islamaumaroc

مركز المصحف الشريف بالمغرب

  دعوة الحق

105 العدد

من الطبيعي أن تكون عناية المغرب بالمصحف الشريف، أولى مظاهر استقرار الاسلام بهذه البلاد، وقد كان في دعاء الامام الفاتح: ادريس الثاني بعد بناء مدينة فاس: "اللهم انك تعلم اني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة، ولا سمعة ولا مكابرة، وانما اردت ببنائها أن تعبد بها ويتلى بها كتابك (1 )..."، ويظهر أن من أوائل المصاحف التي عرفت بالمغرب: "مصحف عقبة بن نافع الفهري"، للفاتح الاول لهذه البلاد، وقد استمر متداولا بالمغرب الى ان صار للسعديين، حيث ورد ذكره أيام أبي العباس أحمد المنصور، بمناسبة أخذ البيعة لولي عهده محمد الشيخ الملقب بالمامون، ثم جاء ذكره أيام السلطان العلوي المولى عبد الله بن السلطان المولى اسماعيل، لما بعث به هدية – ضمن مجموعة من المصاحف الكريمة- الى الحرم النبوي الشريف، وفي هذا يقول الزياني في "البستان" في سياق حوادث عام 1155 هـ:
"ولما سافر الركب النبوي وجه معه السلطان المولى عبد الله ثلاثة وعشرين مصحفا – بين كبير وصغير- كلها محلاة بالذهب، منبتة بالدر والياقوت، ومن جملتها "المصحف الكبير العقباني"، الذي كان الملوك يتوارثونه بعد المصحف العثماني، وهو مصحف عقبة بن نافع الفهري، نسخه بالقيروان من المصحف العثماني، فوقع هذا المصحف بيد الاشراف الزيدانيين يتداولونه بينهـــــم (2)، الى أن بلغ الى السلطان المولى عبد الله المذكور، فغربه من المغرب الى المشرق، ورجع الدر الى صدفه، والابريز الى معدنه.
قال الشيخ المسناوي: وقد وقفت عليه حين أمر السلطان المولى عبد الله بتوجيهه الى الحجرة النبوية، وظهر لي أن تاريخ كتبه بالقيروان فيه نظر، لبعد ما بينهما (3)".
وقد اشتهر أيام الموحدين وأواسط دولة المرينيين "المصحف العثماني"، الذي يقال: أنه أحد المصاحف التي بعث بها الخليفة الثالث، عثمان بن عفان – رضوان الله عليه- الى الامصار، وكان بجامع قرطبة من الاندلس، ثم نقله الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي الى مدينة مراكش عام 552 هـ/ 1158م، حيث استمر عند الموحدين موضوع تجلة واحترام، الى أن صار أواخر أيامهم لبني عبد الواد بتلمسان، ثم استخلصه منهم أبو الحسن المريني (4).
ووهم الناصري (5)، فذكر أنه غرق في نكسة الاسطول المريني عام 750 هـ/1349م، والواقع أنه بقي على قيد الوجود الى أواخر أيام أبي عنان وبعدها، حسب شهادة شاهد عيان، وهو أبو اسحاق النميري ( 6)، الذي يذكر عن موكب لابي عنان عام 758 هـ/1357م :أنه تقدم بين يديه قبتان :الاولى فيها مصحف الخليفة عثمان بن عفان، الذي هو أعظم ذخائر المغرب، وأشرف ما استقر بقصره المعجب المغرب، ويوخذ من "المسند الصحيح الحسن" (7 ): أن وجود هذه الذخيرة استمر حتى أيام أبي فارس: عبد العزيز المريني الاول 767 -774هـ/ 1366 – 1372م، فقد أكد هذا المصدر: "أن المصحف العثماني "استمر بقاؤه في دار أبي الحسن المريني وعلى ملك أولاده وفي خزائنهم، يجرون فيه على العتاد"، ومعلوم أن ابن مرزوق كان يشتغل بتأليف المسند الصحيح الحسن أيام أبي فارس المذكور (8)، ثم ها هو ابن خلدون يؤكد استمرار هذا الاثر الى زمن تأليف العبر، ويقول في صدد الحديث عنه: "وهو لهذا العهد في خزائن بني مرين (9)، وقد كان هذا المؤرخ أخر من تحدث عن بقاء هذا المصحف العثماني، وبعده ينقطع الخبر عنه بالمرة.
                                          *  *  *
ومن الجدير بالذكر أن يكون عدد من ملوك المغرب وبعض رؤسائه يقتطعون من أوقات أعمالهم فترات، يشتغلون فيها بنسخ المصحف الشريف، أو يتولون الاشراف على كتابته، وهكذا عرفت مصاحف مغربية من هذا الطراز، وكثرت في الفترة المرينية بصفة خاصة.
فهناك مصحف يقال انه بخط محمد المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، وقد كان دون المصحف العثماني في الحجم( 10)، ومحلى بالفضة المموهة بالذهب، وكان يتقدم مصحف عثمان في المواكب الموحدية(11 )، ويعتبر – الآن- ضائعا.
وياتي – بعد هذا – الربعة (12 ) التي خطها- بيمينه –أبو حفص عمر المرتضى، من أواخر الخلفاء الموحدين، وسنتحدث عنها بعد.
وفي العصر المريني ازدهرت هذه الظاهرة، فكان أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني أشرف على كتابة ربعة قرءانية رائقة الصنعة، وبعث بها هدية للمسجد الحرام بمكة المكرمة، صحية ركب الحجاج المغربي عام 703 هـ/ 1304م ( 13)
وجلا في هذا الميدان أبو الحسن المريني، حيث نسخ بخط يده أربع ربعات قرءانية، وشرع في الخامسة فلم يتمها، ثم كتب بعضا منها – على التوالي – كل من ولديه أبي عنان وأبي فارس الاول، وقد تحدث عن هذا في "المسند الصحيح" في باب على حدة ( 14)، وسنقتطف من فصلين منه في هذا الصدد، فقد جاء في الفصل السادس:
" كان دأب أمامنا رضي الله عنه: "أبي الحسن المريني" العكوف على نسخ كتاب الله، في الزمن الذي يخلو له من النظر فيما طوقه....وكان قد أكد عنده هذا العمل ما منحه الله تعالى من اجادة الخط المصحفي، وكان قد أخذه عن كاتب وقته، المنفرد بتجويد هذا الخط في عصره: "النجللي"، وكان قد بلغ فيه الغاية، فنعلم منه أصوله حتى صار خطه يختلط بخطه، رحمة الله عليهما...
وجاء في الفصل السابع: كان – رضي الله عنه- قد كتب الربعة التي حبسها بشالة ابتداء، ولما ورد عليه كتاب صاحب مصر –حسبما قدمناه، وعزم على أن يبعت أم ولد أبيه حين توفيت والدته رضي الله عنهما، وكانت هذه بمنزلتها عنده – كتب هذه الربعة المدنية، برسم أن يوجهها الى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكر ما وجه برسم شراء الربع، برسم سدنتها والقراءة فيها، فلما اكملها في شهر ربيع الاول من سنة أربعين "يعني بعد سبعمائة"، جمع الفقهاء لقراءتها وتفقد ما تعذر من ضبطها، -وذلك حين تعين الركب المتوجه صحبتها – في القبة الكائنة بروض القائد هلال بضفة وادي سطفسيف شرقي تلمسان المحروسة، وكان تمام ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة..
ولما حضرت ليلة المولد ضمن شعراء الحضرة هذا المعنى في قصائدهم المولديات، وكان مما استحسن في ذلك قول الاستاذ الشهير، أبي الحجاج يوسف الطرطوسي، وعلق بحفظي من كلمته بيتان، وهما:
يا مصحفا ما رأى الراءون في زمن
                          شبها له مصحفا من نسخ سلطان
فضيلة مثلها في الدهر ما عـرفـت
                          من عهد عثمان الا لابن عثمـان
ووجهت الربعة المذكورة – صحية من تقدم ذكره في فصله – الى المدينة شرفها الله تعالى..وهي –الان – مستقرة بالحرم الشريف النبوي، أدام الله بركة الانتفاع بها، وأعان خدام المقام العلي المولوي العزيزي ( 15)- أيده الله- على التنبيه على تفقدها، والازدياد من التحبيس عليها، وعلى المكية والقدسية، فبالانتفاع بالتحبيس عليها تدوم العناية بها.
وقد رأيت بمكة – شرفها الله – المصحف الذي بعثه عمهم المولى أبو يعقوب بخط ابن حسنين، وكان وجهه محلى بالذهب المنظوم بالجواهر النفيسة، فانتزع ما عليه، وبقي في "قبة الشـــــراب" ( 16) يقرؤ فيه احتسابا، وقد قرأت فيه في أعوام...
ثم نسخ "أبو الحسن" الربعة الكريمة التي توجه بها الفقيه أبو الفضل محمد بن عبد الله بن أبي مدين العثماني، سنة اثنين وأربعين وسبعمائة ( 17)، واصحبها هدية حافلة، وصلات لاهل الحرمين، واشترى ما حبس عليها، وحبس بفاس ريعا خاصا بها، واسند النظر فيه لمن عينه كذلك، وهو الان على ما هو عليه، وهذه الربعة أحوج لان يحبس على قراءتها، فان التي بالمدينة استقر على القراء فيها حبس بظاهرها، وأولى ما صرفت اليه العناية اشتراء املاك بالشام أو بالقاهرة برسم التحبيس عليها، أجراها الله في صحف أعمال مولانا أبي فارس، وضاعف ثواب ذلك له.
ثم نسخ – رضي الله عنه –الربعة الكريمة التي توجه بها أبو المجد بن أبي عبد الله بن أبي مدين، وعثمان بن يحيى بن جرار، واصحبها – رضي الله عنه- كذلك هدية كبيرة، وصلات للمجاورين جمة، للمسجد الاقصى، واستقرت به، وذلك سنة خمس وأربعين، وحبس عليها كذلك.
ثم شرع في نسخة برسم الخليل، فوصلنا الى تونس – حاطها الله تعالى – حين قدمنا صحبته، ولم يبق منها الا عدة أوراق وبقية تذهيب وضبط، وتقدمت بها من باجة الى تونس، وشرعت في جمع المسفرين لها وتقدم معي أبو القاسم بن أبي طلاق، فجمعنا الناس لتكملة الضبط، وكان أحمد الرياحي المعروف بابن الزمال قد خرج بالركب، وكنت تعينت لمصاحبتها، فلما طال فيها العمل وضاق الوقت لتوجه، الركب، واستقر مولانا- رضي الله عنه – بتونس، وقعت المفاوضة في ذلك، فأشار –حينئذ –بعض من سمح الله له رحمة، بتأخير توجهها في الوقت حتى تتعين هدية من تونس ويستعد لذلك بركب يناسب، وتعلل يضيق الوقت عن توفية الغرض، ولم يزل يبذل في ذلك جهده حتى وقع العزم على ذلك...فبقيت بتونس الى أن استخلص منها المولى أبو عنان ما استخلص، وتعم ما تمم، وتعرفت الان ان اشتغال مولانا المؤيد أبي فارس بتكميلها ( 18)"
هذا كلام ابن مرزوق عن هذه الربعات المرينية الموقوفة على المساجد الثلاثة المعظمة وعلى شالة، وعددها خمسة باعتبار ربعة يوسف المريني في العد، فاذا اضيف لها ربعة مقام الخليل- التي لم تكمل- يصير المجموع ستةـ ولا يعرف منها اليوم سوى ربعة المسجد الاقصى ( 19)، حسبما نذكره بعد، كما سنتحدث عن مصحف خزانة أبي العباس أحمد المنصور السعدي، والمصحف المكتوب برسم الامير العلوي المولى علي حفيد السلطان المولى اسماعيل.
                                                      *  *  *
وقد وأزى هذه العناية الملكية بكتابة القرءان الكريم، اهتمام شعبي تمثل في نبوغ خطاطين مصحفيين، ونذكر منهم على السبيل المثال:
1- محمد بن حريز المعروف بابن تاخميست الفاسي المتوفى عام 608 هـ/ 1212م، وكان له خط حسن، يكتب به المصاحف القرءانية، ويهديها – احتسابا – لمن يراه أهلا لها ( 20).
2-  أحمد بن حسن، وهو الذي كتب وزخرف ربعة يوسف المريني الانفة الذكر ( 21).
3- خطاط محسن يسميه ابن مرزوق "بالتجللي"، وقد قرانا عنه- أنفا في "المسند الصحيح الحسن" – انه كان منفردا بتجويد الخط المصحفي في عصره، وعنه تعلمه السلطان أبو الحسن المريني.
4- محمد بن ابي القاسم القندوسي الفاسي، المتوفى عام 1278 هـ/ 1861 م، قال في ترجمته من سلوة الانفاس ( 22)، "وكان له خط حسن جيد، كتب به عدة من الدلائل، وأخبرت انه كتب مصحفا في اثني عشر مجلدا قل أن يوجد نظيره في الدنيا"، وسنتحدث – بعد – عن هذا المصحف الذي يمتاز بفخامة الخط.
5- محمد بن الحاج محمد الريفي التمسماني، الصويري الاستيطان، المتوفى بطنجة عام 1313 هـ/ 95 – 1896 م، كان – على عكس سابقه – يكتب المصاحف وغيرها بخط دقيق على ورق رقيق، فينجز منتسخاته في حجم صغير جدا، يسعه داخل اليد، وكان له خط حسن ( 23).
6- ومن الجدير بالذكر ان المرأة المغربية ساهمت – بدورها – في كتابة المصحف المغربي، ومن ذلك سيدة فاسية هي: الشريفة فاطمة بنت علي بن محمد المثالي الزبادي، أخت الشيخ عبد المجيد الزبادي الشهير، والمتوفاة في عام 1142 هـ/1730م، فقد كتبت بخطها من القرءان الكريم، ما يربو عن 35 مصحفا ( 24).
7- ويوجد بالمكتبة الملكية بالرباط – تحت رقم 4225 -: مصحف شريف خطته أنامل سيدة بدوية، تسمي نفسها عائشة بنت الحاج مبارك الشلح التكي، وخطها بدوي واضح متوسط مشكول ملون، وقد جاء في هامش "آخر المصحف بمداد مغاير: عام 1237، وهو اشارة لتاريخ الانتساخ، حيث أنه يوجد – أيضا – منتسخان اثنان بخط نفس الناسخة، ويحمل أولهما تاريخ صبيحة الجمعة 22 جمادى ؟ عام 1237 هـ، نفس المكتبة رقم 4087، كما يحمل ثانيهما تاريخ يوم الاحد "22" ذي القعدة عام 1245 هـ، المكتبة المذكورة، رقم 5061، وهي تسمي نفسها في هذا المخطوط الاخير هكذا: عائشة بنت مبارك بن أحمد نجل الحسن الشيخ، التكي الغشي الحسنوي.
                                                *  *  *
وهذه مظاهر أخرى لهذه العناية بالمصحف الشريف:
1- فقد اهتم المغاربة يوقف المصاحف وانشاء بعض الخزائن برسمها، وأول ما عرف من هذا ربعات قرءانية كانت موضوعة في مستودع بجامع القرويين بني أيام الخطيب به أبي محمد يشكر بن موسى الجراوي، المتوفى عام 598 هـ/ 1202م (25 )، ولما بنى عمر المرتضى الموحدي جامع السقاية بمراكش: "جامع علي بن يوسف"، كان به خزانة للمصاحف الموقوفة، وهي عبارة عن بيت قبلي الجامع متصل بالمحراب ( 26)، ثم انشأ أبو عنان المريني خزانة المصاحف بجامع القرويين بفاس، يسرة المستقبل للمحراب، وقد أورد ذكرها في "جنى زهرة الآس" ( 27) في الفقرة التالية:
" وأما خزانة المصاحف التي جعلها مولانا المتوكل أبو عنان – رحمه الله – في قبلة صدر هذا الجامع، فانه صنعها لما سهله على الناس من تلاوة القرءان، في الوقت المتخير من الازمان، بأن أعد فيها جملة كثيرة من المصاحف الحسنة الخطوط البهية، الجميلة السنية، وأباحها لمن أراد القراءة فيها، بعد أن كتب على كل جزء منها بخط يده بتوقيفها مدى الاعوام، والليالي والايام، وعين لها من ينفرد باخراجها من هذه الخزانة وابرازها، وردها لصيانتها في موضعها واحرازها، وذلك عند الفراغ من حاجات الناس اليها، فلا يبدل ذلك ولا يغير الى أن يرث الله الارض ومن عليها، وأجرى له جراية، وواسعة كرامة ورعاية، وتم عملها في شهر شوال، سنة خمسين وسبعمائة".
ولا تزال – حتى الآن – وقفية أبي عنان تتوج هذا الخزانة في الصيغة التالية:
" الحمد لله وحده، أمر يعمل هذه الخزانة السعيدة مولانا أمير المومنين، المتوكل على رب العالمين، عبد الله فارس، أبد الله أمره، وأعز نصره، بتاريخ شهر شوال، سنة خمسين وسبعمائة، رزقنا الله خيرها ( 28)".
فهذه أربع مراكز لوقف المصاحف، وسواها فقد كان يوجد بشالة مصاحف محبسة على مشاهد الملوك المرينيين بها ( 29)، وقد ساهمت المرأة المرينية في هذا المشروع، حيث يوجد بمكتبة القرويين بفاس وقف سيدة مرينية للجزء 17 من ربعة قرءانية في 30 جزءا (30 ).
2- وهذا نموذج أخر لهذه العناية المغربية بالقرءان الكريم، فقد سجل ابن الخطيب (31 ): أن ديار رؤساء هنتاتة بجبل درن، كانت تزين بيوتها بمعلقات تتخللها العدة من مصاحف القرءان الكريم، مناطة بمعاليق حريرية فاخرة، وهذا تقليد اسلامي عام، حيث بفضل المهتمون بالامر أن يعلق المصحف في صدر المجلس، على حائط نظيف( 32).
3- يمتاز المصحف المغربي – في قراءة نافع- بوقف خاص، وهو من عمل مغربي: هو محمد بن أبي جمعة الهبطي الصماتي، المتوفى بفاس عام 930 هـ(33 ) / 23-1524م، ثم استمر عليه قراء المغرب حتى الآن، وقد وقع فيما قيد عن الهبطي من هذا الوقف بعض كيوات، ناقشه فيها عالمان مغربيان: أولهما: محمد المهدي بن أحمد بن علي بن أبي المحاسن الفاسي الفهري المتوفى عام 1109هـ / 1698م( 34)، وله في هذا الصدد رسالة سماها: "الدرة الغراء في وقف القراء"، تحدث عنها محمد بن عبد السلام الفاسي الفهري المتوفى عام 1214 هـ/ 1799م ( 35)، واقتبس فقرات من أولها( 36)، كما وضع – بدوره – تأليفا مستقبـــــلا في الموضــــوع( 37)، أثبت قسما مهما منه في كتابه "المحاذي".
                                                *  *  *
وهذه بضعة مصاحف نموذجية، جلها بخطوط مغربية، وتحفظ بالمغرب أو خارجه، وسنستعرضها في شيء من الايجاز، مع الاحالة على المصادر التي عرفت بها أو أجرت ذكرها:

 1- ربعة المرتضى الموحدي
بخط أبي حفص عمر المرتضى بن السيد أبي ابراهيم بن يوسف بن عبد المومن، المتوفى عام 665 هـ / 1267م، وهي تتألف من عشرة اجزاء، في كل جزء ستة أحزاب، وكانت توجد تامة بمكتبة ابن يوسف بمراكش الى عام 1149 هـ( 38) /36 -1737م ثم تفرقت شذرمذر، والمعروف منها- لحد الآن- خمسة أجزاء – 1-2 شذرات من الجزأين: الاول، الثالث بمكتبة ابن يوسف ( 39) بمراكش تحت رقم 432.
3- الجزء الثاني، بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ج 658، وهو مبتور الاول والاخر بنحو ورقتين، ويبتدئ هكذا:" بالتورية قاتلوها ان كنتم صدقين" الآية 93 من سورة آل عمران، ثم ينتهي عند: "ولو كانوا يومنون بالله والنبيء وما انزل اليه ما اتخذوهم أولياء، ولكن كثيرا منهم فسقون"، الآية 83 من سورة المائدة، وقد ذيل بالخاتمة التالية:
"كمل العشر الثاني من الكتاب العزيز، بمحمد الله عز وجل وحسن عونه، وذلك يوم السبت السابع والعشرين لجمادى الثانية، عام أربعة وخمسين وستمائة، بحضرة الموحدين أعزهم الله تعالى: مراكش، حرسها الله تعالى وأهلها، وكتبه بخط يده الفانية: عبد الله تعالى".
وهنا تقف كتابة الصفحة الاخيرة من هذا الجزء، وضاعت الورقة التي تليها، ومع ضياعها نستطيع الجزم بان هذا الجزء هو من نفس الربعة التي نتحدث عنها، استنادا للمماثلة الكاملة بين كتابته وخط القطع الاخرى المعروفة سابقا، ونظرا للاتفاق الواقع في عام الانتساخ: "654" مع الاجزاء الاخرى، وللتقارب مع تاريخ الجزء الاول: 20 جمادى الثانية 654، والجزء الثالث 6 رجب 654، مع التشابه في بعض ملامح صيغة الكلمة الختامية، وقد غاب هذا الجزء عن علم الذين  درسوا هذه الربعة.
عدد أوراقه 72، مسطرة 9، مقياس 290 / 225، مرمم الاطراف وبأوراق جديدة.
 4 – 5- الجزءان الرابع والتاسع، وقد كانا – من زمن- معروضين في متحف الاوداية بالرباط ( 40).

2- ربعة أبي الحسن المريني
وهي – ايضا- بخط أبي الحسن علي بن أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني، المتوفى عام 752 هـ/ 1351م، كتبها برسم المسجد الاقصى بالقدس الشريف، عجل الله – سبحانه – بخلاصه، وتحرير سائر الاراضي المغتصبة، وهي الوحيدة التي لا تزال معروفة من بين الربعات التي خطها – بيده- هذا السلطان، وتحفظ اليوم " أو توسر" بالمتحف الاسلامي بالقدس الشريف، وقد كانت تتألف من 30 جزءا ضاع منها خمسة أجزاء، فعوضت باجزاء مستحدثة بخط أحد المغاربة عام 1221 هـ( 41).

 3- مصحف ابن مرزوق الجد
وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق، العجيسي التلمساني، المتوفى بالقاهرة عام 781 هـ/ 1379م، وقد وقف عليه المقري بتلمسان، وقال عند في نفخ الطيب (42) أثناء ترجمة ابن مرزوق:
"ولقد رأيت مصحفا بتلمسان عند أحفاده، وعليه خطه الرائق الذي أعرفه..."، ومن حسن الحظ أن هذا المصحف صار الى المغرب، وهو محفوظ بمكتبة المعهد العالي بتطوان، حيث وقفت عليه هناك عشية الثلاثاء 17 رجب عام 1378 هـ الموافق 27 يناير سنة 1959م، وهو بخط أندلسي عتيق، على رق الغزال، في حجم متوسط، مربع، وكانت كتابته بمدينة بلنسية من الاندلس، عام 559هـ.

4- ربعة أبي زيان محمد الثاني
وهو ابن أبي حمو موسى الثاني الزياني سلطان المغرب الاوسط، والمتوفى عام 805 هـ/ 1402م، الموجود منها النصف الاول بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 1330، مكتوب على رق الغزال بخط مغربي جميل، ومحلى بالذهب عند أول كل سورة وعلى رأس كل أية، وجميع ما فيه من أسماء الله الحسنى مرقوم بالذهب، وهو بخط أبي زيان نفسه، كتبه بتلمسان عام 801 هـ /98 – 1399م، وجاء في أخره:
"كمل الجزء الاول من الربعة المباركة، نسخه – بيده – أمير المسلمين أبو زيان محمد، بحضرته مدينة تلمسان، أمنها الله تعالى، في سنة واحد وثماني مائة، عرف الله خيره( 43).

5- مصحف المنصور السعدي
مكتوب برسم خزانة أبي العباس أحمد المنصور بالله السلطان محمد الشيخ السعدي، المتوفى عام 1012 هـ/ 1603م، ووافق تمامه يوم الاربعاء 13 ربيع الثاني، عام 1008 هـ/ 1599م، بجامع الديوان الكريم، من قصور الامامة العلية، على حد تعبير الخاتمة التي ذيل بها في زخرفة فائقة، حيث ورد فيها – أيضا – أن المصحف الشريف منمق الكتابة بالمداد المقام من فائق العنبر، المتعاهد السقيا بالعبير المحلوك بمياه الورد والزهر، وتحفظ هذه الذخيرة المغربية في القسم العربي من مكتبة الاسكوريال باسبانية، تحت رقم 1340 من قائمة 1، لا في بروفنســـال (44 ).

6- مصحف الامير علي العلوي
مكتوب برسم الامير العلوي علي حفيد السلطان المولى اسماعيل، بخط مغربي عام 1142 هـ/29-1730م، محلى ومنقوش بالذهب والالوان ( 45)، وهو معدود من ذخائر دار الكتب المصرية، ومحفوظ بها تحت رقم 25.

7- ربعة القندوسي
بخط محمد أبي القاسم القندوسي سابق الذكر ضمن الخطاطين المصحفيين، وهي ربعة كبيرة الحجم، فخمة الخط، مجزاة الى 12 جزءا، في كل جزء خمسة أحزاب، وقع الفراغ من كتابتها يوم الجمعة أخر شوال عام 1266 هـ/ 1850م، برسم السفير المغربي الحاج ادريس بن الوزير محمد ابن ادريس العمروي الفاسي( 46)، وقد صارت هذه الربعة الى المكتبة الزيدانية بمكناس، حيث تحمل في الفهرس الجديد رقم 3595( 47).

8- مصحف مطبوع بالمطبعة الحجرية الفاسية
وهو أول مصحف وقع بالمغرب، وكان الفراغ منه عام 1296 هـ/ 1879م، بمطبعة الحاج الطيب بن محمد الازرق الفاسي ( 48).

1) - "روض القرطاس" ط .ف، 1305 هـ- ص 29، و "زهرة الاس" ط المطبعة الملكية بالرباط – ص 26. 
2) - عبارة "الاستقصا" في ترجمة السلطان المولى عبد الله :"وبقي متداولا بين أهل المغرب الى ان وقع بيد الاشراف السعديين" ) –ط. دار الكتاب، ج 7 ص 159
3) - "الاستقصا" في دولة الموحدين – ج 2ص 130، هذا ويوجد بمعهد احياء المخطوطات العربية بالقاهرة فيلم لمصحف شريف بخط مغربي، كتبه  خديج بن معاوية بن سلمة الانصاري سنة 47 هـ بمدينة القيروان، برسم الامير عقبة بن نافع الفهري،"فهرس المخطوطات المصورة " ج 1ص1-2، فان كان هذا هو مصور المصحف المغربي الذي نتحدث عنه فستظهر –جليا- حقيقة ملاحظة المسناوي، ويتبين انه يعني ان تاريخ كتابته (47 هـ) سابق- على تاريخ بناء القيروان الواقع عام 50 هـ حسب الاستقصا ج 1ص 77.
4) - ان الحديث عن هذا المصحف العثماني يتناول وصفه وتحقيق خطه ونسبته لعثمان، ثم التحسينات التي أفرغها عليه الموحدون، ووصف هيئة   
بروزه في المواكب المرينية، وهذا ما يتطلب دراسة مطولة، وسأقوم بها – بإذن الله سبحانه – مهما سنحت الفرصة، غير أنه من المرغوب فيه أن نذكر هنا طائفة من المصادر التي تحدثت عن هذا المصحف، وهي:
1-" تاريخ المن بالامامة"، لابن صاحب الصلاة، تحقيق الاستاذ الفاضل عبد الهادي التازي، نشر دار الاندلس، لبنان- ص439-440 و445.
2-" المعجب في تلخيص أخبار المغرب" للمراكشي، مطبعة السعادة بمصر- ص166.
3-"الذيل والتكملة" لابن عبد الملك المراكشي، ج1، مخطوط المكتبة بالرباط، رقم 269، ص 77-85، و"ج" 5، خ،ع،د 2647، لوحة 552 وما بعدها، مع الاحالة هنا على تراجم اخرى.
4-"البيان المغرب" لابن غازي، نشر معهد مولاي الحسن بتطوان، ج3 ص471- 472.
5-" فيض العباب" للتميري، مخطوط المكتبة الملكية بالرباط رقم 3267 – ص85.
"المسند الصحيح الحسن" لابن مرزوق، خ ع، ق 111، الباب 52، الفصل2.
7- "العبر لابن خلدون"، مطبعة بولاق بالقاهرة، 1284هـ، ج 7ص 82 -83.
8- "نظم الدرر والعقيان، في بيان شرف بني زيان" لمحمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي، مخطوط المكتبة بالرباط، رقم 5210، ج 1 ورقة 51.
9- "نفح الطبيب" للمقري، المطبعة الميرية 1279 هـ، ج1 ص 287 -293.
10- "الاستقصا" للناصري ط، دار الكتاب، ج 2 ص 126- 129.
6) - الاستقصا ج 2 ص 129. 
5)) - "فيض العباب"، المخطوط الآنف الذكر – ص85. 
8) - الباب 52، الفصل الثاني. 
9) - هذا يوجد في مواضع من الفصل السابع من الباب55. 
10) - مكرر – العبر ج 7 ص 83. 
11) - في الذيل والتكملة ج 1، المخطوط السابق الذكر –ص 83: ان طول المصحف العثماني دون الشبر. 
12) - تاريخ المن بالامامة ص439، وفي المعجب – ص166- انه كان يسير خلف المصحف العثماني، وهو المناسب. 
13) - في شرح دلائل الخيرات لابي حامد محمد العربي الفاسي: "ان المراد بالربعة صندوق مربع الشكل من خشب، مغشى بالجلد، ذو صفائح وحلق،  
يقسم داخله بيوتا بعدد أجزاء المصحف، يجعل في كل بيت منه جزء من المصحف، واطلاقها على المصحف مجاز"، وقد شاع استعمال هذا الاطلاق الاخير في المصحف المكتوب في اجزاء والموضوع في ربعة، وسنجاريه في هذه الدراسة، ونخص اسم المصحف بالمكتوب جميعه في سفر واحد.
14) - انظر عن هذه الربعة: محمد المنوني، "علاقات المغرب بالشرق في العصر المريني الأول" – مجلة " دعوة الحق"، العدد الخامس، السنة  
الثامنة، ص 62-63.
15) - الباب 55. 
16) - يقصد السلطان المريني عبد العزيز الاول. 
17) - يذكر ابن بطوطة ان قبة الشراب تلي قبة زمزم، وبابها الى جهة الشمال، وبها اختزان المصاحف الشريفة والكتب التي للحرم الشريف- "تحفة   النظار"، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر عام 1377هـ- ج1 ص84.
18) -هذا الربعة بعث بها أبو الحسن للحرم المكي المعظم. 
19) - لعل تكميل هذه الربعة هو الذي عناه ابن الخطيب لما ذكر عن أبي فارس هذا اشتغاله بانتساخ القرءان الكريم، حسب "رقم الحلل وشرحها"، ط،  
تونس – ص 86 و107.
20) - لا يزال هناك احتمال بوجود هذه الربعات الضائعة أو بعضها بالاستانة، حيث صار اليها عدد من مخطوطات الحرمين الشريفين. 
21) - محمد المنوني: "العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين"- ص 273. 
22) -انظر : محمد المنوني: "علاقات المغرب بالشرق في العصر المريني الاول" مجلة دعوة الحق، العدد الخامس، السنة الثامنة – ص 62. 
23) - ج 3 ص 40 -41. 
24) - " زهر الآس في بيوتات فاس" خ، ع، ك 1281 – ج1 ص 369. 
25) - هذا ينقله البعض عن كناشة للشيخ عبد الحميد الزبادي المذكور. 
26) - "روض القرطاس" ص 43 و 47. 
27) - هذا يوخذ من وقفية مكتوبة على الجزء الرابع من ربعة المرتضى الموحدي المحفوظ بمتحف الأوداية بالرباط، انظر عن نصها:   
Deverdun et Mhammed Ben Abdeslem Ghiati : « Deux Tahbis Almohades » milieu du XIII° S. I.C- Hespéris, année 1954, 3°- 4° trimestres –p.p 411 à 423.
 ص76.- 
28) - هذه الصيغة كتبتها – مباشرة – من اللوحة المنقوشة عليها، ضحى يوم الاحد 11 شوال عام 1384- 14 يبرا ير سنة 1965، ووردت في    
" جذوة الاقتباس" ص 46 ببعض مخالفة.
29) -المعيار للونشريسي ج 7 ص 11.  
30) - "قائمة لنوادر المخطوطات العربية المعروضة في مكتبة جامعة القرويين بفاس، بمناسبة مرور مائة وألف سنة على تأسيس هذه الجامعة"-ص4. 
31) -الدكتور أحمد مختار العبادي :"مشاهدات لسان الدين ابن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس"، مطبعة جامعة الإسكندرية 1958 –ص 127.
32) - الفتاوي الحديثية لابن حجر الهيتمي ط. المطبعة الجمالية بالقاهرة عام 1329هـ- ص 167.  
33) - ترجمته ومراجعها في سلوة الانفاس ج 2 ص 67- 70. 
34) - ترجمته ومراجعها في المصدر الاخير ج 2 ص 316 -318. 
35) - ترجمته ومراجعها في نفس المصدر ج 2 ص 318 – 319. 
36) - " اتحاف الاخ الاود المتداني، بمحاذي حرز الاماني ووجه التهاني"، مخطوط: خ،ع ، ك 312 – ص83.   
37) - سلوة الانفاس ج 2 ص 67. 
38) - محمد المنوني: "العلوم والاداب والفنون على عهد الموحدين" – ص 287 -288. 
39) - انظر قد شذرات الجزئين: محمد المنوني :"معرض المخطوطات العربية بمكناس" مجلة "تطوان"، العددين: 3 – 4، ص 97-98.  
40) - انظر عن هذين الجزئين الرابع والتاسع: 
Deverdun et Mhammed Ben Abdeslem Ghiati : « Deux Tahbis Almohades » milieu du XIII° S. I.C- Hespéris, année 1954, 3°- 4° trimestres –p.p 411 à 423.
41) - انظر عن وصفها: عبد الله مخلص: "المصحف الشريف" صحيفة "الفتح"، السنة الخامسة، العددين: 237 و238. 
42) - ط. المطبعة الميرية بمصر عام 1279 هـ- ج3، ص217. 
43) -انظر: 
E. Lévi Provençal : « Note sur un Coran royal du XIV° siècle » Hespéris- Année 1921- 1er trimestre- p.p 83-86.
مع: ب، علوش وعبد الله الرجراجي: فهرس المخطوطات العربية المحفوظة في الخزانة العامة برباط الفتح- ج 1ص2.
44) - انظر عن وصفه:  
E. Lévi Provençal : « Manuscrits arabes de l’Escurial » Imprimé à paris, 1928- p.p 34-36.
45) - فهرس دار الكتب المصرية ج1 ص2. 
46) - ترجمته في " اتحاف اعلام الناس" لابن زيدان ج 2 ص 32-41، مع "فواصل الجمان" لمحمد غريط ص   162.142 
47) - انظر: محمد المنوني: "معرض المخطوطات العربية بمكناس" مجلة "تطوان"، العددين: 3-4 ص 98 -99. 
48) - محمد المنوني: "الطباعة الحجرية الفاسية"، مجلة "تطوان" العدد 10- ص 147. 
ملاحظة، الموافقات بين التاريخين مأخوذة من:
 Table de concordance des ères chrétienne- éthéqirienne- Troisième édition- Editions Techniques Nord-Africaines.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here