islamaumaroc

مباحث في القرآن

  دعوة الحق

105 العدد

اعلم_ علمت خيرا ووقيت ضيرا – أن مباحث القرآن وعلومه وفوائده، وجواهره، وأسراره لا تعد ولا تحصى، وليست خاصة بزمان دون زمان، ففي كل زمان يظهر منها شيء كان خافيا من قبل كما قال للشاعر:
   يزيدك وجهه حسنا             اذا ما زدته نظرا
بل كما قال الله تعالى في آخر سورة فصلت (53 سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) 
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزلا من عند الله على رسول الله (ص) بدلائل خارجية في الآفاق من الفتوحات وظهور الاسلام على الاقاليم، وسائر الاديان، قال مجاهد والحسن والسدى: دلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر، وفتح مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم نصر الله فيها محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه وخذل فيها الباطل وحزبه.
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك، ما الانسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والاخلاط، والهيآت العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك تعالى، وكذلك ما هو مجبول عليه من الاخلاق المتباينة من حسن وقبح وغير ذلك، وما هو متصرف فيه تحت الاقدار التي لا يقدر بحوله وقوته وحيله وحذره أن يجوزها ولا يتعداها، كما انشد ابن أبي الدنيا في (التفكر والاعتبار) عن شيخه أبي جعفر القرشي حيث قال، وأحسن المقال:
 واذا نظرت تريـد معـتـبـرا  
                              فانظر اليك ففيك معتبر
انت الذي تمشي وتصبح في الـ
                               ـدنيا وكل أموره عبر
انت المصرف كان في صـغـر
                               ثم استقل بشخصك الكبر
انت الذي تنعاه خـلـقـته
                          ينعاه منه الشعر والبشر
انت الذي تعطي وتسلب لا
                          ينجيه من أن يسلب الحذر
انت الذي لا شيء مـنه له
                          وأحق منه بماله القدر      اهـ
قال محمد تقي الدين: اقتصر من ذلك على مثال واحد اذا تأملته حق التأمل ازددت يقينا بما ذكرته آنفا، وذكره غيري من الباحثين من أن عجائب القرآن لا تنقضي قال تعالى في سورة الواقعـــــة (71-74 أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها، أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين، فسبح باسم ربك العظيم).
قال التنوجي في تفسيره: (أفرأيتم النار التي تورون) أي أخبروني عنها، ومعنى تورون تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب، يقال: أو ريت النار اذا قدحتها، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الاعلى الزند والسفلى الزندة، شبهوهما بالنحل والطروقة (أأنتم أنشأتم شجرتها) التي تكون منها الزنود، وهي  المرخ والعفار تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وزاد الجلال المحلي: الكلخ، نقل سليمان الجمل عن شيخه أنه قال: ولم نجده في القاموس ولا في المختار، غير أنه أخبر بعض أهل المغرب والشام بأنه موجود معروف عندهم شبيه بالقصب، تؤخذ منه قطعتان، وتضرب احداهما بالاخرى فتخرج النار.   
وقوله (أم نحن المنشئون) لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الانشاء: الخلق، وعبر عنه بالانشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة (نحن جعلناها) أي النار التي في الدنيا (تذكرة) لنار جهنم الكبرى حيث علقنا بها أسباب المعاش، وعممنا بالحاجة اليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون اليها، ويذكرون ما أوعدوا به.   
قال مجاهد  وقتادة: تبصرة للناس في الظلام، وقال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن، وقال ابن عباس تذكرة للنار الكبرى، عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من جهنم، قالوا: والله ان كانت لكافية يا رسول الله ؟ قال: فانما فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها، أخرجه البخاري ومسلم.
وقوله (ومتاعا للمقوين) أي للمسافرين، قاله ابن عباس، يعني منفعة للذين ينزلون بالقواء، وهي الارض القفر، كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الاراضي المقفرة، يقال: أرض قواء بالمد والقصر، أي مقفرة، ويقال: أقوى اذا سافر، أي نزل القوى، وخصوا بالذكر، لان منفعتهم بها أكثر من المقيمين، فانهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع، ويهتدي الضال الى غير ذلك من المنافع.
وقال مجاهد: المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، وتذكر نار جهنم، وقال ابن زيد: للجائعين في اصلاح طعامهم، يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئا، وبات فلان القوي، أي جائعا.
وقال قطرب: القوى من الاضداد، يكون بمعنى الفقر، ويكون بمعنى الغنى، يقال: أقوى الرجل اذا لم يكن معه زاد، وأقوى اذا قويت دوابه، وكثر ماله، والمعنى جعلناها متاعا ومنفعة للاغبياء والفقراء، لا غنى لاحد عنها، وقال المهدوي: الاية تصلح للجميع، لان النار يحتاج اليها المسافر والمقيم، والغني والفقير وحكى الثعلبي عن أكثر المفسرين القول الاول، وهو الظاهر. اهـ   

انتفاع المسافرين بالنار في هذا الزمان
قد رأيت في كلام آئمة التفسير أن المقوين هم المسافرون، وأن الله جعل لهم النار متاعا يستمتعون بها في أسفارهم، ورأيت ما ذكره المفسرون في استمتاعهم بها، وقد ظهرت في هذا الزمان أنواع من الاستمتاع بالنار للمسافرين لم تكن تخطر بالبال، فمنها القطر، جمع قطار، وهي سفن البر التي تسير ليل نهار في جميع أنحاء المعمور، منها السريع والمتوسط والبطيء، تحمل المسافرين وأمتعتهم بالغة ما بلغت في النقل، وتحمل البضائع من قطر الى قطر، ومن صقع الى صقع، وتحمل الاطعمة لكثير من القري والمحطات التي لا تعيش الا على ما تحمله القطر اليها، فهذا النوع من المتاع للمسافرين أولا، وللمقيمين ثانيا قوامه النار، فهي التي تسير القطر، وتضيئها وتطبخ أطعمتها، وتدفئ أهلها، وهي على أنواع غير ما تقدم فمنها التي تسير تحت الارض في أنفاق طويلة مشتبكة، ينزل اليها أحيانا عشرين درجة وأكثر، وتكون في طبقات تحت الارض، قطر في الطبقة المباشرة لوجه الارض، وهناك طبقة تحتها تسير فيها قطر أخرى، وهناك طبقة ثالثة، كما يعلم ذلك من أقام في برلين وباريس ولندن، وهناك نوع من القطر يسير على قضبان ممدودة على أعمدة في سماء المدينة كلها في ارتفاع يحاذي الطبقة الخامسة والسادسة من البيوت، حتى أن الانسان اذا كان راكبا فيها يرى السيارات على وجه الارض كأنها حشرات، كما في مدينة برلين.
ومنها القطر التي ترفع المسافرين وأمتعتهم، والبضائع والاغذية الى الفنادق المبنية على قمم الجبال المرتفعة العالية آلاف الامتار، كما في سويسرا والنمسا وغيرهما، وهذه القطر تسير بالكهرباء، ولها أعمدة حديدية يلتصق بها القطار، فيرتفع في الهواء فوق غابات جبلية يندر أن يصل اليها الناس بأقدامهم أو على الدواب، ولا يشاهدون ما فيها من الوحوش والاشجار الا اذا كانوا راكبين في تلك القطر وهي صاعدة بهم.
وسكان تلك الفنادق متوقفون في معيشتهم على تلك القطر، لا يصل اليهم من الارض الا ما حملته، وهم يعيشون في تلك الفنادق عيشة راضية، لا ينقصهم شيء مما يوجد في المدينة أسفل منهم ومحطات هذه القطر تعلو عن وجه الارض بمقدار مائة درجة، ومنها ينبعث القطار صاعدا في الجو، وله منظر عجيب.
ومنها البواخر الجواري في البحر كالاعلام، أي كالجبال، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الشورى بقوله جل من قائل (32-35 ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام، ان يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره، ان في ذلك الآيات لكل صبار شكور، أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير، ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص).
قال القاسمي في تفسير هذه اٍلآيات: (ومن آياته الجواري) أي السفن الجارية (في البحر كالاعلام) أي الجبال (ان يشأ يسكن الرياح، فيظللن رواكد على ظهره) أي فيبقين ثوابت على ظهر البحر (ان في ذلك) أي في جري هذه الجواري في البحر بتسخير الله تعالى الريح لجريها (لآيات) أي لعبرة وعظة وحجة بينة على القدرة الازلية (لكل صبار شكور) أي لكل مؤمن، وانما آثر المذكورين تذكيرا بما ينبغي ان يكون المؤمن عليه من وفرة الصبر، وكثرة الشكر، اذ لا يكمل الايمان بدونهما، والايمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر. اهـ.
وفي الزمان السابق كانت السفن صغارا لا تشبه بالجبال الا على ضرب من التجوز والتسامح، أما في زماننا هذا، فقد صنعت سفن كالسفينة الانكليزية المسماة (كون ميري) أي المملكة مارية، وحمولتها ثمانون ألف طن، وسمعت أن اليابانيين صنعوا سفينة من ناقلات الزيت حمولتها مائتا ألف طن، فهذه السفن شبيهات بالجبال يستمتع المسافرون فيها بالنار أنواعا من المتاع، فالنار هي التي تحملهم وتسيرهم، وتجعل سفينتهم في الليل الحالك قطعة من النور، وفيها مطاعمهم، ودور اللهو، كالمسارح، ودور الصور المتحركة (سينما) والمسابح، وآلات النقل للاثقال من الارض الى الباخرة، ومن الباخرة الى الارض في المراسي وفي عرض البحر، كل ذلك استمتاع بالنار.
ومنها الطائرات بجميع أنواعها، فانها تسير بالنار، والمسافرون فيها يستمتعون بسبب النار انواعا من الاستمتاع، لولا وجود النار ما قدورا على شيء الفضائية التي تخرق الغلاف الجوي للارض، كانها السهام المنبعثة من القسي، أو الرصاص المنبعث من البنادق، فتشق ذلك السقف المحفوظ، وتخرج الى الفضاء الخالي، فتجول فيه دائرة حول الارض أياما وليالي كثيرة، لان يومها وليلتها لا يزيدان على ساعة ونصف، ثم ترجع الى الارض التي منها خلقت، وفيها صنعت باذن العليم الحكيم.
وأما قوله تعالى في سورة الرحمن (33_35 يا معشر الجن والانس، ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السموات والارض، فانقدوا، لا تنقذون الا بسلطان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران).
قال البيضاوي: ان قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والارض، هاربين من الله، فأرين من قضائه (فأنقذوا) فأخرجوا (لا تنفذون) لا تقدرون على النفوذ (الا بسلطان) الا بقوة وقهر، وأتى لكم ذلك، أو أن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السموات والارض، فانقدوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا تعلمون الا ببينة نصبها الله تعالى فتعرجون بأفكاركم عليها (فبأي آلاء ربكما تكذبان) أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة، أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية، فتنفذون بها الى ما فوق السموات العلى، (يرسل عليكما شواظ) لهب (من نار ونحاس) ودخان قال:
  تضيء كضوء سراج السليـ
                           ـط لم يجعل الله فيه نحاسا          
أو صفر مذاب يصب على رؤوسهم (فلا تنتصران) فلا تمتنعان (فبأي آلاه ربكما تكذبان) فان التهديد لطف، والتمييز بين المطبع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء انتهى.
قوله (تضيء كضوء سراج السليط) السليط: هو الزيت، والنحاس: الدخان، واذ لم يجيء في هذه الآيات تفسير عن النبي (ص)، وقد اختلف المفسرون فيها، فلا حرج علينا أن نفسرها بما يوافق لغة العرب، وواقع علم الهيئة، ففيها تحد للجن والانس أنهم مكبلون بقدرة الله في هذه الارض، لا يستطيعون ان يخرجوا عن قضاء الله، وما لهم مهرب ولا محيص، فان الله ربط حياتهم وسلامتهم بهذا الغلاف الجوي، لا يستطيعون اختراقه والخروج عنه الا بقوة من الله تعالى يمنحهم أياها متى شاء على القدر الذي يريده.
أما الارض فقد سخرها لهم وجعلها واسعة مذللة، واذن لهم أن يمشوا في مناكبها، ويأكلون من رزقه في جميع أرجائها، برها وبحرها، لا حجر عليهم، أما الخروج عنها فلا يمكنهم الا بالقدر الذي يريده الله ويشاؤه، وبالسلطان الذي يمنحهم، مع بقائهم مرتبطين بالارض، منها يتزودون، غذاء وهواء وأخبارا واليها يرجعون اضطرارا.
فكل سفينة تسعى لاختراق هذا الجو المحيط بالارض الذي هو جو الحياة المحفوظ من الآفات السماوية، من الشهب والنيازك والاشعاع القاتل تعرض نفسها للاحتراق بالنار والنحاس، فان شاء الله منحها سلطانا تتغلب به وتنتصر على الشواظ من النار والنحاس، وان لم يشأ احترقت وتلاشت، فسبحان العزيز العليم.
يزيد هذا وضوحا قوله تعالى في سورة الانعام (125 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، كأنما يصعد في السماء).                     
قال القاسمي في تفسيره هذه الآية (فمن يرد الله أن يهديه) أي للتوحيد (يشرح) أي بوسع (صدره للاسلام) بتصقيله بنور الهداية، فيقبل نور الحق كما قال تعالى (ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم).
روى عبد الرزاق أن النبي (ص) سئل عن هذه الآية كيف يشرح صدره ؟ قال: نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح، قالوا: فهل لذلك من امارات يعرف بها ؟ قال: الإنابة الى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، قال ابن كثير: وللحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا، (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) أي شديد الضيق فلا يتسع للاعتقادات الصائبة في الله، والامور الاخروية. 
وقوله (كأنما يصعد في السماء) أي يتكلف الصعود في جهة السماء، وطبعه يهبط الى الارض، فشبه للمبالغة في ضيق صدره بمن يزاول أمرا غير ممكن، لان صعود السماء مثل فيما يمتنع ويسعد من الاستاطاعة، وتضيق عنه المقدرة. اهـ.
وليس مقصودي بهذه الاشارة أن استوعب ما ظهر من الآيات في الآفاق للعلماء والباحثين، فقد ألف في ذلك الامام السلفي خاتمة المحققين، وسيف الله المصلت على المبتدعين السيد محمد شكري الآلوسي البغدادي جزءا لطيفا سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) ولم يتعرض رحمه الله للآيات التي ذكرتها من سورة الواقعة والرحمن والانعام، فاكتفى بهذا القدر الذي سقته على سبيل التنبيه.

فضائل القرآن وشرطها
اعلم ان القرآن حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وعز لا ذل معه، وسعادة لا يخالطها ولا يعقبها شقاء، وقوة أبدية، ونصر سرمدي، وفضائله لا تعد ولا تحصى، ولكن لادراكها شروط لا تنال بدونها البتة، وهذه الشروط مبينة في كتاب وفي بيانه، وهو السنة ولو أردت أن استوعب ما وصل اليه علمي القاصر من هذه الفضائل المشروطة لطال الكلام حتى يبلغ مجلدات، لذلك اقتصر على ذكر شيء من ذلك، وفي بعضه كفاية، فمن آيات الكتاب العزيز:
 1- قوله تعالى في سورة النساء (174-175 يا أيها الناس قد جاءهم برهان من ربكم، وأنزلنا اليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم اليه صراطا مستقيما).
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى مخاطبا لجميع الناس، ومخيرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال (وأنزلنا اليكم نورا مبينا) أي ضياء واضحا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن، (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا) أي جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم، قال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير.
وقوله تعالى (فيدخلهم في رحمة منه وفضل) أي يرحمهم فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابا ومضاعفة، ورفعا في درجاتهم من فضله عليهم، واحسانه اليهم (ويهديهم اليه صراطا مستقيما) أي طريقا واضحا
قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي الى روضات الجنات. اهـ.
2- قال تعالى في سورة المائدة (16 يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه، ويهديهم الى صراط مستقيم). 
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق الى جميع أهل الارض، عريهم وعجمهم، أميهم وكاتبهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل فقال تعالى (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب، ويعفو عن كثير) أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة في بيانه.
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب لقوله (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب) فكان الرجم مما أخفوه، ثم قال صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم فقال: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) أي طرق النجاة والسلامة، ومناهج الاستقامة (ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه، ويهديهم الى صراط مستقيم) أي ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الامور وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم الى أقوم حالة. اهـ.
فقهم من آيتي النساء وآية المائدة أمورا الاول أن القرآن نور وبرهان من الله تعالى، أما كونه نورا، فانه يخرج كل أمة آمنت به، وعملت بمقتضاه، واتخذته إماما وحكما من ظلمات الشقاء المادي والروحي الى نور السعادة الكبرى، حتى تكون أسعد الامم في حياتها من جميع الوجوه، ولا تكاد تساويها في ذلك أمة أخرى من الامم المخالفة، وذلك بعينه هو ما حدث للعرب الذين استضاءوا بنور القرآن، ولكل أمة استضاءت به بعدهم.
وأما كونه برهانا، فانه حجة من الله تعالى على خلقه جميعا، فأي جماعة استمسكت به ظهرت وانتصرت وفازت وعلت، وبذلك تتم الحجة على غيرها من الامم التي سلكت غير مسلكها.
وقوله سبحانه (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به، فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم اليه صراطا مستقيما) دليل على أن الايمان بالله، و الاعتصام بالقرآن كما قال ابن جريج شرط في الاستضاءة بذلك النور، والخروج من ظلمات الشقاء، فمن اعتل ايمانه بالله، ولم يعتصم بالقرآن، فلا عمل به ولا اتخذه اماما وحكما، لا يستضيء بنوره، ولا يخرج من ظلمات شقائه، والرحمة هنا هي السعادة الدنيوية والأخروية جميعا، أي سعادة البدن والروح والعاجل والآجل، والفضل هو زيادة الاكرام والانعام لمتبعي ذلك النور فوق ما يخطر ببالهم حتى يدهشوا ويتحيروا ويغتبطوا.
وقوله سبحانه (ويهديهم اليه صراطا مستقيما) أي يديم عليهم نعمته، ويسلك بهم طريق السعادة، وهذا الصراط هو المعبر عنه في آية المائدة بـ (سبل السلام).
الثاني في آية المائدة خطاب لاهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وحث لهم على الايمان بخاتم النبيين رسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يبين لهم كثيرا مما أخفوه من كتبهم كآية الرجم، ويعفو عن كثير مما لا تدعو الضرورة الى بيانه فيتركه مستورا.
الثالث أن الله سبحانه أخبرهم بأنه قد جاءهم منه نور وبرهان كما جاء الى غيرهم، وهذا النور والبرهان هو كتاب الله القرآن، فالعطف عطف تفسير كما في قول الشاعر:
    الا حبذا هند وأرض بها هند
                         وهند أتى من دونها النأي والبعد
فنأي هو البعد، وقال عنترة:
    حييت من طلل تقادم عهده
                         أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فالاقواء هو الاقفار، وقال عدي بن زيد:    
فقددت الاديم لراهشيه
               وألفى قولها كذبها ومينا
والمين هو الكذب، ومثله قوله تعالى في سورة البقرة (53 واذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) فالفرقان هو الكتاب.
واخبر سبحانه انه يهدي بذلك الكتاب المبين من ابتع رضوانه، و (من) من ألفاظ العموم تصدق على الواحد والجماعة، فكل من اتبع رضوان الله، بأن عمل بما في كتابه، واستساء بنوره، واتخذ اماما وحكما، وتخلق بما فيه من الاخلاق يهديه الله سبل السلام، أي طرق السلامة في الدنيا والآخرة، فلا يسلك سبيلا الا صحبته السلامة، ويخرجهم أي المستضيئين بنور القرآن من الظلمات الى النور، وظلمات الحياة كثيرة، والنور هو زوالها، فلذلك أفرد (باذنه) أي بتوفيقه وارادته، ويهديهم في جميع أعمالهم الى صراط مستقيم، وهو الاعتدال في أعمالهم وأحكامهم بلا افراط ولا تفريط لتمسكهم بالقرآن الذي هو الميزان، كما سيأتي في حديث الحارث الاعور عن علي بن أبي طالب مرفوعا (ومن دعا اليه هدي الى صراط مستقيم).
3- وقال تعالى في سورة الاعراف (2-3 كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين، اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء).
قال الخازن: (كتاب انزل اليك) يعني هذا كتاب انزله الله اليك يا محمد، وهو القرآن (فلا يكن في صدرك حرج منه) يعني فلا يضيق صدرك بالابلاغ وتأدية ما أرسلت به الى الناس، اهـ،(لتنذر به) أي بالقرآن جميع الناس تخوفهم من عذاب الله في العاجل والآجل اذا أعرضوا عنه، ولم يتبعوه (وذكرى للمؤمنين) أي لتذكر وتعظ به المؤمنين، فانهم المنتفعون بالموعظة والذكرى.
ثم قال تعالى مخاطبا جميع الناس (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم) وهو هذا القرآن، (ولا تتبعوا من دونه أولياء) من شياطين الانس والجن، توالونهم على خلاف القرآن، والمومنون المنتفعون بالقرآن هم الموصوفون في أول السورة التي تلي هذه، وهي سورة الانفال (2 – 4 انما المومنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا، وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنين حقا، لهم درجات عند ربهم ومعفرة ورزق كريم) عبر سبحانه وتعالى بـ (انما) التي هي للحصر وأكد هذا الحصر في آخر الآيات بقوله (أولئك هم المومنون حقا) وقد تضمنت هذه الآيات خمس صفات لا يتم الايمان بدونها، الاولى وجل القلب، أي خوفه عند ذكر الله، الثانية زيادة الايمان عند سماع آيات الله تتلى، الثالثة: التوكل على الله والاعتماد عليه وحده لا شريك له في جلب المنافع ودفع المضار، والثقة بوعده.
الرابعة: اقامة الصلاة، أي أداؤها قائمة كاملة تامة بالمحافظة على أوقاتها وطهارتها وجماعتها وأركانها وآدابها، والخشوع فيها، وكونها مطابقة لصلاة رسول الله (ص) لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث مالك بن الحويرث الطويل (وصلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري.
الخامسة: انفاق المؤمن مما رزقه الله، زكاة وغيرها، والمتصفون بهذه الصفات يعلى الله درجاتهم في الدنيا والآخرة، وينصرهم في الدنيا والآخرة، ولهم رزق كريم في الدنيا والآخرة، وهم المتبعون للقرآن السعداء به، واقتصر على هذا القدر من آيات كتاب الله العزيز، لان المقام لا يتسع لاكثر منها وفيها غنية وكفاية.

الاحاديث النبوية في هذا المعنى
1- عن النواس بن سمعان قال: سمعت النبي (ص) يقول: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما، رواه مسلم.
الظلة والغمامة: ما أظل الانسان فوق رأسه كالسحاب ونحوه، والفرقان تثنية فرق بالكسر، وهو السرب من الطير، والشرق: الضوء والنور، وتحاجان عن صاحبهما: أي تشفعان له، والشاهد في قوله (وأهله الذين كانوا يعملون به) فيه أن أهل القرآن حقا هم الذين يقرؤونه ويعملون به، أما الذين يقرؤونه ولا يعملون به فليسوا بأهله، ولا ينالون هذا الفضل.
2- عن الحارث الاعور قال: مررت في المسجد، فاذا الناس يخوضون في الاحاديث، فدخلت على علي فأخبرته فقال: أوقد فعلوها ؟ قلت نعم، قال: أما اني سمعت رسول الله (ص) يقول: الا انها ستكون فتنة، قلت: ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدهم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الاهواء، ولا تلتبس به الالسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن اذ سمعته حتى قالوا (انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فآمنا به) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا اليه هدي الى صراط مستقيم، رواه الدرامي والترمذي وقال: هذا حديث اسناده مجهول، وفي الحارث مقال.
ليس لهذا الحديث اسناد صحيح، ولكن معناه صحيح، ولكن معناه صحيح، ولذلك رواه المنذري في الترغيب والترهيب والبغوي في المصابيح، وابن كثير في التفسير، والأحاديث التي كانوا يخوضون فيها وشغلتهم عن القرآن هي القصص والاخبار، والحكايات التي لا طائل تحتها، والمساجد انما بنيت للصلاة وذكر الله، وخير الكلام كلام الله، وبه ينبغي أن تعمر المساجد، لا بالرأي والاباطيل، قال الشعبي رحمه الله: والله لقد بغض الى أهل الرأي المسجد، حتى لهو أبغض الي من كناسة بيتي.
وقوله (أو قد فعلوها) انكار عليهم، والضمير عائد على الفعلة الشنيعة، وقد صح عن النبي (ص) مجيء الفتن بعد زمانه عليه الصلاة والسلام، ولا شك ان من تمسك بكتاب الله وسنة رسوله التي هي بيانه عصمه الله من الفتن في كل زمان ومكان، وفي زماننا هذا فتن عظيمة، ولا مخرج منها للدول والشعوب وآحاد الناس الا باتباع القرآن اتباعا حقيقيا، والعمل به، وتحكيمه، ورفع رأيته.
وقوله (نبأ ما قبلكم) أخبار الامم السابقة، وما أصابها من العذاب، باعراضها عن كتب الله ورسل الله (وخير ما بعدكم) من سوء عواقب الظالمين والفاسقين عن أمر الله، والمتعدين لحدود الله، وأشراط الساعة، فمن تمسك به هداه الله دائما سبل السلام كما تقدم في آية المائدة ( وحكم ما بينكم) الاحكام الشرعية التي تحتاج اليها الامة الى يوم القيامة.
وقوله (هو الفصل) أي الفاصل بين الحق والباطل، وليس فيه شيء من الهزل، بل هو جد كله (من تركه من جبار قصمه الله) أي من ترك القرآن من الجبارين القاهرين لخلق الله المتعالين عن حكم الله قصمه الله أي أهلكه (ومن ابتغى الهدى) أي طلب الحق والرشاد والعدل في غير القرآن مما يضاد القرآن ويناقضه (أضله الله) أي أخرجه عن سبل السلام وأوقعه في سبل الهلاك.
وقوله (وهو حبل الله المتين) قال الحافظ ابن كثير عن أبي جعفر الطبري بسنده الى أبي سعيد قال: قال رسول الله (ص): كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء الى الارض، وروي ابن مردويه بسنده الى عبد الله قال: قال رسول الله (ص): أن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، وروى عن حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. اهـ.
فمن تمسك بالقرآن كما تمسك به أصحاب رسول الله (ص) والصالحون من بعدهم من جماعات وآحاد أوصله الى السعادة الابدية، ومن اعرض عنه، فان له معيشة ضنكا، أي ضيقة نكدة في هذه الدنيا، ويحشره الله يوم القيامة أعمى، لانه كان في الدنيا أعمى لا يستضيء بنور القرآن، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، فكل ما أصاب المنتمين الى الاسلام في هذا الزمان هو بسبب اعارضهم عن القرآن، ومن شك فليجرب، وكيف يشك عاتل في ذلك، وهذا تاريخ المسلمين أمامنا، كأننا ننظر اليه بأعيننا مطابق لهذا الوعيد كل المطابقة، وقد اعترف بهذا الموافق والمخالف، حتى الملحدون أعداء الدين اعترفوا بأن القرآن هو الذي نفخ في اتباعه روح الحياة، وبعثهم على اقتباس المدنيات وعلوم الحضارة كما قرره جوزيف مالك كيب، ونقله عن كبار الفلاسفة الملحدين في كتابه (مدنية العرب في الاندلس) في غير ما موضع، ويحتمل أن يكون الحبل بمعنى العهد في قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا) ومن أعرض عن القرآن فقد نقض عهد الله، فالمعنيان متلازمان.
قوله (لا تزيغ به الاهواء) يعني أن من كان هواه تبعا للقرآن، يحيي ما أحي القرآن، ويميت ما أمات القرآن، ويثبت ما أثبته القرآن، وينفي ما نفاه القرآن ويرفع ما رفعه القرآن، ويخفض ما خفضه القرآن، ويدور معه كيفما دار، فهو سعيد موفق منصور مهند، لان القرآن هو الصراط المستقيم، فمن خرج عنه وقع في الزيغ والهلاك، ويشابه هذا المعنى حديث الاربعين قال النووي: عن أبي محمد عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: قال رسول الله (ص): لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة باسناد صحيح.
ومصداقه في كتاب الله عز وجل قوله تعالى في سورة النساء (65 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فلا تصح دعوى الايمان، ولا تدرك ثمرته، وهي السعادة الا برد كل نزاع الى كتاب الله وسنة رسوله، والرضا بما يصدر عنهما من حكم، مع التسليم والاذعان والمحبة.
وقوله (ولا تلتبس به الالسنة) لان الله يسر تلاوته وتدبره على العربي والعجم، ولذلك تجد المجودين والمتضلعين في علوم القرآن من الشعوب الاعجمية أكثر مما تجدهم من العرب، وفي هذه الأيام جرت مباراة في (مالزية) بالشرق الاقصى في تجويد القرآن، وحسن تلاوته، اشترك فيها أربعة عشر قطرا، رجالا ونساء، ففاز بالجائزة الاولى قراء مالزية وقارئاتها، وفاز بالجائزة الثانية قراء اندونيسيا وقارئاتها، صدق الله العظيم (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر).
(ولا يشبع منه العلماء) لان فوائده لا نهاية لها، فمن شبع منه فهو من الجاهلين، وللاستاذ محمد مارماديوك بكثول الانكليزي النسب رحمه الله في مقدمة تفسيره للقرآن بالانكليزية كلام حسن في هذا المعنى، وليس تحت يدي الآن نسخة منه لانقله، وكذلك الاستاذ الفرنسي خير الدين زينه في تفسيره للقرآن بالفرنسية رحمه الله.
(ولا يخلق عن كثرة الرد) أي لا يبلى مع كثرة التلاوة واعادتها، ولا يمل (ولا تنقضي عجائبه) أودع الله في القرآن حكما وأسرارا لا نهاية لها، فلا تزال تظهر للمفكرين والمتدبرين فيتعجبون منها (هو الذي) لما سمعته الجن أجلته وأكبرته، وبهرها حتى قالت (انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد) الى الخير والعدل والحق، وأهم ذلك توحيد الله، ولذلك قالوا ( فلن نشرك بربنا أحدا) وسائر ما قالوه في سورة الجن يدل على شدة تأثير القرآن فيهم.
وقوله (من قال به) أفتى بمقتضى ما فيه (صدق) أي أصاب الحق، ومن أفتى بخلافه كذب، (ومن عمل به) نجا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ومن لم يعمل به هلك هلاكا أبديا (ومن حكم به عدل) ومن حكم بخلافه تعدى وظلم (ومن دعا اليه) أي الى تحكيمه والعمل به (فقد هدي) بصيغة المجهول والمعلوم، وهما متلازمان، لان الهادي الى الصراط المستقيم مهدي.

تجويد القرآن
أعلم أن التجويد فرض على كل قارئ، وتعليمه فرض كفاية على أهل كل بلد، فان تركوه وأهملوه أثموا جميعا، وقد نص العلماء على ذلك، رحرروه أثم التحرير، غير أن هذا المقال قد طال، لذلك أردت أن ألم به الماما.
قال ابن الجزري في المجلد الاول من كتابه ( النشر في القراءات العشر ص210 ما نصه: التجويد مصدر من جود تجويدا، والاسم منه الجودة ضد الرداءة، يقال: جود فلان في كذا اذا فعل جيدا، فهو عندهم عبارة عن الاتيان بالقراءة مجودة الالفاظ، بريئة من الرداءة في النطق، ومعناه انتهاء الغاية في التصحيح، وبلوغ النهاية في التحسين.
ولا شك أن الامة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن واقامة حدوده، متعبدون بتصحيح ألفاظه، واقامة حروفه على الصفة المتلقاة من آئمة القراءة، المتصلة بالحضرة النبوية الافصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها، ولا العدول عنها الى غيرها.
والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح، العربي الفصيح، وعدل الى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه، واستبدادا برأيه وحدسه، واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع الى عالم بوقفه على صحيح لفظه، فانه مقصر بلاشك، وآثم بلا ريب، وغاش بلا مرية، فقد قال النبي (ص): الدين النصيحة: لله، ولكتابه ولرسوله، ولائمة المسلمين وعامتهم.     
أما من كان لا يطاوعه لسانه، أو لا يجد من يهديه الى الصواب بيانه، فان الله لا يكلف نفسا الا وسعها، ولهذا أجمع من تعلمه من العلماء على أنه لا تصح صلاة قارئ خلف أمي، وهو من لا يحسن القراءة، واختلفوا في صلاة من يبدل حرفا بغيره، سواء تجانسيا أم تقاربا، وأصح القولين عدم الصحة. اهـ.
 ثم نقل عن الشيخ أبي عبد الله نصر بن علي بن محمد الشيرازي في كتابه الموضح في وجوه القراءات في فصل التجويد منه ما نصه: فان حسن الاداء فرض في القراءة، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته، صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير اليه سبيلا.
ثم مضى الى ان قال: فالتجويد هو حلبة التلاوة وزينة القراءة، وهو اعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد الحرف الى مخرجه وأصله، والحاقه بنظيره وتصحيح لفظه، وتلطيف النطق به على حال صيغته، وكمال هيئته، من غير اسراف ولا تعسف، ولا افراط ولا تكلف، والى ذلك أشار النبي (ص) بقوله (من أحب أن يقرأ غضا كما أنزل، فليقرأ قراءة ابن أم عبد) يعني عبد الله بن مسعود، وكان قد أعطى حظا عظيما في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزله الله تعالى.
وناهيك برجل أحب النبي (ص) أن يسمع القرآن منه، ولما قرأ أبكى رسول الله (ص) كما ثبت في الصحيحين، وروينا بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا ابن مسعود المغرب بقل هو الله أحد، ووالله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله.
وقال ابن الجزي في المقدمة:  
والاخذ بالتجويد حتم لازم
                          من لم يجود القرآن آثم
لانــه بـه الالـه انزلا
                          وهكذا منه الينا وصـلا
وهو أيضا حلية التـلاوة
                         وزينة الاداء والـقـراءة
فواجب عليهم مـحـتـم
                         قبل الشروع أولا أن يعلموا
مخارج الحروف والصفات
                         ليلفـظـوا بأفـصح اللغات
وهذا الواجب مضيع في المغرب لا يقوم بأدائه الا النادر من أهل العلم، ولا أعلم في المغرب مدرسة تعلم تجويد القرآن، مع أن أهل المغرب أحق الناس بالعناية باصلاح اللسان لاختلاطهم مع الاعاجم، وابدال كثير منهم بعض الحروف، كالجيم يبدلونها زايا، والتاء يبدلونها بحرف المائي بين التاء والسين، والثاء ينطقون بها مثل ذلك، والذال يبدلونها دالا مهملة، والظاء يبذلونها ضادا، والشين يبدلونها سينا، وقد يبدل هؤلاء السين شيئا، يرتكب ذلك من ينسب الى العلم منهم من غير نكير، وقد اشار الى ذلك المحقق ابن عبد السلام الفاسي في كتابه الذي ألفه في القرآن وعلومه وآدابه في المجلد الاول قال: اللحن لحنان، جلي وخفي، فالجلي لحن الاعراب، والخفي لحن ترك اعطاء الحرف حقه من تجويد لفظه، وذلك أما بالنسبة الى مخارجها بأن لا تعطى حقها الواجب لها.
وأما بالنسبة الى صفاتها التي تحقق ذاتها وتفصلها عما يشاركها أو يقاربها، وأما بالنسبة الى تبديلها بغيرها كجعل الظاء المعجمة مكان الضاد، وكجعل السين المهملة مكان الشين المعجمة، وكجعل الزاي مكان الجيم، وكجعل الغين المعجمة مكان الراء، وكجعل الهمزة مكان الكاف، وكجعل همزة مفخمة بعض التفخيم مكان القاف، الى غير ذلك مما يطول تتبعه مما نسمعه في السنة الناس. اهـ.
وقد سمعت بأذني قارئا يقرأ قوله تعالى (الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) بإبدال الشين سينا، والجيم زايا، والذالين مهملتين، وهذا من اللحن الذي يغير المعنى، وقد نقل القاضي عياض في الشفا الاجماع على أن من بدل حرفا من القرآن عمدا كفر.
ومن أسوأ ما يرتكبه المغاربة من تبديل الحروف نطقهم بالتسهيل في قراءة ورش هاء خالصة، فيقرؤون الهمزة الثانية في (أئنك، وآئذا) وما أشبه ذلك هاء، وليس معنى التسهيل، فالتسهيل تليين الهمزة الثانية حتى تكون بين الالف والهمزة، أو بين الواو والهمزة، أو بين الياء والهمزة، ويقابله التحقيق بهما همزتين خالصتين.
ولم ينعدم التجويد بالمرة في المغرب في أي زمان، ولكنه كما قلت سابقا نادر، وأكثر القراء على خلافه، ومما يدلنا على ذلك ما جاء في نصوص الشيخ التهامي ابن الطيب السجلماسي، ثم الغرفي في انكار تبديل التاء بما تقدمت الاشارة اليه، وهذه الابيات بعضها مختل الوزن، فأنا أنقلها على علاتها قال:  
تحفظ رعاك الله في السر والجهر
                          على مخرج التا حين تتلو بلا عسر
الى الحنك اصعد عند اخراجك لها
                           ولا تنحون نحو الثـنايا تنل شكري
ولا تحدثن فيها صغيرا ورخـوة
                           فذلك فعل الجاهلين ذوي السـكـر
فبالسين والزاي الجهير وصدهـا
                           يخض صغـيـر القـوم كلهم فادر
كما خصصوا رخوا بجملة أحرف
                           وليس لحرف التاء فيهن مـن ذكـر
وقد كان علماء المغرب الى عهد قريب جدا معنيين بتجويد كتاب الله أحسن عناية قلما يجاريهم في ذلك علماء قطر آخر من الاقطار الاسلامية، حتى ان الملك فؤاد ملك مصر أراد أن يطبع المصحف على الرسم العثماني، وكلف بذلك جماعة من علماء مصر المحققين، لم يجدوا من الكتب ما يعتمدون عليه مثل كتاب مورد الظمآن بشرح العالم المقرئ عبد الواحد ابن عاشر، ومن أشهر المنظومات التي عم نفعها، وقل في التحقيق والبلاغة نظيرها منظومة (الدرر اللوامع في أصل مقرا الامام نافع) لابي الحسن على بن محمد الرباطي المشهور بابن بري قال في المنظومة المذكور:
القول في التحقيق والتسهيل
                      للهمز والاسقاط والتبديل
 والهمز في النطق به تكلف
                      فسهلوه تارة وحـذفـوا
  وأبدلوه حرف مد محضا
                      ونقلوه للسكون رفـضـا
  فنافع سهل أخرى الهمزتين
                      بكـلمة فهي بذاك بين بين
قال شارحه ابراهيم المارغني شيخ القراء بالجامع الاعظم بتونس المتوفى سنة 1349 هـ، في ابن بري المسمى (النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ الامام نافع) ما نصه: التسهيل في اصطلاح القراء اذا أطلق اختص بالتسهيل بين بين، أي فالهمزة الثانية بسبب ذلك التسهيل تكون بين بين، أي بينها وبين الحرف المجانس لحركتها، فتكون المفتوحة بين الهمزة والياء، هذا هو المأخذ به عندنا في كيفية التسهيل بين بين.
قال أبو شامة: وكان بعض أهل الاداء يقرب الهمزة المسهلة  من مخرج الهاء، قال: وسمعت أنا منهم من ينطق بذلك، وليس بشيء، اهـ لكن جوز الداني وجماعة أبدالها هاء خالصة في الانواع الثلاثة _ قال العلامة سيدي عبد الرحمن بن القاضي في بعض تأليفه: جرى الاخذ عندنا بفاس والمغرب في المسهل بالهاء خالصة مطلقا، وبه قال الداني، اهـ وجوزه بعضهم في المفتوحة دون المضمومة والمكسورة، والاكثرون على المنع مطلقا، وعليه جرى عملنا بتونس. اهـ.
قال محمد تقي الدين: الصواب هو تسهيل الهمزة الثانية بين بين كما قاله أبو الحسن ابن بري، وقرره شارحه، ولا حق للداني أن يتصرف في كتاب الله، فيبدل حرفا بحرف، لان القرآن سنة متبعة، لا مجال فيه للاجتهاد، ولا تصح الرواية بابدال أخرى الهمزتين هاء البتة، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة أن النبي (ص) قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد طال هذا المقال حتى أنه لا يحتمل الزيادة، فنسأل الله أن ينفعنا ويرفعنا بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأن يجعله لنا شافعا مشفعا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
  
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here