islamaumaroc

تقويم اللسانين -5-

  دعوة الحق

العددان 108 و109

كلمة أقدمها بين يدي المقال
لم أقدم على الكتابة في هذا الموضوع حتى أيقنت أن قراء اللغة العربية وكتابها والمتكلمين بها في أشد الحاجة إليه، وأنهم يتلقونه بغاية الترحيب كما يتلقى الظمآن العذب الفرات البارد، وقد صدق ظني في ذلك، فجاءتني رسائل عديدة من الأقطار البعيدة والقريبة تصدق ما ظننت.
ولما وصلت إلى مدينة النبي (ص)، ثم إلى مكة اجتمعت بوفود بيت الله من جميع أقطار العالم، وجدت قراء مقالاتي من العلماء والأساتذة والتلاميذ فوق ما كنت اقدر، ووجدت كثيرا منهم متلهفين إلى هذا الموضوع الجديد (تقويم اللسانين) فزادني ذلك نشاطا واغتباطا، وجعلت قول الحسود والقالي والمتعسف في الموضع اللائق به من الإهمال والإعراض، فالحمد لله الذي هداما لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

26 – استعمال (حيث) للتعليل
يقال مثلا : لم ينجح فلان في الامتحان حيث لم يكن مواظبا على حضور الدروس، والصحيح أن يقال : لأنه لم يكن مواظبا الخ.
ومن ذلك حيثيات الحكم المستعملة في المحاكم. إذا أراد الحاكم أن يصدر حكمه يعلله بقوله : وحيث أن المدعى عليه تبنت براءته بشهادة الشهود. وحيث  أن المدعي بالكسر لم يأت ببينة تشهد له، ثم يستمر على هذا الشكل بعطف (حيث) على مثلها حتى يمل القارئ والسامع.
وصواب ذلك أن يقال : ولما تبتت براءة المدعي عليه بشهادة العدول، ولم يأت المدعي بالكسر ببينة تثبت دعواه، ثم يعطف ما شاء بعد ذلك على هذا النمط، ثم يقول: حكمنا ببراءته بعد انتهاء تعليل الحكم.
وبيان ذلك أن (حيث) ظرف مكان يقال : اجلس حيث يليق بك أن تجلس، أي في الوضع الذي يليق بك أن تجلس فيه.
قال الراغب : (حيث) عبارة عن مكان مبهم بشرح بالجملة التي بعده نحو قوله تعالى : (وحيث ما كنتم) (ومن حيث خرجت) 1 هـ.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة 149 : (ومن حيث خرجت) ومن أي مكان خرجت للسفر (قول وجهك شطر المسجد الحرام) إذا صليت. 1هـ
وقوله تعالى : (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) أي موضع كنتم من أرض الله الواسعة توجهوا بوجوهكم نحو البيت في صلاتكم.
وقال البيضاوي في قوله تعالى في سورة الأعراف 192: (والذين كذبوا بآيتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) أي سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا، واصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة (من حيث لا يعلمون) ما نريد بهم، وذلك أن تتواتر عليهم النعم، فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغنى حتى يحق عليهم كلمة العذاب.أ هـ
أقول : يقول الله تعالى : سنقربهم من العذاب، وتأخذهم به من الجهة التي لا يتوقعونه منها بتكثير النعم عليهم، وتأخير العذاب عنهم حتى يزدادوا بطرا وطغيانا ويغتروا، ويظنوا أن الله ما أكثر عليهم تلك النهم إلا وهو راض عنهم، كما قال تعالى في سورة المؤمنين 55- 56 : ( أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون).
وقال تعالى في سورة سبأ 37: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا، فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا، وهم في الغرفات آمنون).
يعني أن كثرة الأموال والأولاد عند المرء لا تدل على أنه من المقربين عند الله، لأن ذلك قد يكون استدراجا ومكرا، والذي يدل على رضوان الله هو الإيمان والعمل الصالح، فصاحبه هو الذي يضاعف الله أجر عمله، ويكون يوم القيامة منعما في الغرفات، آمنا من عذاب الله.
وتجيء (حيث) مجرورة بالباء فلا تخرج عن سنتها، وهي الدلالة على ظرف المكان، قال الشاعر بحث بني العباس على الفتك ببني أمية بعد أن أظفرهم الله عليهم :
أنزلوها بحيث أنزلها اللـــ
               ـــه  بدار الهوان والإفـــلاس
والضمير في أنزلوها يعود على أمية بمعنى القبيلة، أي أنزلوا بني أمية بالمكان الذي أنزلهم الله به من الذل.
وتجيء أيضا مجرورة بإلى كذلك كقول الأدباء: إذ سمعوا بهلاك إنسان يكرهونه : إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، وذلك إشارة إلى قول زهير بن أبي سلمى في المعلقة :
فضد ولم يفرغ بيوتا كثيرة
          لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
فحمل حصين بن ضمضم على خصمه، ولم يخف بيوتا كثيرة، أي لم يتعرض لها في الموضع الذي ألقت فيه رحلها أي نزلت فيه أم قشعم، وهي المنية أي الموت، أي هجم على خصمه في الموضع الذي حان فيه هلاكه، فأرداه قتيلا. وهنا جرت (حيث) بإضافة لدى إليها، وهي مبنية على الضم في اللغة الفصحى، وبعض العرب يفتحونها، وبعضهم يكسرون ثاءها.
ولا تضاف إلا جملة فعلية نحو قوله تعالى في سورة الأنعام 124 : (الله أعلم حيث يجعل رسالاته)، وقوله تعالى في سورة الطلاق 2-3 : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي من الجهة التي لا يظن أن الرزق يأتيه منها.
إلى الجملة الاسمية نحو : أقم حيث المقام طيب، واظعن حيث الظعن سهل، وحيث في ذلك مضافة إلى الجملة الفعلية أو الاسمية، وقد يحذف خبر المبتدأ في الجملة الاسمية نحو : هذا المنزل طيب من حيث الكلأ، والبعد عن طريق القوافل، أما من حيث الماء فليس بجيد، وتقدير الخبر فيهما موجود.
وقد تضاف (حيث) إلى مفرد شذوذا كقول الشاعر :
أما ترى حيث سهيل طالعا
           نجم يضيء كالشهاب لامعا
بجر سهيل.
قال المعيني وتبعه الصبان : ترى بصرية، وطالعا مفعولها، وحيث ظرف، ثم قال الصبان : وقيل : مفعولها حيث، وطالعا حال من سهيل. أ هـ
وهذا الذي حكاه بصيغة التمريض هو الصواب الذي يستحق التصدير، أي أما ترى مكان سهيل حال كونه طالعا، وقد قلد الصبان العيني، وقلده كذلك الخضري في حاشيته على ابن عقيل، ولكنه غير معصوم، وخطؤه في هذه المسألة ظاهر، وقيل سهيل مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف تقدريه موجود، فلا شاهد فيه، على إضافة حيث إلى المفرد. وهناك شاهد آخر على إضافتها إلى المفرد لا أريد أم أطيل بذكره.
وجزم ابن هشام في المغني أن حيث قد تدل على الزمان، واحتج على ذلك بقول الشاعر:
حيثما تستقم يقدر لك اللــ
          ـــه نجاحا في غابر الأزمان
أما أئمة اللغة فقد جعلوا استعمالها للزمان خطأ، وخصوصا بالمكان. قال في القاموس: (حيث) كلمة دالة على المكان كحين الزمان، ويثلث آخره. أ هـ وقد تقدم ذلك مبسوطا.

27- قولهم علماني وعقلاني خطأ والصواب : علمي وعقلي
وجهال هذا العصر يطلقون العلماني على بني على العلم من العقائد والأفكار للدين، فيقولون : دولة علمانية، أي لا تنتسب إلى أي دين، بل تعتمد في شؤونها على العلم، وهي جديرة بأن تسمى جهلية، لأن الدين هو المبني على العلم اليقيني، ولسن بصدد انتقاد هذا اللفظ من حيث المعنى، فإنه ساقط، وقد تبين في مقالات دواء الشاكين وقامع المشككين أن السواد الأعظم من العقلاء الأحرار الذين يستطيعون أن يعبروا عما يعتقدون بلا خوف يؤمنون بالله وبالدين.
أما الشعوب المغلوبة على أمرها فلا يحكم عليها بشيء حتى تعود لها حريتها في اعتقادها، وإنما ننتقد هذه العبارة ونبين براءة اللغة العربية منها، فالنسبة إلى العلم علمي.
قال ابن هشام في كتابه (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) ما نصه : باب النسب. إذا أردت النسب إلى شيء فلا بد لك من عملين في آخره: أحدهما أن تزيد عليه ياء مشددة تصير حرف أغرابه، والثاني أن تكسره فتقول في النسب إلى دمشق: دمشقي. أ هـ وهكذا فعلنا في النسب إلى العلم، فقد كسرنا آخر الكلمة ليناسب الياء وزدناه ياء مشدودة. فزيادة الألف والنون في قولهم : علماني لا وجه لها، وإنما جاءت من الجهل بقاعدة النسب ولا يمكنهم أن يقولوا:  أن هذه نسبة على غير قياس، لأن ما جاء من ذلك يقتصر فيه على السماع ولا يقاس عليه. قال ابن مالك في آخر النسب من ألفيته :
وغير ما أسلفته مقررا
           على الذي ينقل منه اقتصرا
قال الأشموني في شرحه لألفية ابن مالك: يعني أن ما جاء من النسب مخالفا لما تقدم من الضوابط شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، وبعضه أشذ من بعض.فمن ذلك قولهم في النسب إلى البصرة : بصري –بكسر الباء- وإلى الدهر: دهري –بضم الدال- وإلى مرو: مروزي، وإلى الري: رازي، وإلى خراسان: خرسي وخرسي، وإلى جولاء وحروراء –موضعين – جلولي وحروري، وإلى البحرين : بحراني، وإلى أمية: أموي – بفتح الهمزة -، وإلى السهل : سهلي – بضم السين – وإلى بني الحبلى- وهم حي من الأنصار، منهم عبد الله بن أبي سلول المنافق، وسمي أبو هم الحبلى لعظم بطنه –حبلى- بضم الحاء وفتح الباء – ومنه قولهم : رقباني، وشعراني، وجماني، ولحياني، للعظيم الرقبة والشعر والجمة واللحية. وقولهم في النسب إلى الشام واليمن وتهامة: رجل شام ويمان وتهام، وكلها مفتوحة الأول. أ هـ
قال في لسان العرب : والربي والرباني: الحبر، ورب العلم، وقيل الرباني الذي يعبد الرب، زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب. وقال سيبويه زادوا ألفا ونونا في الرباني إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب دون غيره، كأن معناه : صاحب علم بالرب دون غيره من العلوم.
وهو كما يقال : رجل شعراني ولحياني ورقباني، إذا خص بكثرة الشعر، وطول اللحية، وغلظ الرقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا : شعري، وإلى الرقبة قالوا: رقبي، وإلى اللحية : لحيي.
والربي منسوب إلى الرب، والرباني : الموصوف بعلم الرب. ابن الأعرابي: الرباني العالم المعلم الذي يغذو الناس بصغار العلم قبل كباره. وقال محمد بن علي بن الحنفية  لما مات عبد الله بن عباس : اليوم مات رباني هذه الأمة. وروي عن علي أنه قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
قال ابن الأثير : هو منوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة، قال : وقيل : هو من الرب، بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها. والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله. وقيل : العالم : العامل المعالم. وقيل : الرباني: العالي الدرجة في العلم.
قال أبو عبيد : سمعت رجلا عالما بالكتب يقول: الربانيون : العلماء بالحلال والحرام، والأمر والنهي. قال : والأحبار : أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون. قال أبو عبيد : وأحسب الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، قال أبو عبيد، وإنما عرفها الفقهاء، وأهل العلم. أ هـ
أقول لله در أبي عبيدة فقد أصابا شاكله الصواب. قال كروسمن Grossmann في مجمعه العبراني الانكليزي في تفسير الرباني ما معناه : هو العالم المتقي، لكن كل ما جاء في القرآن فهو عربي سواء كان عربيا غير مشترك، أي خاصا باللغة العربية، أم كان لفظا مشتركا بين العربية وأخواتها الساميات، أم كان لفظا غير عربي في الأصل، ولكن العرب تكلمت به فصار عربيا بالاستعمال ككلمتي جبريل وميكائيل، فكل ما بين دفتي المصحف فهو عربي، إلا أن عامة العرب لا تعرف الألفاظ العلمية، وإنما يعرفها علماؤها كورقة بن نوفل، وأمية بن أبي الصلت.
ومن ذلك تعلم أن قولهم : علماني هو أمر عدواني على اللغة العربية، وما أشبهه من السخافات كالعقلاني والشخصاني فهو مثله، فأين المجامع العلمية في بغداد ودمشق والقاهرة؟ لماذا لا تدب عن اللغة العربية، وتسعى في تطهيرها، وإخراج القدى من طرفها، وترويق شرابها، ليكون عذبا سائغا للشاربين.

28- كم هو جميل وكم أنا مسرور وما أشبه ذلك
وهذا من التراكيب الأعجمية الخالصة، فإن الذي تستعمله العرب في هذا المعنى هو : ما أجمله، وأجمل به، وهما صيغتا التعجب، ولا مكان لاستعمال (كم) هنا، سواء أكانت خبرية أم استفهامية. ويحسن هنا أن أتكلم باختصار في الاستعمال الصحيح (لكم)، وإنما اترك الأطناب، لأنه ليس يستلزم ذكر اختلاف النحويين، وذلك يشوش على كثير من القراء، ويعسر عليهم الاستفادة. وأسهل العبارات في ذلك وأجملها عبارة أبي محمد القاسم بن علي الحريري رحمه الله في الملحمة:
باب كم الخبرية :
وأجرر بكم ما كنت عنه مخبرا
           معظما لقدره مكترا
تقول كم مال أفادته يدي
          وكم أماء ملكت وأعبد
قال الحريري في الشرح: أعلم أن (كم) اسم موضوع للعدد المبهم جنسا ومقدارا، ولها موضعان: الاستفهام والخبر المقترن بالتكثير، ولما كان العدد نوعين: أحدهما مجرور، والآخر منصوب، شبه كل واحد من موضعيها بأحد من نوعي العدد، فنصبوا ما بعدها على التمييز في الاستفهام، على ما نبينه في شرح نوع التمييز، وجروا ما بعدها بالإضافة في الأخبار.
ويجوز أن يقع الاسم الذي بعد (كم) الخبرية واحدا وجمعا، كقولك : كم عبد ملكت، وكم عبيد ملكت؟ كما أن العدد المجرور قد يكون واحدا في مثل قولك : مائة ثوب، ويكون جمعا في مثل قولك : ثلاثة أثواب، إلا أن من شرط جرها الاسم أن يكون الاسم يليها، فإن فصل بينهما فاصل انتصب على التمييز كما ينتصب في الاستفهام، فتقول في الخبر : كم لي عبدا، كما تقول في الاستخبار : كم عبدا لك؟
وقال في المنصوبات : باب كم الاستفهامية :
وكم إذا جئت بها مستفهما 
         فانصب وقل كم كوبا تحوي السما
قد ذكرنا في شرح باب الإضافة أن كم الخبرية بجر ما بعدها، وكم الاستفهامية بنصب ما بعدها على التمييز، تشبيها لها بالعدد المنصوب على التمييز، ولهذا جاء مفسرها واحدا، ولم يجيء جمعا، كما أن المنصوب بعد العدد الذي هو أحد عشر إلى تسعة وتسعين لا يكون إلا واحدا، وكم الاستفهامية قد تقع موقع المبتدأ في مثل قولك: كم عبدا لك؟ فكم مبتدأ، ولك الخبر،ونصبت عبدا على التمييز. وقد تقع موقع المفعول به في مثل قولك : كم رجلا رأيت؟ ، وتقع موقع الجار والمجرور تارة بحرف الجر في مثل قولك : بكم درهما بعت؟، وتارة بالإضافة في مثل قولك : ابن كم سنة أنت؟. أ هـ
وقد راجعت الترجمة الانكليزية لقوله تعالى في سورة البقرة 175 : (فما أصبرهم على النار) وترجمة قوله تعالى في سورة مريم 38 : (اسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا)، وترجمة قوله تعالى في سورة الكهف 26 : (أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولي) وهذه صيغ تعجب، وهي من الله تعالى للتعجيب، فوجدت المترجم ترجمها كلها بأدوات الاستفهام، إذ لا يوجد في الانكليزية صيغة تعجب، ومن هنا جاء معظم البلاء، فإن لغة المستعمر الغائب استعمرت اللغة العربية، كما استعمرت أهلها، فغيرت تراكيبها، وشوهت محاسنها، وتركتها جدا بلا روح، فالمفردات عربية، والتراكيب أعجمية.

29- تعبيرهم بالتمني عن الدعاء وإرادة الخير
لم يزل المسلمون، والعرب الجاهليون قبلهم يدعون الله بالخير لمن يحبون، ويدعون بالشر على من يبغضون إلى زمان الدولة العثمانية، فإن الكلمة التي كانت تكتب قبل التوقيع في آخر الرسالة (داعيكم) يعنون الداعي لكم، ولما جاء الاستعمارـ وتغلبت لغاته ترجموا اللفظ الانكليزي  I wish you) ( بقولهم : أتمنى لكم، وهي ترجمة فاسدة، لأن الفعل الانكليزي المذكور يعبر عن الإرادة والرغبة الشديدة.
أما التمني فهو طلب المستحيل أو ما فيه عسر، والأكثر استعماله في طلب المستحيل، قاله الأشموني. قالوا : ولا يستعمل التمني فيما هو واجب الوقوع. فمثال المستحيل قول الشيخ :
ألا ليت الشباب يعود يوما
          فأخبره ما فعل المشيب
وقوله تعالى في سورة النساء 73 : (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما)، وقول الشاعر :
ليت وهل ينفع شيئا ليت
         ليت شبابا بوع فاشتريت
قال الأشموني: وأما قوله تعالى : (فتمنوا الموت) مع أنه واجب، فالمراد : تمنيه قبل وقته. أ هـ يعني قبل الأجل المحدود، وهو مستحيل.
وقال تعالى في سورة البقرة 26 : (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) يعني ولتجدنهم، أي اليهود – مع زعمهم أن أبناء الله وأحباؤه- أحرص الناس على طول حياة، وأحرص من الذين أشركوا، وهم المجوس، فإن أحدهم يهنئ صاحبه بقوله : (هزارنو روز مهرجان) يعني تعيش ألف سنة، وتشهد ألف عيد واحتفال. ولو هنا للتمني قاله البيضاوي، وهذا أيضا من المستحيل.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة النساء 32 : (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) من الأمور الدنيوية، كالجاه والمال، فلعل عدمه خير. والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنه تشبه لحصول الشيء معارضة لحكمة القدر، وتمنى ما قدر له بكسب بطالة وتضييع حظ، وتمنى ما قدر له بغير كلب ضائع ومحال. أ هـ
وروى أحمد و الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث شداد بن أوس أن النبي (ص) قال : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
وقال الشاعر :
تمنوا  لي الموت الذي يشعب الفتى
             وكل امرئ والموت يلتقيان
وقال آخر :
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما
           وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فإن حان يوما أن يموت أبوكما
           فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا خليله
         أضاع ولا خان الصديق ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
         ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وكانت المرأة في الجاهلية تلتزم الحداد والبكاء على الميت سنة كاملة. وهذا كله في استعمال التمني بمعنى طلب المستحيل. وأما استعماله بمعنى طلب الأمر العسير فكقول الشاعر:
ليت هندا أنجزتنا ما تعد
          وشفت أنفسنا مما نجد
واستبدت مرة واحدة
         إنما العاجز من لا يستبد
قال في لسان العرب: التمني : حديث النفس بما يكون وما لا يكون، والتمني : السؤال للرب في الحوائج. وفي الحديث : إذا تمنى أحدكم فليستكثر، فإنما يسأل ربه، وفي رواية، فليكتر.
قال ابن الأثير: التمني حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون وبما لا يكون. والمعنى إذا سأل الله حوائجه وفضله فليكثر، فإن فضل الله كثير، وخزائنه واسعة. أ هـ
ويجمع بين الحديث المشار غليه – على فرض ثبوته – وبين الحديث المتقدم، على أن التمني الذي  في هذا الحديث هو سؤال الله، مع محاسبة النفس والعمل الصالح، فيرجع إلى الدعاء وهو المطلوب. فالصواب أن يقال مثلا : أرجو أن تكونوا بخير وعافية، وأرجو لكم صفرا سعيدا.
ويقال للمريض : أرجو لك الشفاء عاجلا، أو أسأل الله لك.
  
   
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here