islamaumaroc

الوسائل العلمية لبعث إسلامي

  دعوة الحق

105 العدد

انعقدت يوم السبت 28 رمضان المعظم في الساعة الحادية عشرة صباحا بكلية الآداب بالرباط ندوة حضرها كل ضيوف المغرب من العلماء المسلمين الذين حضروا الاحتفال الرائع الذي أقيم بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول القرآن الكريم.
وحضر هذه الندوة كل من معالي وزير عموم الأوقاف والشؤون الاسلامية السيد الحاج أحمد بركاش ومعالي وزير التعليم والأستاذ السيد عبد الهادي بوطالب والاستاذ السيد محمد الفاسي رئيس جامعة محمد الخامس وجمع غفير من العلماء المغاربة ومثقفيه.
واستهل هذه الندوة التي أقيمت تحت شعار "العودة الى القرآن" الاستاذ السيد محمد الفاسي بكلمة افتتاحية وبعده تناول الكلمة الاستاذ السيد عبد السلام الفاسي رئيس جامعة القرويين.
ثم قدم الاستاذ الكبير السيد علال الفاسي عرضا فيما كان موضوع مناقشة خصبة ومنتجة وايجابية.
وقد أوضح الاستاذ علال الفاسي في عرضه وجود المسلمين في الوقت الحاضر أمام عدة تيارات، قوام بعضها، العلم، وقوام بعضها الحضارة، ونحن لا يمكن أن نبتعد عن العلم، ولا عن الحضارة، لان القرآن نفسه يحض على العلم، والتخلف الموجود في العالم الاسلامي تخلف طارئ، ويمكن للمسلمين أن يأخذوا بأسباب العلم وان يجتازوا عصر البخار الى عصر الذرة دون أن يبتعدوا عن القرآن الذي لا يتنافى العمل به مع عصر العلم والحضارة وخلص من ذلك الى وضع السؤال المطروح للمناقشة وهو : "ما هي الوسائل العلمية التي تمكن المسلمين من العودة الى القرآن الكريم"
وقد أجاب كثيرون عن هذا السؤال، فرأى الاستاذ السيد ناصر الكتاني أن العودة الى القرآن تكون بتصحيح المناهج المدرسية لتربية النشء على تلقين القرآن ومبادئه، وفي التربية الخلقية، ثم تحدثت الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)  حديثا مستفيضا عن مثالية القرآن التي لم يعد أحد يعرفها وخاصة في الاجيال التي تعرضت للاستعمار الفكري، الاستعمار الذي زيف تاريخ الاسلام حتى مضى المسلمون يلتمسون فكرهم فيما أتى به الغرب فيأخذون مثلا حقوق الانسان وحقوق المرأة من قوانين الامم المتحدة، مع أن القرآن أتى بها منذ أربعة عشر قرنا، وتحدثت عن الاتجاه الذي سنه الرئيس علال في العودة الى الشريعة في كتابيه القيمين: دفاع عن الشريعة ومقاصد الشريعة، وقالت اننا لا نقيم حواجز بين الشباب والتيارات المعاصرة، ولكنا يجب أن نضع أمامهم مثالية القرآن ليفهموا انه حرر الانسان والفكر والعقيدة وحرر المرأة فادركت حرية العلم والفضيلة، والعفة، وتحدثت عن التجربة الذاتية في فهم القرآن فقالت انها فهمت من القرآن أن العقل هو مناط انسانية الانسان، وتحدثت بعد ذلك عن دور البيت والمدرسة والجامعة وعن المكتبة والمعلم والدرس في تقديم مثالية القرآن لشبابنا الذين لا نريد منهم أن ينقطعوا عن الثقافة الغربية ولكنا نريد أن نسلحهم بالمعرفة القرآنية، فشبابنا اليوم عقولهم مشدودة الى الغرب وقلوبهم مشدودة الى العقيدة وهم يمزقون بين شقي الرحا.
ثم تحدث الاستاذ السيد عبد الحميد السائح وزير الشؤون الاسلامية والاماكن المقدمة بالمملكة الهاشمية الأردنية فقال:
ان السبيل هو أن تتبنى دولة اسلامية الحكم بالقرآن وان تتعهد بتكوين مجتمع يضع الحلول الاسلامية المتطورة وتغيير المناهج والقوانين المعمول بها الى المناهج الاسلامية.
وتحدث بعد ذلك الاستاذ أبو بكر القادري فلخص كلمته في أن رجال الفكر الاسلامي يجب أن يخرجوا بنقطة التقاء يقتنعون بها ويعملون على اقناع المسؤولين في العالم الاسلامي وركز رأيه على تغيير المناهج المدرسية ووسائل الاعلام التي يجب ان توجه توجيها إسلاميا، وقال اننا يجب ان نبدأ بأنفسنا في تنفيذ مبادئ القرآن.
وقد تحدث بعد ذلك كثير من المشاركين فأبدوا أرائ موضوع العودة الى القرآن منهم الدكتور عباس مهاجراني من ايران والاساتذة الاجلاء مصطفى عبد القادر من السودان مصطفى التربكي من ليبيا والدكتور الحبابي، والشاذلي بن القاضي من تونس وعبد الواحد العلوي وعبد الله غوشه قاضي القضاة بالمملكة الاردنية وابراهيم الكتاني والرحالي الفاروقي ومحمد العبدلاوي والشيخ مفتي ضياء الدين بابا خانوس من الاتحاد السوفييتي والشيخ نديم الجسر من لبنان وادريس الكتاني.
وختم السيد وزير التربية الوطنية الندوة فشكر الرئيس علال الفاسي على كلمته المركزة القيمة التي تنشد هدفا ساميا وان هذا الاجتماع يمكن ان يكون بداية اجتماعات أخرى، وهذا الاجتماع ليس ندوة انتكاسية ولا انكماشية وانما نريدها نهضة شاملة...
وهذا نص العرض الذي القاه الاستاذ السيد علال الفاسي الذي كان منطلق النقاش بين العلماء المسلمين:

حضرات الاساتذة الكرام.
منذ أربعة عشر قرنا، كان العرب في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، والبشرية كلها في خضوع للملوك، وهيمنة لرجال الدين، تعبدها الخرافة، وتسيرها الاوهام، وتقوم حضاراتها على عبادة غير الله، حتى كان بعض الاحرار يجدون في الجزيرة العربية ملجأ يأوون اليه ومع ما هو عليه من التخلف، لان فيه حرية لا مزاحم عليها، حرية الاوابد في الفلاة، والطير في السماء.
وكانت الارستوقراطية التجارية القرشية في مكة تمثل القيادة الوحيدة للعرب، واليد القوية في تسييرهم وتوجيههم، وطبعا فقد كان يهمها ان يبقى المجتمع العربي قائما على فاسد التقاليد وباطل الاعتقادات لانها تستفيد من حالة الشعب، وتشعر بالاستعلاء ما دام في غيبوبة بعيدا عن كل معارضة أو اندفاع للتحرير.
وفي هذا الجو الخانق انبثق نور من السماء، أضاءت له أرجاء الجزيرة وشع على البسيطة كلها، وتزلزلت له أركان القصور في الشام وفارس وبيزنطة، وهوت به الاصنام العربية بما لها من طقوس، وما وراءها من أوهام، وسرعان ما تبدلت الارض غير الارض والعرب غير العرب.
ذلك أن محمدا (ص) بعث للناس كافة، وانزل عليه قرآن كريم، فيه تذكير بالفطرة وتوجيه للعمل الصالح، وبث لروح الايمان في وعي ويقظة.
لقد هدى هذا القرآن للتي هي أقوم واصلح الله به القلوب والعقول، وجمع به بين شتات القبائل، ومختلف الآراء، والانظار، ووحد غايات الناس في الحياة: "وان هذه أمتكم واحدة وانا ربكم فاعبدون".
وكانت النتيجة ان قامت في البلاد العربية دولة اسلامية فذة، لم يسبق لها مثيل في التاريخ، مدت سلطانها الى سائر هذه البقعة الافريقية الأسيوية والى جوانب من أوربا، ولم يكن سلطانها قائما على السيف وحده، ولا رسالتها معتمدة على غير ما فيها من دواعي القبول أو قابلية استجابة ذوي الفطرة السليمة لها، عاش العلم في رحابها معززا مكرما، والحرية في البحث وفي التعبير عن الافكار العلمية مضمونة محمية فأصبح الناس في هذه الارض اخوانا يتلقبون في أرض الاسلام كيف شاؤوا، لا تحصرهم حدود، ولا تضيق  بهم جنسية، قانونهم واحد هو شريعة الاسلام متعددة المذاهب متنوعة النزعات، وفلسفتهم هي الفكر الاسلامي المتفتح القابل لان ينظر ويدرس كل ما تضل اليه المعرفة أو يهتدي اليه المفكرون من المشرق والمغرب، وسلوكهم هو ما يقتضيه الخلق الفرداني من اخاه ومحبة وتعاون على البر والتقوى.
ونظرة واحدة على هذه الحقب السعيدة من تاريخ المسلمين تعطي نتيجة حتمية هي أن هذه النهضة الثقافية الحضارية الفذة واكبت واعتمدت على عقيدة الاسلام ومبادئ القرآن، ومن الصعب اعتبار أن هذه المواكبة صدفة، وان نجاح النهضة لم يكن بسبب ما أورثه الاسلام من عقيده ومن دفع الى العمل ومن تفهيم للانسان معنى كونه خليفة الله في أرضه.
على أن أحدا من المسلمين أو غيرهم لم يزعم أن ما حدث من تقدم في هذه المنطقة بعد مجيء الاسلام كان صدفة أو لم يكن من أثر الدين الجديد وما زرعه في قلوب معتنقيه من روح العمل والبناء.
فالمسلمون اذن نهضوا وبنوا مجدهم باسم الاسلام وبفضل ما علمهم القرآن.
ولكن حالة هذه المنطقة لم تدم على ما أراده لها الدين، وسرعان ما توقف سير المسلمين، واضطرت أحوالهم واشتغلوا ببعضهم، ولم تمض حقبة بسيرة حتى كان غيرهم قد احتل المكان الذي لهم، وذلك بفضل تخليه عن بعض التقاليد التي عاقته زمنا.
وبفضل اكتشاف البخار الذي خرج بالاقتصاد الأوربي من الطور العالي العائلي الى الطور الآلي.
وقد تطور الامر الى أن أصبح الاقتصاديون الجدد يبحثون عن الاسواق المستهلكة والمواد الاولية، واستطاعوا بما وضعوه من خطط وما أعدوه من قوة، أن يهاجموا المنطقة الاسلامية ويحتلوها ويحاولون تسخيرها لخدمتهم، والابقاء على حالة التخلف التي وقعت فيها حتى لا تنهض من كبونها ولا أن تتحرر من أغلالها.
وزاد من قوة الغرب ان انضمت اليه قارة جديدة هاجر اليها من ابنائه من بنى فيها أكبر دولة حديثة وهي أمريكا.
وبما أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي عم هذه المنطقة التي واكبت دخول الاسلام لها بالامس لنهوضها وازدهارها، فقد حاول الغرب أن يفهم المسلمين أن هذا التخلف نتيجة لايمان المسلمين بالاسلام وتمسكهم به، وانه لا سبيل الى انهاضهم من جديد الا اذا تخلوا عن دينهم، واعتنقوا تعاليم الغرب كما هي، واثر ذلك عمليا في نفوس بعض قادة المسلمين الذين لم يعرفوا الاسلام ولا تاريخ المسلمين، مع أن التخلف في العالم الاسلامي حينما يبحث بدقة يظهر انه لم يواكب عهد التمسك بالدين واقتفاء تعاليم القرآن وانما واكب مرحلة وقف فيها النمو الديني في نفوس أجيال من المسلمين، كما واكب تحول نظام الحكم الاسلامي المبني على الشورى والعدل والاحسان الى أنظمة أنشأتها سيطرة بعض الاذكياء على الشعوب وتسخيرها لمصلحتهم، وجاء التقدم التجاري في الغرب وما أعقبه من حملات استعمارية، فلم يعط المسلمين فرصة التدبر في أمرهم وتطوير أحوالهم بكيفية طبيعية مترتبة على مدى وعيهم وإدراكهم اللذين كانا في بداية البزوغ ولقد جرب المسلمون للخروج مما هم فيه اليوم، نظريات وأفكارا مستمدة من الغرب شرقية وغريبة فلم يفدهم ذلك شيئا كبيرا، الامر الذي جعل ثلة صالحة من علمائهم وذوي الرأي فيهم يقتنعون بأن التخلف الاقتصادي والاجتماعي في بلاد المسلمين انما هو نتيجة التخلف الثقافي والديني، وان ترك المسلمين الاخذ بتعاليم الاسلام التي تحث على الدرس والمعرفة وجعل الحكمة ضالة المومن يلتقطها انى وجدها هو الذي أورث المسلمين هذه الحالة التي هم عليها، فهم قد جعلوا القرآن عضين، حافظوا على بعض جوانبه الظاهرية واهملوا جوانبه المهمة التي لابد منها البقاء في خط التقدم الذي أراده الاسلام لمعتنقيه.
وهؤلاء المفكرون يجدون في آيتين من كتاب الله ما يعطيهم الحجة لما يقولون: قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون). وقال: ( ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).
واذن فمهما تكن الاسباب التي يستخرجها الباحث الاجتماعي من نقط الضعف الموجودة في العالم الاسلامي فانها ترد الى أصل أصيل هو اهمال المسلمين لتعاليم الاسلام الذي يأمرهم بالاخذ بوسائل العلم والعدل والقوة.
ان الفراغ الذي حدث في تطبيق الاسلام شريعة وخلقا على ما استجد من الاحداث التي تتعدد كل يوم، كون فجوة بين المسلمين وبين ما وصل اليه أجدادهم حينما كانوا لا يتركون مجالا للفراغ، ويعملون دائما بمقتضى تعاليم دينهم، وهذه الفجوة الفكرية الدينية، لم يقع ان امتلأت به أفكار الغرب أثناء انبعاثه لان الصدفة لم تجعل المسلمين يكتشفون البخار، ولا يمكن ان تمتلئ بنفس تلك الافكار أو بما تطورت اليه بمقتضى تطور الاقتصاد والتقنية واكتشاف الكهرباء أو الذرة، لان المسألة ليست مسألة تبني الافكار يقدر ما هي مسايرة تطور العلم والتقنية، وانغمار في معمعتها.
ولكن التفوق في هذه الميادين متوقف على باعث فكري ومذهبي، لا شك في ذلك، وذلك ما يستوجب من المسلمين تجديد الرباط المتين بينهم وبين تلك التعاليم التي سقطوا منذ تخلوا عنها حتى يتمكنوا من العبور على تلك الفجوة الى ما قبل الوقوف، ثم العبور منه بما له من محرك قوي الى عهد الذرة، دون حاجة الى المرور بمراحل البخار والكهرباء.
فالمسألة اذن هي العودة الى الاخذ بتعاليم القرآن والاهتداء بهديه، لانه وحده الذي يعرفنا ما اذا يجب أن نأخذ وما اذا يجب ان نذر.
 والمسألة المترتبة على ذلك هي:
ماهي الوسائل العلمية التي تمكن المسلمين من اقامة بعث اسلامي يجعلهم يستأنفون في جو قرآني السير في خط التقدم الحقيقي ليواكبوا ركب الحضارة ويخلصوا الى الطليعة حيث أراد الله منهم أن يكونوا.
ذلك هو الموضوع الذي يخرج من تحقيق المناط الذي حاولت أن أقوم به، وذلك ما أدع لحضرات الأساتذة الاجلة أن يعالجوه عسى أن نخرج من الحوار حوله بفكرة أن نحن أخذنا بها وعملنا لها دخلنا صراط الله الواضح البين.
                                                                             وشكرا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here