islamaumaroc

أبو عبد الله الهبطي واضع وقف القرآن بالمغرب -1-

  دعوة الحق

106 العدد

امتاز المغاربة – منذ قديم – بحفظ القرءان وتجويده وإتقانه، وعنوا عناية خاصة بقراءاته، ومعرفة وجوه رواياته؛ وسيطروا على هذا الميدان سيطرة تامة، حتى لا يكاد يشاركهم فيها سواهم، ولا سيما في العصور المتأخرة، فقد كان في كل بلد مدرسة، وفي كل مكان إمام يرجع إليه.
وخلفوا ثروة هائلة، أخذت جانبا كبيرا في المكتبة المغربية.
وللأسف، فقد أفل نجم هذا الفن، ودالت دولته؛ والذي يحز في النفس، ويبعث على الأسى والحسرة؛ أن يضيع هذا التراث الضخم، ولا يحظى بأي اهتمام من رجال  الفكر وأهل البحث.
وقد حاولت منذ مدة، أن أضع فهرسا للمكتبة القرءانية بالمغرب؛ وجردت من ذلك ما يشبه أن يكون معجما للقراء المغاربة عبر عصور التاريخ.
ولمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان العظيم، وقد توج هذه الذكرى صدور «مصحف الحسن الثاني» في حلته القشيبة، وإخراجه البديع – أحببت أن أتحدث عن إمام من أئمة هذا الفن، كرس حياته لخدمة القرءان، فأصبح الإمام المقتدى به في إفريقيا كلها؛ ذلك هو أبو عبد الله محمد بن أبي جمعة الهبطي السمات، واضع وقف المصحف المغربي.
ولد أبو عبد الله الهبطي في حدود منتصف القرن التاسع الهجري، بقرية اهباطة من قبيلة سماته، إحدى قبائل شمال المغرب، على بعد نحو 50 كيلومترا من مدينة العرائش، ونجهل كل شيء عن حياته الأولى، فلا ندري أين تعلم؟ ولا على من أخذ؟.
وجبال الهبط في هذا الظرف بالذات، كانت مزدهرة بعلم القراءات وشيوخ الروايات؛ وكل ما نستطيع أن نقول، انه دخل الكتاب على عادة أبناء البادية، فحفظ القرءان وجوده؛ ثم رحل إلى فاس، فأخذ عن علمائها ومشايخها؛ وهنا تطبق كتب التراجم بالصمت، فلا نذكر من شيوخ الهبطي إلا ابن غازي، كشيخ له في القراءات؛ والواقع أن الهبطي أخذ عن عدد وافر من رجالات الفقه والعربية، والحديث والتفسير، وعلم القراءات، وربما كان ابن غازي آخر من أخذ عنهم من كبار شيوخ فاس، كما أنها لا تذكر من تلاميذ الهبطي، إلا أبا عبد الله محمد بن علي بن عدة الأندلسي، وهم: - في الحقيقة – جم غفير لا يكادون يحصون كثرة؛ فالرجل سلخ الشطر الأكبر من حياته في تعليم القرءان، وتلقين رواياته، وقد طال عمره فألحق الأحفاد بالأجداد.
عاش أبو عبد الله الهبطي العصر الوطاسي، وفاس لهذا العهد، قد جمعت بين محاسن الشرق والغرب، تعج برجال الفكر، يتقاطرون عليها من كل حدب وصوب.
ويحدثنا في هذا الصدد أبو الحسن بن ميمون( ت 917) فيقول : « إني ما رأيت مثلها ومثل علمائها في تلمسان وبجابة، وإقليم الشام بأسره، وبلاد الحجاز ومصر». ويقول : انه ما رأى مثلها ومثل علمائها في غزراة الحفظ لنصوص المذهب ونصوص كل علم من العلوم».
وكانت علوم القرءان، تكاد تطغى على كل علم، فقلما تجد عالما ليس له حظ من علم القراءات، بل كان هناك مختصون، لا يزاولون سواها من العلوم؛ وأبو عبد الله الهبطي من هذا القبيل، فقد كرس حياته لخدمة القراءن، تفهما وتعليما، فأدرك فحواه ومغزاه، وعرف أسراره وأحكامه؛ فقضى في محراب القرءان خاشعا متبتلا زمنا ليس بالقصير، يعيش أنواره ومعارفه ثم طلع على الناس بمذهبه الجديد في الوقف، وقد بناه على مقاييس محدودة، وقوانين مضبوطة، وقواعد مدروسة، ترجع في جملتها إلى الإعراب والمعنى؛ وربما كان بعضها خاضعا لفن العربية، وبعضها لعلم التفسير، والبعض الآخر لمدارك الفقه والتشريع، أو لوجه من وجوه القراءات، أو لأسرار وحكم أخرى، قد لا يدركها القارئ العادي، وإنما يعقلها العالمون المختصون في هذا الفن.
وقد وجهت إليه انتقادات، وأتيرث حوله إدعاءات، وارتفعت أصوات هنا وهناك؛ ولكن أبا عبد الله الهبطي، وقف كالطود الشامخ، لا تؤثر فيه الزوابع، ولا تنال منه العواصف؛ وظل ينافح عن مذهبه، ويناضل عنه بالحجة والبرهان؛ حتى رست قواعده، وطبقت مناهجه في الحواضر والبلد، وفي كل مكان وناد، وأصبح المذهب المعمول به في سائر جهات المغرب، بل وفي إفريقيا كلها، بيد أننا نجهل الدواعي التي دفعت الهبطي إلى وضع وقفه، وحمل الناس على أتباعه؛ وقد تزعم بأن الذي حمله على ذلك ما كان عليه الناس من انحراف في التلاوة، وخطأ في الأداء؛ يقفون على غير ما ينبغي الوقوف عليه، ويصلون ما لا يجوز وصله؛ وربما وصلوا آية الرحمة بآية العذاب، وبالعكس؛ فيفسد المعنى، ويضيع الغرض الذي نزل من أجله هذا الكتاب الأقدس.
وقد يضطر أحدهم إلى الوقف، فلا يدري كيف يقف؟ ولا أين؟ سيما وقد اشتهرت بين الناس في هذا العصر، وقبله لأزمان – صناعة الأرداف في القراءات، فيقفون وقوف اختلاس ويجرون الوصل مجرى الوقف، حتى أن أحدهم ليسقط سقوط المصروع بالجان. فرأى أبو عبد الله الهبطي أن يضع لهم هذا الوقف، كمراحل ينزل المسافر بها، ويتجدد نشاطه من أجلها؛ فحدد المواضع التي يقف فيها القارئ، يدفع النفس الحار، ويجلب عن النفس البارد؛ وبذلك يندفع عنه التعب والحرج، وتقع له الاستراحة الداعية للوقف، ثم يستأنف القراءة مما بعد الكلمة الموقوف عليها إلى الموضع الذي يقف عليه ثانيا؛ وهكذا إلى أن يقف وقوف انقطاع، وينتهي من القراءة. قد يكون ذلك لا على أن الوقف مما ينبغي تعلمه، ولا يجوز للقارئ جهله، وقد قال الإمام الأنباري في قوله تعالى : « ورتل القرءان ترتيلا»، إن هذه الآية تدل صراحة على وجوب تعلم الوقف وتعليمه» قال علي (ض) الترتيل،  تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف. فهذا واجب ربما أهمله الناس، فندب الهبطي نفسه للقيام به وجند في سبيله كل قواه.
بقى هناك سؤال آخر، يجب أن نضعه على أنفسنا، وهو : ما هي الأسباب التي جعلت مذهبه ينتشر بهذه السرعة داخل المغرب وخارجه؟ وقد كانت قبله مذاهب، وألفت في الوقف مؤلفات لم يلتزم الناس العمل بها لا قديما ولا حديثا؟. وإذا رجعنا إلى المصاحف القديمة بالمغرب، لم نجد أية علاقة على الوقف وإنما الموجود بها علامات الأوس الآى.
قد تزعم أيضا بأن الروح المعنوية التي كان يتحلى بها الإمام الهبطي، والانتصارات التي سجلها على خصومه المناهضين له، هي التي جعلت مذهبه ينتصر، ويحمل طابع الخلود، فيتلقاه الناس بالقبول، ويجري به العمل إلى يوم الناس هذا .
ويلمح إلى هذا المعنى أبو عبد الله محمد أبى عبد السلام الفاسي في كتابه المحاذي، فهو بعد أن أورد قصة السنوسي مع الهبطي، ومناظراته له قال : « وكان الهبطي من أصحاب الأحوال ... فلم يسع السنوسي إلا التسليم، وكان ذلك سبب إقبال الناس على ما قيد عنه من الوقف».
وكان أبو عبد الله الهبطي، رجل علم وعمل، وفضل وصلاح، خيرا ثقيا، ورعا زاهدا، فقيها فرضيا، متبحرا في علوم العربية، عارفا بالقراءات ووجوهها. وقد حلاه في السلوة، بالشيخ الإمام، العالم الهمام، الفقيه الأستاذ، المقرئ الكبير النحوي الفرضي الشهير، الولي الصالح، والعلم الواضح، ثم قال : «وكان عالم فاس في وقته، أستاذا مقرئا، عارفا بالقراءات، مرجوعا إليه فيها، وكان موصوفا بالخير والفلاح، والبركة والصلاح، ذا أحوال عجيبة، وأسرار غريبة .. »
على أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن المغاربة نزاعون إلى الوحدة بطبيعتهم، فهم في الفقه على مذهب مالك، وفي العقيدة على مذهب الأشعري، وفي التلاوة على قراءة نافع برواية ورش؛ فغير بعيد أن يختاروا مذهب الهبطي في الوقف.
توفي أبو عبد الله الهبطي سنة ثلاثين وتسعمائة (930) ودفن في روضة الزهيري بطالعة فاس. 
وأخطأ بعضهم فجعل تاريخ وفاته سنة 963 ظنا منه أنه هو الهبطي الصوفي أبو محمد دفين المواهف قرب شفشاون. كما توهم بعضهم أنه الهبطي أبو عبد الله نجل الصوفي المذكور، وكان قاضيا بفاس توفى سنة 1001 وهو دفين الزربطانة. ولا تعرف من آثار الهبطي مترجمنا – إلا هذا الوقف الذي قيده عنه تلاميذه، ولم يدونه في كتاب كما يتوهمه الكثيرون.
ولعل السبب في ذلك يرجع إلى اهتمامه بالقرآن، واشتغاله بتعليمه، وأخذ الناس عنه، فلم يهتم بالتأليف، ولا بأي علم من العلوم الأخرى. يرى عن أبي عبد الرحمان السلمي أنه كان يحدث الناس بحديث عثمان بن عفان : « خيركم من تعلم القرءان وعلمه» ويقول هذا الذي أقعدني مقعدي هذا يشير إلى كونه جالسا في المسجد الجامع بالكوفة، يقرئ الناس القرءان ويقراه، مع جلالة قدره، وحاجة الناس إلى علمه؛ وبقى يقرئ الناس بجامع الكوفة أكثر من أربعين سنة، وعليه قرأ الحسن والحسين رضي الله عنهما.
وهنا يجب أن نشير إلى خطأ وقع فيه بعض المؤرخين، فقد ذكروا أن الهبطي أخذ الوقف عن ابن غازي، وعنه قيده.
 ومنشأ الخطأ – فيما اعتقد – هذه العبارة التي وردت في نشر المتاني (ج 1 : 19) هكذا :« وهو(أي الهبطي) أخذ عن ابن غازي، وعنه قيد الوقف» - أي عن الهبطي قيد الوقف بضم القاف وكسر الياء، مبنيا للمجهول. وربما ذهب الوهم بالقارئ إلى قراءته بفتح القاف والياء مبنيا للمعلوم – وهي قراءة غير صحيحة كما لا يخفى. ويؤيد ما ذهبنا إليه أمور :
1- وردت نصوص توضح هذه العبارة بكل جلاء، تجدها في شرح الدالية لأبي زيد المنجرة، والمحاذي لابن عبد السلام الفاسي، والسلوة للكتاني وسواها.
2-  هناك رواية نقلها غير واحد، تذكر أن السنوسي ورد على فاس وناظر الهبطي في الوقف الذي اصطلح عليه، ثم اذعن وأخذ عنه، كما أشرنا إلى ذلك آنفا؛ ومعلوم أن السنوسي توفي سنة (895) وهي السنة التي قدم فيها ابن غازي على فاس واستوطنها، ثم تصدر للإقراء بها فيكون الهبطي وضع الوقف، وتناقله الناس عنه، قبل تلمذته لابن غازي بزمان. وأخذ الشيوخ بعضهم عن بعض ليس فيه غضاضة، فهذا السنوسي أكبر سنا من الهبطي، وقد أخذ عنه، فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر المشهورة في علوم الحديث.
3-  أن النسخ التي بين أيدينا من وقف الهبطي، كلها تحمل عنوان « تقييد وقف الهبطي – لبعض تلاميذه».
فالتقييد ليس من صنع الهبطي، وإنما هو من عمل بعض تلاميذه.
وقد وقفت على نسخة مهمة بالمكتبة العامة للمدينة المنورة، بخط مغربي، من أوقاف رباط سيدنا عثمان تحمل رقم 620.
عليها تعاليق لبعض القراء المغاربة، كالقدومي، وأبي علي الزياني، وأبي العباس الصغير، وأبي فارس الزياتي، ومحمد بن يوسف وأبي القاسم ابن القاضي؛ وهذه التعاليق تلقي أضواء كاشفة عن المصادر التي اعتمدها الهبطي في وقفه، كوقف الداني، والنحاس، وأبي بكر الأنباري، وما إلى ذلك مما يبين وجهة نظره في المواضع التي انتقدت عليه وبعضها لم تثبت روايتها عنه، ولم توجد في النسخ المنسوبة إليه كما، تذكر هذه التعاليق.
ومن الذين ألفوا في الموضوع، وتتبعوا المواضع التي بدا لهم فيها ضعف وجهة نظره – أبو عبد الله محمد المهدي الفارسي ( ت 1109) في كتابه (الدرة الغراء، في وقف القراء)، ولم أقف عليه. وكذلك أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسي (ت1214) في بعض مؤلفاته، وقد قرأت فصولا منها – وهذا الأخير ينصف الهبطي كثيرا، ويقدره قدره. وقد انشد في هذا الموضوع: « كفى المرء نبلا أن تعد معايبه» ومهما يكن من أمر فإن الإمام الهبطي، له فضل كبير على المدرسة القرءانية بالمغرب، التي ظلت ثابتة الأركان شامخة البنيان، قرونا وأجيالا؛ وصارعت الزمان في عصور حالكة، كان صرح الإسلام فيها متصدعا، وصوت الحق بها خافتا، فلم يزل القرءان – ولله الحمد – الشغل الشاغل لأسلافنا رحمهم الله – محفوظا في صدورهم، مكتوبا في مصاحفهم، يتعلمونه صغارا، ويرعونه كبارا؛ سواء في ذلك، الرجال والنساء، والسوقة والأمراء؛ وتلك منقبة يفخر بها المغاربة على من سواهم، وصدق الله العظيم : « إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون».
ولنا عودة إلى الموضوع في فرصة أخرى بحول الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here