواسع: فهي تدل على كل شخص ضعيف لا حماية له، كاليتانى (في المعنى الدقيق للكلمة) والمستضعف، عاطفيا أو ماديا، أي الذين يمكن أن يستغلوا، وكذلك الأقليات أن تحمى كي لا تصاب بإهانة.
(2)  الترمذي.
(3) ) – الترمذي.
(4) ) – تفسير المنار، ج4، ص 350، ط 4
(5) ) – أنظر : محمد رشيد رضا، نداء إلى الجنس اللطيف، ص 10. وسعيد الأفغاني، الإسلام والمرأة، دار الفكر، دمشق (ط 2، 1964)، ومحمد المهدي الحجوي، المرأة بين الشرع والقانون، الدار البيضا، 1967، دار الكتاب.
(6) ) – كواد البنات. انظر القرؤان : 81: 8-9 : "وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت"، وكازدراء الأنثى ونفضيل الذكر : "وإذا بشر أحدهم بالأثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به : ايمسكه على هون؟ أم يدسه في التراب" (16 : 58-59).
(7) ) – قرءان : 30:؛ 21.
(8) ) – عبد القادر الجيلاني، الغنية، ج1، ص44، ط 3، القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
(9) ) – نفس المرجع، ص 45.
(10) – نفس المرجع، ص 44.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here