islamaumaroc

المشكل في عمقه العميق

  دعوة الحق

105 العدد

منذ ثلاثين سنة أصدر الامير شكيب أرسلان كتيبا صغيرا بعنوان: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم" وهو كتيب أسهم به ذلك الرجل العظيم من جملة ما أسهم به من مناثر فكرية، أتسمت بشمولية الاطلاع وبالقدرة الخارقة على مواصلة كفاح شاق ومرير، كما أن هذا الكتيب قد صدر في غمرة ما كان يصدر في ذلك العهد من أبحاث وتحاليل عن الوضع الذي كان يكيف يومئذ أحوال العالم العربي والعالم الاسلامي وانتشر هذا الكتاب مثل ما انتشر حاضر العالم الاسلامي (1) وعرف من خلال صفحاته القليلة ما هو سر تأخر المسلمين ومنذ أربعين سنة بيد أنه منذ ذلك الحين والوضع في العالم العربي والاسلامي يثار أمره عن وثيرة واحدة من التشكي وغصة المرارة في هذا التشكي.
ان الاسلام كرسالة وكفلسفة وكايديولوجية تقوم على مبادئ عامة قد تكفل القرآن بسطها وبالمحافظة عليها، والقرآن أعجز أعداء الاسلام وخصومه اعجازا كاملا عن أن ينالوا من تلك المبادئ فبالاحرى أن يقضوا عليها، فوظيفة القرآن ككتاب سماوي وكدستور يتضمن بنودا منظمة لم تفتز ولم تضعف، وانما الذي اعتراه شيء وشيء غير قليل من الفتور والضعف هو همة المسلمين في العمل على تكييف رسالة الاسلام بالكيفية التي أملتها نواميس التطور والتقلب.
والدعوة الى التجديد في أمر الاسلام ليست دعوة الى تجديد مبادئه الاساسية فهذه قواعد عامة وثابتة وانما الذي يحتاج الى التجديد والى الكثير من التجديد هو أساليب التفكير الاسلامي بالنسبة لعلاقات المجتمعات الاسلامية مع بعضها وبالنسبة كذلك لعلاقاتها مع المجتمعات الاخرى، وامتلاك الأسلحة اللازمة لخلق مجتمعات اسلامية لا تعيش على حساب ماضيها، وانما تعيش بالقدرة على الخلق والابتكار والقدرة على التنافس في حاضرها، وهنا تقفز النقطة التي اعتبرها شخصيا هي نقطة الضعف في كل ما عاناه الاسلام ماضيا وحاضرا وفي كل ما يمكن أن يعانيه مستقبلا وهذه النقطة يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولا: ان الدعوة الاسلامية والقرآن بصفة خاصة قاما منذ أول ظهورها على خلق تكامل اجتماعي، وبعبارة أدق على محاربة النزعة الفردية التي كانت هي الظاهرة البارزة في المجتمع الجاهلي العربي الذي نزل فيه الاسلام وفي المجتمعات التي حملت اليها الدعوة الاسلامية بنود رسالتها من غير العنصر العربي.
فالاسلام في أول أمره قد انطلق من شبه الجزيرة العربية بقوة من التكامل الجماعي الذي استطاعت تعاليم الاسلام أن تزرعه مثلما ينتزع قلب من جسم ليوضع مكانه قلب آخر في عالم اليوم.
فالدعوة الاسلامية قد اقتلعت النزعة الفردية اقتلاعا من التفكير الجاهلي ووضعت مكانها تفكيرا
جماعيا اعتبره شخصيا هو سر نجاح الانطلاقة الاسلامية في أول أمرها.
ومن ثم فاننا حينما نعكف على قراءة التاريخ الاسلامي وفي مختلف مصادره الكبرى وشيء من الامعان والتدبير، تلمس ولا أقول فقط – كيف أن السلاح الذي استخدم كثيرا في تقويض نفوذ الاسلام هو سلاح اعادة النزعة الفردية والعمل على تنوعها أو عند أفراد القاعدة، ويعتبر كتاب "الملل والنحل" وغيره من الكتب التي تحدثت عن مختلف الفرق التي ظهرت في مختلف المجتمعات الاسلامية كوثيقة من الوثائق التي تثبت وبكل تأكيد أن أعداء الاسلام وخصومه قد تنبهوا الى حقيقة العنصر الفعال في انتشار نفوذه واتجهوا اليه وبكل ما كانوا يملكونه من وسائل، وفي الجزء الذي خصصه الاستاذ أحمد أمين من كتابه "فجر الاسلام" تفاصيل عن هذا الصراع الخفي الذي كان يجري من أجل تفكيك أجزاء التفكير الجماعي واحلال النزعة الفردية المحلية.
ومع الاسف الشديد فان الذين كانوا يسعون الى الوصول الى هذه الغاية وفي مختلف العصور الاسلامية، قد تمكنوا من مبتغاهم بنسبة أو بأخرى، ولو أن الاسلام كان مجرد إيديولوجية تقوم على أساس مادي صرف، لما تعذر على اعدائه وخصومه استئصال نفوذه أو حصره على الاقل، ولكن بما أن الاسلام كان متوفرا على سلطان روحي لا يقهر، فان استئصاله أو حصر نفوذه قد تعذر، بل ان ما حدث في مختلف أطوار الصراع البسيكولوجي الذي كان يرمي الى تجريد المجتمع الاسلامي من تضامنه الجماعي، لم يجد هو بدا من أن يستعين بالسلطان الروحي تزويرا وتدجيلا، وذلك قصد الوصول الى تحقيق أغراضه ومناربه، وهكذا فان المسلمين تخاذلوا وضعفوا وقضى على نفوذهم السياسي في كل الحالات التي كان فعل عنصر التفكير الجماعي يقل أو ينمحي وجوده.
وهذا في رأي المتواضع هو التعليل الصحيح لكل ما تزخر به كتب التاريخ من نكبات وكوارث، حلت بالمسلمين سواء في المشرق أو في المغرب، وكان بالامكان سرد الوقائع والاحداث بمواقعها التي تعزز هذا الرأي بيد أنني هنا انما أسجل الخواطر، ولا أدرس التاريخ
ثانيا: أنه على ضوء هذه الحقائق فان الضرورة تقضي بدراسة أحوال العالم الاسلامي دراسة علمية تستعرض وتستنتج وعلى مقاييس صحيحة، وبمنحى من كل انفعال عاطفي وابتعاد كامل من نوع من أنواع مركب النقص.
فقوة الاسلام التي اندفع بها في أول مرة كانت قوة جماعية الا أن هذه القوة قد اعتراها ضعف ولم تمت، لان فيها العنصر الروحي للاسلام، بيد أنها توقفت، فيجب أن نبحث لماذا توقفت، ونحن اذ نبحث في هذا الامر فسنعثر – وفي غير ما كثيرا من العناء – على سببين اثنين: أحدهما ضعف الوازع الجماعي، وثانيهما وهو مترتب عن الاول، عدم تقوية الجانب المادي في المجتمعات الاسلامية حتى تصبح الحصانة المادية معززة للحصانة الروحية.
انه لم يعد يكفي ان نعقد الندوات لمعرفة أسباب الضعف الذي وصل الى قمته في مشهد الصهاينة وهم يحاولون اقامة برلمانهم في رحاب مسجد الصخرة، فمن جملة ما يؤخذ به المسلمون أنهم قوالون وغير فعالين، وكان الاولى أن يكونوا فعالين امتثالا لاوامر الاسلام، واذا كان الاسلام ما يزال بخير، وما تزال تتجاوب أصاد، صندوقه كلما وقع الضرب على هذا الصندوق على حد تعبير المرشال ليوطي، فان مرد ذلك الى قوته الروحية، بيد أن هذه القوة في حاجة الى تعزيز ومن نفس سلوك المسلمين، وذلك بواسطة أخذ العبرة من أحداث تاريخهم الطويل، وبالعمل على بعث الروح الجماعية في الفرد المسلم وتحصين أنفسهم ماديا، وهذا شيء لا ينبغي أن يظل مجرد كلام، بل يجب تحويله الى عمل قائما وقع بالامس البعيد من أجل كسر شوكة الروح الجماعية في نفوسهم ما يزال حاله مستمرا الى اليوم مع اختلاف في الاساليب التي اقتضاها الزمان والمكان.
وبالمناسبة فان السوق الاوربية المشتركة التي أصبح لها اليوم حول وطول وصول كانت من وحي شخصيات جمع فيما بين أفرادها المذهب الكاثوليكي، وفي رسالة الصهيوني بن غريون التي بعث بها أخيرا الى الجنرال دوكول ما يفيد بان الصهاينة قد ظلوا يعملون طوال مائة سنة في اطار من معتقداتهم الدينية وباندفاع منها لانشاء دولة اسرائيل، بل ان الدخلاء على الاسلام والمندسين في صفوفه فيما قبل، ثم الاستعمار فيما بعد، قد عملوا جاهدين وجادين من أجل تعزيز سلطانهم هم على المسلمين بواسطة الاسلام، لاقتناعهم بقوة سلطانه، فكيف لا يمكن يا عبد الله المسلمين تعزيز سلطان المسلمين بواسطة الاسلام ليكونوا في مستوى الظروف والاحداث ؟؟!!
فالمسلمون قوة سكنية في العالم، وقوة اقتصادية وقوة جغرافية، في بلادهم المطاط والفوسفاط والبترول وانواع الزيوت بل وحتى الذهب.
والمسلمون عندهم الى جانب ذلك قرآن يرتبط فيما بينهم برباط ليس هو من نوع رباط التعاريف الجمركية أو وحدة مناطق العملة أو غيرها من  أنواع الارتباطات المادية المحضة.
المسلمون عندهم قرآن ربط فيما بينهم جماعيا برباط وحدة المصير، ذلك ان عزة المسلم في ماليزيا هي عزته في المغرب وعزته في المغرب عزته في ماليزيا واذلاله كذلك.
تلك أشياء معلومة ومفهومة وقع درسها وبسطها منذ عهد طويل وانما الذي يبقى ويجب هو العمل، العمل على ازالة أسباب الزيغ الروحي والتخلف المادي ليكتمل للقوة عنصراها الاساسيان.
وهذه أيضا أقوال، فأين هو العمل ؟ ذلك هو المشكل الحقيقي وفي عمقه العميق.

1) - حاضر العالم الاسلامي ترجمة الاستاذ عجاج نوبهض وبتعاليق ضافية لامير البيان شكيب أرسلان رحمه الله.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here