islamaumaroc

القرآن يفسر بعضه بعضا -2-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

جاء في المثل : "سبب بسيط يتولد عنه اثر عظيم" من باب التشبيه هو بمنزلة حجر إذا ألقيته في مستنقع أخذت الدوائر تنداح على وجه الماء الدائرة تلو الدائرة إلى أن تنتهي إلى الشاطئ. من هذا القبيل فيما نحن فيه ما وقع في آية "والله خلقكم وما تعملون" تواطأ الجمهور على الاستشهاد بها مقتصرين عليها من غير إلقاء بال إلى السياق الذي هو بمنزلة المقدمة من النتيجة فعمد الناس إلى قطع صلة الرحم التي بينهما وأخذوا الآية مقتضبة منتوفة كأنها آية مستقلة وإلى القارئ الكريم السياق الذي تندرج فيه آية : "والله خلقكم وما تعملون" هذا السياق جاء في صورة حوار وقع بين نبي الله إبراهيم عليه السلام من جهة وأبيه وقومه المشركين من الجهة الأخرى. (وأن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه : ماذا تعيدون؟ أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين واسترسل الكلام إلى قوله جل ذكره : "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" يقول  إبراهيم لأبيه وقومه : أليس من الغباوة أن يعبد الناس صنما ينحته بيده؟ أتجهلون أن الخالق سبحانه هو الخالق للناحت والمنحوت هو الخالق لكم أنتم والخالق لمعبودكم إذا كان من ذهب أو فضة أو خشب أو غير ذلك فهو سبحانه الخالق للجميع وبهذا التخريج للآية يستقيم احتجاج إبراهيم بخلاف حمل ما في قوله وما تنحتون على أنها مصدرية وعلى أن المعنى خلقهم وخلق عملهم والمانع الجلي للعيان من حمل ما على أنها مصدرية هو أنه يصح في هذه الحالة لخصوم إبراهيم أن يجيبوه : يا إبراهيم إذا كان الله هو الخالق لنا ولأعمالنا فإن عبادتنا لألهتنا هي من جملة أعمالنا فماذا تنقم منا إذن؟ ويصبح إبراهيم محجوبا وحاشاه وحاشاه وهو من قال سبحانه فيه : "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ! ".
والحاصل أن القصة لمن تأمل فيها بتمامها تغني عن كل شرح إلى حد يجعل الكلام فيها ضربا من اللغو على أني أجهل أن هناك من يعمد إلى التماس وجه من وجوه التأويل والاستدلال بالآثار هيهات هيهات:
الله أكبر أن دين محـــمد
         وكتابه أقوى وأقوم قيـــلا
لا تذكروا الكتب السوالف بعده
          ظهر الصباح فأطفأ القنديــلا
ودعني من توجيهات وتأويلات أصحاب علم الكلام. جاء في سورة النساء: "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله" ثم قال سبحانه بعدها : "ما أصابك من عند الله" ثم قال سبحانه بعدها : "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك".
الإشكال في وجه الجمع بين قوله تعالى في الآية الأولى : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله" وبين قوله بعدها : "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" حل الإشكال يلتمس في سورة الشورى في قوله تعالى : "وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير". 
الشرح : اقترفت في يومي عشر سيئات .... لي سبحانه عن سبع تصديقا لقوله وهو الذي يقبل التوية من عباده ويعفو عن السيئات فالعفو عن السبع سيئات صدر من عند الله نصا وهو قوله : ويعفو عن كثير. بقيت ثلاث سيئات تمام العشرة لم يعطها ستر العفو. فعدم العفو عنها مفهومه الإذن من الله في أن يصيبني عقابها فتكون النتيجة سبع سيئات محيت بعفو الله الذي وسعت رحمته كل شيء فمحوها وقع عند الله نصا. والثلاث الباقية أصابتني عقوبتها كذلك من الله لا، عدم العفو عنها إذن منه سبحانه في أن أعاقب عليها. فالقارئ الكريم يرى أن ما جاء في سورة النساء "قل كل من عند الله" يتجاوب مع نظيره في سورة الشورى : "وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير "وبهذا التأويل تخرج بحمد الله من باب واسع ونبدأ من عهدة قوله جل ذكره : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. وبما أن القرآن تراث مشاع بين جميع المسلمين فلكل من فيه الكفاءة وعنده ما ينفع المجتمع الإسلامي أن يجود بما عنده.
يجري على الألسنة مجرى الأمثال السيارة الاستشهاد بقوله تعالى : "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" يعنون بأهل الذكر أهل العلم بالشيء الذي توقفتم عليه كيفما كان هذا الشيء. الجواب أن السياق الذي جاءت فيه هذه الآية الكلام فيه صريح على أن المراد بأهل الذكر في الآية أهل الكتاب اليهود والنصارى المعنى لا يتوقف إلى على شيء قليل من التدبر الذي كان منع المشركين من تصديق النبي عليه السلام ما حكاه الله عنهم في آيات شتى : "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا – قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا – وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز- فكان الجواب لهم : وما أرسلنا من قبلك إلى رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر في سورة النحل ومثله في سورة الأنبياء: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" الآيتان تواردنا على معنى واحد لاسيما وكلمة الذكر لا تطلق في عرف القرآن إلا على الكتب السماوية: "وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسالون المراد بالذكر هنا كما لا يخفى القرآن فإن أول الآية صريح فيه : وذلك قوله تعالى : "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وأنه لذكر لك ولقومك، ص والقرآن ذي الفكر – ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون".
جاء في سورة ص: "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار 62-63" قرأ حفص اتخذناهم سخريا على أن الهمزة همزة وصل لا همزة استفهام على أن المعنى أن الفوج الذي سبق إلى النار قالوا لما وردوها : ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار اتخذناهم في الدنيا سخريا يغلب على الظن أنهم هنا وإنما زاغت عنهم الأبصار – يشهد لقراءة حفص قوله تعالى في آخر سورة المومنون "أنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموه سخريا حتى أنسوكم ذكرى ونتم منهم تضحكون أني جزيتهم اليوم صبروا أنهم هم الفائزون" ولا يعكر على هذا المعنى ما اعتاده الناس من أن تكون في جواب استفهام قبلها وهذا من الخطأ فإن لفظ أم تكرر ذكرها في القرآن من غير سبق استفهام :
"وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار – أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون. أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا؟   تواطأ الناس على الاستشهاد بقوله تعالى : "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" على أن المراد به أن كل ما ينطق به عليه الصلاة والسلام هو وحي يتلقاه من ربه وهذا الفهم يعكر عليه آيات لا تساعد عليه منها قوله تعالى : "عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين – يا أيها النبيء لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم – بل المراد في الآية التي نحن فيها: وما ينطق عن الهوى القرآن والكلام تصدر من السورة قبلها وهي سورة والطور ختمت بردع المشركين عن تقولاتهم وتوجيه أنواع الطعن في ما جاء به عليه الصلاة والسلام فانهال عليهم القرآن بالتحدي والتبكيت بقوله: فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر فتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين. أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون – أم يقولون تقوله بل لا يومنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين- الخ الخ. بعد تدفق هذا السيل العرم من أنواع التبكيت انفجر الجواب من بين شفتي جبريل : والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى كما تقولتم وما ينطق عن الهوى  إن هو أي القرآن إلا وحي يوحى من عند حكيم عليم .. وبين السورتين سورة والطور وسورة والنجم صلة رحم ماسة كما هو الحال بين سورة الفيل وسورة قريش فإن سورة قريش إذا أخذتها مستقلة لا يظهر معناها وإنما يتضح المعنى إذا وصلتها بسورة الفيل ويصير المعنى جعل سبحانه كيد أصحاب الفيل في تضليل حتى جعلهم كعصف مأكول لتبقى قريش جوار بيت الله على ما ألفته من رحلتي الشتاء والصيف : رحلة إلى الشام لجلب المير ورحلة إلى اليمن فأمن لهم الطريق بإهلاك عدوهم فرد على هذا أن السورتين كتبتا سورة واحدة في مصحف أبي أحد كتاب الوحي على عهد رسول الله صلوات الله عليه جاءتنا هكذا على شكل سورة الأنفال وسورة التوبة فلا بسملة بينهما ومن هنا جاء القول بأن البسملة ليست آية من القرآن فإن الصحابة رضي الله عنهم ومن قبلهم من العرب المجاورين في المدينة لأهل الكتاب يقولون : باسمك اللهم .. ثم لما نزل قوله تعالى : قل ادعوا الله أو أدعو الرحمان قالوا : باسم الرحمن إلى أن نزل قوله تعالى أنه من سليمان وأنه باسم الله الرحمان فصاروا عند ذلك يقولون باسم الله الرحمن الرحيم.
وفي الختام أقول : يكفي لإقناعك أيها القارئ الكريم هذا الدليل البسيط فيما نحن فيه أترى وتسمع إلى ما وصل إليه مجتمعنا من عدم التدبر في كتاب الله: تعود طلبة القرآن الترحم على الميت عند الدفن بالآيات التي ذكرت فيها الرحمة : وبشر الصابرين الذين إذا إصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا غليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة إلى أن يختموا بقوله تعالى : وأن عليكم لحافظين على أن كلمة لمحافظين من الحفظ والرحمة والعطف والحال أن معناها ها هنا بمعنى الرقابة والحراسة فإن قبلها: كلا بل تكذبون بالدين.
وفي الختام أقول أن ما ذكرته من الآيات المتجاوبة إنما هو كنموذج ألفت به أنظار السادة العلماء والقول الفصل يكون للجنة من الاختصاصيين يتولى تعيينها حامي الحمى ورمز الوطن جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله للوطن وحفظ لسانه للإسلام.  
 
 كلكم يبكي ... !!
جلس الحسن البصري يوما يعظ الناس، ويذكرهم بالله واليوم الآخر، حتى أبكاهم. فلما انتهى من درسه، وأخذ يستعد للانصراف، بحث عن مصحفه الذي كان بجواره، فوجده قد سرق، فتغيظ الرجل الناسك مما حدث، ولم يستطع السكوت، والتفت إلى هؤلاء الذين لم تجف دموعهم، وقال لهم في ألم مر: كلكم يبكي، فمن سرق المصحف؟؟ !!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here