islamaumaroc

القرآن والتاريخ

  دعوة الحق

105 العدد

على الكاتب اليوم أن أراد أن يتحدث عن القرءان فيستمع له الناس، وتنصت له بالخصوص الاجيال الصاعدة، ان يجد ألفاظا جديدة لصياغة أفكاره، فلن يفيد في شيء تكرار ما قاله السلف، لا لان السلف أخطأوا أو كانوا قاصدين وانما لان المسألة مسألة أسلوب...وأفكار طبعا.
وفي نظري أن الأسلوب يأتي في المقام الاول، فأجمل الالحان وأشجاها تفقد وقعها في النفوس مع طول التكرار، هذا اذا كانت جديدة غضة، فكيف بها لو كانت ترجع الى عهود غابرة تعرب عن اذواق عتيقة احتضنها التاريخ في صحائفه المطوية ؟!
وهنالك أسلوب فرض وجوده في عصرنا هو أسلوب القرن العشرين، أسلوب بنى قوته وقيمته على تجارب الانسانية على اختلاف الأزمنة والأماكن وعلى المكاسب التي حققها العقل الانساني في صراعه مع الطبيعة، ومع المجهول، فهو أسلوب يستجيب لمشاغلنا الحقيقية التي نعايشها باستمرار، كما أنه يحقق نوعا ما المثال الذي نتوق اليه من الناحية الجمالية، فهو على كل الاحوال، أسلوبنا الطبيعي الذي به نرى الاشياء وبه نصوغ أفكارنا فاذا خرجنا عليه، فان كلامنا يفقد قوته التأثيرية وتضيع الفائدة المرجوة منه.
والمسألة كذلك مسألة أفكار، فليس من الممكن أن تفكر عما كان يفكر أسلافنا، لان ظروفنا ليست هي ظروفهم ولان المشاكل التي نعانيها في هذا العصر تختلف عن مشاكلهم، ولان وضع المسلمين في القرن العشرين ليس هو وضعهم في العصر الوسيط، فلا ننسى أن عصرنا هو، قبل كل شيء عصر صراع حاد بين الأفكار والعقائد، وان المستند الاول والاخر للمذاهب والنظريات الرائجة في عصرنا هو العقل والتجربة، وان الايمان بعقيدة ما أصبح يرتكز على البحث الحر والنقد، وان الانقياد الفكري الرخيص أصبح مذمة ومنقصة في حق انسان هذا الجيل.
ومعنى هذا ان الدراسات الاسلامية لا يمكن ان تنتعش وتثير اهتمام الاجيال الحالية والمقبلة الا اذا روعى فيها هذا التعبير العميق الذي طرأ على الذهنية الانسانية منذ أحقاب طويلة والا اذا استعمل فيها الاسلوب الصالح، الاسلوب الطبيعي، أسلوب العصر. والغريب هو أن عددا من الباحثين الغير مسلمين استطاعوا أن يقدموا عن الاسلام دراسات كان لها الفضل في اجتذاب طائفة من الشباب، لانها باجتنابها لذلك المنهاج العاطفي المبتذل، امكنها أن تبرز مزايا الاسلام الحقيقية. 
                                                  *   *   *
ونحن عند ما نعود اليوم الى ذكر نزول القرءان، ونتروى في أهمية هذا الحدث بالنسبة لتاريخ الانسانية تستوقفنا عدة تساؤلات تنطوي ورائها حقائق كبرى:
ما الذي حدا بالعرب للخروج من جزيرتهم في القرن السابع الميلادي والانتشار في انحاء العالم المعروف آنذاك، بعد أن ظلوا منزوين في صحاريهم عصورا ودهورا ؟ يجيبنا التاريخ بكلمة واحدة: القرآن.
وما الذي أمكن هؤلاء العرب الطارئين من فرض سيطرتهم وشريعتهم وهم قلة على الشعوب كثيرة وقوية، عريقة في العلم والحضارة ؟ يجيبنا التاريخ بكلمة واحدة: القرءان.
وما الذي جعل عددا من الشعوب في افريقيا وآسيا تصبح عربية بلغتها وثقافتها وتقاليدها وشعورها، متناسية شخصيتها القديمة وثقافاتها الاولى ؟ يجيبنا التاريخ بكلمة واحدة : القرءان.
وما هو ألد عدو صادفه الاستعمار الغربي ولا يزال يصادفه في الاقطار الاسلامية أو التي توجد بها جماعة اسلامية في آسيا وافريقيا ؟ يجيبنا التاريخ بكلمة واحدة : القرءان.
واذن، فللقرءان لقاء طويل مع التاريخ، لقد تحدث علماء الاسلام عن معاني القرءان، عن أسباب النزول، عن الآيات المتشابهات، عن المفاهيم القرءانية فيما يخص الصفات الالاهية والعدل الالاهي والمعاملات بين المسلمين في الدنيا، وتحدث الصوفية عن المفاهيم الكبرى العميقة والخفية في القرءان، عن الفرق بين الشريعة والحقيقة، عن المعرفة الصحيحة وطرقها، عن مدراج السلوك نحو الاتصال بالذات الالاهية والفناء فيها.
ولكن القرءان له دور تاريخي عظيم لم ينل نصيبه من الاهتمام عند علماء الاسلام في القديم ولا زال لحد الساعة لم يدرس الدراسة الكافية الشافية، وانما هي لمحات مبعثرة تقرأها لهذا الكاتب أو ذاك في مسائل محدودة، وكما رأينا من خلال الامثلة السابقة، أن الدور الذي لعبه القرءان في التاريخ مهم جدا الى درجة أنه يصعب على الباحث تقديره وقياسه بالمقاييس العادية، فالقرءان هو الكتاب الذي استطاع أن يتحول في الحين الى أداة فعالة في التاريخ لان كلامه لم يبق مجرد آراء ونظريات، بل انقلب في حال صدوره الى مجموعة من التعاليم والأوامر التي يؤمن بها الملايين من الناس ويموتون في سبيلها.
وهذا الدور التاريخي هو الذي يجب الاطلاع عليه والبحث في أطواره وجوانبه، وهو الذي يعطي للقرءان قيمته وأهميته في نظر الباحثين من غير المسلمين، فالعلماء الاروبيون، مثلا، قد يجادلون في بعض المعاني والافكار الواردة في القرءان، ولكن عند ما يتطرقون الى مفعوله في التاريخ، فربما قالوا أحسن وأكثر مما يقوله عدد من المسلمين، وهذا يرجع الى كون أكثر الباحثين المسلمين لا زالوا فاقدين للحاسة التاريخية، وبهذا المعنى، فالقرءان يفرض وجوده على العلماء المسلمين ككتاب سماوي مقدس، قبل كل شيء وعلى العلماء من غير المسلمين كحدث تاريخي عظيم له أهميته في تطور العالم.
ولتوضيح هذا الدور وأهميته، لا يسعنا في هذه العجالة الا أن نورد بعض الامثلة ونحللها بايجاز.
وأول ما يجب الوقوف عنده ونحن نستعرض التاريخ هو "الثورة القرءانية" أو الثورة الاسلامية، والكلمة الاولى في نظري أحسن لان القرءان هو التعبير الاصح والاوثق عن حقيقة الاسلام، اننا نتحدث اليوم كثيرا عن الثورة الفرنسية، وعن الثورة الاشتراكية، ولكننا ننسى أن العرب قاموا هم أيضا بثورة عظيمة في التاريخ منذ أربعة عشر قرنا، ولست اشك في أن المسلمين الاولين ما كانوا ليترددوا في نعت الاسلام بلفظ الثورة، لو كانت هذه الكلمة تستعمل في زمانهم بنفس معناها اليوم.
وما علينا الا أن نرجع الى القرءان لنجد هنالك كل المعاني والمفاهيم الجوهرية التي تقتضيها كل ثورة ذات الابعاد التاريخية، ولننظر أولا الى هاته الاية: " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
ان تحليلها يؤدي بنا في الاخير الى تحديد الثورة كما يفهمها المؤرخون والمفكرون في عصرنا الحاضر، فالاية تفترض، أولا أنه من الممكن تغيير حالة المجتمع من حسن الى أحسن أو من سيء الى أسوأ، فالمجتمع حر  وليست هنالك أي حال مفروضة عليه بصورة حتمية، واستمراره على حالة واحدة وجموده، انما هو نتيجة لعدم رغبته في التغيير ولتوقف ارادته عن الحركة.
ومتى انتعشت تلك الارادة واتجهت الى الاصلاح والتطور والتغيير فلا شيء يقف أمامها، وبهذا المعنى فالعامل المحرك للتاريخ هو الارادة الانسانية، ولهذه الارادة غاية ووسيلة، فالغاية هي تغيير "ما" بالقوم.
وكلمة "ما" تفيد هنا الاحاطة والشمول، وتشير الى الحالة الحقيقية التي يعيش عليها القوم في النطاق المادي والمعنوي من يسر أو عسر، وعز وذل، وسعادة أو شقاء، والوسيلة هي تغيير "ما" بالنفوس، وكلمة "ما" تفيد هنا أيضا الاحاطة والشمول وتعني كل ما تحمله النفوس من عواطف وميول وأهواء وأفكار وأخلاق ونوايا، فالتغيير الحقيقي الذي يكون له أثر في التاريخ يبدأ من النفوس ويتناول كل ما يمثل فيها القوة الفعالة، ويعني ذلك شحن النفوس، بعد افراغها من كل ما هو فاسد، بالافكار والحقائق الجديدة، وهذا ما يقودنا الى الفكرة الحديثة، فكرة الضمير الجماعي أو الوعي الجماعي، كما عبر عن ذلك علماء الاجتماع في عصرنا وبالجملة، فالاية تحدد الوسيلة وهي اثارة وعي جديد في النفوس وتفترض وجود محرك أولي وهو الارادة الانسانية، وتلك هي الدعائم الكبرى التي قامت عليها الثورات الاصلاحية في التاريخ.
ويؤكد هذا الاتجاه التجديدي الثوري في القرآن ما نجده فيه آيات تحارب الجمود والتقليد وتدعو الى استعمال العقل والنقد الحر "واذا فعلوا فاحشة، قالوا وجدنا عليها آباءنا" (7/28)، "وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها: انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون" (43/23).
وكان لزاما على الاسلام أن يحارب التقليد والجمود لانه جاء لينسخ بالكلية كل العقائد القديمة فحارب عبادة الأوثان حتى انهاها من الجزيرة العربية قبل وفاة النبي.
وفكرة الصراع والكفاح التي ترتكز عليها اليوم كثير من الحركات السياسية والاجتماعية نجدها موضحة في القرءان كحقيقة تاريخية وانسانية لا مندوحة عنها لحياة البشر وتقدمهم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، أن الله لقوي عزيز". (22/40).
فالقرءان بهذا المعنى يؤمن بضرورة العمل المتواصل والكد والكفاح في سبيل نصرة الدعوة وتحقيقها، ولذلك فان كثيرا من المسلمين في الصدر الاول كانوا يرون أن التقاعد عن العمل في سبيل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اخلال بالواجب الديني، بل ان احدى الفرق الاسلامية الكبرى، وهم الخوارج، كان فيهم من يكفر القعديين، والقعديون ( بفتح القاف والعين وكسر الدال) هم الذين يتخلفون عن النضال في سبيل الفكرة ويؤثرون القعود في البيت.
ومن المفاهيم الثورية التي نجدها في القرءان تمييزه بين الاختيارات الرئيسية والجوهرية التي ترتكز عليها حياة الجماعة، والمسائل الهاشمية والسطحية كما هو واضح في هاته الاية التي ضرب فيها المثل للتفريق بين الحق والباطل: "فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض، كذلك يضرب الله الامثال".
ويعني كذلك مفهوم الثورة في عصرنا صورة جديدة للالفة والتضامن بين الناس، فهي خلق لمجتمع جديد نشأت فيه روابط قوية غير معهودة من قبل وتغلبت فيه عوامل التقارب والالتحام على عوامل التفرقة والانقسام، وتلك صورة يقدمها لنا القرءان في الاية: "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، أنه عزيز حكيم" (8/ 62).

هذه بعض الايات التي تبين: 
- ان القرءان يشتمل على كثير من المفاهيم النظرية عن الثورة وتحديداتها، كما أقرتها التجارب   التاريخية المختلفة قبل الاسلام وبعده الى عصرنا الحاضر.
- ان الاسلام كان يسعى منذ الاول الى هدف أهم وأوسع من الدعوة الروحية المجردة، وهو تحقيق انقلاب شامل وحاسم في تاريخ البشر.
وبالفعل، فقد استطاع الاسلام أن يطبق تلك المفاهيم الثورية النظرية التي ذكرنا البعض منها، فكان ثورة شاملة تناولت الجوانب المادية والروحية في الجماعة، وكان لها أبعد الاثر في حياة الفرد وفي حياة المجتمع على السواء، ونحن عندما نقول هذا، لا نندفع وراء أي عاطفة، ولا ننساق مع تيار المبالغة، وانما نعبر عن حقيقة تاريخية بألفاظ متواضعة ربما كانت لا تفي بالتعبير، وهذه الحقيقة يسلم بها طائفة من كبار المفكرين والعلماء الاجانب عن الاسلام، والذي لا يمكن، على أي حال، اتهامهم بالانقياد للهوى والتعصب.

فهذا فولتير فيلسوف القرن الثامن عشر بفرنسا يقول:
" لقد كان محمدا من دون شك، رجلا عظيما وكون على يده رجالا عظاما، وكان من الضروري أن يكون أما شهيدا أو فاتحا، ولم يكن هنالك أي موقف وسط بالنسبة اليه، وقد حالفه النصر دائما، وكانت انتصاراته انتصارات الفئة القليلة على الفئة الكثيرة.
وهو كفاتح وكمشروع ورئيس دولة وأمام ديني لعب في العالم أكبر دور يمكن أن يطمع اليه انسان في أعين الجماهير".

وهذا القائد العظيم نابوليون يقول:
"منذ بدر ونحن نرى محمدا كبطل، ورغم أن الانسان ما هو الا انسان، ففي مستطاعه أن يفعل الكثير، فقد يكون مشعلا وسط مواد قابلة للالتهاب....والذي يشهد بتفوق محمد هو أنه استطاع في ظرف عشر سنوات أن يفتح نصف العالم، وأن المسيحية تطلبت ثلاثمائة سنة لتركز نفسها في العالم".

وهذه شهادة الشاهر "لامارتين" :
" واذا كانت عظمة الاهداف وضآلة الوسائل وضخامة النتائج هي المقاييس الثلاثة لعبقرية الانسان،فمن يستطيع أن يقارن، من الوجهة البشرية، أي رجل عظيم من العصر الحديث بمحمد ؟
وأعظم الرجال لم يستطيعوا أن يحركوا الا الاسلحة، والقوانين، والامبراطوريات، ولم يؤسسوا – أن هم أسسوا شيئا – الا فوات مادية، تنهار أحيانا قبلهم، أما محمد، فقد حرك الاسلحة، والتشريعات، والامبراطوريات، والشعوب، والدول، وملايين البشر على ثلث المعمور، لكنه حرك، زيادة في ذلك، المعابد والالهة، والاديان، والافكار، والعقائد، والارواح، وعلى أساس كتاب أصبح فيه كل حرف قانونا، بنى قومية روحية تضم شعوبا من مختلف اللهجات والسلالات، وطبع هذه القومية الاسلامية بطابع لا يمحى وهو كراهية الالهة المزورة والتعلق بالاه واحد لا تدركه الحواس".
وآراء الكاتب الالماني الكبير "جوته" والمفكر الانجليزي المشهور "كارليل" في الموضوع معروفة ومتداولة بحيث لا تحتاج الى تقديم جديد، وهي تؤكد الشعور بالتقدير والاعجاب الذي رأيناه عند بعض المفكرين اللامعين بفرنسا ازاء حادث ظهور الاسلام.
هنالك ملاحظة عامة ربما أثيرت حول هذه الآراء وأصحابها، فهي تمثل وجهة نظر أناس عاشوا في القرن الثامن عشر أو في النصف الاول من القرن التاسع عشر أي في عهد كان علم التاريخ لا زال لم يستكمل كل أدواته ولم يتسلح بالوسائل والضمانات العلمية الكافية، ومنذ ذلك العهد خطت العلوم التاريخية خطوات جبارة وتقدمت المعارف الانسانية بسرعة خارقة، وظهرت نظريات وآراء جديدة، ورجعت جل الافكار التي كانت قارة في الضمائر، بحيث كان من الطبيعي أن تظهر آراء مناقضة لما رأيناه من قبل، وهذا ما راج بالفعل على يد بعض الاقلام المتسرعة من نوع "رينان" و "لامنس" لكن التيار العالمي الصحيح الذي تمتن وقوي بتكاثر الابحاث وتكاتف الجهود من جيل الى جيل، يقف اليوم موقف الاكبار والاعجاب أمام حادث ظهور الاسلام.
فهذا "مونتجومري وات" أحد الاساتذة البارزين بانجلترا ومؤلف عدة كتب عن حياة النبي شهد لها أكبر النقاد المعاصرين بالقيمة العلمية يقول في كتابه: "محمد، نبي ورجل دولة" :
"كلما امعنا النظر في سيرة محمد وتاريخ الصدر الاول للاسلام، ازداد تعجبنا من ضخامة المنجزات التي تم تحقيقها.
حقا ان الظروف قدمت له فرصة قلما تستح للغير، ولكن الرجل كان في مستوى الظروف بكل معنى الكلمة، فلو لم تتوفر لديه مواهب النبوة ورجل الدولة والقائد، ولو لم يضع من فوق هذه المواهب ثقته في الله وفي الرسالة التي بعثه من أجلها لما كتب فصل مهم من تاريخ الانسانية".
وهذا المؤرخ "جوتي" يقول في معرض حديثه عن دخول الاسلام الى بلاد المغرب:
" لقد حدثت ثورة عظيمة، فالبلاد قد تقوضت فيها تلك الحواجز التي تفصل بين الشرق والغرب، تلك الحواجز التي لم يمكن ازاحتها في أماكن أخرى، وان الثورتين الفرنسية والروسية لتظهران لنا ضئيلتين اذا نحن قارناهما بهاته الوثبة نحو المجهول".
E.F. Gautier le Passé de l’Afrique du Nord, p 233))
وهذا المؤرخ والمستشرق الكبير "برنارلويس" يقول في كتابه "العرب في التاريخ":
" ان موجات الفتح الكبرى التي تلت وفاة محمد واقامة الخلافة على رأس الامة الاسلامية الناشئة سطرت بحروف كبرى كلمة "عرب" على خريطة القارات الثلاث: آسيا، افريقيا، وأوربا، وجعلت منها عنوانا لفصل حاسم رغم قصره في تاريخ الفكر والاعمال البشرية"
ويقول في مكان آخر من نفس الكتاب:
"لقد أعطى محمد دفعة جديدة للقوات التي كانت كامنة من أجل الانبعاث الوطني ورغبة العرب
التوسع والانتشار، وجاء بعد النبي أشخاص آخرون ليتموا هذا العمل".
وما أكثر الشهادات من هذا النوع ! وقد أوردنا البعض منها بنصه لا رغبة في الاسهاب والتطويل، وانما ليتبين الاجماع الحاصل بين كبار العلماء والباحثين بأوربا عن هذا الموضوع، الا وهو ان الاسلام يمثل في التاريخ انقلابا ثوريا شاملا.
اذ حاولنا الان التعرف الى أبعاد هذه الثورة وجدناها ذات مستويات مختلفة، تظهر لاول وهلة وكأنها متناقضة، لكنها في الواقع متكاملة ومتصلة.
فهي ثورة قومية بالنسبة للعرب لانها ابرزتهم بعد الخمول وشرفتهم بعد الضعة، وماذا كان يمثل العرب قبل الاسلام في أعين الشعوب المجاورة لهم ؟ في أعين الروم، في أعين الفرس؟ تقريبا لا شيء: قبائل مشردة، فقيرة تكابد مشاكل العيش في أرض شحيحة، و يضطرها البؤس لحياة النجعة والصعلكة وللصوصية والاستجداء، الاسلام مكنهم من أن يتجاوزوا الحاجز القيلي ويخلقوا لنفسهم وحدة جديدة، ويظهروا في العالم، لاول مرة، بمظهر الامة المتوثية القوية التي لها ارادة وأهداف جماعية، وتلك حالة خاصة ونادرة في حياة الشعوب، واذا ما وقعت، فانها تكون مصدر طاقات خارقة ظلت كامنة مع الاحقاب وزادها الكمون كثافة وثقلا.
وقد استطاع العرب بفضل المعونة الجديدة التي اكتسبوها أن يدخلوا الى التاريخ من الباب الواسعة من الباب التي لا تفتح الا في اليوم الكبير، باب المجد والسؤدد، فغلبوا الدول العظيمة وانتشروا في آفاق الدنيا وأقاموا الدليل- وربما لاول مرة في التاريخ- على أن مجموعة من القبائل الفقيرة تستطيع، أن هي التحمت برباط الفكرة والعقيدة والايمان أن تكون شعبا كبيرا، شعبا متفوقا على الشعوب العريقة في العلم والحضارة.
لكن هذا الانتصار المادي والروحي اذا تدبرناه مليا، فانه لا يعني عرب القرن السابع الميلادي وحدهم بل هو يتعلق كذلك بالزمان السابق والزمان اللاحق ومعناه أوسع وأشمل، ولا يمكن فهمه الا اذا أدرج في تاريخ الانسانية منذ العهد القديم، نعم، انه انتصاره يحرك كوامن التاريخ القديمة، ويتجاوب مع أصداء العصور الغابرة المنسية، وذلك لانه يعيد النظر بصورة جدية وعميقة في الوضعية التي كان يعيش عليها شعوب الشرق الادنى منذ عدة القرون، انه يكتسي صبغة انتقام تاريخي، انتقام لكرامة تلك الشعوب وما عانته من ذل وهوان تحت وطأة الاستعمار الاجنبي، فكان محكمة التاريخ التي لا تنعقد الا في المهمات أصدرت حكمها يومئذ باندحار الاستعمار البيزنطي والروماني والفارسي وقررت أن يكون تحرير الشعوب المستعبدة على يد العرب.
ان انتصار العرب في القرن السابع يكون حلقة مهمة داخل الصراع الذي قام بين الشعوب السامية والآرية منذ الاحقاب الغابرة، ولقد كان نجم الشعوب السامية آفلا منذ زمان طويل، والى الوتبة الاسلامية الكبرى، لم تقم لتلك الشعوب قائمة تذكر منذ الهزيمة التي منى بها القائد القرطاجي الكبير "حنبعل" في معركة زاما (أواخر القرن الثالث قبل الميلاد)، وانمحت دولة قرطاج السامية من الوجود بعد أن كانت كوكبا ساطعا في سماء البحر المتوسط تملي على التاريخ فيكتب، ومنذ ذلك العهد خضعت الشعوب السامية في ذلة ومسكنة للغطرسة الرومانية والبيزنطية وللطغيان الفارسي، ولم يلفت منها الا العرب المعتصمون بصحرائهم، وربما كان في هذا البعض من سر الانفة والاياء التي اتصف بها العرب منذ جاهليتهم العريقة والتي تظهر بوضوح في مفاخرتهم الشعرية.
ومهما يكن، فان ظهور الاسلام أعاد لتلك  الشعوب وجودها بعد أن كادت تهضم في كيان الشعوب المتغلبة، وتتناسا شخصيتها وثقافتها الاصلية، واذا كان في التاريخ عبرة، ففي هذا الذي نذكر الان عبرة وأي عبرة، اذ نرى القصة تتكرر في عصرنا فتنقض الدول الاوربية القوية على شعوب الشرق الادنى المستضعفة وتستعبدها بالوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ورغم تحرر تلك الاقطار الشرقية لان، فلا زالت لم تسترجع كامل ثقتها بنفسها ولم تتخلص من المركبات والعثرات، وذلك لانها لم تجد بعد القوة المعنوية الدافعة التي تسلحت بها حين ظهور الاسلام.
ومن جهة أخرى، فان حادث ظهور الاسلام ترتب عنه مراجعة عميقة للأوضاع الاقتصادية في العالم، ولا أشير هنا الى الثروات الضخمة التي تجمعت في يد المسلمين ولا الى الازدهار الاقتصادي الذي عرفته ضفاف الراقدين والنيل وربوع الشام وديار المغرب والاندلس، وانما أشير الى التأثيرات الاقتصادية التي نجمت عن ظهور الاسلام في بلاد أوربا وبلاد الشرق الاقصى، وهذا موضوع بالغ الاهمية عالجه المؤرخ الكبير المعاصر "جاك بيربن" Jacques Pirenne  في كتاب كان له صدى كبير في الاوساط العلمية، وسأكتفي هنا بتلخيص فكرته في فترة قصيرة.
فهو يجعل نظريته في هاته العبارات:
"لقد ترتب عن الفتوح الاسلامية تجديد حقيقي للاقتصاد العالمي، وبفضل السلم الذي ساد في البحر المتوسط وفي آسيا الصغرى، فقد نشطت المبادلات الدولية وتضاعفت بنسبة عظيمة تبعا لوحدة العالم الاسلامي الممتد من قرطبة الى الهند.
أما بيزنطة، فقد عرفت هي أيضا الازدهار، بما فتحته لنفسها من طرق تجاه الشمال، وفي نفس الوقت، بلغت الصين منتهى اشعاعها، وفي أوائل القرن الثامن الميلادي كانت آسيا كلها داخلة في حكم الإمبراطوريتين الاسلامية والصينية، في حين كان الاقتصاد الأوربي كله متجها نحو الإمبراطورية البيزنطية، وكانت المبادلات كثيرة ومستقرة بين هاته الامبراطوريات الثلاث، وساد الشعور بأن عهد من الاستقرار سينفتح في تاريخ العالم ( 1)".
"وبيرين" الذي ليس مسلما ولا متعصبا للاسلام يتأسف، بالطبع، لبعض النتائج التي ترتبت عن ظهور الاسلام، ومن جملة ذلك أسفه لضياع الوحدة المتوسطية التي تحققت في عهد الرومان، اذ كان هؤلاء يسمون البحر المتوسط "بحرنا" وضياع هذه الوحدة معناه تقسيم العالم الى قوى متطاحنة.
والواقع أن هذه الوحدة "لو تحققت، ما كانت الا صورة مقنعة لسيطرة دولة واحدة على سائر الشعوب، فنظرا لروح العصر وتقاليده، فلم يكن من الممكن أن تتحقق في دائرة التآخي والمساواة بين الاجناس والشعوب، ولذلك، فان الاسلام جاء كثورة ضد الامبريالية البيزنطية الرومانية والامبريالية الساسانية، ووضع حدا للاستغلال الاقتصادي التي كانت تعانيه عدد  من الامم، والانقسام الذي حدث في البحر المتوسط رد لتلك الشعوب كيانها وشخصيتها، ولم يمنع التبادل الاقتصادي بين أوربا وبلاد الشرق الادنى والشرق الاقصى، فقد كانت أعظم الطرق التجارية العالمية في العصر الوسيط تمر بالضرورة من بلاد الشرق الاوسط أي من العالم الاسلامي.
وأكبر دليل على ذلك هذه الشهادة الفردية التي يقدمها لنا عميد الجغرافيين العرب: أبو القاسم عبيد الله ابن خرذاذ به عن التجار اليهود الذين كانوا يذهبون من جنوب فرنسا الى الشرق الاقصى:
"هذا مسلك التجار اليهود الرذاتية (2 ) الذين يتكلمون بالعربية والفارسية والرومانية والافرنجية والاندلسية والصقلية، انهم يسافرون من المشرق الى المغرب ومن المغرب الى المشرق برا وبحرا يجلبون من المغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز ( 3) والفراء والسمور ( 4) والسيوف ويركبون من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بالفرما (5) ويحملون تجارتهم على الظهر ( 6) الى القلزم (7) وبينهما 25 فرسخا، ثم يركبون البحر الشرقي من القلزم الى الجار ( 8) ثم يمضون الى السند والهند والصين، فيحملون من الصين المسك، والعود والكافور والدار صيني ( 9) وغير ذلك مما يحمل من تلك النواحي حتى يرجعوا الى القلزم، فربما عدلوا بتجاراتهم الى القسطنطينية فباعوها من الروم، وربما ساروا بها الى ملك فرنجة فيبيعونها هناك، وان شاءوا حملوا تجارتهم من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بأنطاكية ويسيرون على الارض ثلاث مراحل الى الجابية، ثم يركبون في الفرات الى بغداد، ثم يركبون في دجلة الى الابلة ومن الابلة الى عمان والسند والهند والصين كل ذلك متصل بعضه ببعض"، (المالك والممالك).
هذا الدور الذي استطاع أن يلعبه العالم الاسلامي كوحدة متماسكة، دور الوصل بين الشرق الاقصى وأوربا، هو الذي مكنه من التوفر على قوة اقتصادية هائلة في العصر الوسيط، وبالتالي على حفظ نوع من التوازن الاقتصادي بين مختلف الشعوب في تلك العصور.
كان للثورة الاسلامية، اذن جانب سياسي واقتصادي في النطاق القومي والعالمي، ولكن كان لها، أيضا، جانب اجتماعي وأخلاقي وانساني هو الذي سنعرض له من بعد.

1)هذه الفقرة ترجمناها عن كتاب:  J. Pirenne : Les grands courants de l’histoire universelle, T.2 p, 54-
2) - لعلها من كلمة "رهدان" الفارسية التي معناها الخبير بالطريق. 
3) - حيوان يتخذ من جلده الفرو. 
4) - هو أيضا حيوان يمتاز بفروه. 
5) - مدينة وميناء بمصر قرب العريش. 
6) - أي على الارض. 
7) - القلزم مدينة صغيرة على البحر الاحمر وقد انقرضت اليوم.  
8) - ميناء على البحر الاحمر بجزيرة العرب. 
9) - شجر هندي يشبه الرمان.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here