islamaumaroc

نحو صياغة جديدة للفكر الإسلامي

  دعوة الحق

العددان 108 و109

يمر الفكر الإسلامي العربي بمرحلة مشابهة للمرحلة التي مر بها خلال الغزو الأجنبي الخارجي ممثلا في حملات الصليبيين والفرنجة والتتار، وما اتصل بها من ظهور حركات التشويه وإثارة الشبهات حول مضامين الفكر الإسلامي ومقوماته. وقد كانت تلك المرحلة موضع التحدي للمفكرين المسلمين من ناحيتين:
1) من ناحية إعادة صياغة الفكر الإسلامي من جديد بما يمكنه من مواجهة الغزو.
2) من ناحية تفنيد ودحض ما يوجه إلى قيم الفكر الإسلامي من شبهات.
ولا شك أن التصدي لهذا العمل خطير ودقيق وشاق. فهو يتطلب رؤيا كاملة شاملة – بعيدة عن الجزية. فلا بد من مراجعة كاملة للتراث الإسلامي ولا بد من دراسة شاملة لأحدث آثار الفكر البشري المعاصرة.
والنظر في الخلفية الدقيقة لحركة التغريب والشعبوية التي شنها الاستعمار على الفكر الإسلامي والثقافة العربية بحسبانها الركيزة الأساسية التي إذا أمكن هدمها وإزالتها أمكن القضاء على مقومات المسلمين والعرب وإدانتهم في بوتقة الفكر الغربي والحضارة الغربية أتباعا أذلة وعبيدا طائعين.
ومن هنا كان لا بد من صبر طويل على مراجعة آثار الفكر الإسلامي فيه نظرة شاملة مستهدفة البحث عن مقاصد الإسلام وقيمه التي قام عليها. فإن أخطر ما مني به الفكر العربي المعاصر في نظرته إلى القديم والجديد هي :
1) النظرة الجزئية. 2) النظرة التقليدية. 3) إعلاء شأن الحضارة على الفكر.
ومن حق أننا في حاجة إلى الحضارة من حيث هي تكنولوجيا وعلم لتكون على مستوى الأمم، ولكننا لا بد أن نصبغها وفق قيم فكرنا الأساسية وأن تدعم أساسا ثقافتنا التي هي القاعدة الثابتة التي تقوم عليها حركة التطور. فلا بد أن تكون قيمنا الثقافية والروحية والاجتماعية أساسا نستمد منه نظرتنا إلى الحياة وحركتنا الحضارية.
وقيمنا الإسلامية العربية قادرة دائما على أن تفتح لنا الطريق لاستعمال الفكر الإنساني والحضارة البشرية ولا تردنا عنها، فنحن أساسا بناتها، والقائمون على دعائمها الأولى، فلا بد أن نشارك في تطورها.
غير أننا لا بد أن نقيم صرحا أساسيا من مقومات فكرنا وقيمنا حفاظا على شخصيتنا من أن تذوب في الأممية، وهذا هو العمل الذي تحول قوى التغريب والشعبوية دون إقامته، وتعمل بكل ما لديها من قوة النفوذ الأجنبي أن تهدمه، وتزيل هذه الأسس أو تزيفها بإضافة مفاهيم غير أصيلة إليها أو قيما وافدة.
ومن هنا، وقد تضاربت النظرات بين القيم الأصيلة للثقافة العربية المستمدة أصلا من الفكر الإسلامي، وبين المفاهيم والوافدة من الثقافات والفلسفة البشرية، كان لابد، من إعادة النظر في جذور الثقافة العربية الإسلامية والكشف عن جوهرها ككل وفق قانونها الأساسي القائم على : "الوسطية والتكامل والحركة".
وكان لا بد من التصدي لهذا العمل بالمراجعة الضخمة المستفيضة لاستخلاص هذه القيم، وتحريره من ذلك الحصار المتراكم الضخم الذي ظل يحتشد في مجرى النهر فيسده ويحول دون الحركة والملاحة. وقد احتفظ فيه الجوهر والقشور، كما أحيط بغلاف ضخم، ليس أصلا من تراث القرون الذي ظل يتكاثف في عصر الضعف والتخلف حتى أصبح أكبر حجما من الجوهر نفسه.
ولقد ظللنا أجيالا طويلة ندرس الفكر الإسلامي من خلال مضخمات وإضافات فلا نستطيع أن نتخلص إليه إلا من خلال تلك الروايات الطويلة عن الفرق والمذاهب والنحل والأحزاب، وذلك السجال والمعارك والخلافات والجدل الذي قام بينها حول تفسير نص، أو حول فهم عبارة، وما ذهب إليه هؤلاء وما ذهب إليه أولئك، مما أضفى على ذلك التراث الضخم من أغشية كثيفة حالت دون الانتفاع بجوهر ذلك الفكر الذي نماه الإعلام والنوابغ و المفكرون المسلمون خلال تلك الرحلة الطويلة للفكر الإسلامي بما حكمها من قانون أساسي قوامه أن "القرآن" هو حجر الأساس في بناء الفكر الإسلامي والثقافة العربية.
ولقد كان من الضروري – ونحن نمر بأزمة التغريب- أن نغربل هذا الحصاد كله ونستصفيه من تلك الإضافات والزيادات التي تمثل ظروف تطور الفكر الإسلامي على نحو مضطرب يكاد يبدو أمام النظرة الخاطفة أنه (صراع) ضخم بين العقول المختلفة لا يكاد يصل إلى غاية.
والحق أن ذلك الحوار كان طبيعيا في سبيل بناء الفكر الإسلامي على قاعدة أساسية مستمدة من "القرآن" وأن العقول الإسلامية من مختلف الأجناس والأديان كان لا بد أن تجادل وتبحث وتناقش، فالفكر الإسلامي مفتوح طلق، متقبل للنظر في مواجهة كل فلسفات البشرية وأديانها ومذاهبها وإيديولوجياتها، وقادر على أن يصل إلى الكشف عن الحقيقة في جوهر المعرفة  الإنسانية.
فليس هذا الجدل عيبا، ولكنه من خصائص الحرية التي عرفها الإسلام، وليس هو صراع كما يجب أن يصوره بعض خصوم الفكر الإسلامي، ولكنه محاولة للتوفيق والالتقاء بين وجهات النظر على قاعدة الفكر الإسلامي نفسه: تكاملا ووسيطا وحركة.
فالنظرة الجزئية (ضد التكامل) والنظرة المنحرفة (ضد الوسطية) والنظرة الجامدة (ضد الحركة) هذه النظرات كلها تتعارض مع مفهوم الإسلام، ومن هنا يمضي الجدل والحوار حتى يصل غايته المأمونة.
وقد استطاع الفكر الإسلامي بعد مرحلة طويلة من البحث أن يصل إلى مفهوم أهل السنة والجماعة التي التقت فيه كل الفرق وصاغ في مضمونه الجوانب الإيجابية في مختلف المذاهب والفرق.
وقد انتهت هذه المعارك والمساجلات التي أثارتها الفرق والأحزاب، وكانت في أغلبها مرتبطة بالسياسة والحكم، واختفت هذه الفرق نفسها، ولذلك فإن الحاجة الكبرى اليوم للثقافة العربية الإسلامية هي أن تصل إلى عصارة هذا الفكر، وأن تستخلص ما توصل إليه الباحثون النوابغ الأعلام من " نظرات" استطاعت أن تضيف إضافات رحبة وبناءة للفكر الإسلامي وأن تستصفي هذه النظرات مما اتصل بها من ظروف عابرة لتكون قادرة على إثراء  الثقافة العربية اليوم.
والحق أن هذه النظرات المستمدة أساسا من جوهر الإسلام ومضمون القرآن ما تزال حية نابضة بالحياة، وما تزال تشكل قوة فكرية حية قادرة على إضاءة الطريق أمام الإنسان في هذا العصر. 
ومن هنا كان لا بد أيضا من مراجعة شاملة لنظرات الفلسفات الغربية الحديثة ومقارنتها بهذه النظرات الإسلامية في مجال الكشف عن جوهر الحقيقة التي يستهدفها الفكر الإنساني في سعيه نحو الترقي وفي طريقة المفتوح إلى التقدم.
وعيب مؤلفاتنا  عن الفكر الإسلامي أن بعضها يتحدث عن جزئيات من هذا الفكر كالحديث عن الغزالي أو ابن تيمية أو المعتزلة أو الأشاعرة،  دون أن يربط ذلك بنظرة كلية، والبعض الآخر يسرد تاريخ الفكر الإسلامي سردا تاريخيا مبينا العصور والأعلام الذين ظهروا فيها دون أن يربط بينهم أي رباط. كأنما يجري الفكر الإسلامي في حركة عشوائية ينتظمها قانون ولا تضمها خطة محددة.
والواقع غير هذا، فإن حركة تطور الفكر الإسلامي تسير وفق قانون وخطة، ولها من جذورها الأصيلة وقيمها الأساسية ما يحتفظ سلامة المجرى الذي تشقه وما يمكن الروافد التي تنحرف من أن تعود مرة أخرى إلى المجرى الكبير. وتلك قاعدة أساسية تلاحق تطور الفكر الإسلامي في مختلف مراحله، ولكن كتابنا لا ينظرون هذه النظرة الكلية ويتركون الباحث يتمثل الفكر الإسلامي صورا متوالية كأنما هي منفصلة، أو كأنما يتحرك دون ضابط.
وقليلون أولئك الذين اتفقوا على صياغة حركة تطور الفكر الإسلامي وفق قانونه الأساسي : "التكامل والوسطية والحركة" ولكن أغلب الكتب التي بين أيدينا لا تحمل تلك النظرة الشاملة ولا تقيم (كيانا) أساسيا تجري حركة الفكر الإسلامي في داخله، فتتعرض للتجزئة والانحراف والجمود، ثم يغلب عليها قانونها الأساسي والانحراف والجمود، ثم يغلب عليها قانونها الأساسي فإذا بها تلتمس مرة أخرى جوهر مفاهيمها من المصدر الأول "القرآن" فتعود إلى النظرة الشاملة الوسطية.
والواقع الذي قد يغيب عن أذهان الباحثين هو "وحدة الفكر الإسلامي" وتباته على قيمه الأساسية واستمراره الدائم في خلال أزماته، وانحراف مفاهيمه أو تجزئتها أو جمودها، استمدادة من المصادر الأول: "القرآن".

والحق أن الفكر الإسلامي مر بمرحلتين أساسيتين:
(المرحلة الأولى) مرحلة بناء الفكر الإسلامي واستكمال دعائمه، وهذه هي المرحلة التي ساد فيها الجدل والسجال طويلا بين الفرق المختلفة حتى استصفى في القرن الخامس على مفهوم وسط شامل حي هو "مفهوم أهل السنة والجماعة".
(المرحلة الثانية) وهي مرحلة التطور في مواجهة الأحداث والأزمان، وهي مرحلة لا تزال مستمرة إلى يومنا وإلى ما بعده، وهذه المرحلة قد شهدت نظرتين: ما تزالان تتحركان ويمكن أن يلتقيا في تكامل وتنسيق، وهما النظرة الفقهية والنظرة الصوفية، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بثقافة العقل وثقافة القلب، وما تزال النظرتان تتقاربان وهما بسبيل الالتقاء في عصر مرتقب هو عصر "وحدة الفكر الإسلامي".
والحق أن الخلاف الذي دار بين المفكرين المسلمين وبين مذاهبهم وفرقهم لم يكن خلافا جذريا، وإنما كان خلافا في الفروع والتفاصيل، فقد التزم الجميع بالقيم الأساسية الأصلية، ومن هنا فقد ظل "جوهر" الفكر الإسلامي سليما محتفظا بطابع السماحة والتفتح والحركة والحيوية.
وكان أبرز عوامل الخلاف في الفكر الإسلامي قائمة بين أعلاء ثقافة العقل أو ثقافة القلب – بدا ذلك في مرحلة الاعتزال، وبدا الآخر في مرحلة الجبرية التي عمت عالم الإسلام في القرون الأخيرة، ومنه انبثقت مرحلة اليقظة التي حمل العرب لواؤها، والتي يمر بها الفكر الإسلامي والثقافة العربية اليوم.  
ومفهوم الفكر الإسلامي في هذا الخلاف واضح وقاطع وصريح:  
هو أنه جماع : القلب والعقل، والمادة والروح والدنيا والآخرة، وأن الفصل بين جانب وآخر، أو إعلاء جانب على آخر، إنما يمثل انحرافا عن "وسطية" الفكر الإسلامي وتكامله.
وإذا كان المفكرون المسلمون والعرب قد استطاعوا خلال الأزمات التي واجهها عالم الإسلام، إعادة صياغة الفكر الإسلامي على النحو الذي يناسب كل عصر، يجمعون النظرات المتعددة ثم يصيغونها ويعيدوا صياغتها على النحو الذي يحقق :
1) تلاقي النزعات المختلفة، والقضاء على ما بينها من خلاف.
2) تصفية الشوائب وإزالة القشور، والكشف عن الجوهر الأصيل.
وذلك في سبيل إقامة "وحدة الفكر" ودحض ما يوجه إليه من شبهات، حتى يكون الفكر الإسلامي دائما على مستوى العصر والحضارات، قادرا على الالتقاء بها والتفاعل معها، وتوجيهها وإتاحة الفرصة لها لتتحرك ضمن إطاره لا خارجه.
وإذا كان المفكرون المسلمون قد استطاعوا القيام بهذا العمل مرات متعددة فما أحوجنا اليوم إلى عمل مماثل يستهدف استصفاء الفكر الإسلامي من القشور وصور الخلاف والجدل، وتقديم نظرات في منهج شامل له طابع الإسلام نفسه: تكاملا ووسطية وحركة.
فإذا نظرنا إلى إحياء علوم الدين للغزالي أو رسائل ابن تيمية، أو مقدمة ابن خلدون، أو حجة الله البالغة للدهلوي خبرنا مثل هذه المحاولات الإيجابية التي نحاولها اليوم.
ولقد كان مأخوذا على المفكرين المسلمين في هذا العصر، وفي مواجهة أزمة التغريب التي يمر بها عالم الإسلام، أنهم لم يحللوا مبادئ الإسلام تحليلا يتناول أصول الأشياء وفروعها، سواء في دائرة الفكر أو دائرة العمل، وتطلعوا إلى الحاجة الماسة إلى استعراض الأبحاث الأصلية وتحليل المبثوثة منها  وترتيبها، وإعادة صياغتها بما يبرز جوهر هذا الفكر وبراعته في مواجهة قضايا البشرية ومعضلاتها.
وكان لابد أن يظهر مفكرون مسلمون يمكنهم هضم التعاليم الإسلامية والثقافات الشرقية والغربية، القديمة والحديثة هضما تاما، ويبلغون من سعة الأفق بحيث يدركون كنه الثقافة الغربية، ثم يغوصون في أعماق أرواحهم وعقولهم محاولين تجديد حيوية الفكر الإسلامي والثقافة العربية ليعرضوا صورة متبلورة شاملة، قد استكملت استقلالها، وأقرت قيمها الإسلامية، وأفادت بالتمثل مما  ضمته الثقافات العالمية ما يزيدها قوة ووضوحا وحيوية.
ولا شك أن في كتابات المتكلمين والفلاسفة والصوفية والفقهاء منابع وذخائر ونظارات ما تزال تنبض بالحياة، لنا أن نأخذ من عصارتها ما يتفق مع مفاهيم عصرنا وما يزيد قوة وحيوية، وما يحفظ لنا مقوماتنا الأساسية، وذلك في سبيل بناء مفهوم جديد للمثل العليا العربية الإسلامية. ولا شك أن تراثنا يفيض بمعارف وحقائق في مجال الاجتماع والنفس والأخلاق والاقتصاد والسياسة والتربية. ولا شك أن الفكر الغربي والثقافات البشرية الحديثة تحمل نظرات إيجابية وأفكارا قادرة على أن تنمي فكرنا بالإساغة والتمثل. ويقوم هذا البناء الجديد على إعادة صياغة الفكر الإسلامي والثقافة العربية، وفق نظرة واعية وقائمة على مفهوم أساسي متكامل شامل قوامه نظرة الإسلام نفسه.

- نجم أحمد -
وقع الاختيار أخيرا على ملحمة عن سيرة الرسول وحياته (ص) تغنيها أم كلثوم، للباحث  المؤلف المعروف الشاعر الدكتور زكي المحاسني.
وقد سبق أن تكونت لجنة من الشعراء العرب لوضع ملحمة عن حياة الرسول .. يكتب الخط الدرامي لها عبد الحميد جودة السجار.. ويتبنى الفكرة حسن عباس زكي وزير الاقتصاد.. وقد وافقت السيدة أم كلثوم على هذه الفكرة.. واختيرت قصية الدكتور المحاسني لكي تنشدها أم كلثوم، وعنوانها نجم أحمد

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here