islamaumaroc

ارتياد القارة القطبية الجنوبية بين الماضي والحاضر

  دعوة الحق

العددان 108 و109

القارة القطبية الجنوبية، لا تأخذ اليوم بعناية أوساط محدودة من العلماء والمستكشفين في أوربا وغيرها، علاوة على الاهتمامات التي تثيرها في حظيرة  بعض الدول الكبرى التي لها سياسة عالمية على مستوى الكوكب الأرضي كله، والفضاء الخارجي ! لكن العقود المقبلة من شأنها أن تحمل مزيدا من التطورات بهذا الصدد، بحيث تجعل من قضية جنوب الأرض القطبي قضية عالمية شاملة، تأخذ باهتمامات الدول، صغرى وكبرى على السواء، لماذا يحتمل وقوع مثل هذه التطورات؟ وما ملابساتها؟.
عندما تم في صيف سنة 1963 التوقيع في موسكو على اتفاقية الحظر الجزئي للتجارب النووية أثار ذلك – كما نذكر جميعا- حالة واسعة من الاهتمام في العالم قاطبة – وخلق جوا إنسانيا يستم بحسن الثقة والأمل، الثقة في فلسفة التعايش السلمي التي تأخذ بالتدريج المكانة التي كانت لفكرة الصراع الحتمي بين الدول، والأمل في أن يؤدي توقيف التجارب المجراة إلى تعزيز فلسفة التعايش وإعطائها منطلقات جديدة للتأثير على سير العلائق بين الأمم والتكتلات المختلفة.
بيد أن مبادرة أخرى تتعلق بموضوع التعايش السلمي كذلك، وقد حدثت في نفس الظروف التي تم فيها التوقيع على المعاهدة النووية الدولية ! ولكنها لم تثر من العناية على مستوى العالم ما أحدثه التوقيع على تلك المعاهدة؛ والمبادرة التي نعني تتمثل فيما أمكن التوصل إليه بين السوفيات والأمريكيين من اتفاق ضمني حول القارة القطبية الجنوبية على أساس أن يمتنع بتاتا عن استخدام هذه القارة للأغراض الستراتيجية الحربية، وأن يقتصر – في عمليات الارتياد والتنقيب القائمة فيها – على الأغراض العلمية الصرفة؛ وأهمية هذا الاتفاق الضمني لا ترجع إلى باب السياسة فقط، وهولا يعنينا كثيرا في هذا المجال؛ وإنما تعود كذلك إلى ما يتعلق بالقضايا الفنية وإمكانيات التوسع العلمي والحضاري في عصرنا الراهن؛ ذلك أن استبعاد القطب من دائرة المنافسات السياسية والتسابق العسكري بين الأمم، لابد أنه يؤثر تأثيرا حسنا على سير الاكتشاف العلمي في ذلك القطاع من العالم، خصوصا وأن التعاون الدولي في هذا المقام له أهمية يمكن أن توصف بأنها حيوية، وليس عنها بديل؛ لماذا؟ لأن المصاعب الطبيعية التي تزخر بها القارة القطبية بالوسائل والجهود العادية؛ فالقارة تلك لا تزال تستعصي لحد الآن – كما استعصت من قبل- على الانسان مهما كان نصيبه من العدة وسعة الحيلة؛ والتقنيات الحديثة، لا تمكن من بلوغ مراد استكشافي في تلك المناطق إلا بشق الأنفس وفي دائرة ضيقة جدا، وبتمن باهظ من الجهود والأهوال والمشاق المادية والمعنوية، بل والتصميمات التي لا يستطيعها إلا ذوو الإرادة العلمية الراسخة والقدم الثابث في ميادين التقنية والأوتوماتية وغيرها؛ أن ارتياد القطتع القطبي الجنوبي من الأرض لا يفتأ الآن بتوسع باطراد، في نفس الوقت الذي تتوسع فيه عمليات الارتياد في الفضاء، وليس هذا من قبيل المصادفات التي لا غابط لها؛ فالحقيقة أن اكتمال التقنية على ما  هي عليه اليوم هو الذي أخد يساعد على التفكير في التوسع في ارتياد القطب في نفس الوقت الذي أدى فيه إلى تحقيق النظريات القديمة المتعلقة بغزو الفضاء؛ وهذا النوع الأخير من الغزو – وإن كانت تقوم به الدولتان الفضائيتان الرئيسيتان كل منهما على انفراد، فإن المراحل المقبلة منه –الأشد تعقيدا- وما النزول على سطح القمر غلا مرحلة ابتدائية فقط – هذه المراحل لابد أنها ستصبح فوق مستوى إمكانيات دولة منفردة، وسيتطلب الأمر حينذاك تعاونا دوليا أوتق في هذا المجال؛ وقد أدركت الدولتان الفضائيتان هذه الحقيقة من الآن، ولذا يظهر أنهما قد بدأتا تتخليان عن كل فكرة احتكارية في الموضوع، وأعلن أحد الجانبين بهذا الصدد أنه يرغب في إقرار المبدأ القائل بحظر اي نشاط عسكري على سطح القمر أو غيره من التوابع والكواكب، ولم يرفض الجانب الآخر، بل بدا أن الجانبين يتقاسمان الفكرة نفسها؛ ولا يظهر أن الخوف من العواقب الحربية وما أشبهها هو الذي أوحى وحده فقط، بفكرة قبول الامتناع عن النشاط العسكري في الفضاء، وإنما الشعور بعبء عمليات الغزو نفسها، وصعوبة الاستمرار فيها على انفراد، والحاجة الملحة التي ندعو إلى التعاون الدلوي في هذا الأمر، كل ذلك لابد أن له تأثيرا على هذه المرونة الملحوظة في موقفي الدولتين الفضائيتين، بحيث يمكن الظن من خلال هذه المرونة أن اصطناعها يبدو كمقدمة لتعبيد السبيل أمام إمكانيات تعاون دولي في الفضاء وخصوصا إذا اصبح هذا التعاون ضرورة شديدة الإلحاح لا مفر منها.
ونفس الأمر يمكن أن يرى بالنسبة لقضية الارتياد في الماطق القطبية الجنوبية، ذلك أن هذا الارتياد – إذا أريد منه التوسل إلى حقائق أعمق مما هو متوفر الآن، واستهدف منه – عموما – النجاح في تذليل القارة القطبية الجنوبية، وإخضاعها للأغراض المختلفة التي تتصل بالعلم من جهة، وبالحياة العملية من جهة أخرى – إذا كان الارتياد القطبي ذا أهداف بعيدة من هذا المستوى، فإن النفقات التي يتطلبها، والجهود التي يجب أن تصرف من أجله، ليست شيئا هينا، حتى بالنسبة للدول الكبرى، التي ترهقها – ولا ريب – متطلبات التوازن العسكري وضرورات الستراتيجية العسكرية الحديثة التي تلعب الأسلحة التكتيكية فيها دورا متزايد الأهمية، يضاف إلى كل هذا أن أية دولة   من الدول الكبرى تدرك – بالبداهة – أن اي واحد منها لا يستطيع عمليا أن يحتكر القطب الجنوبي لصالحه أو السلمية كذلك، فالقطب واقع في خضم البحار الدولية الكبرى التي يعتبر سلوكها حقا مباحا للجميع، وبهذا يعتبر منطقة مفتوحة لمن له القدرة على اقتحامها، لكن الموانع الطبيعية فيه لا تمكن دولة دون غيرها من الدول من تحصينه لحسابها الخاص وضد أية دولة أخرى، تحاول أن تتخذ فيه موطئ قدم ما، للقيام بعمليات ارتياد وما اشبهه؛ إن الدول الكبرى والضغيرة على السواء تدرك – على ما يظهر – حقائق كثيرة من هذا القبيل؛ والمظنون أن هذا الإدراك من شأنه أن يحملها على عدم اتخاذ سياسة خاصة في موضوع القطب الجنوبي يمكن أن تكون متأثرة بالمصالح القومية الضيقة، كما أن هذا لابد أن يدفعها – كما يدفعها فعلا الآن – إلى الأخذ باسباب التفاهم والتعاون الدولي حول القطب، والاتفاق على استبعاد المنطقة حركات الارتياد في أغراض تهم المقاصد الحربية، وحصر حركات الارتياد في أغراض تهم الملأ الدولي قاطبة، وتمس خاصة قضايا العلم والحضارة.
                                                   ***
تعتبر القارة القطبية الجنوبية أو "الانتاركتيكا" من البقاع القليلة جدا في العالم، لا تزال غير معروفة تمام المعرفة المعرفة عند الإنسان، وما فتئ الناس  بما فيهم العلماء ايضا ينظرون إليها نظرة تحيط بها الأسطورة تقريبا كأنها أرض "الواق الوالق" عند الأقدمين، وإن كانت هناك فوارق مهمة بين الحالتين؛ ولا يطلق اسم القارة على الانتاركتيكا تجوزا، فهي ذات مساحة ضخمة، تفوق مساحة القارة الأوربية نفسها؛ وقد دلت الأبحاث العلمية التي أجريت خلال السنوات الأخيرة على نطاق دولي، أن أراضي القارة القطبية الجنوبية، ليست عبارة عن كتلة متراصة كما نعهد ذلك في الكتل التي تتكون منها القارات المسكونة، وإنما هي متكونة من سلسلة من الجبال والجزر مختلفة الارتفاع، لكنها مغطاة في الغالب بغشاء جليدي سميك تبلغ نحافته نحو ميلين، أو أكثر من ذلك قليلا؛ ويقدر الجليد الذي يغطي مناطق القطي الشمالي والجنوبي كليهما بنحو تسعة ملايين ميل مربع(1)، وهذه الكتل الهائلة من الجليد إن هي إلا بقايا عصور الجليد، الذي ظلت خلالها كثير من مناطق الأرض مغمورة لأمد طويل؛ وهناك نظريات علمية عديدة حول إمكانية ذوبان الجلد القطبي، مما يمكن أن يرفع من منسوب مياه المحيطات، وقد يؤدي ذلك – إذا وقع – إلى أحداث أحوال طبيعية حد خطيرة؛ غير أن مثل هذه النظريات لم تستقر بعد على اساس ثابت يمكن الجزم به. كما أن كثيرا من المعلومات المتوافرة عن مناطق القطب وبالأخص القارة القطبية الجنوبية لا تزال في حاجة إلى الكثير من التمحيص والتحقيق، نظرا لصعوبة البحث في تلك القارة وحداثة العهد بارتيادها، الارتياد العلمي المنظم.
غير أنه بالرغم من الصعوبات الجمة، التي تكتنف الحياة في القارة القطبية الجنوبية، بل وتجعل مجرد الوصول إليها واتخاذ مواطئ القدم فيها، أمرا عسيرا وباهظ التكاليف فإن ذلك لم يمنع عددا من الدول ذات الإمكانيات البحرية العالمية من المشاركةخلال القرن الثامن عشر وما بعده، في حركة التسابق الدولية نحو تلك المناطق النائية من العالم، بل والذهاب إلى إطلاق أسماء حكامها وقادتها على بعض الأراضي هناك، ورفع الأعلام الوطنية على هذه المناطق المتبناة، واعتبارها – نظريا على الأقل – مناطق تابعة ل "أم الوطن" الواقعة في القارات العادية، ولهذا تجد القارة القطبية الجنوبية وكثير من مناطقها تحمل اسماء أوربية تذكر بجنسيات الدول التي أمكن لروادها الوصول إلى هذه القارة، واكتشاف قطاعات منها، سواء على شكل جزر مجاورة أو أجزاء من القارة نفسها، أو مساحات من منطقة القطب بالذات؛ فبينما تدعى المنطقة البحرية الواقعة شمال القارة ببحر "الملك هاكون السابع" (ملك النرويج 1872) دعيت المنطقة الأخرى الواقعة بين إفريقيا واستراليا بأرض "الملك غليوم الثاني" إمبراطور ألمانيا، بينما أطلق على منطقة بين أمريكا وأستراليا : اسم "أرض الملك أدوارد السابع". ملك انجرلترا (1901) وهكذا؛ وفي داخل القارة نجد الأراضي تحمل أسماء عديدة أخرى من هذا النوع.
ولا بد أن يتساءل المرء عن مغزى هذه الأسماء المطلقة على مناطق القطب من الناحية الدولية والقانونية؛ وما إذا كان إطلاق مثل هذه الأسماء يعني الانتهاء إلى تجزئة فاصلة للقارة المحيطة بالقطب، وماذا يترتب عن هذه التجزئة من الناحية السياسية والجغرافية؟
للجواب على هذه الأسئلة الحيوية، نجد أنفسنا – في الواقع – أمام حالة غير عادية، حالة من بين هذه الحالات التي لا يزال القانون الدولي لم يصل فيها –بعد – إلى تقريرات نهائية، كما لا ينتظر أن يصل إلى هذه التقريرات في أمد قريب؛ ويرجع الأمر في ذلك أساسا- وكما لمحنا إليه من قبل – يرجع إلى أن السيطرة الإنسانية على قارة القطب الجنوبي لم تقع لحد الآن، إلا من الناحية المبدئية، مضافا إلى هذا، اعتباران اساسيان في الأمر، لهما أترهما البالغ في جعل الأمر على هذه الصورة الواقعة (أولا) أن الدول التي شاركت لحد الآن في اكتشاف القارة القطبية الجنوبية لا تنحصر في اثنين، كما هو الشأن في ارتياد الفضاء لحد الآن، وليست هذه الدول المكتشفة للقطب كثيرة كذلك، بحيث تعتبر ذات تمثيل كامل لدول الأرض، صاحبة الحق المبدئي في القارة القطبية؛ فأكثرية الدول الكبرى، وبالأخص، انجلترا وفرنسا، كان لهما تاريخ بعيد المدى في ارتياد مناطق القطب، إلا أنه لا يوجد إلى هذه الدول، دول أخرى كألمانيا وبلجيكا والنرويج مثلا؛ فقد شاركت كل هذه الأقطار ببعثات استكشافية في المنطقة، وذلك ما جعل المشاركة الدولية في موضوع القطب، مشاركة متشعبة، تتعدد فيها الأطراف الدولية على عكس ما عليه الأمر في الفضاء الآن، لم تشارك عمليا لحد الآن، أو ساهمت بقدر ضئيل، إلا أنها تحتفظ لنفسها بحقوق مبدئية في الموضوع ! ويظهر ذلك بأوضح ما يكون بالنسبة إلى الدول الأمريكية اللاتينية، وبالأخص منها، الدول الواقعة في جنوب القارة، وهذه الدول ترى أن لها حقوقا قوية في القطب، ترجع إلى مجاورتها لهذه الناحية من الأرض، إذ لا يفصل بين جنوب أمريكا والقطب الجنوبي إلا جزء غير كبير نسبيا من النمحيط الأطلس. (ثانيا) فضلا عن تعدد الدول المشاركة في الارتياد القطبي، وما ينتج عن هذه الحالة من أوضاع، فإن هناك حالات نزاع دولية في الموضوع، نشبت بين حين وآخر حول موضوع التملكات الأرضية في قارة القطب، وقد بلغ البعض من هذه النزعات درجات حادة، بلغت درجة الغرابة والشذوذ في بعض الأحيان؛ ومثل هذه الأحوال من النزاع، لم يكن من شأنها أن نعبد السبيل أمام تسويات فاصلة في موضع التملك الدولي بالمناطق القطبية؛ ولنتخذ صورة النزاع البريطاني الأرجتنيني – الشيلي مثالا في الموضوع؛ فقد شهد العقد الثاني من هذا القرن، حالة صراع متشعب، بلغ حد الحرب الباردة بين انجلترا من جانب، والأرجنتين والشيلي من الجانب الآخر؛ وذلك حول قطاع من القطب منتسب إلى بريطانيا، وكانت الأرجنتين طرفا في النزاع حول الأمر، وكذلك كأن للشيلي ضلع كبير في الخلاف حول هذه المسائل؛ وقد اشتد الخلاف ذاك فيما بين سنة 1912 و 1913، وأدى إلى تبادل احتجاجات قوية بين الأطراف المعنية، بل أفضى إلى ما هو أدهى من ذلك، حيث نتج عن الخلاف تصرفات من الجانبين؛ تكتسي صبغة التصادم بينهما؛ وقد كان أبرز مظاهر التصادم ذاك، أن كل فريق قد أخذ يعمد إلى مسح الراية الوطنية للفريق الآخر، التي توجد ألوانها متبتة في الأكواخ القليلة المقامة في القطاع الأرضي المتنازع عليه؛ وكان يحدث ايضا أن تثبت هذه الألوان الوطنية أحيانا في بعض الحجارة الضئيلة المتناثرة هنا وهناك فكانت هذه الحجارة تمسح هي بدورها، من طرف هذا الجانب ضد الآخر، الأمر الذي خلق حالة متسمة – كما أسلفنا – بقدر من الغرابة ملحوظ بالبداهة؛ وهذه الغرابة، ليست ناشئة في الواقع – عن سوء تقدير وتصرف، بقدر ما هي ناشئة عن غرابة الأحوالالطبيعية في المنطقة القطبية الجنوبية، واستعصاء الأراضي هناك على كل تقدير دقيق مضبوط للمواقع  المتملكة أو التي ينوي تملكها؛ ومن ثم، فإن الخلاف الذي اشرنا إليه آنفا، لم يكن ظاهرة مفردة، وإنما كان مظهرا من جملة مظاهر واقعة أو محتملة في هذا الموضوع تشير جميعها إلى ما تنطوي عليه أمر القارة القطبية الجنوبية، من مصاعب في التجزئة والتملك، مثل ما تنطوي عليه هذه القارة ايضا من مصاعب في الارتياد والتذليل؛ وعلى هذا، بقيت مسألة التجزئة النهائية لهذه كذلك تنتظر – ولا شك – أمدا طويلا، لتصل إلى حل، وقد برزت خلال العقود الأخيرة من هذا القرن أفكار ومشاريع دولية، لايجاد أساس دولي معقول، تقوم عليه الوضعية القانونية لمناطق القطب، وأبرز هذه المشاريع، المشروع الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية، لوضع القارة الجليدية الجنوبية تحت وصاية الأمم المتحدة، وكان اقتراح أمريكا لذلك في غضون سنة 1948؛ ولم يصل المشروع إلى نهاية إيجابية، نتيجة لتضارب المصالح الدولية في المنطقة، كما سظهر، إلا أن مثل هذه الفكرة بعد أن خفت صداها فترة من الدهر، أثيرت من جديد بواسطة الهند تؤازرها في ذلك، بعض الدول الأخرى التي يعنيها الموضوع؛ إلا أن القضية لم تلق – رغم ذلك – سبيلا يؤدي بها إلى اتخاذ موقف دولي حاسم في هذا الصدد.
                                                   ***
وكما كان التساؤل في الفقرة السالفة عن الوضعية القانونية للتملك الدولي في مناطق القطب فإن سؤالا آخر مرتبطا بالتسابق يفرض نفسه ايضا، على نفس الدرجة من الإلحاح، والسؤال هو : إذا كان كل هذا التنافس الدولي قد قام حول القارة القطبية الجنوبية، فهل هناك من المنافع والمصالح التي تحتويها القارة، ما يسوغ حالة التنافس هذه ، ويبرز من جهة أخرى الجهود والنفقات الضخمة التي بذلت في عمليات الاستكشاف القطبي لحد الآن؟ يجب المبادرة إلى القول – أولا – أن "لانتاكتيكا" أو القارة القطبية الجنوبية، إذا قدرت لها منافع ما – غير المنافع العلمية الخالصة – فإن هذه المنافع تتعلق بالمستقبل، وربما بالمستقبل البعيد؛ أن القارة المتجمدة لا تبدو الآن إلا كالعبوة فاغرة الفم، تبتلغ أكثر ما يمكن تصوره من جهود ونفقات دون أن ينتظر منها أن تعطي بالمقابل – في الوقت الحاضر – شيئا ذا بال من الناحية الاقتصادية، لكن الدول التي تعنى بأمر هذه القارة، تدرك أن عليها أن ترتب من الآن أمورها ومصالحها هناك، استعدادا لهذا المستقبل ولو كان بعيدا، فالقيم المبذولة على أرض القطب هي إذن من نوع التوظيفات المالية بعيدة الأجل جدا؛ وهذا النوع من التوظيفات – إن كان الأفراد العاديون لا يستطيعون أن يتصورا منه نفعا عمليا، ولا يستطيعون القيام به كذلك، فإن الدول طبعا هي غير الأفراد، ولها سياساتها المالية طويلة الأمد إلى اقصى حد، كما لها سياساتها قصيرة المدى أيضا، على أن هذه المنافع التي يمكن أن ننسبها لمنطقة القطب ليست كلها خالية أو مبنية على خيال، وإن كان البعض منها يبدو كذلك في الوقة الحاضر؛ فهناك مجال للتحدث عن جملة من المزايا يمكن أن يستفاد منها في القطب، ولو أن الغفادة من هذه المزايا متعلق بالمستقبل، بل أن بعضها يمكن اعتباره جاهزا للحاضر ايضا؛ ومن هذه المزايا التي يمكن الإفادة منها في الحاضر، استغلال الجو القطبي شديد البرودة في تخزين فائض الأطعمة في العالم، وجعل المنطقة القطبية هكذا بمثابة "ثلاجة" طبيعية للمحافظة على مخزونات الأطعمة من الفساد، ولا نحتاج إلى التذكير، كم يصرف على حفظ الأطعمة في العالم داخل الثلاجات الصنعية كبيرة التكاليف؛ ومما يذكر من مزايا القطب أيضا، إمكانياته الصيدية، وبالأخص صيد "البالين" وهو السمك الضخم الذي يعتبر أضخم الحيوانات إطلاقا، ويبلغ طوله في العادة 25 مترا، ووزنه حوالي 150.000 كيلو غرام. ومن الناحية الباطنية الأرضية، لا تخلو القارة المتجمدة من مخزونات معدنية، منها ما هو من قبيل المعادن النفيسة، وقد ذكر بالفعل وجود مخزونات مختلفة، تتراوح بين الفحم والزنك والرصاص والنحاس والحديد، وبين الذهب والفضة، وحتى بعض المعادن الذرية، هذا علاوة على الإمكانيات البترولية المفترضة، وقد وجدت في "الأنتاكتيكا" ايضا طيور كـ "البتريل" و "المانشو" حيث عترت بعض البعثات على مستعمرة من هذا النوع الأخير، تبلغ حوالي 7500 وحدة؛ وتغطي حوالي هيكتارين، ولوجود هذه الحيوانات، دلالة على إمكانيات الحياة الحيوانية بالمنطقة؛ أما من حيث الاحتمالات البعيدة، فإن هناك تقديرات لجواز استغلال العواصف العتية في القطب كطتقة محركة، وكذلك الأمر بالنسبة للطاقة الحرارية الكامنة تحت كتلته الجليدية !.
وعلاوة على الاحتمالات المعدنية والهيدرولية وغيرهما، التي تعد بها القارة القطبية الجنوبية، فإن لها كذلك أهمية مواصلاتية على مستوى القارات والمحيطات، وتزداد برةزا أكثر فأكثر، فالمنطقة القطبية الجنوبية تتصل بأغلبية محيطات الكوكب الأرضي (الأطلسي – الهندي – الهادئ) كما أنها بموقعها المحواري تشرف على أكثرية القارات : (إفريقيا – أمريكا – الأوقيانوسية)، ولهذا فإن قيمتها المواصلاتية لابد أن تصبح من الدرجة الأولى على الصعيد الدولي العام؛ والمواصلات كما نعرف كافة لها الشأن الأول في مضمار الاقتصاد، وبالأخص الاقتصاد الدولي متشابك الأطراف عبر أنحاء العالم؛ وبهذا فإن الأهمية المعزوة للقارة القطبية بقدر ما لها من أبعاد اقتصادية في النواحي الأخرى؛ غير أن استغلال القارة بهذا الشأن – وإن كان باديا للوهلة الأولى من الناحية النظرية – إلا أنه غير متيسر بنفس السهولة من الناحية العملية؛ ذلك أن هذا الاستغلال يتطلب غقامة محطات انطلاق ونزول على سطح القطب، والمناطق المتاخمة له؛ ويتطلب كذلك معرفة واسعة بطبيعة الأرض ومناخها وتقلباتها. وإمكانيات كافية للسيطرة على المواقع المعتضة بهذا الصدد، وهي كثيرة جدا ومتنوعة؛ ولا سبيل غلى تحقيق هذه المتطلبات غلا بمسح المناطق القطبية بكيفية دقيقة، وتحديد جزئياتها الجغرافية، تحديدا خرائطيا مدققا، وإقامة محطات دائمة للرصد الجوي وأحوال المناخ، بل ودراسة طبيعة الأرض الجيولوجية، والتعرف من خلالها على المناطق الصالحة لبناء المحطات وإيواء العاملين فيها. ومن غير شك، فإن دراسات جليدية  Glachologique تجري في عين المكان تعتبر ضرورية في مثل هذه المناطق، وإن لم يؤبه لها بهذا الشأن في مناطق أخرى غير القارة القطبية؛
وعلى أي حال، فإن استغلال القارة القطبية الجنوبية، على الصعيد الدولي في الوقت الحاضر، بالنظر إلى أن هذا الاستغلال –إذا جاز – فهو يتطلب –قبل كل شيء – تدليل القارة والسيطرة على المصاعب القطبية الجنوبية يتركز أكثر من أي شسء آخرفي الميدان العلمي البحث، وذلك (أولا) لأن الإحاطة مبعرفة طبيعة القارة والتوصل إلى تقييمها علميا من شأنه أن يفتح عددا من المغاليق العلمية المتعلقة بفيزيائية الأرض (مغناطيسية الأرض) قياس قوة الجاذبية الأرضية في المناطق القطبية مما يساعد على استكمال المعلومات عن قوة الجاذبية العامة للأرض، والتوصل إلى حقائق كاملة عما يدعى بتوازن القشرة الأرضية – وكذا التعرف على العواصف المغناطيسية في القطب، وتكون الجليد وذوبانه في المنطقة، وطبيعة الهواء الكامن في أغوار الجليد المتراكم وغير ذلك كثير. (ثانيا) لأن التعرف العلمي الكامل على المناطق القطبية من شأنه أن يسهل فرص الاستقرار الطويل فيها، وإقامة التجهيزات التي يتطلبها هذا الاستقرار نظرا لأن التعقيدات الطبيعية في المناطق القطبية التي تحول دون طول استقرار الإنسان هناك، لا يمكن التغلب عليها أيضا وقصة المحاولات العلمية المبذولة، للتعرف على مناطق القطب الجنوبي، ترجع بدايتها إلى عهد غير قريب نسبيا، أنها تعود إلى القرن الثامن عشر، حيث بدأت تتوافد على هذه المناطق البعثات الاستكشافية المغامرة، تحاول ارتيادها واتخاذ مواطئ القدم فيها، مثل ما كان عليه الأمر في مجاهل افريقيا والأوقيانوسية وغيرها؛ والفرق عظيم ما لاقاه الرواد الأوربيون في افريقيا والاوقيانوسية من صعوبة يمكن تحملها، وبين ما لاقوه في المناطق القطبية الجنوبية من مصاعب تجل عن الحصر؛ الأمر الذي لا يزال يحيط بالصعوبات الجمة، أمر الاتقرار الانساني لأمد طويل في هذه المناطق، بينما تمكنت التقنية الحديثة من تدليل المحيطات الكبرى للإنسان، وجعل القمر والفضاء هدفا حقيقيا لمختلف القذائف والسفن الطائرة المرسلة من الأرض !.
بدت في غضون القرن الثامن عشر طلائع التحركات الارتيادية النادرة خلال المناطق المجاورة للقارة القطبية الجنوبية؛ فقد تمكن الكاتبان "كوك" الرائد الانجليزي الشهير، والذي حقق جولات استكشافية مهمة في القارة القطبية الشمالية، وقام برحلات واسعة حول الأرض – تمكن هذا الرائد في رحلة له جون العالم من التوغل كبيرا في الجنوب الأرضي 1773 وقد نجح بعد سنتين (1775) في اكتشاف أرض بورجيا الجنوبية، وجزر سندويتش الجنوبية، شمال القارة القطبية الجنوبية، وبمقابلة امريكا الجنوبية، ولم تكن وعورة هذه المناطق، وظلام الأسرار والطلامس التي يحيط بها مما يغري كثيرا على المغامرة فيها ... المغامرة التي تعني الموت في كثير من الأحيان، وقد لقي الرائد "كوك" حتفه بالفعل في المنطقة نفسها، وفي جزر الساندويتش سنة 1779.
ةخلال القرن التاسع عشر، تواصلت حركات الارتياد والاكتشاف خلال  القارة القطبية الجنوبية، وتبرز بهذا الصدد اسماء كالروسي "بيلينهاوزن" الذي اكتشف سنة 1821 جملة مناطق واقعة غرب الانتاركتيكا، وبمقتبلة القارة الأمريكية تقريبا، أطلق عليها أرض بير الأول، واليكساندر الأول، ودعى البحر الواقع في المنطقة ببحر "بيلينهاوزن" والرائد "ويدل" الذي توغل سنة 1823 في البحار الجنوبية المحيطة بالقارة القطبية في نفس المنطقة القريبة من أمريكا اللاتينية، وأطلق على جزء من المحيط القطبي الجنوبي اسم جورج الرابع وكالانجليزي الكابتن "بيسكوي" المحيط الهندي، وأرض كراهام، القريبة جنوب أمريكا، والأرخبيل الذي يحمل اسمه "أرخبيل بيسكوي".
وفي أ,ائل سنة 1840 تمكن الرحالة والبحار الفرنسي الشهير الليوتنان "ديمون ديرفيل" من اكتشاف أرض "أديلي" المقابلة لـ "أوستراليا" و "طامسمانيا" والممتدة على شكل مثلث حاد الزاوية من شواطئ القارة القطبية الجنوبية إلى صميم القطب نفسه؛ وقد أطلق البحار الفرنسي اسم "أديلي" على الأرض القطبية المكتشفة، تكريما لزوجه التي كانت تحمل هذا الاسم، وقد عملت فرنسا منذ ذلك الحين، على تحقيق ملكيتها لهذه الأرض، حتى تمكنت من حمل الدول المعنية بأمر القطب الجنوبي كأوستراليا –مثلا – على الاعتراف لها بهذا الامتلاك، وإعلان أرض "أديلي" هكذا – رسميا- على انها أرض تابعة لفرنسا.
وبرز الرائد الانجليزي "روس" في سنة 1881 باكتشافه المنطقة المدعوة بـ "أرض فيكتوريا" وهي عبارة عن امتداد أرضي طويل يتجه من الشمال إلى الجنوب نحو محور القطب، وكان من بين المكتشفات التي عثر عليها "روس" سلسلة جبال قطبية دعت "سلسلة الامبريالية" وبركانان عظيمان في حالة نشاط أطلق عليهما روس اسمي سفينته.
وقد تواصلت أعمال الارتياد – بعد ذلك- في أوائل القرن الحالي حيث توجهت في خلال سنة 1904 بعثة ألمانية، لزيارة استكمال المعلومات حول "أرض فيكتوريا" وغيرها، وتمكنت تلك البعثة من إقامة مراكز مراقبة استعانت بها في أعمالها الاستكشافية الشاقة، وسارت أعمال الارتياد بعذ ذلك يمثل هذه الصورة المحدودة إلى أن دخل عهد التعاون العلمي في العالم، مرحلة حاسمة، وأمكن تنظيم السنوات الجيوفيزيائية الدولية التي مكنت العلماء من تدليل صعوبات القطب، بما لم تستطعه البعثات العلمية الخاصة، وأصبح في مستطاع العلم الآن أن يتصرف بقدر كبير في تلك المنطقة النائية من العالم فاتحا باب الأمل الكبير في السيطرة عليها، وانتزاع المكنونات التي انطوت عليها منذ العصور الجليدية في الأرض.
كان من أولى مظاهر التعاون الدولي حول عالم المنطقة القطبية الجنوبية السنة القطبية التي نظمت في بحر سنة 1882 – 1883، ولم تكن الوسائل التقنية للاستكشاف متوافرة بالصور التي توافرت في العقود الأخيرة من هذا القرن، إلا أن السنة القطبية التي أشرنا إليها كانت – مع ذلك – ذات فائدة لقضية التعرف على القطب، وتعزيز الجهود المحدودة التي كانت تبذل في هذا السبيل – وقد سقنا الحديث عن بعضها في الفقرة السالفة – وفي أوائل الثلاثينات من قرننا الحالي قام الملأ العلمي الدولي بمبادرة أخرى ذات أهمية أكثر وكان ذلك فيما بين سنة 1932 و 1933 حيث نظمت سنة قطبية ثانية، شملت البحث عن أسرار كل من القارة القطبية الشمالية والقارة القطبية الجنوبية، وخاصة الأسرار ذات الصبغة العلمية في هذه المناطق، وهي أسرار كثيرة جدا، وذات نطاق شامل، يهم مجموع الحياة الطبيعية في الكرة الأرضية، وبعد نحو برع قرن تقريبا، عقدت في غضون الفترة المتراوحة بين سنة 1957 إلى 3 دجنبر 1958 الدولية الثالثة للعلوم القطبية، أو كما أطلق عليها : "السنة الجيوفيزيائية" الدولية، التي عكست بتنظيماتها واستعداداتها وعدد الأعضاء المشاركين فيها، مقدار التطور الذي حصل في تقنيات الاستكشاف الجغرافي، ومدى العناية التي يثيرها ذلك عند مختلف دول العالم، التي لها سياسة علمية، وقد بذل خلال السنة الجيوفيزيائية الثالثة مجهود علمي ضخم، على مستوى دولي كبير، دل على أهمية التعاون الدولي في هذا المضمار، ودل كذلك على أن المصاعب الطبيعية في القطب، هي من السعة وكبر الشأن بالدرجة التي تتحدى عظمة التقدم التقني المتوفر للانسان المتحضر في هذا العصر، ومع ذلك فقد أحرز خلال تلك الدورة العلمية التاريخية على بعض النتائج الجزلية، المؤدية إلى تحقيق مزيد من التعرف على مكامن القطب الجنوبي وطلامسه، ومن ذلك الدراسات التي أجريت حول الجليد القطبي المتراكم، والذي لا يكاد يعرف له أول من آخر؛ هذا إلى دراسة الظواهر العجيبة في ذلك العالم، كالضوء القطبي والعواصف المغناطيسية في القطب، والبرد الذي لا حد له في المنطقة، وغير ذلك من الظواهر التي تؤثر بقدر كبير على أحوال الطقس في مجموع الكرة الأرضية، ومن شأن التحكم فيها أن يؤدي إلى مزيد من التعرف على عموم أحوال الطقس بالكوكب الأرضي والسيطرة عليها من بعض الجوانب، كما أمل العلماء من دراستهم تلك. أن يعترو على جملة من الحقائق العلمية التي قد تؤدي إلى إلقاء اضواء على كيفية نشوء العصور الجليدية المتعاقبة، وما إذا كان الجائز أن تتكرر هذه العصور من جديد، أي أن تعرض الأرض مرة أخرى لانسياح جليدي عليها، كما حدث فيما قبل التاريخ، وأجرى العلماء الكثير من الأبحاث من هذا القبيل، وأملوا منها التوصل إلى شيء كثير؛ غير أن غوامض الطبيعة – كما دل عليها عالم القطب – شمالا وجنوبا- هي اقوى من أي كشف علمي، وأضخم نطاقا، وأوسع حيلة ومذهبا وكذلك كان يوم أن وجد العلماء أن أمامهم أجيالا، وأزمنة عديدة، لكي يستطيعوا فتح مغاليق القطب الجنوبي، الأمر الذي يجعل التصرف العملي في القارة القطبية الجنوبية أبعد ما يكون عن دائرة الإمكان غير المحدودة على الرغم من أنه وقع منذ بعيد تجزئة القارة تجزئة نظرية على بعض الدول كما اسلفنا، وتم وضع حدود مفترضة، تحدد مجال سيادة هذه الدولة أو تلك، بينما الواقع هو أن مجموع القارة القطبية الجنوبية، لا تزال تشكل منطقة عذراء من الأرض، ويقتضي الحال – أولا – التعرف عليها وامتلاك زمامها عمليا لكي يمكن وضع حدود، أو مناطق محدودة فيها على صورة من الصور. فما هو الحال إذن بهذا الشأن؟
من كل ما تقدم، نجد أن الساعة بالنسبة للقارة القطبية الجنوبية الآن ، هي ساعة العلمية قبل أي اعتبار آخر، فقد استبعدت الاعتبارات الستراتيجية العسكرية عن المنطقة بالاتفاق الحاصل الآن على المستوى الدولي العالي، والقاضي بامتناع أية دولة من الدول الكبرى عن استغلال القطب أو أية ناحية من "الانتاركتيكا" للأهدتف العسكرية أو شبه العسكرية وباستبعاد الجانب العسكري هكذا من علاقة الانسان بـ "الايتاركتيكا" العسكري هكذا من علاقة الانسان بـ "الايتاركتيكا" وقع ضمنيا استبعاد الجانب السياسي، اي جانب المنافسات السياسية الدولية الحادة حول المنطقة، وهكذا صار المجال متسعا – أكثر ما يكون الاتساع – للأغراض العلمية الخالصة، بيد أننا ندرك أن الأغراض العلمية – في عصرنا الحاضر – تتمازج – بقدر كبير – مع الأهداف السياسية ةالعسكرية، وأن العلم كثيرا ما يسخر لخدمة مآرب الستراتيجيين في الأجل البعيد، ومن إليهم من ذوي الخطط التوسعية، غير العلمية، لكننا لابد أن نتذكر من جهة أخرى – أن المنطقة القطبية الجنوبية أو الانتاركتيكا" تهم – كما رأينا في الفقرات السابقة – مجموع سكان الكوكب الأرضي، الذين تؤثر عليهم تلك المنطقة تأثيرا جديا بمساهمتها في تكييف حالة الطقس، والأحوال الطبيعية العامة في الأرض، أن أهمية "الانتاركتيكا" باعتبار هذا الأمر، لا تقل عن أهمية العلاقة بين الأرض، وعوالم الفضاء الخارجي، وهي العلاقات التي ينصب القانون الدولي اليوم، على تعقيدها وبلورة أسسها، بما يتفق مع الحقوق الدولية الأساسية، فهل يسير الأمر – بالنسبة للقطب الجنوبي- على نفس الوتيرة، فيتجه النظر القانوني إلى تأمين حقوق ومصالح الدول جميعا في تلك المنطقة الحيوية من الأرض؟

(1) – كتلة الجليد التي تغطي القطب الجنوبي وحده تبلغ –كما يقدر – زهاء : 4.800.000 ميل مربع وتقدر كثافة الجليد أو ما يدعى ب "الطربوش" القطبي في بعض المناطق بالقطب – بنحو خمسة كيلو مترات ونصف عمقا !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here