islamaumaroc

القرآن الكريم وترهات بعض المستشرقين -1-

  دعوة الحق

105 العدد

لا مراء في أن بعض المستشرقين قد اسهموا في خدمة اللغة العربية وتاريخها وأدبها، بما انتجوه من أبحاث، ونشروه من كتب عربية، وآثار علمية، ظلت مكتوبة الانفاس، محجوبة عن نور الوجود أجيالا عديدة، وهم في ذلك تحدوهم أغراض علمية بحتة، تستهدف الكشف عن تراث الاولين، وترمي الى تحقيق بعض معالم التاريخ أو الادب أو الفن، التي طالما ثار حولها النقاش، أو كانت في أمس الحاجة الى من يلقي عليها بصيصها من نور يهديء من روع المتناقثين حولها، ويزيل عنها ظلمة الجهل، فيتضح صبحها لذى عينين.
ولا جدال كذلك في أن بعض أولئك المستشرقين دخلوا ميدان الاستعراب وهم مدفوعون بأغراض معينة ومفعمون بأفكار وآراء ونظريات خاصة يحاولون ابرازها والتدليل عليها، ويقذفون بها وجه الحقائق التاريخية والادبية والدينية التي ظلت ثابتة الدعائم أزمانا متباعدة، وهدفهم من وراء ذلك السعي غير المشكور، التشكيك، ومحاولة الاتيان بجديد كيفما كان، وطمس الحقيقة باسم البحث العلمي المزعوم، ثم غمط أقوام حقوقهم واعتباراتهم، وظلم أمم ظلت تعتنق هذه الحقيقة أو تلك، وتعدها من أقدس مقوماتها الحضارية.
عن هذا الصنف الاخير، سأتحدث في هذه العجالة، مدركا الى قد أثير حفيظة بعضهم، ولكني في الوقت نفسه حريص على ارضاء الحقيقة والواقع، وأن الحق يعلو دائما ولا يعلى عليه، وبمناسبة الاحتفال بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، اخترت مزاعمهم وترهاتهم وأباطيلهم التي قذفوا بها القرآن الكريم، لاردها وأدحضها والله المعين.
قد تعتري المرء الدهشة اذا علم:
 1 - ان هؤلاء المتجنين على القرءان الكريم الذي لا يزالون يعيشون بين ظهراني القرن العشرين، انما يستقون أفكارهم الهدامة من مصدرين رئيسيين:
أ- كتابات بعض الحانقين على الاسلام والعروبة في القرون الماضية حيث كان الجهل والتعصب الاعمى يغشي أبصارهم، فلا يكفوا عن غلوائهم، حتى جاء الكاتب الانكليزي توماس كارليل (1795- 1881) T. Carlyle   الذي اختار النبي العربي من بين الأنبياء جميعا ليتحدث عنه في كتابه: "الابطال وعبادة البطولة"، وبصوره بطلا في صورة رسول، فألقمهم حجرا بما كتب، وعاب أقوالهم، وشنع عليهم.
ب- ما ركب في نفوسهم من نقمة وكراهية لكل ما هو عربي أو اسلامي.
2- ان كتابات هؤلاء المتجنين تعتبر – في زعمهم – وفق طرق البحث العلمي الحديث.
3- ان اصحاب تلك الكتابات ذوو مكانة عملية بارزة في أوساطهم، ولذا نجد كتاباتهم تعد مرجعا لطلبة الجامعات الغربية.
4- ان أبناء العروبة والاسلام، القادرين على نقد كتب هؤلاء، ونقض آرائهم، ومحو كل ما عسى ان يلحق بكتاب الله ومقومات المسلمين من أذى مادي أو معنوي...نجدهم صامتين ساكنين سكونا أشبه بما عليه سكان القبور.
ولا أستطيع هنا أن أعالج كل الموضوعات التي أثاروا حولها النقاش المفتعل فتعالى عجاجه في اجواز الفضاء حتى حال بينهم وبين ادراك الحقائق ناصعة البياض كالحليب، صافية الاديم كالثلج، كما لا أقدر أن أرد كل المغامر التي حاول مؤلفون غربيون أن يغمزوا بها الاسلام والقرآن الكريم وصاحب الرسالة المقدسة الخالدة محمد عليه السلام، فذلك موضوع طويل جدا، ولكني اكتفي بالاشارة الى بعض منهم، والى ما كتبوه حول القرآن المجيد.

وجهتا نظر مختلفتان:
ينص هؤلاء المستعربون الغربيون على الخلاف الموجود حول القرآن بين المسلمين وباحتي الغرب. يقول أحدهم ( 1): "الاصالة الجوهرية للقرآن مقبولة لدى الشرق والغرب بدون خلاف، لكن الخلاف الاساسي انما يوجد في الدراسات القرآنية، حيث ان علماء الاسلام يرون رأيا، ويرى الباحثون غير المسلمين خلاقه:
"فالمسلمون يرون أن محمدا (ص) هو مجرد مبلغ وناقل للكلمة المقدسة...وفي الواقع ان الله قبل أن يخلق العالم من العدم، خلق اللوح والقلم، فكتب هذا على اللوح- يأمر من الله- كل ما سيقع وما يمكن أن يعرف، وعند ما كان الله يرسل أنبياءه الى شعوب العالم المختلفة، كان جبريل يوحي الى الرسل من محتويات اللوح ذلك الذي عليهم أن يبلغوه للناس، فمحمد اذن، لم يفعل أكثر من أن كرر بدقة وضبط عبارات اللوح حسبما أبلغه جبريل إياها، وبالطبع، وحسب هذه الوجهة، فان مسألة مصادر القرآن لا يمكن بأي شكل من الاشكال أن تطرح على بساط المناقشة في الدوائر الاسلامية.
" ولكن العلماء غير المسلمين- منطلقين من أساس أن محمدا هو مؤلف القرآن، وواجدين في نصه عبارات عديدة مطابقة أو موازية لوثائق أخرى أقدم منه – اندفعوا للبحث عن المصادر التي استقى منها محمد مبادئه التي بشر بها."
ويزيد المؤلف وجهة النظر الغربية توضيحا فيستبعد المصادر المكتوبة حيث أن محمدا لم يكن يستطيع الاستفادة منها مباشرة، ويقول: "ويترك مسألة الامية – أمية النبي التي نار حولها الجدل- جانبا، فالكل متفق على أن محمدا كان يجهل اللغات التي حررت بها الكتب المقدسة لدى الاديان الاخرى. اذن، لابد من اللجوء الى الفرض Hipotesis ( كذا تهاجم الحقيقة الثابتة بالافتراض والتخمين !) القائل بالنقل الشفوي الـ Arabotona  الذي قام به المسيحيون واليهود، واتبعه محمد في شرح أصل كثير من الافكار والآراء الدينية التي ظهرت بعد في القرآن.
" ان المواسم التي كانت تقام في مكة وما حولها، لم يكن يعوزها ممثلو الطوائف المشهورة وغير المشهورة فقد كانوا يقصدونها ويقومون فيها بالدعاية، أولئك الممثلون في هروبهم من الضغط الاستبدادي كانوا يبحثون لهم من ملجأ في الاراضي المصاقبة للامبراطورية البيزنطية، وهكذا اتصل بهم محمد، واستطاع الحصول منهم على بعض الاخبار المتعلقة بالعقائد التي كانوا يعتنقونها: كما اقترحوا عليه كثيرا من الآراء المسيحية المتسمة بالهرطقة، ومن تذكارات الهكاداهHaggadah  اليهودية، ومن الكتب الدينية المشكوك في صحتها.
" ولربما كان محمد قد حصل على بعض هذه الآراء من أسفاره التجارية التي قام بها عبر صحاري شبه الجزيرة العربية، لكن الاشغال المتعلقة بذلك، والوقت القصير نسبيا، مع اختلاف اللغة، كل ذلك قد صعب مهمة البحث الطويل، الا أنه فيما بعد، في المدينة وجد محمد الفرصة لتعمق هذه المذاهب اليهودية المسيحية، وللعمل على نشرها، وزيادة على بعض التأثيرات الصغيرة، نجد لبعض المصادر الاهلية من تقاليد شبه الجزيرة، وعاداتها أثرا بارزا في القرآن كالاعتقاد في الجن، ومثل أساطير الشعوب العربية العابرة، ومثل مناسك الحج وتقديس الكعبة.
" وبادئ بدء كان محمد يعتقد أن وحيه كان ياتيه من نفس المصدر الذي أتى منه الوحي اليهودي والمسيحي: من نسخة سماوية محفوظة ومحروسة
جيدا، من هذه النسخة كان رسول فائق لطبيعة البشر (وصفه محمد فيما بعد بالملاك جبريل) يسمعه عبارات في لغة عربية واضحة".
ويقول مستشرق ( 2) آخر انكليزي: "...وهكذا قد القينا هنا نظرة اجمالية على النظرية القائلة بأن القرآن نسخة أو نقل من اللوح المحفوظ في السماء: فكرة ترجع الى ما وراء آلاف السنين الى السومريين الاوائل لتظهر مرة أخرى في العقيدتين اليهودية والاسلامية".
هذا قليل من كثير مما قاله بعض هؤلاء الغربيين، وحقا أن وجهتي النظر لمختلفات أشد الاختلاف، ولعل كبلنك كان محقا حينما قال: " الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا...الغرب المشحون بطاقات الكراهية والتعصب ضد هذه الديانة السمحة، وضد أصحاب المثل العليا،  وضد البلاد المقدسة مهبط الوحي، ذلك الغرب...الا يمكن أن يرعوى عن غيه، ويرجع الى الصواب فيعتنق فكريا - ان لم يكن فلبيا – المبادئ السامية التي آمن بها ملايين الخلق، ومئات الملايين وآلافها منذ أشرق نور الاسلام على شبه الجزيرة العربية، الى أن نشر لواءه الخفاق في مشارق الارض ومغاربها الى اليوم ؟ ؟
ان هؤلاء المتهجمين على الاسلام، وعلى أصح وأقدس وأخلد كتاب سماوي- وهو القرآن الحكيم- لا يخلوا أمرهم، فهم:
أ‌- أما غير (جمع غيور) من السمو والمجد اللذين رفل فيهما الاسلام عبر الاجيال والقرون.
ب‌-  وأما موتورون لان الاسلام بمبادئه السامية السمحة استطاع في مدة وجيزة ان يستميل نحوه العالم القديم المعروف، آنئذ كله تقريبا، واعتنقته أمم كثيرة فزودها بحضارة مادية وروحية، كانت في أشد الحاجة اليها.
ج- وأما مغرضون، فهم:
1- من رجال الكهنوت الذين قد يفرض عليهم مركزهم أن ينتقصوا من مبادئ الاسلام ومثله العليا.
2- أو من رجال السياسة يكتبون ليرضوا السياسة الاستعمارية الغربية التي استهدفت في القرون الاخيرة دراسة النظم الاسلامية وقوانين الاسلام لمحاولة الحط من قدرها، والتشكيك من قيمتها، لتضليل اتباعها، حتى تسهل عليها غلبتهم، فتخضع بلادهم، وتبتز خيراتهم، وتجردهم من قيمهم ومقومات الروحية.
والغريب أنهم يتظاهرون بالدقة بحتهم العلمي، بينما نجدهم كثيرا ما تنزلق أقدامهم فيخرجون عن سواء السبيل، ويقعون في مهاوي الجهل والتجاهل والتجني، فأي طريقة علمية هذه التي سلكها المحفوظ مرة، ومن الفردوس مرة، بينما جعله مستشرق ( 3) آخر يهودي الملة ينزل من السماء السابعة، انزله جبريل يأمر الله الى سماء الدنيا سماء القمر، ومن ثم أنزل منجما على محمد ؟ ؟"
لا يغرنك هذا الكلام من ذاك الاخير، فانه يعبر به- كسابقه- عن وجهة النظر الاسلامية، أما وجهته هو فالعن ما يمكن أن يقرأ، ومن الخير للمسلم أن يضرب صفحا عن هذا الحاقد وكتابه الذي كتبه عن محمد والقرءان، وتجنى فيه عليهما تجنبا لا مزيد عليه، انما غرضي أن أدل على فشل الطريقة العلمية التي يتبجحون بها، بينما نراهم في عمايتهم يتخبطون كمن أصابهم مس من الشيطان.
يقول هذا الاخير عن القرآن الكريم: "ان سيرته Blografia غامضة ومتناقضة مثل سيرة محمد، نفس المشكل بالنسبة للباحث، نفس الغموض الذي يحيط بطفولة وشباب محمد – الذي يبدو تحت ضوء التاريخ الساطع فقط عندما يكون رجلا في سن الأربعين- يلف كذلك طفولة ونمو القرآن الذي لا يقدم لنا الا وهو رجل، أعني (والضمير هنا يعود لصاحب الكتاب، وان كنت أعتقد أن ضميره ذهب ولن يعود)- أعني كتابا يدعى مصحف عثمان، أي بعد ستين عاما من مؤلفه (كذا: "مؤلفه وستين عاما" دفعة واحدة، كذب وافتراء مزدوج !!)  
ويسترسل هذا المؤلف المتجنى على الاسلام وقطبى رحاه، الرسول الكريم والقرآن العزيز، فيقول: "ان شخص Figura  محمد هو في جزء كبير منه، نتيجة اعداد مترجمي حياته الاولين..وكذلك القرآن هو في معظمه عمل لفيف من النساخين والتراجمة والجامعين."
كبرت كلمة تخرج من أفواههم ! ان يقولون الا كذبا ! ان ترجمة حياة الرسول الاعظم سيدنا محمد (ص) معروفة ومدروسة منذ أطل بمحياه الكريم على هذا الوجود، فمولده (ص) معروف بدقة ويحتفل به العالم الاسلامي كل عام، وهجرته من مكة الى المدينة محدودة كذلك، وبها بدا المسلمون – في خلافة عمر ابن الخطاب (4) رضي الله عنه – تقويمهم بعد أن لم يكن لهم تقويم، فإذا قارنا هذين الحادثين: مولد الرسول وهجرته، بحادتي ميلاد المسيح وتقويم المسيحيين، نجد أن هؤلاء مخطئون في كل الامرين، ذلك أنهم لم يضعوا تقويمهم الا بعد مرور خمسمائة عام على ميلاد المسيح، وكان من المفروض أن يكون ميلاد المسيح في سنة الصفر (0)، الا أنه في الواقع كان قبل تلك السنة بأربعة أعوام، أي أن الميلاد الحقيقي للمسيح، حدث قبل الميلاد المتعارف لديهم بأربع سنوات ! خطأ اكتشفه المسيحيون فيما بعد، ولكنهم لم يستطيعوا اصلاحه...ففي أي جانب كان الغموض والالتباس اذن ؟
لقد ألفت في ترجمة حياة الرسول الاعظم كتب عديدة، وعرفه معاصروه معرفة معايشة ومعاشرة، واعترف له الجميع – والعدو قبل الصديق- بالخصال الحميدة، وبالصدق والأمانة حتى لقبوه بالامين، وعرف كذلك بالنزاهة والتحنث وطيب الخلق، وقد أثنى عليه خالقه جل وعلا قائلا: "وانك لعلى خلق عظيم".
وأي نبي اعتنى اتباعه بالشاذة والفاذة من حياته خصوصا بعد البعثة، كما فعل المسلمون بحياة نبيهم ؟ فهذه كتب السيرة (التي يقدح هذا المتعنت في نزاهة رجالها، ويصفهم بالاختلاق وأهما أنهم مثله في هذه الخصلة الكريهة) – أقول: كتب السيرة تعج بالحديث عن حياة محمد قبل الرسالة وبعدها، وهذه كتب الشمائل تتطفح بالكلام عن حياته (ص) فلا تغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصتها.
من المعلوم أن النبي (ص) توفى بالمدينة وبعد الهجرة في 13 ربيع الاول سنة 11 هـ (8 يونيه 632م) وان الخليفة الراشد عثمان بن عفان تولى الخلافة في آخر يوم من عام 23 هـ(7 نوفمبر 644م)، وقتل يوم 18 ذي الحجة سنة 35 هـ (20 مايو 656م)، فاذا عرفنا أنه تولى جمع القرآن في المصحف، بعد نصيحة القائد حذيفة بن اليمان الذي شاهد حرب أرمينية وأذربيجان التي حدثت في عهد الوالي على الكوفة الوليد ابن عقبة...واذا عرفنا أن سعيد بن العاص الذي خلف الوليد في تلك الولاية كان عضوا في اللجنة التي اختارها عثمان لجمع القرآن...ادركنا أن جمع المصحف تم في أواسط عهد عثمان الذي أثنى عشرة سنة أي أنه تم في السنة 30 للهجـرة (651 م)، فبين موت النبي (ص) وبين جمع المصحف اذن 19 سنة لا ستون سنة كما زعم هذا الحاقد الذي يقول في موضع آخر من كتابه مؤكدا هذا الخطأ: "عند موت محمد ترك ما صار بعد القرآن في شكل ركام مضطرب من المسودات والمكتوبات على الجلد أو اكتاف الخروف، وحتى في قطع اللوسة Loza  بدون مراجعة ولا ترتيب".
أولا- أسارع بتصحيح كلمة  Loza  هذه التي تعني القش أو الصيني الذي تصنع منه الان أطباق الاكل وفناجين القهوة وما أشبه ذلك، وبالطبع ان هذا ليس مقصودا البته، اذ لم يرد علينا عن العرب شيء من هذا القبيل، وانما المعروف المتواتر أن القرآن الكريم كان أثناء نزوله منجما يسجل أولا بأول في العسب (جمع عسيب وهو جريدة النخل) وفي قطع الاديم (الجلد) وفي الرقاع (من جلد أو ورق أو نحوهما) وفي عظام الاضلاع، وعظام أكتاف الحيوان العريضة، وفي اللخاف (جمع لخفة وهي الصفيحة أو الحجارة الرقيقة الملساء)، وهذه الاخيرة هي التي يقصدها هذا المؤلف وخانه قلمه أو علمه، ولم تسعفه دقة الباحث الحصيف، فبدل أن يكتب كلمة Losa   كتب Loza   وهذا ضلال مبين، "انك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء".
وثانيا- أتساءل: لم خص هذا المؤلف اكتاف الخروف بالذات مع أن كلمة Cordero  في الاسبانية (5) تعني ابن النعجة قبل أن يتجاوز العام ؟ ان للمؤلف فيما يظهر ميلا خاصا نحو الخرفان، أو أن له مثل شجاعتها، فهو ينطح يمينا وشمالا وأمام وخلف، مما أوهى قرنيه، وأضعف مخه وذاكرته، لذ نراه يقول في القرآن الكريم: "انه ليس كتابا، ولكنه عناصر لتشكيل كتاب، وفي عملية التشكيل تلك تمر ستون سنة." (كذا والله !؟)
ومما يؤكد ضلال الطريقة العلمية المزعومة التي طالما تبجح بها مثل هذا الكتاب، تلك الجملة التي تأتي بعد قليل من الاسطر، فهو يقول: "ذلك المصحف المجموع في تاريخ متأخر بعشرين سنة عن موت النبي !"
أليس هذا تناقضا عجيبا، ؟ لقد صدق المثل العربي القائل: "رمتني بدائها وانسلت"، صاحبنا مثال التناقض، ومع ذلك يرمي به سيد الوجود، لو كانت المسألة مسألة أرقام لقلنا أن لمصففي الطباعة أغلاطهم، ولكنها مسألة حروف: Sesenta ancs  كتبت مرتين في ص 173 وص 174، أية دقة هذه في البحث يتبجحون بها ؟ ؟ ومع ذلك لا يستحيي هذا المؤلف حين يقول: "...لكن يصف القرآن نفسه بأنه كتاب لا ريب فيه، وأنه لا يقبل تناقضا ولا تغييرا ولا تأويلا، ومع ذلك كما سنرى بعد هو ملئ بالمخالفات والتعبيرات والشكوك، اذن لا يجب ان نمنح ثقتنا تأكيدات القرآن تلك التي تجعلنا نفكر في آنية (6 ) للكتاب موازية لآنية مؤلفه !؟"
تعالى الله وكتابه الحكيم علو كبيرا ! أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن الذين يتقنون العربية ويتعمقون أسرارها، فما بالك بهذا الكاتب الذي لا يقدر بحال أن يفهم القرآن بل أن يتعمق أسراره، ولغته الجميلة المعجزة، وأفكاره المدهشة وبلاغته الفائقة، وبيانه الساحر، ان الحكم على الشيء فرع تصوره كما يقول المناطقة، فكيف يسوغ لجاهل شيء أن يصدر حكما صائبا نزيها على ذلك الشيء ؟
لعله يقصد بالتغييرات والتناقضات قضية الناسخ والمنسوخ التي تحدث عنها علماء القرآن وجعلوا النسخ ثلاثة أنواع:
1- ما نسخ خطه وحكمه معا.
2- ما نسخ خطه وبقى حكمه.
3- ما نسخ حكمه وبقى خطه.
أقسام منطقية ولا شك، ولكن التحقيق على ان القسمين الاولين انما ذكرا تكملة للباب كما يقال، فلا دليلا صحيحا على وجودهما، أما القسم الثالث فهو الثابت، وهو الذي اقتضته حكمة التشريع الالهية التي سايرت النمو الرشدي لدى جماعات بشرية أريد قيادتها وارشادها وتحويلها بالتدريج من ظلمات الجاهلية الجهلاء، الى نور الهداية المتألق الساطع.
أو لعله يقصد ما أعرب عنه زميله الانكليزي حين قال: "لا ريب أنه عند موت محمد كانت كمية طيبة من القرآن قد تم تدوينها، وان التدوين الكلي لم يحصل، حيث أنه في أثناء حياته كانت سور أو فصول جديدة تضاف باستمرار، أن واحد من كتابه الذين استخدمهم كان يتباهى بأنه قد اقنع النبي ليغير نصوص الوحي".
كلام لا يمكن تصديقه، لقد كان النبي (ص) حريصا كل الحرص على نصوص الوحي خشية من الضياع او التبديل أو التغيير، كما كان المسلمون الاوائل وكتاب الوحي مثله في ذلك الحرص، فكيف يمكنهم أو أحدهم أن يتصرف فيما يلقى اليه النبي (ص) وهو يعرف يقينا أنه "تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ( 7)" وهو يردد كذلك قوله تعالى: "وانه لكتاب عزيز لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ( 8)".
من الثابت قطعيا وبالتواتر أن النبي (ص) كان يتلقى الوحي فيحفظه، ويأمر كتاب الوحي بكتابته، ويلقنه المسلمين، وكان المكتوب بوضع في بيت الرسول (ص) بعد أن ينسخ الكتاب لانفسهم صورة منه، وكان الرسول يعارض بما أنزل عليه ما حفظه عند حفظة المسلمين، كما كان يعارضه جبريل بالقرآن مرة أو مرتين في شهر رمضان من كل عام، روى البخاري عن فاطمة رضي الله عنها أنها قالت: "أسر النبي صلى الله عليه وسلم الى أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه الا حضر أجلي".
هذا وقد شهد العرضة الاخيرة على جبريل نائب الوحي زيد بن ثابت، ولذلك اختاره الخليفة أبو
بكر لجمع القرآن، كما اختاره الخليفة عثمان لنفس الغاية، وهذا دليل على منتهى الحيطة والصيانة، ووسيلة من وسائل التأكد من حفظ القرآن.
ان التغيير والتناقض الحقيقي هو الذي نجده في كتاب هذا المتجنى على محمد والقرآن، فهو مرة يقول: ان محمدا هو مؤلف القرآن، بينما في مكان لآخر من كتابه الطافح بالمتناقضات يقول: أن هذا (يعني النبي "ص") الذي لم يكن يعرف الكتابة وكان يتظاهر بأنه لا يعرفها، كان يحفظ القرآن ثم يمليه على كتابه" وفي ص 178 ينقل عن الراهب Vicente de Santa Maria رأيه الذي يؤكد "ان الراهب Sergio أو بحيرا هو الذي حرر القرآن لاول مرة، ولكن بطريقة فجة لم تعجب العرب الذين خجلوا واستنكفوا فجمعوا له أربعة عشر من فقهائهم ليحروره بكيفية أكثر ذوقا وقوة وصفاء".
ويعقب هذا الكاتب على كلام الراهب فيقول: "وهذا (يعني محمد الذي يسميه دائما Mahoma أو يكنى عنه بهذا) لم يكن له في تأليف القرءان لا فن ولا نصيب No tuvo arte ni parte
أجل، خجل العرب واستنكفوا، بينما هذا الكاتب الاعجمي اللسان، لم يخجل ولم يستنكف، وصدق النبي الكريم حين قال: "اذا لم تستح فاصنع ما شئت".
أما في ص 186 فيقول: "ان وجود القرآن يرجع للعام 23 الهجري (644م)"، وقد غلط في كلامه من ناحيتين:
أولاهما: ان القرآن الكريم أقدم من ذلك التاريخ بكثير، فأوله يرجع الى السنة الحادية والأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم، أي الى ما قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة، وبما أن القرءان نزل منجما فان آخره نزل قبيل وفاة النبي الذي لبى داعي ربه في الثالث عشر من ربيع الاول سنة 11 هـ (8 يونيه 632م).
وثانيهما: ان عثمان (رضي الله عنه) الذي جمع القرآن للمرة الثانية، قد تولى الخلافة في آخر يوم من عام 23 الهجري، فلا يمكن والحالة أن يكون قد جمع القرآن في العام ذاته، بل لقد تم جمعه وتدوينه في المصحف- كما حققناه منذ قليل – في سنة 30 للهجرة (651 م).
ثم يقول هذا الكاتب بكل صفاقة: "والذي تقرؤه اليوم، والذي يدعوه المؤلفون كتاب محمد، لم يكن سوى كتاب عثمان الذي أوضح فيه نياته السياسية وخاصيته المحلية والقبلية كمكي وقرشي، ثم روحه الطبقية، وطموح البرجوازية المكية..."
هكذا يتصرف هذا المختلق في الحقائق العليا للتاريخ وللوجود، وهكذا يقلبها رأسا على عقب، لا لشيء الا لارضاء شهوته ( وشهوات ساداته الذين ينقل عنهم) في الحقد والبغضاء والدس والاختلاق، ثم لتحقيق بغيتهم المشتركة في التشكيك والتحطيم والهدم، وفوق هذا وذاك ليرينا مهارته في ايراد المتناقضات والآراء غير المعقولة، مما يدل على أن الرجل أوشك أن يفقد وعيه، وان الله قد غشى على بصره وبصيرته، فلا يكاد يرى حتى أضخم الحقائق وأثبتها وأعزها في الوجود.
ومن أجل عماه ذاك، نراه يدعي أن القرآن فيه تناقض، وما درى المسكين أن التناقض هو الذي حشا به كتابه، الا تبا له من كتاب ! وتعسا له من مناطق !

1) - راهب واستاذ باحدى جامعات ايطاليا، وكان قبل أستاذا للعربية باحدى كليات الهند (بومباي)، له كتاب بالايطالية عن الاسلام في أزيد من ألف   صفحة، وقد ترجم الى بعض اللغات الاوربية.
2) - رئيس  قسم الشرقين: الادنى والاوسط في مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية، واستاذ العربية في جامعة لندن، ألف كتابا عن الاسلام، نشر  
سنة 1954 وأعيد طبعه مرارا في السنوات: 56 – 61 -1962، (210 صفحة).
3) - له كتاب عن محمد والقرآن، طبع في عاصمة الأرجنتين بأمريكا الجنوبية سنة 1954 (من 447 صفحة).  
4) - قيل أن النبي عليه وسلم هو الذي أمر بالتاريخ من حين الهجرة، فكان عمر أول من أرخ بها، (راجع حاشية البيجوري على الشمائل للترمذي    
ص9).
5) Diccionario manual e ilustrado de La Real Accideinia Espanola 2e edic, 1950 -  
 6)  مثلا بمعنى حب الذات لان هذه لا تشفي غليله.Egoismo  يعني عبادة الـ " أنا" عبر بها دون كلمة Egolatria - من كلمة  
7) - سورة غافر، الآية 2. 
8) - سورة فصلت (حم السجدة) : الآيتان: 41 -42. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here