islamaumaroc

على هذا النحو فانحوا

  محمد الحمداوي

2 العدد

إن رب البرية الأكرم، الذي كرم بني آدم وحملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، (المعلم الأول) الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، كرم بني آدم بالعلم أول ما كرم، حين (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ؛ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ؛ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ) [البقرة: 31-33].

علمنا هذا الرب الكريم، في كتابه الكريم أنه، وهو رب الوجود، لم يخلق للعبث والباطل والسدى هذا الوجود: (‏‏ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ص: 27] (‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) [المؤمنون: 115] (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)‏ [القيامة: 36]، بل خلقه وهو الحكيم العليم لحكمة سامية جلت عن الباطل والعبث والسدى، هي تحقيق «الخير» في هذا الوجود، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف: 7] (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ) [الإنسان: 2]
جلي في علم الكتاب إذن، أن شيئا واحدا هو الذي ينبغي أن يكون الغرض الأساسي للحياة، والغاية العليا للوجود، ذلك هو تحقيق (الخير) فيها، وكل شيء من أشياء الحياة بعد ليس إلا وسيلة لهذا الغرض الأسمى، ينبغي أن لا نعنى به، وأن لا نتصور حقيقته إلا بعد أن نتصور هذه الغاية العليا للحياة، وجلي في ميزان العقل، وعالم الواقع، وتجارب الحياة، أن هذه الأشياء الأولية للحياة قد وضعت كاملة بالقوة والتهيئ، تامة بالطبيعة والاستعداد، ولكنها بالفعل والثمرة والنتيجة ناقصة، لا يظهرها تامة في حقيقتها العملية إلا الإنسان الذي خلقه ربه، وخلق من أجله هذه الأشياء ليظهر الحياة في أعلى حقيقة وأسمى حكمة، وتحقيق هذه الأولية وإثباتها في عالم الوجود كاملة بالذات، تامة بالفعل، هو أغراض الفنون وغاياتها، فالطب مثلا - في غرضه الإنساني هو الصحة- والصحة هي تمام الجسم في الصورة الحية الكاملة التي أنيط بها كل ما تتحقق به الحياة من وسائل وأغراض (قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ؛ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة: 247].والسياسة - في معناها الحقيقي - طبعا- في غرضه الأساسي هو الوازع، وما الوازع إلا الصورة الحية للاجتماع الطبيعي الذي لا يتحقق معنى الحياة وسموها بدونه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: 59]، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 25]
والحرب في غرضها الأساسي هو النصر، وما النصر في أقدس معناه إلا السد الحاجز بين بحر الشرور المتلاطم بالأهوال والمظالم والخبائث والفوضى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) [البقرة: 251] (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ) [الأنفال: 60]، وهكذا فلكل في غايته السامية الشريفة التي من أجلها وضع، والتي بها يتحقق معناه كفن يؤدي مهمته للحياة لتسمو وتكمل وتظهر حكمة الباري في خلقها وخلق الإنسان فيها جلية واضحة.
نأتي البيوت من أبوابها إذن إذا تساءلنا ما الأدب كفن يؤدي مهمته إزاء مهمات هذه الفنون التي ظهرت راجحة في ميزان العقل، ثابتة في علم الكتاب؟
نقلوا عن أديب حكيم، قالوا إنه عاش في أمة الصين منذ أربعة وعشرين قرنا (كونفوتيوس)، أنه قال: (ليس الذهب بكنز الأديب بل الصدق والأمانة كنزه، فهو لا يبتغي من الدنيا إلا العدالة)، وأنه قال: (الأمانة درع الأديب فعلى رأسه يحمل الإنسانية)، وأنه قال: (الأديب يجمع المواهب كلها فهو إذن الإنسانية)؛ صحيح إذن تعريف هذا الأديب الحكيم رسالة الأديب والأدب، على ضوء ما رجح في ميزان العقل، وثبت في علم الكتاب، وصحيح أيضا في ميزان العقل وعلم الكتاب، ما جاء من تعريف الأدب في لسان العرب: (الأدب ما يتأدب به الأديب؛ سمي أدبا لأنه يأدب الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح)، وصحيح أيضا في ميزان العقل وعلم الكتاب ما جاء في كتاب المحاسن والأضداد للجاحظ عن مهمة الأدب في جواب المأمون للمنصور بن المهدي حين سأله: (متى يحسن بي طلب الأدب؟) فأجاب: (ما حسنت بك الحياة)، وصحيح أيضا في ميزان العقل وعلم الكتاب ما جاء في كتاب هبة الأيام للبديعي: (الأدب مرآة لا تنطبع فيها غير الفطر المستقيمة، ومشكاة لا يضيء بها إلا الطباع السليمة)، وصحيح أيضا في ميزان العقل وعلم الكتاب ما جاء في الأدب الصغير لابن المقفع: (سليقة العقل مكنونة في مغرزها من العقل لا قوة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو نماؤها وحياتها)، ومن ثم كان ابن قتيبة كذلك من حذاق الأدب وفقهاء الكتاب حين اشترط على الأديب (أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه، قبل أن يهذب ألفاظه ويصون صناعته عن شئين الكذب ورفث المزج) والجاحظ على كثرة استعماله للهزل، وإيثاره للنكتة كان لا يرى ذلك إلى ضرورة متعملة للترويح عن النفس، والتخفيف عن العقل مما أجهده من تعب التفكير، وأعمال النظر في المعاني الجدية المستعصية، فهو حينما كان يعارض أولئك الذين عابوا طريقته فيما كتب كان يسمهم بالجهل لمغازي ذلك الهزل المتعمل، والمزج المتكلف، يوضح ذلك ما جاء في مقدمة كتابه (الحيوان) في معرض الرد على الطاعنين على أدبه وكتبه (وقد غلطك فيه بعض ما رأيت فيه من مزح لم تعرف معناه، ومن بطالة لم تطلع على غورها... ولم تدر أن المزح جد جد إذا اعتمل ليكون علة للجد وأن البطالة وقار ورزانة إذا تكلفت لتلك العاقبة) وهو في كتابه البيان والتبيين ينشئ من كلامه وينقل من كلام الناس ما يدلنا على هذا الفهم الصحيح، والإدراك الجدي لمعنى الأدب ومهمته، فهو يرى أن لا قيمة للأدب إلا في حسنه، وأن لا مفهوم لحسنه إلا حيث يكون تام التركيب، صحيح المعنى، شريف الغاية: (وحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه في ظاهر لفظه وقد ألبسه الله من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفا، وكان صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الحكمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة اصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد مالا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها عقول الجهالة).

الأدب إذن في ميزان العقل، وعلم الكتاب، وفي تعاريف أعلامه الأنجاب فن يعبر عن الأفكار الصحيحة التي تصدر عن نور العقل، وصفاء السريرة، وخلوص الضمير، فتحيى القلوب والعقول وتفهمها أو تلهمها معنى الحياة، وسر الوجود، وقداسة الحق، فن غايته توجيه النفس الإنسانية نحو الغاية العليا للحياة، نحو (الخير) والخير بأتم معناه، وأقدس حقيقته، فهو الحقيقة ظاهرة واضحة ماثلة في كل أشياء الحياة كما هي، يصورها للمثري في ثروته، وللزارع في زراعته، وللتاجر في تجارته، وللعالم في علمه، وللمتعبد في عبادته، وللملك في ملكه، وللزعيم في زعامته، وبالشمول للإنسان في كل سبل الحياة التي هدى إليها رب الإنسان .

 وبهذا المعنى الصحيح، للأدب فالأدب فن أعم من كل الفنون، إذ هو الفن الذي يشمل الحياة في كلها وكليتها، على حين تتناولها الفنون الأخرى في وسائلها وأولياتها، وعلى نسق هذا الفهم لحقيقة الأدب نستنتج أن لصورة الأدب الصحيح أشطارا ثلاثة: الأسلوب، الفكرة، القلب الحي.
فالأسلوب هو الأداة، هو المنظار الأعظم الذي يمثل به الأديب حقيقة الحياة للروح الإنسانية مكبرة في سماء الكمال والجمال، جلية في عالم القداسة والسمو، فتسمو إليها وتنجذب نحوها، وإذ ذاك تدرك هذه النفس سر وجودها، وترى أن لا وظيفة لها سوى تمثيل هذه الحقيقة (الخير) على الأرض.

والفكرة هي الرأي السديد المؤسس على العلم الصحيح، والحكمة البالغة، والمعرفة اليقينية.
والقلب الحي هو لب الأدب، هو الضمير، هو عين الروح النقية البريئة من أقذار الشبهات والشهوات، التي تحول بينها وبين الكشف عن حقيقة الحياة كما هي في معناها الأشرف، والشخصية الأدبية هي التي تتمثل فيها هذه الحقيقة الأدبية بكل معناها، بأشطارها الثلاثة، أسلوب بليغ، حكمة بالغة، قلب حي، والأدب الذي لم تتكون حقيقته في هذه الأشطار الثلاثة هو الأدب الأبتر الذي لا تنتفع به الإنسانية أبدا، فالأسلوب الكلامي وحده هو الأدب الهذري، أدب ظاهره فيه الأدب، وباطنه فيه الجهل، أدب يغر الناس بحذلقته ثم هم مطلعون بعد ولا محالة على ما في باطنه من الخلاء فيذهب ادراج الرياح عواصف الحق، والذين سموا هذه البهرجة أدبا، وعرفوا الأدب بأنه فن غايته في نفسه، ولا غاية ترجى منه غير ما يظهر من الأثر الفني في مثاني تراكيبه، وعدوا أدبا كل نثر مرصف، وشعر موتد، حتى ولو دعا الناس إلى المقابح، وحثهم على الخبائث أو أنكر الناس على صاحبه أنه يدعو إلى الخير ولا يأتيه، هؤلاء، مثلهم كمثل من الفوا كؤوس الخمر فأعمتهم الخمر عما في الخمر من خبائث وأدواء، هؤلاء هم الذين عموا وصموا، عما جاء في الكتاب عن كاذب الأدب (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يومنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) وهذا النوع من الأدب هو الذي عناه صاحب الأدب الجم، والكلم الطيب بقوله صلى الله عليه وسلم أن اخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليهم اللسان(1) وهو النوع من الأدب الذي كره –كما يروي الجاحظ- محمد بن عبد الله أن يكون أدب بعض أهله حيث قال (اني لاكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه) أما أدب الفكرة بدون قلب ولا أسلوب فهو الأدب المتجمد الذي ليس فيه من حرارة الجمال والجلال ما يحييه، وأدب القلب بدون فكرة ولا أسلوب هو البدرة التي لم يشأ الله أن تنبت.
قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيمان يدعى (أبا المومنين) أفلا يسوغ وهو من أدبه ربه فاحسن تأديبه(2)، أن يدعي في الأدب (أبا الأدباء)؟ فهو صلى الله عليه وسلم في البلاغة كان الرسول الذي أضيف إلى جم فضائله فضيلة القول الفصل، والبيان المقرب والكلم الطيب، وهو صلى الله عليه وسلم في الحكمة والعلم كان الرسول الذي أنزل عليه ربه (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما).

وهو صلى الله عليه وسلم في حياة القلب وخلوص النية، وطهارة السريرة من كان خلقه القرآن (ولكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).
قالوا ألقى علي ابن أبي طالب رقعة إلى أبي الأسود الدؤلي مكتوب فيها الكلام ثلاثة اسم وفعل وحرف فانح على هذا النحو( أفلا يسوغ لمن أجال الفكرة، واعمل النظر، وحضر درسا في الأدب من علم الكتاب، أن يلقي رقعته إلى الأدباء ويقول (الأدب ثلاثة كلام بليغ، وحكمة بالغة، ودعوة إلى الحق صادقة، فانحوا على هذا النحو.

(1) في مسند أحمد: رجاله ثقاة.
(2) حديث : أدبني ربي فأحسن تأديبي، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: صحيح المعنى ولا يعرف له سند ثابت.

.

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here