islamaumaroc

رغيفان من الخبز

  دعوة الحق

العددان 108 و109

لم تصدق. عندما صاح بها باكيا : أنا أحمد أيتها الراهبة.
كان القتال شديدا في الخارج.
ونظرت إليه من كوة باب الكنيسة. أنها الراهبة ماري تبريز، لم تعرفه، ولكنها فتحت له الباب. أنه أعزل من السلاح.
وعندما دخل، كان أسود، بالي الثياب، يبدو عليه الإرهاق. وكان الدم يغسل بعض جوانب جسده .
وما أن أغلقت الراهبة ماري تيريز الباب، حتى ارتمى أحمد إلى الأرض وراح في نوبة من البكاء الشديد.
عرفته للتو.
أنه أحمد الذي يعتني بحديقة الكنيسة، يمر عليها في الأسبوع مرتين. وهو يعمل ايضا بائعا جوالا للورد. وأدركت أن الحرب قد فعلت به ما فعلت ..كانت الطائرات في الخارج تقصف الحي الإسلامي. وكان طرف القدس الشمالي يشتعل كما لو أنه كومة من الورق الجاف.
ورسمت ماري تيريز شارة الصليب على صدرها ثم انحنت نحو أحمد هامسة :
- قم أحمد ..ماذا يمكنني أن أقدم لك من مساعدة..؟
كان الشاب يهتز. وكانت دموعه تمسح الهباب الأسود من وفق خديه، فلقد بدأ كأنه خرج للتو من حريق هائل.
وصرخ
- أولادي يا أم ...أولادي وزوجتي في البيت ...لقد ذهبت لأحصل لهم على بعض الخبز ..وفكرت بكم .. لكن قنبلة سقطت على بيت وأنا في طريقي إليكم. فاضطررت أن اشارك في الإنقاذ. إلا أن قنبلة ثانية سقطت ولم ينج سواي ..وكما ترين حالتي ..ولكن أريد الآن خبزا ..وأريد العودة إلى بيتي.
نادت الراهبة على الأب بول. وما أن تقدم الأب الكهل. حتى صاحت ماري تيريز :
- أنه أحمد ... أحمد الذي يعتني بحديقتنا.
ودهش الأب. هو ايضا لم يعرفه. ثم تقدم منه، ووضع يده تحت غبطه ورفعه حتى وقف الشاب على قدميه، وكانت يداه محروقتين فيما كان الدم ينزف من جنبه الأيمن.
قال الأب بول :
-أحمد بحاجة إلى إسعاف ايتها الأخت ...خذيه إلى الداخل.
لكن أحمد صاح :
- يا أبت .. أولادي وزوجتي هناك ..إنهم جياع.
قال الأب بول موجها حديثه إلى الراهبة :
- أنا أعرف بيت أحمد ...خذيه إلى الطبيب ليسعفه ..أما أنا فسأذهب إلى منزله مع آخرين للعودة بأولاده وزوجته.
وفيما كان الأب ينادي على راهبين آخرين .. قادت الراهبة ماري تيريز أحمد إلى الداخل حيث تم تحويل قاعة الكنيسة إلى مستشفى لاستقبال الجرحى.
وخرج الأب بول وتبعه الإثنان.
كان القتال شديدا في شوارع القدس. وكانت الطائرات الاسرائيلية مازالت تهبط لتهدم بقنابلها الحي الإسلامي. إلا أن الأب بول ورفيقيه استمروا في التقدم.
اعترضتهم دورية اسرائيلية ..صاح أحد جنودها بالعبرية:
- إلى أين أنت ذاهب أيها السيد؟
لكن الأب بول لم يجب ..وعاد الجندي مرة أخرى صائحا:
- إنك تتجه إلى الموت ..إن هذا الطريق لن يؤدي بك إلى غير الخراب لقد هدمنا كل شيء.
إلا أن الأب بول ظل مستمرا في المسير.
ووصل أخيرا إلى منزل أحمد ..إنه يقع قريبا من الجدار الشائك الذي كان يفصل بين طرفي القدس.. فإذا به قد تهدم تماما .. ودخل الأب فوق الأنقاض باحثا عن الأطفال وأمهم وعتر أخيرا على أكبرهم الذي لم يتجاوز العاشرة. كان محترقا .. ولكنه ما زال حيا .. حمله أحد الراهبين فصرخ الطفل. ثم صمت .. وبعد بحث مضن لم يعثر الرهبان الثلاثة إلا على الزوجة .. إنها مبثورة الأطراف .. لكنها ما زالت حية. أخذ الأب بول الطفل ..ثم طلب من الراهبين حمل جثة المرأة. كانت ماتزال تئن. ومضى الجميع مسرعين نحو الكنيسة.
بعد جهد وصلوا لتستقبلهم الراهبة ماري تيريز. ثم صاحت:
- أين البقية ..؟
- إننا لم نجد سوى الأم وهذا الطفل.
- هل هما حيان؟
قال الأب بحزن عميق:
- أن الطفل قد مات.
وتقدم به نحو الراهبة.
انظري .. كم هو جميل.
واحتضنت الراهبة الطفل الميت .. ثم وضعت أذنها على صدره وأرهفت السمع ..همست بعد ذلك:
- أن كل شيء ساكن فيه .. يا الله .. ما أجمله.
وكان الراهبان الآخران قد تقدما بجثة الأم إلى الداخل .. كان الدم ينزف من كل مكان في جسدها.
قالت الراهبة مخاطبة الأب :
- ماذا أنت فاعل ..؟
- لم يجب الأب بول للحظات، ثم قال:
- لا أدري .. ولكن من الواجب أن يعلم أحمد أننا وجدنا بيته مهدما فوق أطفاله ..
وأننا لم نجد الطفلين الآخرين .. له على ما أظن ثلاثة أطفال .. أليس كذلك.
قالت الراهبة :
- هذا ما أعرفه.
قال الأب بول :
- أين هو الآن؟
- أنه في الداخل ..لقد أسعفوه، ولكنه ما زال يهذي يريد أن يرى أطفاله .. زوجته أنه يريد العودة إلى البيت ..زوجته هل ستعيش ..؟
- لا أظن .. أنها مصابة إصابات بالغة .. لقد بترت يدها وقدمها. ألم تلاحظي ذلك؟
دفنت الراهبة وجهها بين راحتيها. وراحت تجهش بالبكاء، ثو صاحت:
- يا للوحوش .. الآن أدركت كيف سلبوا هذه الأرض من أصحابها؟
ربت الأب بول على كتف الراهبة الشابة، ثم همس:
- تعالي إلى الداخل.
في الداخل، كان بعض الرهبان يرتلون، فيما كان الطبيب عربي يبذل جهده مع ممرضين اثنين لانقاذ الجرحى .. لكن رائحة الموت اختلطت بالتراتيل، وكذلك الرصاص والقنابل والطائرات كان كل شيء هناك يوحي بالرعب والاشمئزاز.
اقترب الأب بول من الطبيب وهمس وهو يشير إلى زوجة أحمد:
- هل ستعيش .. هذه المرأة؟
قال الطبيب بصوت متعب:
- لقد وصلت ميتة.
رسم الأب بول علامة الصليب باتجاه المرأة الميتة، ودمدم ببضع كلمات، ثم قال:
- إنها زوجة أحمد ..كذلك لدينا أحد أطفاله .. انظر ما الذي يجب أن نفعله؟
قال الطبيب :
- يجب أن تأخذوهما إلى مقبرة المسلمين دون أن يعلم أحد ..هناك ادفنوهما.
قال الأب بول:
-لا بأس  .. سوف نفعل ذلك فورا.
وفي المقبرة كان هناك رجال عديدون يحفرون القبور ...وكانت القوافل التي تحمل الموتى كثيرة وكان ثمة شيخ يصلي للأموات.
وضعت جثة السيدة والطفل بالقرب من إحدى الحفر.
وكانت كلمات : الله أكبر ..تتردد فوق جثت القتلى.
وتوجه الأب بول إلى الكنيسة مع مساعديه.
وعندما دخلوا بابها الكبير، صاحت بهم الراهبة ماري تيريز :
- أن أحمد يسأل عنكم .. أنه يريد أولاده ..يريد زوجته ..لقد قلت له: أنكم لم تعودوا بعد .. لكنه ما زال يهذي بأشياء لم أفهمها.
قال الأب بول:
- ستكون صجمته قاسية ..
ودخل ..وهو لا يدري ماذا سيقول لأحمد.
وما أن رآه الشاب حتى أسرع إليه صائحا :
- هل أنقذت أولادي يا أبت .. هل أتيت بهم .. أين سلمى ..
لم يجب الراهب للوهلة الأولى. وعندما ألح الشاب قال:
- لم أستطع أن أهتدي إلى بيتك ..
وهنا حاول أحمد الإفلات إلى خارج الكنيسة، ولكن سرعان ما ردته أكثر من يد، وقال له الأب بول:
- إنك ستقتل لو ذهبت إلى هناك .. لقد تعرضت أنا للقتل، "ابق هنا" ريثما ينتهي القتال ..نذهب معا.
أخذت الدموع تسيل من عيني أحمد .. ثم همس:
- لا أستطيع يا سيدي .. لا أستطيع .. إن الأولاد جياع، أريد أن أذهب لهم ببعض الخبز ليسدوا رمقهم، لا شك أن البيت لم يصبه أذى ..
في اليوم التالي اختفى أحمد من الكنيسة، وعرف الجميع أنه عاد إلى بيته .. وتألموا كثيرا .. لأنهم أدركوا كم ستكون الصدمة شديدة عندما يجد بيته كتلة من الدمار.
كان بعض الجرحى قد ماتوا أيضا، وكان على الأب بول أن يساعد في حملهم إلى المقبرة. وهناك، لفتت نظره جثة ملقاة، سرعان ما عرف صاحبها، يا الله .. إنه أحمد. واقترب الأب بول منها. إنه أحمد بعينه، وكان صدره منتفخا ..فمد الأب بول يده ليلمس الصدر فاصطدمت بشيء طري ..سرعان ما عرف أن ثمة شيئا يخبئه أحمد .. وكشف الأب طرف القميص ليجد رغيفين من الخبز الذي يصنع للكنيسة ..وأدرك الراهب أن أحمد كان يسعى بالخبز إلى أهله ..فهبطت من عينيه دمعتان، ثم اقترب من الشيخ وقال مشيرا نحو الجثة:
- لقد جئتكم يوم أمس بزوجة وطفل هذا الرجل ..ودفنتموهما في هذه الحفرة.
أرجو سيدي أن تدفنوه إلى جانب زوجته وولده.. وأرجو ايضا أن تدفنوا معه رغيفي الخبز اللذين يحملهما ..لقد كان ساعيا بهما إلى أسرته .. ولا شك أنه قتل على الطريق .. ووجد من يحمل جثته إلى هذه المقبرة.
كان الشيخ يستمع إلى الأب مبهوتا .. ثم ردد: لا حول ولا قوة إلا بالله .. سننفذ وصيتك يا سيدي .. شكرا.
وفيما كان الأب بول يجر خطاه خارج المقبرة .. كانت الصلاة تتلى على جسد أحمد بينما كان صدره يحتضن رغيفين كبيرين من الخبز.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here